إسلام ويب

العلم النافعللشيخ : أحمد فريد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • رفع الله شأن العلم وعظم قدره، ورفع شأن حملته وأعلى مقامهم، وقرن شهادتهم بشهادته وشهادة ملائكته على وحدانيته جل جلاله وعز ثناؤه؛ ذلك أن العلماء هم الذين يبينون للناس أحكام شريعة الله عز وجل، وهم الداعون إليه سبحانه وتعالى، وهم وراث هدي النبوة، فبذلك استحقوا تلك المكانة العالية.

    1.   

    أقسام الناس عند علي بن أبي طالب

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وسلم تسليماً.

    أما بعد:

    فيقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه: الناس ثلاثة: عالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق.

    وهذا التفصيل في غاية الحسن، فقد قسم الناس إلى ثلاثة أقسام:

    القسم الأول: عالم رباني، وهو: الذي وصل إلى الذروة في العلم والعمل والتعليم، قال تعالى: لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ [المائدة:63]. وقال: وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ [آل عمران:79]. فالربانيون هم خواص العلماء، وهم الذين تعلموا وعملوا وعلَّموا.

    وقيل رباني: نسبة إلى الرب عز وجل، كما تقول لحياني وجبهاني.

    وقيل: نسبة إلى التربية؛ لأنهم يربون الناس بصغار العلم قبل كباره. فعالم رباني يعني: وصل إلى ذروة العلم والعمل والتعليم.

    القسم الثاني: متعلم على سبيل نجاة، وحتى يكون المتعلم على سبيل نجاة ينبغي له ثلاثة أمور:

    الأمر الأول: أن يتعلم العلم النافع، والعلم النافع هو علم الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة رضي الله عنهم، فلا يتعلم علم الكلام والفلسفة وغير ذلك من العلوم غير النافعة التي تضله عن طريق الله عز وجل، وتبعده عن رحمته عز وجل، فينبغي للعبد إذا أراد أن يكون متعلماً على سبيل نجاة أن يتأكد أنه يتعلم العلم النافع:

    العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه

    ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين قول فقيه

    كل العلوم سوى القرآن مشغلة إلا الحديث وإلا الفقه في الدين

    العلم ما كان فيه قال حدثنا وما سوى ذاك وسواس الشياطين

    فينبغي للعبد أن يتعلم العلم النافع علم الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة رضي الله عنهم.

    الأمر الثاني حتى يكون على سبيل نجاة وليس على سبيل هلكة: أن يعمل بما يتعلمه.

    وقد خرج بعض السلف على طلاب العلم، فقالوا له: حدثنا. فقال: هل تؤدون زكاة هذا الحديث؟ فقالوا: وما زكاته؟ فقال لهم: ما وجدتم فيه شيئاً من العمل والاستغفار فتعملون به.

    وفي رواية أخرى مسندة أنه قال لهم: هل تؤدون زكاة هذا العلم؟ قالوا: وما زكاته؟ فقال: تعملون من كل مائتي حديث بخمسة أحاديث.

    أي: أن هذا القدر -ربع العشر- زكاة العلم الذي يتعلمونه، بل لا يتعلم العبد ولا يوفق للعلم النافع حتى يعمل بهذا العلم، كما قال بعض السلف: كنا نستعين على حفظ العلم بالعمل به.

    وقال بعضهم: يهتف العلم بالعمل فإن أجابه حل وإلا ارتحل.

    فالشرط الثاني حتى يكون المتعلم على سبيل نجاة: أن يعمل بعلمه.

    والأمر الثالث: أن يُعَلِّم هذا العلم، وهذا يدخل في العمل بالعلم، وهذا من شكر نعمة الله عز وجل، فعلى العبد إذا تعلم علماً نافعاً أن يسعى في تعليم هذا العلم، وقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم لحامل حديثه ومبلغه فقال: (نضر الله امرأً سمع منا حديثاً فبلغه إلى من لم يسمعه، فرب حامل فقه ليس بفقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه) .

    وقال سفيان بن عيينة : لا تجد أحداً من أهل الحديث إلا وفي وجهه نضره لدعوة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فمن حفظ حديث النبي صلى الله عليه وسلم وبلّغه أصابته دعوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

    القسم الثالث: همج رعاع أتباع كل ناعق.

    ولما كان هؤلاء الهمج لا عقول لهم ولا فهوم فقد شبّه من يدعوهم بالناعق الذي ينعق في البهائم؛ لأنهم لا يستطيعون أن يفرقوا بين الدعوات ولا أن يميّزوا بين البدعة والسنة، ولا بين الهدى والضلال، ولا بين الخير والشر، بل كلما دعاهم داع إلى شيء استجابوا له. فهم أتباع كل ناعق، وحطب كل فتنة، وليس عندهم من البصيرة ومن العلم النافع ما يهديهم إلى الطريق إلى الله عز وجل، ثم هم كذلك لم يتبعوا عالماً يدلهم على طريق الله عز وجل.

    فقال: وهمج رعاع أتباع كل ناعق، يميلون مع كل ريح. فشبه قلوبهم الضعيفة الخالية من العلم النافع بالغصن الرطيب الأخضر الذي إذا أتته ريح من أي جهة مال معها، وشبه الشهوات والشبهات بالرياح التي تعصف بهذه القلوب الضعيفة، فقال: يميلون مع كل ريح.

    ثم بيّن سبب هذا الوصف، فقال: لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجئوا إلى ركن وثيق. فليس عندهم علم نافع يميزون به ويهتدون به إلى طريق الله عز وجل، وهم كذلك لم يهتدوا ولم يسيروا خلف عالم بصير بالكتاب والسنة يهديهم إلى سواء السبيل، والإنسان إما أن يكون مبصراً بنفسه، يبصر الطريق ويعلم ما فيها من عقبات وتعرجات، وإما أن يمسك بيد بصير، فإذا كان ليس بصيراً ولم يمسك بيد بصير فيا عزة السلامة.

    فيقول رضي الله عنه: وهمج رعاع أتباع كل ناعق، يميلون مع كل ريح، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجئوا إلى ركن وثيق.

    1.   

    المفاضلة بين العلم والمال في كلام علي بن أبي طالب

    ثم شرع رضي الله عنه في بيان شرف العلم وفضله على المال، فقال: يا كميل ! العلم خير من المال، العلم يحرسك وأنت تحرس المال، العلم يزكو على الإنفاق والمال تنقصه النفقة، العلم حاكم والمال محكوم عليه، ومحبة العلم دين يدان بها.

    وذكر ابن القيم في شرح هذا الحديث في كتاب (مفتاح دار السعادة) أربعين وجهاً من أوجه فضل العلم على المال.

    ومن ذلك:

    أن العلم ميراث الأنبياء، والمال ميراث الملوك والأغنياء، والنفس تزكو بتحصيل العلم والحرص عليه، فالحرص على العلم والتعلم عين كمال العبد، والحرص على المال وطلبه هو عين نقصه، وهو يهلك الدين، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه) ، أي: أن الدين يفسد بحرص العبد على المال وعلى الشرف وشدة محبتهما والمبالغة في طلبهما. والحرص على الشرف المقصود به في هذا الحديث: الرفعة في الدنيا والجاه والشهرة وغير ذلك، فدين المرء يفسد بحرصه على المال وعلى الشرف، مثل: فساد الغنم التي غاب عنها راعيها وأرسل فيها ذئبان جائعان، فالنفس تزكو بطلب العلم والحرص عليه، فحرصه على العلم عين كمالها، وحرصه على المال عين نقصها.

    ومن ذلك: أن لذة المال لذة وهمية أو بهيمية، ولذة العلم لذة ملائكية، فلذة المال لذة وهمية، فهو يفرح بتكثير المال وهذه شهوة من الشهوات، كما قال الله عز وجل: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ [آل عمران:14]، فهذه شهوة مثل شهوة النساء والبنين.

    وربما يسعى المرء إلى تكثير المال الذي قد لا ينتفع به ولا ينفقه، ولكنه يفرح بزيادته حتى يصل مقادير لا يمكن أن ينفقها مهما طال عمره، كما قال تعالى: وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ [آل عمران:14]، هذه لذة وهمية، أو لذة بهيمية، فهو يحصل بهذا المال على الشهوات التي يشترك فيها الإنسان مع البهائم. أما لذة العلم فهي لذة ملائكية، يشبه فيها ملائكة الله عز وجل.

    ومن أوجه فضل العلم على المال أيضاً: أن التمتع بالمال ينقطع بمفارقة بالدنيا، يعني: الإنسان يتمتع بماله في الدنيا، أما لذة العلم فمتصلة، حتى إنهم يقولون: إن من نعيم العلماء في الآخرة أنهم تنكشف لهم المسائل التي اختلفوا فيها في الدنيا، فتنكشف لهم حقائق هذه المسائل ووجه الصواب فيها، فتكون فيها متعة زائدة للعلماء زيادة عن متعة غيرهم من أهل الجنة، لا شك أنه العالم عندما يهتدي في الدنيا للصواب في المسألة، أو يوفّق في تحقيق مسألة لا شك أنه يجد فرحة وحلاوة في قلبه.

    ومن أوجه فضل العلم على المال أيضاً: ما ذكره علي بن أبي طالب في هذا الأثر: العلم خير من المال، العلم يحرسك، فالعلم يحرس الإنسان من الوقوع في الشهوات والشبهات، وأما المال فيحتاج إلى حارس.

    والعلم يزكو على الإنفاق، والمال تنقصه النفقة، فإذا أنفق العبد من علمه فإنه يثبت في قلبه، ويفتح الله عز وجل عليه بعلم جديد، كما ورد في تفسير قول الله عز وجل: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا [العنكبوت:69]. وقد قيل: من عمل بما علم أورثه الله عز وجل علماً جديداً، والإنسان عندما يتعلم مسألة من مسائل الشرع فيعمل بها ويعلمها غيره فإن الله عز وجل يكافئه عليها بتعليمه علماً جديداً ومسألة جديدة من مسائل العلم.

    فالعلم يزكو على الإنفاق، فزكاة العلم بالعمل به وبالإنفاق، فالعلم يزكو بالعمل به وبالإنفاق، والمال تنقصه النفقة.

    والعلم حاكم، والمال محكوم عليه، فالعلم يحكم على الملوك فمن دونهم، وأما المال فمحكوم عليه.

    ومحبة العلم دين يدان بها؛ لأن محبة العلم تدعو إلى تعلمه وإلى العمل به، وهذا دين يدان الله عز وجل به.

    ومن فضل العلم على المال: أن الإنسان يمدح بتخليه عن المال وبإنفاقه، ويمدح بتحليه بالعلم، فالإنسان عندما ينفق المال يمدح ويقال: هذا جواد وكريم، ويمدح بتحليه بالعلم.

    والعلم يكسب العالم الطاعة في حياته وجميل الأحدوثة بعد وفاته، يعني: الثناء الحسن والذكر الطيب بعد وفاته، وهذه حياة ثانية، وصنيعة المال تزول بزواله. فالعلم يكسب العالم الطاعة في حياته لحاجة الناس إلى العلم ومحبتهم له.

    دخل رجل إلى البصرة فقال: من سيد هذه القرية؟ فقالوا: الحسن البصري ، فقال: بم سادهم؟ فقالوا: احتاجوا إلى علمه واستغنى عن دنياهم.

    وأما الصنائع التي تجعل لصاحب المال من الاحترام والتحية والإكرام والخدمة وغير ذلك فكل ذلك يزول بزوال هذا المال، كما قال بعضهم:

    وكان بنو عمي يقولون مرحباً فلما رأوني معسراً مات مرحب

    فالصنائع التي تصنع لصاحب المال من أجل ماله تذهب بذهاب هذا المال، وأما العلم فيبقي الثناء الحسن والمحبة في قلوب الخلق حتى بعد وفاة العالم.

    فقد مات خزان الأموال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر، فكم في الدنيا من أصحاب الملايين بل من أصحاب البلايين ممن ليس لهم محبة في قلوب الخلق ولا يشعر بهم أحد، ولا يعرفهم أحد، فهم أموات مع أنهم يتحركون ويذهبون ويجيئون وعندهم هذه الأموال الكثيرة، أما العلماء الذين مضوا إلى ربهم عز وجل فهم أحياء في قلوب الخلق، فما يكاد يمر يوم حتى يذكر طلاب العلم شيخ الإسلام ابن تيمية والبخاري ومسلم والترمذي وأئمة الفقه والتفسير وغيرهم من الأئمة الأعلام، فقد ذهبت أجسادهم وبقي حبهم وعلمهم والثناء عليهم، وهذه من عاجل بشراهم، كما قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: الرجل يعمل العمل لا يريد به إلا وجه الله فيحبه الخلق، وفي رواية: فيثني عليه الخلق، فقال: (تلك عاجل بشرى المؤمن) ، فمحبة الناس وثناؤهم من عاجل بشرى المؤمن، فهذا مما يدل على أن هؤلاء العلماء من أرفع الناس منزلة يوم القيامة.

    فقد مات خزان الأموال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر. وأكثر الناس يظنون السعادة في المال فتجد الإنسان ينفق عمره كله في جمع المال، ويظن أنه لو صار عنده الملايين لصار أسعد الناس، ولو وصل إلى ذلك لا يجد إلا الشقاء؛ لأن أصل الشقاء تعلق القلب بغير الله، (تعس عبد الدينار، وتعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة). والنفس لا يمكن أن تسعد بالمال، ولا تسعد إلا بالله عز وجل وبطاعته وبذكره وبشكره، كما قال تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد:28]. فأكثر الناس يلهثون خلف المال، ويظنون أنهم سوف يصلون إلى السعادة المنشودة والدرة المفقودة، فلا يحصلون إلا الشقاء، بل لعله إذا وصل إلى المال أصيب بالمرض فأنفقه على علاجه، وقد روي: أن أحد الممثلين دعا الله عز وجل أن يرزقه مليون جنيه وحتى لو أصيب بمرض، فاستجيبت دعوته وحصل مليون جنيه وأصيب بمرض السرطان، فأنفق المال على هذا المرض ومات، وما حصل لا دنيا ولا آخرة.

    فالحاصل: أن الناس يظنون أن السعادة في المال، والمال كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً، ووجد الله عنده فوفاه حسابه. والإنسان قد يلبس الثياب المرقعة ويأكل أخس الطعام وأقله وليس في جيبه شيء من المال وقلبه يرقص فرحاً، وقد يكون الإنسان يلبس أحسن الثياب ويأكل أحسن المآكل ويركب أفخم السيارات وهو من أشقى الناس، وهو قبر يمشي على الأرض.

    فالحاصل: أن السعي إلى العلم هو عين كمال العبد، وفيه الوصول إلى سعادة الدنيا والآخرة، فمن أراد عز الدنيا والآخرة فعليه أن يسلك طريق العلم وطلبه. فالإمام علي يقول: العلم يزكو بالإنفاق، والمال تنقصه النفقة، العلم حاكم، والمال محكوم عليه، ومحبة العلم دين يدان بها، والعلم يكسب العالم الطاعة في حياته وجميل الأحدوثة بعد وفاته، وصنيعة المال تزول بزواله، مات خزان الأموال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة، فالعلم يحملهم على محبة الكتاب والسنة، وعلى محبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فإذا علم في المسألة حديثاً أو نصاً صحيحاً دار معه، ولا يرفع مقام الأئمة المتبوعين بحيث يعرض حديث النبي صلى الله عليه وسلم على كلامهم، فإن وافق مذهب أخذ به، وإن خالف مذهب لم يأخذ به، فلا يجوز رفع الأئمة الأربعة أو غيرهم من علماء الأمة في منزلة لا يجوز أن يرفع إليها أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد قال الله عز وجل: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر:7]، فالذي تجب طاعته طاعة مطلقة هو النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

    وكان الإمام مالك يقرأ عليه في المسجد النبوي، فكان يجد أحياناً أن المسألة دليلها مرجوح، فكان يضرب بيده على قبر النبي صلى الله عليه وسلم ويقول: كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب هذا القبر، صلى الله عليه وسلم.

    فليس هناك أحد في الأمة ينبغي أن يعظم ويؤخذ كلامه كله ويترك ما خالفه إلا رسول صلى الله عليه وآله وسلم، ولذلك الذين يتربون تربية سلفية صحيحة ليس لهم إمام إلا رسول صلى الله عليه وآله وسلم، فمهما اعترفوا بفضل أئمة وعلماء السنة إلا أنهم قد يخالفونهم في بعض المسائل إذا وضحت لهم الأدلة في غير فتواهم وفي غير مذهبهم، وهم أسعد الناس بالنبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة، يوم يدعى كل أناس بإمامهم.

    فهم لم يتخذوا إماماً بعد النبي صلى الله عليه وسلم، بل كل أحد من الأمة يؤخذ من قوله ويترك، وكل كلام عندهم عارض الكتاب والسنة ضربوا به عرض الحائط.

    فالحاصل: أن أمير المؤمنين في هذا الجزء يذم الذين يقلدون تقليداً أعمى مهما كانوا على الحق، وهم الذين ليس عندهم بصيرة ولا علم في أحنائه، يعني: في نواحي هذا الحق، ولا يعرفون أدلته.

    وهذا الذي لا يعرف الأدلة لا يقف على أرض ثابتة، وينقدح الشك في قلبه لأول عارض من شبهة، كأن تظهر بدعة من البدع أو إنسان عليم يضله، والإنسان قد يضل عن الحق؛ لأنه لم يقف على أرض صلبة، ولم يعرف أدلة الحق الذي هو عليه.

    وهذا ذم للتقليد الأعمى.

    1.   

    المواطن التي يجوز فيها التقليد

    والتقليد يجوز في مواطن، ومن هذه المواطن: الجاهل جهلاً محضاً الذي لا يستطيع أن يقرأ أو يكتب، وإذا تلوت عليه آية أو أخبرته بحديث فلا يفهم ما ترشد إليه الآية، ولا يفهم ما يدل عليه الحديث، فمثل هذا أجاز له العلماء التقليد، وهو أن يأخذ بقول عالم من العلماء الذين يثق في علمهم وفي تقواهم لله عز وجل؛ لأن لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286].

    وأيضاً: المسائل التي ليس فيها نص شرعي أو فيها نص غير واضح في الدلالة، بحيث تختلف أنظار العلماء في فهم هذا النص، مثل: تحديد النسل أو تنظيمه، فهذه المسائل فيها نصوص، ولكن بعض الناس يفهمون أن فيها تحريماً للتنظيم مثلاً، وبعضهم يقول: ليس فيه شيء.

    فالحاصل: أن المسألة إذا لم يكن فيها نص وكانت مسألة اجتهادية محضة غير منصوص عليها فالعلماء يقيسونها على مسألة منصوص عليها للتشابه الذي بينهما، وهنا يجوز أن تقلد عالماً من العلماء المجتهدين.

    أيضاً: إذا ضاق الوقت عن النظر في أقوال العلماء فيجوز تقليد المجتهد.

    هذه المواطن التي يجوز فيها التقليد.

    والإنسان إما أن يكون عنده أدوات الاجتهاد مثل أن يحفظ القرآن ويعرف مواضع الأحاديث في كتب السنة، ولا يشترط أن يحفظ كل كتب السنة ولكن يكون بحيث يستطيع أن يصل إلى مواضع الحديث فيها، وأن يكون عنده علم بالناسخ والمنسوخ، وعلم بالعربية وعلوم القرآن، وغير ذلك من العلوم الشرعية بحيث أنه يحصل أدوات النظر المباشر، ويستطيع أن يجمع النصوص في المسألة وينظر فيها؛ لأنك قد خبراً أو حديثاً أو نصاً في المسألة ويخفى عليك غيرها لعدم إطلاعك على الشريعة، ولكن المجتهد الذي أحاط بالشريعة أو بأكثرها يستطيع أن يجمع النصوص في المسألة ثم يستنبط الحكم.

    وهناك رتبة ثالثة بين المجتهد والمقلد وهي درجة الاتباع، وهي درجة طلاب العلم، وهي: أن يكون الإنسان ليس عنده أدوات الاجتهاد، وهو كذلك ليس جاهلاً جهلاً محضاً بل يستطيع أن ينظر في أقوال العلماء ويعرف أيهما وافق الدليل، فمثل هذا يجب عليه أن ينظر في المسائل المختلف فيها، وأن يعرف أيهم وافق الدليل، فيتبع الحق بدليله، ويتبع العالم المجتهد الذي يعرف أنه دله على طريق الله عز وجل، أو أن الحجة معه في المسألة.

    فيقول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب : أو منقاداً لأهل الحق لا بصيرة له في أحنائه، ينقدح الشك في قلبه لأول عارض من شبهة، ثم قال: لا ذا ولا ذاك، يعني: لا هذا يصلح لحمل العلم ولا ذاك.

    1.   

    لا يحصل العلم باللذة والرائحة

    ثم ذكر النوع الثالث فقال: أو منهوماً للذات سلس الانقياد للشهوات، يعني: الإنسان الذي همه أن يحصل على شهوته، والشهوات هي التي تحركه، وهو شديد الارتباط بالأرض وشهواتها، فهذا لا يستطيع تحصيل العلم النافع، ولا يصلح لوراثة الأنبياء؛ لأن العلم لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلك، وكان الرجل إذا اشتغل بالحديث يحتسبه أهله، يعني: بمجرد ما يسلك طريق الحديث ويتعلم يحتسبونه عند الله عز وجل، ويعلمون أنهم لن يستفيدوا منه شيئاً في أمور الدنيا، فيحتسبونه عند الله عز وجل، فلا ينال العلم براحة الجسم، بل لا بد من البذل ومن مواصلة الليل بالنهار.

    والحاصل: أن المنشغل باللذات لا يصلح لحمل العلم النافع، ولا لوراثة النبوة، ويصح أن يقال له:

    فدع عنك الكتابة لست منها ولو سودت وجهك بالمداد

    النوع الرابع: يقول: أو مغرم بجمع الأموال والادخار، أي: همه أن يجمع المال، فهو يعمل بالليل وبالنهار ليكثر ماله، فمثل هذا أيضاً لا يصلح لجمع العلم النافع وحمله، فالمغرمون بجمع الأموال والادخار ليسوا من دعاة الدين، وأقرب شبهاً بهم الأنعام السائمة.

    ثم يقول: كذلك يموت العلم بموت حامليه، كما في البخاري وغيره: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور الرجال، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء). والله عز وجل على كل شيء قدير، فهو قادر على نزع العلم من صدور الرجال، ولكنه عز وجل لا يقبض العلم بهذه الطريقة، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، ولذلك يقولون: من علامات الساعة: موت علماء السنة، وذهاب العالم ثلمة في الإسلام لا يسدها شيء، (فإن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور الرجال، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، فإذا لم يبق عالم -وفي رواية لم يبق عالماً- اتخذ الناس رءوساً جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا) .

    1.   

    لا يخلو الزمان من قائم لله بحجة

    ثم قال رضي الله عنه: اللهم بك لن تخلو الأرض من قائم لله بحجة لكي لا تبطل حجج الله، أولئك الأقلون عدداً الأعظمون عند الله قدراً، يدفع الله بهم عن حججه وبيناته حتى يودعوها نظراءهم ويزرعوها في قلوب أشباههم، هجم بهم العلم على حقيقة الأمر، فاستلانوا ما استوعر منه المترفون، وأنسوا بما استوحش به الجاهلون، صحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلقة بالمحل الأعلى.

    فبعد أن وصف علماء السوء وصف الدعاة الربانيين الذين هيأهم الله لحمل هذه الدعوة وجعلهم أمناء على دينه وعلى شرعه يقيمون الحجة على عباد الله، فقال: اللهم بك لن تخلو الأرض من قائم لله بحججه.

    وقد تمسك الشيعة بهذا الخبر فقالوا: لابد أن يكون هناك إمام سواء كان ظاهراً مشهوراً أو خائفاً مغموراً، وقالوا: إن من هؤلاء العلماء إمامهم الذي دخل في السرداب، فكيف يكون هذا الإمام المعدوم الذي ليس له وجود حجة، فهم يقولون: إنه من الذين يقيمون الحجة على العباد، مع أنهم يعتقدون بأنه دخل في السرداب منذ أكثر من ألف سنة وهم ينتظرون خروجه، وكلما دعوا يقولون: عجل الله مخرجه أو فرجه.

    فالحاصل: أن هذا الحديث يدل على أنه لا بد أن يكون هناك أناس يقيمون الحجة على عباد الله، ولا يمكن أن يأتي على أمة محمد صلى الله عليه وسلم ما أتى على اليهود والنصارى من تبديل الشرائع، بل من رحمة الله عز وجل بأمة النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم أن الله عز وجل حفظ الكتاب، فقال: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9]. فتكفل سبحانه بحفظ الكتاب، وقال عن الكتب السابقة: بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ [المائدة:44]، فوكل حفظ هذه الكتب إلى الناس فضاعت، أما القرآن فقد تكفل الله عز وجل بحفظه، فقال: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9].

    وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن طائفة من أمته صلى الله عليه وسلم لا تزال ظاهرة على الحق لا يضرها من خالفها حتى يأتي أمر الله وهم كذلك، ففي البخاري وغيره: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك). وأمر الله: الريح التي تأتي من جهة الشمال فتأخذ المؤمنين من تحت آباطهم، فتقبض كل روح مؤمنة، ثم تقوم الساعة على شرار الخلق.

    فهذا الخبر يدلنا على أن هذه الأمة لا بد أن يبقى فيها من يقيم الحجة.

    قال رضي الله عنه: أولئك الأقلون عدداً، يعني: لا يشترط أن يكون عددهم كثيراً، ولا أن يكونوا السواد الأعظم من الناس، بل إنهم -كما قال رضي الله عنه- الأقلون عدداً، الأعظمون عند الله قدراً، بهم يدفع الله عن حججه وبيناته حتى يودعوها نظراءهم، فهؤلاء لا يفارقون الساحة ولا الدنيا حتى يعلموا من يشبههم في الخير، ومن قلبه يصلح للخير، ومن همته تصلح لحمل راية سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

    ثم يقول رضي الله عنه: هجم بهم العلم على حقيقة الأمر، فرأوا الدنيا وزوالها وفناءها وعلموا أنها ظل زائل، وعرض حائل، وأن الآخرة هي الحيوان لو كانوا يعلمون، فسعوا للآخرة وكانت الآخرة هي أكبر همهم.

    فهجم بهم العلم على حقيقة الأمر، واستلانوا ما استوعر منه المترفون، وأنسوا بما استوحش به الجاهلون. فهؤلاء استلانوا هذه الطريق التي استوعرها المترفون؛ لأنه طريق الدعوة، وطريق البذل والتضحية والجهاد لرفع راية الله عز وجل، فالإنسان عندما يسلك طريق الله عز وجل لا يظن بأنه سوف يسلك طريقاً مفروشاً بالورود، وأنه سيجد الأمور مسهلة حتى يصل إلى جنة الله عز وجل، بل قال النبي صلى الله عليه وسلم: (حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات). فمهما وجد الإنسان في الطريق ما تكرهه النفوس ويشق على القلوب فليتأكد أنه في طريق الجنة، ومهما وجد الأمور توافق الهوى والشهوات فليعلم أنه في منزلق خطير، وأن آخر ذلك حفرة النار -والعياذ بالله-.

    فأهل طريق الإيمان استلانوا ما استوعر منه المترفون، وأنسوا بما استوحش به الجاهلين؛ لأن الجاهلين يرون أن المتعة هي الشهوات والمال والجاه والشهرة، وهؤلاء متعتهم في قلوبهم وجنتهم في صدورهم، فمتعتهم في البذل في طريق الله عز وجل وفي قيام الليل وصيام النهار مهما شق ذلك على النفوس، ولا شك أن سيدهم وإمامهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان يقوم حتى تتورم ساقاه، وتتفطر قدماه، فيقال: (أتفعل ذلك وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر! فيقول: أفلا أكون عبداً شكوراً). وكان صلى الله عليه وسلم يربط الحجر على بطنه من الجوع كما في قصة الحفر في الخندق. وكان يعمل مع الصحابة ويحمل التراب.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3007963470

    عدد مرات الحفظ

    720627609