إسلام ويب

الخوف من اللهللشيخ : أحمد فريد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الخوف من الله أحد جناحي العبادة، ولا تستقيم العبادة بدونه، فهو السلاح الذي تسلح به العباد والزهاد في سيرهم إلى الله، فأظمأ نهارهم وأطار النوم من عيونهم فأسهر ليلهم؛ حتى وصلوا إلى ما وصلوا إليه، وسطرت نماذج عبوديتهم وعبادتهم بعبارات الثناء وأقلام المديح.

    1.   

    الأدلة على فضل الخوف من الله تعالى

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له،وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى، وإن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين.

    أمر الله عز وجل بالخوف منه، وجعله شرطاً في الإيمان، فقال عز وجل: وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران:175].

    وأوجب الله عز وجل أن يكون خوف العبد من ربه عز وجل وحده، فقال عز وجل: وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ [البقرة:40].

    ودلت الأدلة من الكتاب والسنة على فضيلة الخوف من الله سبحانه وتعالى، فمن ذلك: قوله عز وجل: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ [الرحمن:46].

    وقوله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ [الملك:12].

    وقال الله عز وجل: هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ [الأعراف:154].

    وقال عز وجل: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ [البينة:8].

    وقال: إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ [المؤمنون:58-61].

    فالقلب -عباد الله!- في سيره إلى الرب عز وجل لا بد أن يطير بجناحي الخوف والرجاء، فمثال القلب مثال الطائر، فالمحبة رأسه، والخوف والرجاء جناحاه، فمتى سلم الرأس والجناحان كان الطائر قوياً على الطيران، وإذا قطع الرأس مات الطائر، وإذا كسر الجناحان أو أحدهما صار عرضة لكل صائد وكاسر.

    وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة).

    والإدلاج: هو السير من آخر الليل. أي: من أراد أن يصل إلى الموطن الذي يقصده فإنه يشمر ويجتهد ويبكر بالخروج، (من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة).

    وذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (إن رجلاً من بني إسرائيل لم يفعل خيراً قط، فلما قربت وفاته جمع أولاده وقال: إذا أنا مت فأحرقوني ثم اسحقوني ثم اذروني في الريح في البحر، فوالله لئن قدر علي ربي ليعذبني عذاباً ما عذبه أحداً. قال: ففعلوا ذلك به، فقال الله للأرض: أد ما أخذت، فإذا هو قائم، فقال له: ما حملك على ما صنعت؟ قال: خشيتك يا رب! أو قال: مخافتك، فغفر له بذلك).

    فهذه الأدلة كلها -عباد الله!- تدل على فضيلة الخوف، وأنه مقام من مقامات الصالحين، ومن مقامات العابدين.

    1.   

    ذكر بعض الآيات والأحاديث والآثار التي تحث على الخوف من الله

    وأما الأخبار التي تحث على الخوف، فمن ذلك: قوله عز وجل: وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ * وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ * يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ * فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ [هود:103-106].

    وقال الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم:6].

    وقال عز وجل: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ [الحج:1-2].

    وقال عز وجل: وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [آل عمران:131].

    وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً، فغطى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجوههم ولهم خنين).

    والقليل هنا المقصود به: القليل جداً، أي: الذي يئول إلى العدم.

    والمعنى: لما ضحكتم أصلاً ولأكثرتم من البكاء، (لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً).

    وفي رواية: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (عرضت علي الجنة والنار، فلم أر كاليوم من الخير والشر، ولو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً).

    وكذلك كان حال النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

    ومما يحض على الخوف من الله عز وجل ويدفع إلى خشيته عز وجل: (أنه كان صلى الله عليه وآله وسلم إذا قام في الصلاة سمع لقلبه أزيز كأزيز المرجل). (وكان إذا سمع ريحاً عاصفة يتردد في الحجرة ويدخل ويخرج)، وكل ذلك خوفاً من عذاب الله عز وجل.

    والملائكة الذين لا يعصون الله عز وجل ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون وصف الله خوفهم فقال: يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [النحل:50].

    ويقول عز وجل: وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ [الرعد:13].

    وقال أبو الدرداء : لو تعلمون ما أنتم ملاقون بعد الموت لما أكلتم طعاماً على شهوة، ولا شربتم شراباً على شهوة، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله عز وجل.

    وقال عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: ابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا، فوالذي نفسي بيده لو يعلم العلم أحدكم لبكى حتى ينقطع صوته، ولصلى حتى ينكسر صلبه.

    1.   

    نماذج من خوف الصحابة من الله عز وجل

    كان السلف رضي الله عنهم دائمي الخوف من الله عز وجل، فكانوا مع اجتهادهم في طاعة الله عز وجل في غاية الخوف منه عز وجل.

    فهذا أبو بكر رضي الله عنه كان رجلاً أسيفاً، تقول عائشة رضي الله عنها: إن أبا بكر رجل أسيف، إذا صلى لم يسمع الناس من البكاء. أي: أنها أشارت بأن لا يصلي أبو بكر بالناس لكثرة بكائه وتأسفه إذا صلى، مع أنه سبق الصحابة رضي الله عنهم إلى طاعة الله عز وجل، فهو ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ [التوبة:40].

    من لي بمثل سيرك المدلل تمشي رويداً وتجيء الأول

    فكان رضي الله عنه إذا صلى لا يكاد يسمع الناس من البكاء، وكان يقول: والذي نفسي بيده لوددت أني شعرة في جنب عبد مؤمن.

    وهذا عمر رضي الله عنه يسمع قوله عز وجل: وَالطُّورِ * وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ * فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ * وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ * وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ * وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ * إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ * مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ [الطور:1-8]. فيعود مريضاً إلى بيته ويعاد شهراً رضي الله عنه.

    وكان رضي الله عنه في وجهه خطان أسودان من كثرة البكاء.

    ولما طعن رضي الله عنه وهو الخليفة الثاني كان ولده عبد الله يرفع خده من الأرض ويضعه على حجره فيقول: ضع خدي على التراب عساه يرحمني، ويل أمي إن لم يغفر لي!

    ودخل عليه ابن عباس رضي الله عنه وقال: بشرى يا أمير المؤمنين! صحبت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأحسنت صحبته، وصحبت أبا بكر فأحسنت صحبته، ثم حكمت فعدلت، ثم شهادة في مدينة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فيقول: أعد ما قلته، فيعيد ما قال، فيقول عمر رضي الله عنه: المغرور من غررتموه، المغرور من غررتموه، وددت أني أنجو لا أجر ولا وزر.

    فكيف بنا -عباد الله!- إذا كان عمر رضي الله عنه يقول: وددت أني أنجو لا أجر ولا وزر؟

    وهذا عثمان رضي الله عنه يقف عند القبر ويبكي ويشتد بكاؤه ويقول: لو أنني بين الجنة والنار، ولا أدري إلى أيتهما أصير لأحببت أن أكون رماداً قبل أن أعلم إلى أيتهما أصير.

    وهذا علي رضي الله عنه يروي ما رآه من الصحابة رضي الله عنهم فيقول: رأيت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلم أر اليوم شيئاً يشبههم، كانوا يصبحون شعثاً صفراً غبراً، بين أعينهم أمثال ركب المعزى، قد باتوا سجداً وقياماً، يراوحون بين جباههم وأقدامهم، فإذا أصبحوا مادوا كما تميد الشجر في يوم الريح، وهملت أعينهم بالدموع حتى تبل ثيابهم، فوالله لكأني بالقوم باتوا غافلين، فما رئي رضي الله عنه ضاحكاً حتى ضربه ابن ملجم .

    وهذا الحسن البصري يقول: رأيت أقواماً وصحبت طوائف ما كانوا يفرحون بشيء من الدنيا أقبل، ولا يأسفون على شيء منها أدبر، ولهي كانت في أعينهم أهون من التراب، ولقد كان الواحد منهم يعيش خمسين سنة أو ستين سنة لم يطو له ثوب، ولم يوضع بينه وبين الأرض شيء، ولا أمر من في بيته بصنعة طعام قط، فإذا كان الليل فقيام على أقدامهم، يفترشون وجوههم، تجري دموعهم على خدودهم، ينادون ربهم في فكاك رقابهم، فإذا فعلوا حسنة تعبوا في شكرها، ورجوا الله أن يقبلها منهم، وإذا فعلوا سيئة أحزنتهم، ورجوا الله أن يغفرها لهم، فوالله ما سلموا من الذنوب، ولولا مغفرة الله ما نجوا، فرحمة الله عليهم ورضوانه.

    وصلى ابن أبي أوفى قاضي البصرة بالناس الفجر بسورة المدثر، فلما بلغ قوله عز وجل: فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ * فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ * عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ [المدثر:8-10]، أخذته شهقة فمات.

    فهم سمعوا القرآن بقلوب واعية، وآذان مصغية، فأحدث فيهم الخوف من الله عز وجل، فمنهم من مات من سماع آية، ومنهم من كان يعوده الناس كأنه مريض، ومنهم من كان يشتد بكاؤه.

    ونحن غلبت علينا الغفلة، فجمعنا بين معصية الله عز وجل وبين الأمن من مكره عز وجل، وهذا والله علامة الشقاء، أن يجمع العبد بين معصية الله عز وجل وبين الأمن من مكره، فقد كان السلف رضي الله عنهم يجمعون بين الخوف من الله عز وجل وبين الاجتهاد في طاعته، فإذا عرف العبد ربه عز وجل وعرف أسماءه وصفاته وتعرف على ربوبيته عز وجل وإلهيته، وعلم خطر الآخرة وأهوالها وعلم سيئات أعماله وضعفه وعجزه وذنوبه وعيوبه فإنه يخاف من الله عز وجل، كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (أنا أعلمكم بالله وأشدكم له خشية)، وهذا لما بلغه: أن ثلاثة من الصحابة الكرام ذهبوا إلى بيوته صلى الله عليه وآله وسلم وسألوا عن عبادته، فكأنهم تقالوها فقال أحدهم: أما أنا فأصوم الدهر ولا أفطر، وقال الثاني: أما أنا فأقوم ولا أنام، وقال الثالث: وأنا لا أتزوج النساء، فلما بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: أنا أعلمكم بالله وأشدكم له خشية.

    وهذا يدل -عباد الله!- على أن العبد إذا عرف ربه عز وجل ازداد له خشية، وازداد اجتهاداً في طاعة الله عز وجل، فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم هو أعلم الناس بالله عز وجل وأشدهم خوفاً منه عز وجل، ولا ينبغي أن يكون أحد أشد اجتهاداً منه، فما يفعله صلى الله عليه وآله وسلم هو ما يحبه الله عز وجل، وهديه صلى الله عليه وآله وسلم هو خير الهدي وهو أحسنه.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

    1.   

    نماذج من خوف السلف من الله عز وجل

    الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.

    ثم أما بعد:

    عباد الله! كان السلف في غاية الاجتهاد في طاعة الله عز وجل، ومع ذلك كانوا في غاية الخوف من الله عز وجل.

    دخلوا على الجنيد وكان في النزع وكان يصلي فقالوا له: الآن؟! قال: الآن تطوى صحيفتي.

    ودخلوا على أبي بكر النهشلي وكان صائماً وكان في النزع، فقالوا له: اشرب قليلاً من الماء، فقال: حتى تغرب الشمس.

    وكان ثابت البناني يقول: يا رب! إن أذنت لأحد أن يصلي في قبره فأذن لي.

    وكان يزيد الرقاشي يبكي ويقول: يا يزيد ! من يبكي بعدك لك؟ من يترضى ربك عنك؟

    وبكى أحد السلف فسئل عن سبب بكائه فقال: سمعت الله عز وجل يقول: إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [المائدة:27].

    وبكى أحد السلف عند موته فسئل ما يبكيك؟ فقال: أبكي لأن يصوم الصائمون ولست فيهم، ويصلي المصلون ولست فيهم. أي: أنه يشفق لترك هذه العبادات بعد الموت.

    فأين وصفك من هذه الأوصاف؟ وأين شجرة سالزيتون من شجر الصفصاف؟ لقد قام القوم وقعدت، وجدوا في الجد وهزلت، وما بيننا وبين القوم إلا كما بين اليقظة والنوم.

    لا تعرضن بذكرنا في ذكرهم ليس السليم إذا مشى كالمقعد

    يا ديار الأحباب! أين السكان؟ ويا منازل العارفين! أين القطان؟ ويا أطلال الوجد! أين البنيان؟

    أماكن تعبدهم باكية، ومواطن خلواتهم لفقدهم شاكية، زال التعب وبقي الأجر، ذهب ليل النصب وطلع الفجر.

    إن كنت تنوح يا حمام البان للبين فأين شاهد الأحزان؟

    أجفانك للدمع أم أجفاني لا يقبل مدع بلا برهان

    ونحن ينطبق علينا -عباد الله- قول القائل: يا من إذا تشبه بالصالحين فهو عنهم متباعد! وإذا تشبه بالمذنبين فحاله وحالهم واحد! يا من يسمع ما يلين الجوامد! وتركه جانباً، وقلبه أقسى من الجلامد! إلى متى تدفع التقوى عن قلبك؟ وهل ينفع الطرق في حديد بارد؟

    يقول من رأى سفيان الثوري : كنا إذا جلسنا إلى سفيان كأن النار قد أحاطت بنا لما نرى من خوفه وجزعه.

    ويقول من رأى الحسن البصري: كان إذا أقبل فكأنما أقبل من دفن حميمه، وإذا جلس فكأنه أسير أمر بقطع رقبته، وإذا ذكرت النار فكأنها لم تخلق إلا له. وقيل له: نراك شديد البكاء؟ فقال: أخاف أن يطرحني في النار ولا يبالي.

    وكان يقول: إن المؤمنين قوم ذلت والله منهم الأسماع والأبصار والجوارح، حتى يحسبهم الجاهل مرضى وإنهم والله الأصحاء، ولكن دخلهم من الخوف ما لم يدخل غيرهم، ومنعهم من الدنيا علمهم بالآخرة، أما والله ما أحزنهم ما أحزن الناس، ولا تعاظم في قلوبهم شيء طلبوا به الجنة، إنه من لم يتعز بعزاء الله تقطعت نفسه على الدنيا حسرات، ومن لم ير لله عليه نعمة في غير مطعم أو مشرب فقد قل علمه وحضر عذابه.

    وقد كان كلامه يشبه كلام الأنبياء.

    وكانوا يقولون عنه: كأنه عاين الآخرة وأتى يخبر عنها.

    وقد كان الناس قبل ظهور الحسن البصري معجبين بـمسلم بن يسار ، فقد كان يقوم في الصلاة كأنه عود من الخشوع، فلما ظهر الحسن البصري فكأنه رجل عاين الآخرة ثم أتى يخبر عنها.

    ولما نزل الموت بـمحمد بن المنكدر رحمه الله بكى بكاءً شديداً، فأحضروا له أبا حازم الزاهد من أجل أن يخفف عنه، فسأله أبو حازم عن سبب بكائه؟ فقال له: سمعت الله عز وجل يقول: وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ [الزمر:47]، فأخاف أن يبدو لي من الله عز وجل ما لم أكن أحتسب. قال: فأخذ أبو حازم يبكي معه، فقالوا: أتينا بك من أجل أن تخفف عنه فزدت في بكائه.

    1.   

    كلام السلف في المعني بقوله تعالى: (وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون)

    وللسلف رحمهم الله في هذه الآية أقوال:

    قيل: هذه الآية الكريمة نزلت في أهل الرياء، كما قال بعضهم: ويل لأهل الرياء من هذه الآية: وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ [الزمر:47].

    وقال بعضهم: عملوا أعمالاً فظنوا أنها حسنات فكانت سيئات، فبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون.

    وقيل أيضاً: نزلت هذه الآية الكريمة في أهل الغرور والأماني الباطلة، الذين تكاسلوا عن طاعة الله عز وجل، وتجرءوا على حرمات الله عز وجل، وأملوا أن يدخلوا الجنة ويصلوا إلى الدرجات العلى، أو لا تمسهم النار إلا أياماً معدودات.

    وكما قال الحسن البصري : إن قوماً ألهتهم أماني المغفرة حتى خرجوا من الدنيا ولا حسنة لهم، وقالوا: نحن نحسن الظن بالله وكذبوا، أحسنوا الظن لأحسنوا العمل.

    وقيل: نزلت هذه الآية الكريمة: وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ [الزمر:47] في أهل الغرور والأماني الباطلة الذين أوقعهم الشيطان في الكبائر والمعاصي، ومد لهم حبال الأماني والغرور، والله عز وجل رد على هذا الفكر الخاطئ، فقال عز وجل: لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا [النساء:123].

    وقال عز وجل: أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ [القلم:35-36].

    وقال عز وجل: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ [الجاثية:21].

    وقيل أيضاً: نزلت هذه الآية الكريمة: وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ [الزمر:47] في أهل البدع الذين يتقربون بالبدع، ويظنون أنهم يتقربون إلى الله عز وجل، وهم إنما يزدادون بعداً عن الله عز وجل.

    وقال الله سبحانه وتعالى: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا [الكهف:103-104].

    فما ازداد صاحب بدعة اجتهاداً إلا ازداد من الله عز وجل بعداً.

    وقيل أيضاً: نزلت هذه الآية الكريمة: وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ [الزمر:47] في أناس عملوا ذنوباً فظنوا أن هذه الذنوب من الصغائر، فكانت من الكبائر، فبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون.

    قال أنس رضي الله عنه: إنكم لتعلمون أعمالاً هي أدق في أعينكم من الشعر إن كنا لنعدها على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الموبقات، فعلى العبد أن يعظم ربه عز وجل، فإذا ازدادت خشية العبد لله عز وجل وعظم تقواه له عز وجل فإنه يعظم حرمات الله عز وجل، وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ [الحج:32].

    وقيل أيضاً: نزلت هذه الآية الكريمة: وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ [الزمر:47]، في أناس أتوا بحسنات كثيرة عظيمة ولكنهم أثقلوا ظهورهم بمظالم العباد، كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. قال: المفلس من أمتي من يأتي بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا وقدف هذا، وأخذ مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، حتى إذا فنيت حسناته طرحوا عليه من سيئاتهم ثم طرح في النار)، فهو يحسن الظن بحسناته، وهو غافل عن المظالم التي أثقل ظهره بها، فإذا استوفى أصحاب المظالم حقوقهم حتى فنيت حسناته طرحوا عليه من سيئاتهم فيبدو له من الله عز وجل ما لم يكن يحتسب.

    وقيل أيضاً: نزلت هذه الآية الكريمة: وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ [الزمر:47] في أناس شاء الله عز وجل أن يناقشوا الحساب.

    وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (من نوقش الحساب عذب).

    وفي رواية: (من نوقش الحساب هلك).

    فإن الله عز وجل إذا حساب العباد على نعمه عليهم لم تف جميع أعمالهم الصالحة في وفاء شكر بعض نعم الله عز وجل عليهم، فتبقى بقية النعم بلا وفاء، بالإضافة إلى المظالم والذنوب، فلا بد أن يهلك العبد: (فمن نوقش الحساب عذب أو هلك).

    وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (لو أن الله عز وجل عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم كانت رحمته خيراً لهم من أعمالهم).

    وقيل أيضاً: نزلت هذه الآية الكريمة: وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ [الزمر:47]، في أناس أتوا بحسنات كثيرة عظيمة ولكنهم كانوا واقعين في ذنوب منعت انتفاعهم بهذه الحسنات، فقد كانوا يصدون عن سبيل الله عز وجل، وكانوا يوالون أعداءه عز وجل، وكانوا يشيعون الفواحش في الذين آمنوا، ويستهزئون بشرع الله عز وجل، فهم يحسنون الظن بحسناتهم وهم غافلون عن الذنوب التي أوقعوا أنفسهم فيها، فمنعتهم هذه الذنوب من الانتفاع بحسناتهم، فبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون.

    1.   

    من صفات المؤمنين الإشفاق من الله وعدم الركون إلى أعمالهم الصالحة

    قال عز وجل واصفاً أهل الجنة: وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ [الطور:25-27].

    فبين عز وجل أن من صفات أهل الجنة أنهم كانوا في الدنيا مشفقين، أي: خائفين وجلين من الله عز وجل، فالخوف: هو الذي يكف الجوارح عن معصية الله عز وجل ويقيدها بطاعته عز وجل، والذي يقود العباد إلى طاعة الله عز وجل، والدابة لا بد لها من سوط يكفها عن موارد الهلكة، ومن زمام يقودها إلى ما يريده العبد منها، وهما الخوف والرجاء -عباد الله!-.

    وقال عز وجل واصفاً عباد الرحمن: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا * إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا [الفرقان:63-66].

    وقال عز وجل واصفاً المؤمن: أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ [الزمر:9].

    اللهم اهدنا فيمن هديت، وتولنا فيمن توليت، وبارك اللهم لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، اللهم من أرادنا والإسلام والمسلمين بعز فاجعل عز الإسلام على يديه، اللهم من أرادنا والإسلام والمسلمين بعز فاجعل عز الإسلام على يديه، ومن أرادنا والإسلام والمسلمين بكيد فكده يا رب العالمين! ورد كيده إلى نحره، واجعل تدبيره في تدميره، واشغله بنفسه، واجعل الدائرة تدور عليه.

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الكفر والكافرين، وأعل راية الحق والدين، اللهم كن مع المستضعفين من المؤمنين في كل مكان يا رب العالمين، اللهم إنهم جوعى فأطعمهم، وعراة فاكسهم، وضعفاء فقوهم يا رب العالمين! اللهم انصرهم على عدوك وعدوهم يا قوي يا متين! اللهم هيئ لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر.

    اللهم عليك بالصرب الغاصبين المعتدين، اللهم أنزل عليهم رجزك وغضبك وعذابك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، اللهم إنهم لا يعجزونك يا رب العالمين! اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً.

    اللهم عليك باليهود الغاصبين يا رب العالمين! اللهم دمرهم تدميراً والعنهم لعناً كبيراً.

    اللهم أصلح شباب المسلمين، اللهم أصلح شباب المسلمين، اللهم أصلح شباب المسلمين، اللهم أصلح شيوخ المسلمين، اللهم أصلح شيوخ المسلمين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3008008443

    عدد مرات الحفظ

    720969110