إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ محمد حسن عبد الغفار
  3. شرح كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب - إثبات صفة الضحك لله

شرح كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب - إثبات صفة الضحك للهللشيخ : محمد حسن عبد الغفار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الضحك صفة من صفات الله عز وجل الدالة على رحمته، وأنه رءوف بعباده، وما دام أنه يضحك سبحانه فعلى الإنسان أن يحسن الظن به، ولا يقنط من رحمته، ولن يعدم المؤمنون خيراً من رب يضحك.

    1.   

    إثبات صفة الضحك لله عز وجل

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    ثم أما بعد:

    قال المصنف رحمه الله: [عن الأسود بن عبد الله عن عمه لقيط بن عامر أنه خرج وافداً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه نهيك بن عاصم بن مالك بن المنتفق، قال: فقدمنا المدينة لانسلاخ رجب، فصلينا معه صلاة الغداة، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس خطيباً فقال: (ألا أيها الناس! إني قد خبأت لكم صوتي منذ أربعة أيام ألا لأسمعكم، ألا فهل من امرئ بعثه قومه فقالوا: اعلم لنا ما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ألا ثم لعله أن يلهيه حديث نفسه أو حديث صاحبه أو يلهيه الضلال، ألا إني مسئول هل بلغت، ألا فاسمعوا تعيشوا، ألا اجلسوا ألا اجلسوا، قال: فجلس الناس وقمت أنا وصاحبي، حتى إذا فرغ لنا فؤاده وبصره قلت: إني سائلك عن حاجتي فلا تعجلن علي، قال: سل عما شئت، قلت: يا رسول الله! هل عندك من علم الغيب؟ فضحك -لعمر الله- وهز رأسه، وعلم أني أبتغي بسقطه، وقال: ضن ربك بمفاتيح خمس من الغيب لا يعلمهن إلا الله، وأشار بيده، فقلت: ما هن يا رسول الله؟! قال: علم المنية، قد علم متى منية أحدكم ولا تعلمونه، وعلم المني حين يكون في الرحم قد علمه ولا تعلمونه، وعلم ما في غد وما أنت طاعم غداً ولا تعلمه، وعلم اليوم الغيث يشرف عليكم آزلين مشفقين، فيظل يضحك وقد علم أن غوثكم قريب -يقصد بذلك المطر- لا يعلمه إلا الله جل وعلا، فقلت: يا رسول الله! لن نعدم من رب يضحك خيراً).].

    في هذا الحديث فوائد كثيرة منها: أن من السنة أن يعلو صوت الخطيب، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام خطيباً علا صوته كأنه منذر جيش، وكثير من الناس يتضجر من ارتفاع صوت الخطيب، والسنة التي ضاعت وأميتت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام خطيباً في الناس علا صوته، واحمر وجهه، وظهر ذلك على حالته صلى الله عليه وسلم.

    ومنها: آداب السائل، وأن الذي يسأل عن أمر مهم لا بد أن يفرغ ذهن المسئول وقلبه، فلذلك كان من العقل الذي عند هؤلاء أنهم جلسوا حتى يفرغ فؤاد النبي صلى الله عليه وسلم وبصره، فيسألونه عن المهمات.

    وقد ذكرت في هذا الحديث صفة من صفات الله جل في علاه، وهي من صفات الأفعال، وهي صفة الضحك، فيا خسارة الذين لا يؤمنون بهذه الصفات، والذين يجهلون عن الله الكثير، فإن الله عز وجل يضحك ولن نعدم من رب يضحك خيراً.

    فإذا كان مديرك في العمل في كل يوم يسلم عليك ويهش ويبش في وجهك، فسوف تنتظر منه كل خير؛ لأنه كلما رآك ابتسم في وجهك وسألك عن حالك. فهذا مثال، ولله المثل الأعلى.

    وكما يصف الواصفون النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يتبسم دائماً في وجه من يسلم عليه، وإذا سلم على إنسان -كما في الأحاديث الصحيحة- لم يكن ينزع يده حتى ينزع الآخر من يده صلى، وإذا تكلم معه لم يكن يبعد أذنه عنه حتى يسكت، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يتمثل بآثار صفات الله جل وعلا، فإن الله يضحك ضحكاً يليق بجلاله وكماله وعظمته وقدرته سبحانه وتعالى.

    فهذه صفة من صفات الأفعال التي تتعلق بالمشيئة، فإن شاء فعل، وإن شاء لم يفعل، فإن شاء ضحك وإن شاء لم يضحك، فهي تتعلق بالأسباب.

    أسباب ضحك الله

    أسباب ضحك الله كثيرة، أولها: أن الله جل وعلا يضحك عندما يرى السخاء والجود من العبد، كما في البخاري أن أضيافاً جاءوا النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكن عنده ما يضيفهم به، فضيف رجل من أصحابه الأنصار هؤلاء الأضياف، ولم يكن عنده في البيت إلا طعام أهله، فقدم لهم الطعام، فالله جل وعلا عجب من هذا الفعل، وضحك إلى هؤلاء، وأنزل: وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ [الحشر:9]، فهذا الرجل جعل ضيف رسول الله أكرم عليه من نفسه، فقدم له طعامه وطعام أهله، فضحك الله من هذا الصنيع، فهذا سبب من أسباب ضحك الله جل في علاه، فكل جواد كريم فإن الله يضحك له.

    ويضحك الله سبحانه إلى الشهيد، فلنعم المباهاة، ولنعم المثوبة، ولنعم الجزاء الذي يجازى به الشهيد، وقد جاء رجل من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في الصف، فيقول: يا رسول الله! ما الذي يضحك ربنا؟ -أي: أن الصحابي يعتقد هذه العقيدة الصحيحة وهي أن الله يضحك- قال: (أن تدخل مقبلاً غير مدبر بغير درع -أي: على الصف الكافر، فتبيع نفسك رخيصة لله جل في علاه، زاهداً في نفسك، ورضاً لربك جل في علاه- فتقتل، فقال: هذا يضحك الرب؟ قال: نعم، قال: لم نعدم من رب يضحك خيراً، فدخل فقاتل فقتل).

    أيضاً من الأسباب التي يضحك الله منها ما جاء عن النبي صلى أنه قال: (يضحك ربكم من رجلين يقتل أحدهما الآخر، ثم يأخذ القاتل بيد المقتول ويدخلان الجنة)، وتفسير ذلك أن الرجل الأول كان مسلماً، فكان يقاتل في سبيل الله اعلاءً لكلمة الله، وكان الآخر كافراً يقاتل للشيطان، فقتل هذا المسلم، فأصبح من الشهداء عند الله جل وعلا، ودخل الجنة بشهادته، كما نظن ذلك بإذن الله، والكافر أسلم بعدما قتل المسلم، وامتلأ قلبه بالإيمان، فمات قتيلاً شهيداًً، فالله جل وعلا أمر هذا القاتل الأول أن يأخذ بيد القاتل الثاني فيدخلا الجنة، وضحك الله من الرجلين أن القاتل لا يمكن أن يدخل الجنة، وحتى المؤمن إذا قتل المؤمن، قال الله تعالى: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا [النساء:93] ، إلى آخر الآيات، فالله جل وعلا يبين أن المؤمن يخلد في النار إذا قتل المؤمن.

    ومما يضحك الله سبحانه شهود الربوبية في القلب، كما جاء في حديث مسلسل عن علي بن أبي طالب في دعاء ركوب الدابة وهو: (بسم الله الحمد لله: سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ [الزخرف:13] ، الحمد لله، الحمد لله، الحمد لله، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، رب إني ظلمت نفسي ولا يغفر الذنوب إلا أنت، ثم ضحك علي بن أبي طالب ، والراوي عنه حدث بهذا الحديث وضحك، وقال: حدثني علي فضحك، ثم قال علي حدثني رسول الله فضحك، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما الذي أضحكك؟ قال: ضحك الله من عبده يقر بأن له رباً يأخذ بالذنب ويغفر).

    فشهود الربوبية في القلب سبب من أسباب ضحك الرب جل في علاه.

    وأيضاً: من الأسباب التي يضحك الرب جل في علاه منها: قنوط العباد مع قرب الفرج، ففي الحديث أنه قال: (ضحك ربنا تبارك وتعالى من قنوط عباده وقرب غيره)، فبعد الشدة التي مستهم قنطوا من فرج الله جل وعلا على العباد، فيضحك الله جل وعلا من عباده كيف يقنطون والفرج قريب، وفي هذا دلالة على أنهم لا يعلمون الغيب.

    فالله سبحانه يضحك ضحكاً لا يشابه ولا يماثل ضحك المخلوقين.

    التعبد لله بصفة الضحك

    على المرء أن يتعبد لربه جل وعلا بهذه الصفة الجليلة، وذلك بأن يعتقد اعتقاداً جازماً أن ربنا يضحك، وأن ضحكه من صفات كماله، ونتعبد لله بهذه الصفة بأن نحسن الظن بالله جل وعلا، كما قال ذلك الصحابي الفقيه: لن نعدم من رب يضحك خيراً، فإذا علمت أن ربك يضحك أحسنت الظن به، فتتمثل حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (قال الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي ما شاء)، فإذا ظننت أن ربك يضحك في وجهك فإن الله جل وعلا سيدخلك الجنة بذلك، ويثيبك خير المثوبة.

    والأشاعرة أولوا الضحك إلى إرادة الثواب، وخالفوا بذلك القرآن والسنة وإجماع أهل السنة.

    1.   

    القسم وأنواعه

    قال نهيك بن عاصم عن الرسول صلى الله عليه وسلم: (فضحك لعمر الله)، فقوله: (لعمر الله) قسم، فهو يقسم بعمر الله جل وعلا، أو بحياته، وهذا الكلام يستنبط منه آداب القسم، والقسم قسمان: قسم من الخالق، وقسم من المخلوق، فأما قسم الخالق فيقسم بما شاء من خلقه، يقسم بالسماء والطارق، ويقسم بالليل والنهار والشمس، قال الله تعالى: وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ * النَّجْمُ الثَّاقِبُ [الطارق:2-3]، وقال جل وعلا: وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى [الليل:1-2] ، وقال جل في علاه: وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ [الفجر:1-2]، وقال جل في علاه: وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ [الانشقاق:18]، وقال جل في علاه: لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ [الحجر:72]، فالمخلوق الوحيد الذي أقسم الله بحياته هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالله يقسم بما شاء من خلقه، وفيه دلالة على ربوبيته وعظمته وقوته وقدرته سبحانه جل في علاه.

    أما القسم الثاني فهو قسم المخلوق، فالمخلوق لا يقسم أبداً إلا بالله جل في علاه، ودليل ذلك ما جاء في الصحيحين عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك) .

    وفي رواية أخرى قال: (لا تحلفوا بآبائكم، من كان حالفاً فليحلف بالله) ، وبسند صحيح عن ابن مسعود قال: لأن أحلف بالله كاذباً خير لي من أن أحلف بغير الله صادقاً.

    ووجه ذلك أن الحلف بغير الله شرك، وأما الحلف بالله كذباً فهو معصية، والشرك وأكبر من المعصية، ففي هذا دلالة على أن المخلوق لا يقسم أبداً إلا بالله جل في علاه.

    وكيفية القسم أن يقسم بذات الله، أو بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، والحياة صفة من صفات الله جل وعلا، وهذا الصحابي الجليل أقسم بها وأقره النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك بل وقال: (فلعمر إلهك ما يدع على ظهرها من مصرع) إلى آخر الحديث، فأقسم بعمر الله أو بحياة الله.

    وحياة الله صفة من صفاته الثبوتية التي أثبتها له رسول الله صلى الله عليه وسلم لله جل في علاه، ولو كانت سلبية لنفاها.

    وهي صفة ذاتية أزلية أبدية، فإن حياة الله جل وعلا لا تشابه حياة المخلوقين، فحياة المخلوق يسبقها العدم، ويلحقها الفناء، أما حياة الله جل وعلا فهي حياة أزلية أبدية، والقسم بعمر الله أو بحياة الله قسم بصفة من صفاته.