إسلام ويب

التقوىللشيخ : أحمد فريد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • التقوى منة من الله على عباده، وهي سمو في التدين يتضمن طاعة الله عز وجل ومراقبته سراً وجهراً، ولشرف التقوى وفضلها شرف الله أهلها في الدنيا والآخرة، وآتاهم ثمرة عملهم طيبة في الدارين، كرماً منه وجوداً على عباده جزاء ما قدموا.

    1.   

    أهمية التقوى والوصية بها

    الحمد لله المتفرد بوحدانية الألوهية، المتعزز بعظمة الربوبية، القائم على نفوس العالم بآجالها، العالم بتقلبها وأحوالها، المان عليهم بتوافر آلائه، والمتفضل عليهم بسوابغ نعمائه، الذي خلق الخلق حين أراد بلا معين ولا مشير، وأنشأ البشر كما أراد بلا شبيه ولا نظير، فمضت فيهم بقدرته مشيئته، ونفذت فيهم بحكمته إرادته، وألهمهم حسن الإطلاق، وركب فيهم تشعب الأخلاق، فهم على طبقات أقدارهم يمشون، وفيما قضي وقدر عليهم يهيمون، وكل حزب بما لديهم فرحون.

    وأشهد أن لا إله إلا الله، خالق السماوات العلى، ومنشئ الأرضين والثرى، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون.

    وأشهد أن محمداً عبده المصطفى، ونبيه المجتبى، ورسوله المرتضى، بعثه بالنور المضي، والأمر المرضي، على حين فترة من الرسل، ودروس من السبل، فدمغ به الطغيان، وأظهر به الإيمان؛ ورفع دينه على سائر الأديان، فصلى الله عليه وسلم وبارك ما دار في السماء فلك، وما سبح في الملكوت ملك، وسلم تسليماً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله عز وجل، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى: إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ [الأنعام:134].

    أخذت الأرض زخرفها وازينت، وظن أهلها أنهم قادرون عليها، واغتر الناس بظاهر الدنيا وزينتها، وغفلوا عن شرف التقوى ونعيمها في الدنيا والآخرة، وهذا من الجهل البليغ والغفلة الشنيعة، فإن أهل التقوى هم ملوك الدنيا، كما أنهم ملوك الآخرة.

    والتقوى: أن يأخذ العبد وقايته من سخط الله عز وجل ومن عذاب الله، وتضاف التقوى أحياناً إلى الله عز وجل ثم تضاف أحياناً إلى يوم القيامة: وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ [البقرة:281].

    وتضاف التقوى أحياناً إلى عذاب النار، كما قال عز وجل: وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [آل عمران:131].

    فإذا أمر الله عز وجل عباده بتقواه فإنه يأمرهم حينئذ بأن يأخذوا الوقاية من التعرض لسخطه وعذابه وشديد عقابه، وأمر الله عز وجل بتقواه يوم القيامة لأن يوم القيامة هو يوم العذاب، وهو الوقت الذي حدده الله عز وجل للحساب، وإذا أتت الآيات بالأمر بتقوى النار، فالنار هي مكان العذاب الأكبر، فنسأل الله عز وجل أن يقينا شر أعمالنا، وأن يقينا من عذاب النار.

    التقوى هي وصية الله ورسله للأولين والآخرين

    التقوى عباد الله! هي وصية الأولين والآخرين، قال الله عز وجل: وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ [النساء:131].

    فلو كانت هناك خصلة هي أنفع للعباد في العاجل والآجل من تقوى الله عز وجل لأوصاهم الله عز وجل بها، فلما أوصى الله عز وجل الأولين والآخرين بتقوى الله عز وجل، كانت التقوى هي الغاية.

    والتقوى كذلك عباد الله! هي وصية نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وآله وسلم؛ لما وعظ الناس موعظة بليغة، وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون، فقالوا: يا رسول الله! كأنها موعظة مودع فأوصنا؛ لأن المودع يبلغ الغاية في الوصية، ويجتهد في إخلاصها، فلما أوصاهم وصية بليغة عظيمة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون، قالوا: (يا رسول الله! كأنها موعظة مودع فأوصنا، قال: أوصيكم بتقوى الله عز وجل والسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم عبد حبشي).

    وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (اتق الله حيثما كنتس، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن).

    وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (اتق المحارم تكن أعبد الناس).

    والتقوى عباد الله! وصية جميع الرسل الكرام لأقوامهم، كما قال عز وجل: كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ [الشعراء:105-106].

    كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ [الشعراء:123-124].

    كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ [الشعراء:141-142].

    كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ [الشعراء:160-161].

    كَذَّبَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء:176]* إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ [الشعراء:177].

    والرسل هم أنصح الناس للناس، وهم أعلم الناس بما يصلح الناس، فكل الرسل قد وصوا أقوامهم بتقوى الله عز وجل.

    التقوى كذلك هي وصية السلف الصالح رضي الله عنهم، كما قال بعضهم: اتق الله الذي لا بد لك من لقاه، ولا منتهى لك دونه، وهو يملك الدنيا والآخرة.

    ذكر ما قيل في التقوى

    التقوى عباد الله! هي كما قال طلق بن حبيب : أن تعمل بطاعة الله على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله، تخاف عقاب الله.

    وقوله: (على نور من الله): أي على علم وبصيرة.

    وقيل: التقوى هي: ألا يراك الله حيث نهاك، ولا يفتقدك حيث أمرك.

    وقيل: التقوى هي: العمل بالتنزيل، والرضا بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل.

    وقيل كذلك في تعريف التقوى: هي علم القلب بقرب الرب.

    لباس التقوى خير لباس

    التقوى عباد الله! هي أجمل عباءة يتزين بها العباد، فقد منَّ الله عز وجل على بني آدم بإنزال اللباس الذي يوارون به السوءات، والرياش الذي يتجملون به، منّ الله عز وجل عليهم بهذا اللباس الظاهر، وميز الله عز وجل بين بني آدم وبين الحيوانات، بأن جعل الحيوانات مكشوفة السوءات، أما بنو آدم فقد أنزل الله عز وجل لهم لباساً يواري سوءاتهم، كما قال عز وجل: يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا [الأعراف:26].

    فاللباس ما يواري السوءات، والرياش ما يتجملون به، ثم قال: وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ [الأعراف:26].

    فبعد أن منّ الله عز وجل على عباده باللباس الظاهر الذي يستر عورات البدن في الدنيا، منّ الله عز وجل عليهم بأجمل لباس وأحسنه، وهو الذي يواري عورات الظاهر والباطن، وهو الذي يستر العبد في الدنيا والآخرة، ويكون سبباً للنجاة في الدنيا والآخرة، هذا اللباس هو لباس التقوى، فقال عز وجل: وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ [الأعراف:26].

    إذا المرء لم يلبس ثياباً من التقى تقلب عرياناً وإن كان كاسياً

    وخير ثياب المرء طاعة ربه ولا خير فيمن كان لله عاصياً

    فالله عز وجل يتمنن على عباده بهذه الملابس التي يوارون بها العورات والسوءات، والسوءة: ما يسوء ظهوره، فلا تظنوا عباد الله أن التبرج والعري مدنية وحضارة وتقدم، بل هو هبوط وسفول وحيوانية وشهوانية، فالله عز وجل جعل بني آدم مستوري العورات والسوءات، وتمنن عليهم بهذا اللباس الظاهر، وهذا العري والتبرج والسفور والفجور عباد الله! ليس حضارة ولا مدنية، بل هو عقوبة من الله عز وجل للعباد على ذنوب أخرى اقترفوها.

    ألم تروا إلى آدم وحواء كيف بعد أن عصوا الله عز وجل بدت لهما سوءاتهما، وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة، كما قال الله عز وجل: يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ [الأعراف:27].

    فالله عز وجل شرع للعباد ما يستر العورات والسوءات، وتمنن عليهم بذلك، ثم تمنن بأحسن لباس وهو لباس التقوى، فقال عز وجل: وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ [الأعراف:26].

    خير الزاد التقوى

    أمر الله عز وجل بالتزود لسفر الدنيا، فقال عز وجل: وَتَزَوَّدُوا [البقرة:197].

    ثم أخبر الله عز وجل أن خير الزاد هو التقوى، وأمر بالتزود من خير الزاد، فقال عز وجل: وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ [البقرة:197].

    قيل: نزلت هذه الآية الكريمة في أهل اليمن، كانوا يذهبون إلى الحج ولا يتزودون للسفر، ويقولون: نحن أضياف الله، أفلا يطعمنا؟ ثم يصيرون كلاً على الناس ويسألون الناس بعد ذلك.

    فأمرهم الله عز وجل بالتزود لسفر الدنيا، ثم أمرهم الله عز وجل بالتزود لسفر الدنيا والآخرة وهو زاد التقوى، فقال عز وجل: وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ [البقرة:197].

    ولاية التقوى وشرف الانتساب إليها والأمر بالتعاون عليها

    أهل التقوى عباد الله! هم أولياء الله عز وجل: إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ [الأنفال:34]،وهم كذلك أولياء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

    وقال الله عز وجل: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس:62-63].

    فأولياء الله عز وجل هم المتقون، وهم أكرم الناس بحكم الله عز وجل وبحكم رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ليس بالحسب ولا بالنسب، وليس بالشهرة ولا بالمال والجاه والسلطان، وإنما الشرف بتقوى الله عز وجل، كما قال الله عز وجل: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:13]. (وسئل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن أكرم الناس؟ فقال: أتقاهم لله عز وجل).

    فليس هناك نسب عباد الله! أشرف من نسب التقوى.

    فهذا سلمان رضي الله عنه لم يكن عربياً فضلاً عن أن يكون قرشياً، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (سلمان منا أهل البيت).

    لقد رفع الإسلام سلمان فارس وقد وضع الكفر الشريف أبا لهب

    فكيف رفع الإسلام سلمان فارس عباد الله حتى قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (سلمان منا أهل البيت)؟ وكيف وضع الكفر عم النبي صلى الله عليه وآله وسلم أبا لهب ، وقد بشره الله عز وجل بالنار وهو في الدنيا، فقال عز وجل: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ [المسد:1-5]؟

    كان سلمان يقول:

    أبي الإسلام لا أب لي سواه إذا افتخروا بقيس أو تميم

    من شرف التقوى عباد الله! أن الله عز وجل أمر العباد بالتعاون عليها، ونهاهم عن التعاون على ما يخالفها، فقال عز وجل: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة:2].

    أعلى درجة في الدين درجة التقوى

    إن شجرة التقوى عباد الله أطيب من شجرة الإيمان، وإن شئت قلت: شجرة التقوى عباد الله! هي أطيب شجرة من شجرات الإيمان؛ لأن التقوى منزلة أعلى من منزلة الإيمان، مع أن منزلة الإيمان منزلة عالية، فقد زعمت أعراب بني أسد الإيمان، ونفى الله عز وجل هذه المنزلة الشريفة والدرجة المنيفة عنهم، فقال عز وجل: قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ [الحجرات:14].

    ولكن منزلة التقوى أشرف من درجة الإيمان، سئل النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما في حديث جبريل عن الإسلام فقال: (أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت) فأخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن الإسلام هو استسلام الظاهر لله عز وجل، وهو شهادة الحق، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت، ثم سئل صلى الله عليه وآله وسلم عن الإيمان فقال: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره).

    فهذه الدرجة الثانية عباد الله، فمن عبد الله عز وجل بدرجة الإسلام، واستسلم ظاهره لله عز وجل، فهو آمن من الخلود في النار، ولكنه لا يأمن من دخول النار بالكلية.

    ومن عبد الله عز وجل بدرجة الإيمان فإنه آمن من عذاب النار، وإنه يدخل الجنة من أول وهلة؛ لأن الله عز وجل وعد المؤمنين أجراً عظيماً.

    وقال عز وجل: وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء:146].

    وبشر الله المؤمنين بالفضل الكبير، فقال عز وجل: وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا [الأحزاب:47].

    أما الدرجة العالية فهي درجة الإحسان وهي درجة التقوى، (سئل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الإحسان فقال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك) فهذه هي درجة التقوى: أن يحسن العبد إيمانه وعبادته لله عز وجل، فكأنه يرى الله عز وجل وهو يعبده، ولا شك أن العبد إذا كان يعتقد أنه يرى الله عز وجل ويحس بأنه يراه، لا شك أنه يأتي بالعبادة على وجهها.

    ولما كان هؤلاء يعبدون الله عز وجل على المشاهدة والحضور، كأنهم يرون الله عز وجل وهم يعبدونه، كان جزاؤهم في الآخرة الحسنى وزيادة، والحسنى هي الجنة، والزيادة هي النظر إلى وجه الله عز وجل، فلهم أوفر نصيب من أعظم نعيم أهل الجنة، فلهم الجنة وزيادة، والزيادة: هي النظر إلى وجه الله عز وجل الكريم.

    1.   

    ثمرات التقوى في الدنيا

    فدرجة التقوى عباد الله! درجة عالية، وشجرتها من أطيب شجرات الإيمان، فهي لا تثمر ثمرات في الدنيا وحدها، ولكنها تثمر ثمرات طيبة يانعة في الدنيا والآخرة، فيجني العبد المتقي من ثمرات التقوى في الدنيا قبل الآخرة، ويتمتع بنعيم التقوى في الدنيا قبل الآخرة.

    فمن ثمرات شجرة التقوى في الدنيا: أن الله عز وجل يجعل للعبد من كل ضيق فرجاً، ويرزقه من حيث لا يدري ولا يحتسب، كما قال الله عز وجل: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [الطلاق:2-3].

    من ثمرات التقوى: أن الله يجعل للعبد من أمره يسراً، وييسر للعبد جميع أموره، فمهما قصد أمراً من الأمور أو مصلحة من المصالح يسرت له، كما قال عز وجل: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا [الطلاق:4].

    من ثمرات التقوى في الدنيا كذلك: أن التقوى هي التأمين الرباني الحلال الذي جعله الله عز وجل لعباده المتقين، ليس بالمتاجرة بعقول الناس وأموالهم، وبمص دماء الناس بدعوى التأمين على الحياة، فالتأمين ربا وقمار، أما التقوى فتأمين رباني شرعه الله عز وجل لمن أراد أن يحفظ الله عز وجل ذريته في الدنيا والآخرة، فقال عز وجل: وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا [النساء:9].

    فمن أراد أن يحفظ الله عز وجل ذريته، وأن يبارك له في ذريته فعليه بتقوى الله عز وجل.

    كان سعيد بن المسيب يقول لابنه: لأزيدن في صلاتي من أجلك، رجاء أن أحفظ فيك، وتلا قوله عز وجل: وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا [الكهف:82].

    فانظروا إلى صلاح الآباء وتقواهم كيف يكون سبباً في حفظ الأبناء.

    التقوى كذلك عباد الله: سبب لبركات السماء والأرض.

    وانظروا عباد الله! كيف يعيش الناس حياة الضنك والضيق، والفقر والشقاء والنقص في كل شيء؛ لأنهم ضيعوا تقوى الله عز وجل، والله عز وجل يقول: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ [الأعراف:96].

    وقال عز وجل: وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا [الجن:16].

    أهل التقوى عباد الله! لهم من الهيبة والشرف والوقار في قلوب الخلق ما يفوق شرف أهل السلطان، كما قال بعض الناس: قتلني حب الشرف -أي: حب الرفعة في الدنيا- فقال له أحد العلماء: لو اتقيت الله شرفت.

    وفي ذلك قيل:

    ألا إنما التقوى هي العز والكرم وحبك للدنيا هو الذل والسقم

    وليس على عبدٍ تقي نقيصة إذا حقق التقوى وإن حاك أو حجم

    وانظروا عباد الله! إلى العلماء الأعلام، والأئمة الكرام كيف كان لهم من الهيبة والوقار حتى كانت الملوك تهابهم، فهذا الإمام مالك كان تهابه الملوك، وكان الأمراء يجلسون في مجلسه أذلاء، لا يكلم أحد أحداً، وكان يسأل فيقول: نعم أو لا، ولا يقال له: من أين قلت هذا، وما دليلك على ذاك؟

    بل مدحه أحدهم فقال:

    يدع الجواب ولا يراجع هيبة والسائلون نواكس الأذقانِ

    نور الوقار وعز سلطان التقى فهو المهيب وليس ذا سلطانِ

    التقوى عباد الله! سبب للحفظ من كيد الأعداء، كما قال عز وجل: وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا [آل عمران:120].

    التقوى كذلك عباد الله! الذرة منها خير من أمثال الجبال عبادة من المغترين، كما قال أبو الدرداء :

    يا حبذا نوم الأكياس وفطرهم، كيف يغبنون به قيام الحمقى وصومهم، والذرة من صاحب تقوى أفضل من أمثال الجبال عبادة من المغترين.

    فمن بلغ درجة التقوى عباد الله! فالذرة الواحدة من أعماله أفضل من أمثال الجبال عبادة من المغترين، وهذا الكلام كما قال ابن القيم رحمه الله من جواهر الكلام الذي يكتب بالذهب والفضة؛ وذلك لأن الأعمال تتفاضل بمقدار ما في قلوب أصحابها من تقوى الله عز وجل، فالرجلان يكونان في صف واحد، وخلف إمام واحد، يكبران بتكبيره، ويسلمان بتسليمه، وبين صلاتيهما كما بين السماء والأرض؛ لأن الأعمال تتفاضل بمقدار ما في قلوب أصحابها من تقوى لله عز وجل.

    وقال بعضهم: كم من قائم محروم، وكم من نائم مرحوم، هذا قام وقلبه كان فاجراً، وهذا نام وقلبه كان عامراً.

    أي: أن العبد قد يقوم الليل وقلبه يفور بالشهوات، وهو معجب بنفسه، ويمن بعمله على الله عز وجل وعلى عباده، فمن أصبح نائماً وهو نادم خير ممن أصبح قائماً، ثم أصبح يمن على الله عز وجل، فكم من قائم محروم، وكم من نائم مرحوم.

    فالعبد المؤمن المتقي إذا نام فإنه ينام على ذكر الله، وينام على طهارة، وينام على جنبه الأيمن، ويستقبل بوجهه القبلة، ويذكر أذكار النوم، وينام على نية صالحة؛ كما قال معاذ : إني لأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي.

    فهذا نومه عباد الله! أفضل من قيام من يفور قلبه ويفور قلبه للشهوات.

    التقوى كذلك عباد الله: هي سبب للنجاة من عذاب الدنيا، كما قال عز وجل: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [فصلت:17-18].

    التقوى كذلك هي سبب البشرى في الدنيا والآخرة كما قال عز وجل: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ [يونس:62-64].

    وجاءت البشرى بمعنى الرؤية الصالحة، فقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (لم يبق من النبوة إلا المبشرات، قيل: وما المبشرات يا رسول الله؟! قال: الرؤيا الصالحة، يراها الرجل الصالح أو ترى له).

    ومن المبشرات كذلك ثناء الخلق ومحبتهم، فقد قيل للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: (الرجل يعمل العمل لا يرجو به إلا وجه الله، فيحبه الناس)، وفي رواية: (فيثني عليه الناس، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: تلك عاجل بشرى المؤمن).

    أي: من عاجل بشرى المؤمن محبة الخلق وثناؤهم، وأهل التقوى لهم أوفر نصيب من محبة الخلق وثنائهم، فنسأل الله عز وجل أن يشرفنا بالتقوى في الدنيا والآخرة.

    أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم.

    1.   

    ثمرات التقوى في الآخرة

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    شجرة التقوى كما ذكرنا شجرة طيبة مباركة، تثمر للعبد في الدنيا وتثمر له في الآخرة، وذكرنا الثمرات العاجلة للتقوى، وما يجنيه العبد المتقي من ثمرات التقوى في الدنيا، فما هي ثمرات تقوى الله عز وجل في الآخرة؟

    من ثمرات التقوى في الآخرة عباد الله! عز الفوقية على الخلائق يوم القيامة، كما قال الله عز وجل: زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [البقرة:212].

    فأهل التقوى عباد الله! يفوزون بعز الفوقية على الخلائق يوم القيامة، فإن أهل الإيمان يكونون فوق أهل الكفر والعصيان؛ لأن أهل الكفر في أسفل سافلين، والمتقون في أعلى عليين، والمتقون هم سادات المؤمنين، يفوزون بالفردوس الأعلى الذي سقفه عرش الرحمن.

    فالله عز وجل أخبر عن الكفار أنهم يغترون بالدنيا وزخرفها وزينتها، أما أهل التقوى عباد الله! فهم يعرفون حقارة الدنيا فلا يغترون بها، بل يسعون للآخرة وللتنافس في النعيم المقيم وفي درجات جنة رب العالمين: زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [البقرة:212].

    من ثمرات التقوى في الآخرة عباد الله أن المتقين هم الورثة الشرعيون لجنة الله عز وجل، كما قال الله تعالى: تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا [مريم:63]، وفي قراءة: (نُوَرِّثُ من عبادنا من كان تقياً).

    فأهل التقوى هم الورثة الشرعيون للجنة، وهم الذين جمع الله عز وجل لهم بين نعيم الدنيا ونعيم الآخرة، كما قال عز وجل في سورة الزخرف: وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ [الزخرف:33-35].

    فلولا أن تكون الفتنة شديدة عباد الله! على أهل الإيمان، لجعل الله عز وجل لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفاً من فضة؛ لحقارة الدنيا عند الله عز وجل؛ فهي لا تساوي جناح بعوضة، ولو كانت تساوي جناح بعوضة عباد الله! ما سقى كافراً منها شربة ماء.

    فالله عز وجل يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، والذين يكفرون بالله عز وجل ويصدون عن سبيله ليل نهار، عندهم من زينة الدنيا وزخرفها أكثر مما عند المؤمنين، والله عز وجل يقول: وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ [الزخرف:33]، أي: لحقارة الدنيا، وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الزخرف:33-35].

    ثم جمع الله عز وجل الآخرة كلها وجعلها للمتقين، فقال عز وجل: وَالآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ [الزخرف:35].

    التقوى عباد الله! تجمع بين أهلها حين تنقلب كل صداقة وكل محبة وخلة إلى عداوة ومشاقة، قال الله عز وجل: الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [الزخرف:67].

    فالله عز وجل يجعل كل محبة في الدنيا، وكل محبة على معاصي الله عز وجل تنقلب إلى شقاوة، وتنقلب إلى عداوة.

    أما محبة المتقين فإنها تزداد رابطة وتزداد قوة في الآخرة، كما قال عز وجل: وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ [الحجر:47].

    قال بعض السلف: إن الأخوة في الدنيا قد يكون فيها شيء من الضغائن، أما في الآخرة فإن الله عز وجل يصفي قلوب المؤمنين من الضغائن، وينزع ما في قلوبهم من الضغائن، فتصفو عند ذلك المحبة والأخوة، ويصيرون إخواناً على سرر متقابلين، ما كان لله دام واتصل، وما كان لغير الله انقطع وانفصل.

    فكل محبة لا تكون لله، وكل تعاون لا يكون لله وفي الله عز وجل ينقلب إلى عداوة، إلا محبة المتقين فإنها تزداد يوم القيامة.

    أهل الجنة عباد الله يساقون إلى الجنة على الركائب، كما قال الله عز وجل: وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا [الزمر:73].

    وقال عز وجل: يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا * وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا [مريم:85-86].

    والعرب تسمي الوفد الذي يأتي راكباً على الرواحل، ولا يسمون من يأتي على قدميه وفداً.

    قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ما يأتون والله على أقدامهم، ولكن على نوق رحالها الذهب، ونجائب سرجها اليواقيت، إن هموا بها سارت، وإن هموا بها طارت.

    مع أن الله عز وجل يقرب للمتقين جنته، دفعاً لمشقتهم، ولتحيتهم، فقال عز وجل: وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ [ق:31].

    أي: قربت الجنة للمتقين غير بعيد، فالجنة تأتي بنفسها ترحب بالمتقين عباد الله! وهم لا يصلون إلى أدنى درجاتها، وإلى أدنى منازلها، بل يصلون فيها إلى الدرجات العالية، والنعيم المقيم -نسأل الله عز وجل من فضله العظيم- كما قال عز وجل في سورة النبأ: إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا [النبأ:31].

    ثم فصل الله عز وجل هذا المفاز فقال: حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا * وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا * وَكَأْسًا دِهَاقًا * لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا كِذَّابًا * جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا [النبأ:32-36].

    وأخبر الله عز وجل أن للمتقين المآب الحسن، فقال عز وجل: هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ [ص:49].

    ثم فصل هذا المآب الحسن، فقال عز وجل في سورة ص: جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأَبْوَابُ * مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ * وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ * إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ [ص:50-54].

    وأخبر الله عز وجل عن قربهم من الحضرة واللقاء والرؤية والبهاء، فقال عز وجل: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ [القمر:54-55].

    وقوله: (عند) تشير إلى القرب وإلى المعية، وإلى أنهم ينالون من كرامة الله عز وجل وفضله ورحمته ما ينالون.

    أهل الجنة عباد الله! يساقون إلى جنات الله زمراً زمرا، أي: جماعات جماعات، كما قال عز وجل: وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا [الزمر:73].

    فقال بعض المفسرين: الأنبياء مع الأنبياء، والشهداء مع الشهداء، والعلماء مع العلماء، وقال بعضهم: كل جماعة كانت متعاونة في الدنيا على تقوى الله وعلى طاعته فإنه ينادى بها يوم القيامة، ويكسى أميرها حلة، ويكسى تاجاً من التيجان، وينادى بهذه الجماعة المتعاونة على تقوى الله عز وجل، ثم تصير زمرة من الزمر التي تساق إلى جنة الله عز وجل، فنسأل الله عز وجل أن يجعلنا من هذه الزمر، قال تعالى: وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا [الزمر:73].

    وهم يسعدون بالمحبة والصحبة، ويساقون إلى جنات الله عز وجل زمراً زمراً، فإن قال قائل: أهل النار كذلك يساقون زمراً زمراً؟

    فالجواب: أن ذلك من عقوبة الله عز وجل لهم؛ لأنهم تتقطع بينهم أواصر المحبة والأخوة، ويصيرون أعداءً ويلعن بعضهم بعضاً، ويسب بعضهم بعضاً، فهم زمر متشاكسون.

    أما أهل التقوى فدامت مودتهم ودامت محبتهم، فهم يسعدون بالصحبة والمحبة، ويساقون إلى جنات الله عز وجل زمراً زمراً.

    اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا أبداً ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا.

    اللهم أعزنا بالإسلام قائمين، وأعزنا بالإسلام قاعدين، ولا تشمت بنا الأعداء والحاسدين.

    اللهم من أرادنا والإسلام والمسلمين بعز فاجعل عز الإسلام على يديه، ومن أرادنا والإسلام والمسلمين بكيد فكده يا رب العالمين! واشغله بنفسه، واجعل تدبيره تدميراً عليه.

    وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    2966331785

    عدد مرات الحفظ

    711474049