إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ محمد حسن عبد الغفار
  3. شرح كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب - تكملة لفوائد أحاديث الرؤية

شرح كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب - تكملة لفوائد أحاديث الرؤيةللشيخ : محمد حسن عبد الغفار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد أكرم الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم وفضله على سائر خلقه، وحادثة الإسراء والمعراج أقوى شاهد على ذلك، فقد عُرج به إلى سدرة المنتهى، وكلمه ربه وفرض عليه خمس صلوات في اليوم والليلة، وحصل له من المعجزات ما يدل على صدق نبوته، فقد رأى الجنة ونعيمها، ورأى النار وجحيمها، وأيده الله بمعجزات عند عودته حين كذبه قومه، وهذا مبسوط في كتب السير، وقد اختلف العلماء في رؤيته لربه على ثلاثة أقول، والصحيح الراجح: أنه لم يره، ولن يرى أحد ربه في الدنيا.

    1.   

    وقفات مع أحاديث إثبات الرؤية

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    ثم أما بعد:

    إخوتي الكرام! ما زلنا مع هذا الكتاب الكريم كتاب (التوحيد وإثبات صفات الرب عز وجل) لإمام الأئمة ابن خزيمة, فقد اشتد الكرب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وتكالبت عليه قريش ومن معها ومن يناصرها، واشتد تألم رسول الله صلى الله عليه وسلم وتوجعه بعد ما مات عمه أبو طالب ، وبعد ما ماتت خديجة ، واشتدت عصا قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسمى العلماء هذا العام عام الحزن، فذهب الرسول الله صلى الله عليه وسلم يستنصر لنفسه ويستنصر لدينه ويستنصر لدعوته، فذهب إلى الطائف يطلب النصرة من ابن عبد يا ليل، وذهب إليه ليعرض عليه دعوته، فكان الرد قاسياً على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكما قالت عائشة في الصحيح: إنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما هو أشد الأيام التي مرت عليك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يوم أن عرضت نفسي على الطائف) , فلما ذهب وعرض نفسه عليهم صلى الله عليه وسلم بأبي هو وأمي رفضوه واحتقروه، بل وأذلوه صلى الله عليه وسلم بأبي هو وأمي، وبعثوا الأطفال خلفه بالحجارة، ولم يكتفوا بهذا بل بعثوا الرسل إلى قريش يخبرونهم بما فعل محمد صلى الله عليه وسلم، وأنه كان يستنصر أهل الطائف عليهم حتى ينصروا دعوته، فازدادوا حقداً وحسداً وبغضاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم وبغضاً لدعوته، حتى إنه ما استطاع أن يدخل مكة إلا في جوار المطعم بن عدي، فرجع النبي صلى الله عليه وسلم مهموماً مغموماً، وجاءه ملك الجبال كما وردت الآثار في ذلك يستأذنه أن يطبق عليهم الجبلين أو الأخشبين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله ولا يشرك به شيئاً) فأبى على الملك ذلك, حتى ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل مكة في جوار المطعم بن عدي، ومن شهامة أهل الكفر ومروءتهم وهو ما نفتقده حتى في أهل الإسلام الآن, وذلك حين جاء إلى - المطعم- بعدما استجار به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودخل مكة فأشهر المطعم سيفه وأخذ أولاده كل منهم يستل سيفه ويقول: إن محمداً في جواري، وحذر قريشاً من الاقتراب منه؛ ولذلك حملها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما فتح الله عليه مكة وأسر من أسر منهم قال: (لوا كان المطعم حياً فكلمني في هؤلاء النتنة لتركتهم من أجل).

    وهذا شاهد آخر يبين لك شهامة ومروءة ورجولة أهل الكفر مع أنهم أهل كفر، ولكن علوا بهذه السمات وهذه الصفات, ولما تآمر أبو جهل -عليه من الله ما يستحق في قبره مع الفتية- على قتل محمد صلى الله عليه وسلم طال عليهم الزمن وما خرج رسول الله قال الفتية: نرتقي البيت ثم ندخل على محمد فنقتله، فقال فرعون هذه الأمة: جئنا لنقتل محمداً وما جئنا لنروع بنات محمد! فهذه من الشهامة والمروءة، والمقصود: وإن كانت هذه الشهامة والمروءة لم تنفعهم، لكن كانت عندهم صفات وسمات يتمناها أهل الإسلام الآن.

    فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم اشتد الكرب به واشتد عليه الحزن والهم، فأراد الله جل في علاه أن يروح عن نبيه صلى الله عليه وسلم، فكانت الرحلة المباركة الميمونة رحلة الإسراء والمعراج.

    وقفات مع حديث الإسراء والمعراج الذي يرويه أنس

    وحديث الإسراء والمعراج يرويه أنس بالمباشرة أو بالواسطة، فقد روى عن مالك بن صعصعة وغيره، وروى بنفسه لسماعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمدار كل حديث الإسراء على أنس ، فلندع أنس رضي الله عنه وأرضاه يحدثنا عن هذه الرحلة المباركة الميمونة.

    يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدثنا فقال: (كنت نائماً في الحصير فأتاني آت -هو جبريل عليه السلام- فشق صدري ..), أي: شق صدر الرسول صلى الله عليه وسلم من تحت النحر إلى السرة, وهذه معجزة من المعجزات الخاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم، وقد رفضها أهل العقول الخربة من المعتزلة وأفراخها الذين يهرفون بما لا يعرفون، ويردون أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم بعقولهم الخربة، مع أنهم في هذه العصور التي نراها أسوأ ما تكون على أهل الإسلام عندما يرون الأطباء يفتحون القلوب والصدور والعمليات الجراحية المختلفة يصدقونها ويبهرون بحسن صناعة هذا الطبيب، فما بالكم بالله جل وعلا الذي إذا قال للشيء كن فيكون! والله الذي لا إله إلا هو من رد هذا الحديث فهو لم يعتقد في الله حق اعتقاده، ولم يعتقد في رسول الله صلى الله عليه وسلم حق الاعتقاد، ولم يتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم حق اتباعه، فإنه لو اعتقد في الله حق الاعتقاد، وعلم أن الله على كل شيء قدير، وعلم أن الله خلق ملكاً له ستمائة جناح من قدرته وقوته، وأن الله جل وعلا أعطاه قوة حمل قرية بأسرها، وأن يجعل عاليها سافلها، لما رد هذا الحديث.

    إن جبريل عليه السلام هو الذي أجرى العملية الجراحية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ذلك الملك الذي ضرب بجناحه فقط قرية لوط فجعلها كثيباً مهيلاً، جبريل عليه السلام الذي عندما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم رعب منه وقال: زملوني زملوني, جبريل الذي قال في وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم: (رأيت جبريل يجلس على كرسيه في السماء ورجلاه في الأرض)، جبريل عليه السلام الذي له ستمائة جناح؛ ولذلك قيل لبعضهم الذين يؤولون صفات الله: صف لي ثلاثة أجنحة فقط وأنا أكفيك الباقي ما استطعت.

    فجبريل عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام هو الذي أجرى العملية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فشق صدره، ثم أخرج قلبه وغسله بماء زمزم، ثم بعد ذلك غسل صدره وحشاهُ حكمة وإيماناً وعلماً. فمن قال: إن الحكمة والإيمان والعلم معنويات، فنقول: كيف يحشى الصدر بهذه المعنويات؟ فالله على كل شيء قدير، أما سمعتم وعلمتم بأن الموت سيقوم متمثلاً أمام الناس، وينادى: يا أهل الجنة! خلود بلا موت، ويا أهل النار! خلود بلا موت، أو ما علمتم أن الله جل وعلا يجعل الأعمال هذه تتكلم، وهذا الفخذ يتكلم، واليد تتكلم وتشهد على العبد؟ فإن الله على كل شيء قدير, فقد ملأ صدر رسول الله صلى الله عليه وسلم حكمة وإيماناً.

    ثم بعد ذلك أغلق جبريل صدره وأرجع ورد كل شيء إلى مكانه ثم أتي الرسول صلى الله عليه وسلم بالبراق، وهي دابة لونها أبيض فوق الحمار ودون البغلة، قال أنس في وصفها: (يضع حافره في نهاية مد البصر، فركبه رسول الله صلى الله عليه وسلم) ، وفي بعض الأحاديث الضعيفة: أنه لما جاء الرسول صلى الله عليه وسلم يركب البغلة أو البراق استصعب عليه، فقال له جبريل: والله ما ركب عليك أكرم على الله من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصدق وحق له أن يقول ذلك، بل إن نبينا صلى الله عليه وسلم أفضل من جبريل كما سنبين من هذه القصة، فركبه ثم بعد ذلك ذهب به إلى بيت المقدس بأبي هو وأمي، فعلق الخطام على باب المسجد، ثم دخل وصلى ركعتين, وفي بعض الروايات: أن الله جمع له الأنبياء أجمعين، فأمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فانقادوا له وسلموا له الريادة والسيادة والقيادة، وما كان لهم إلا أن ينقادوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ويعلموا أن هذا إيذان وإشارة من الله أنه إذا أم الرسل والأنبياء فإن دينه ناسخ لكل الأديان التي قبله، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده لا يسمع بي من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لم يؤمن بالذي جئت به إلا كان من أصحاب النار) فرسول الله صلى الله عليه وسلم سيدهم وإمامهم وقدوتهم، فصلى بهم جميعاً، ثم بعد ذلك كانت الرحلة الميمونة المباركة , فركب البراق، فصعد إلى السماء حتى بلغ السماء الدنيا، فقرع جبريل الباب عليه الصلاة والسلام، فقيل: من؟ قال: جبريل، فقالوا: من معك؟ قال: محمد، قالوا: أو أرسل إليه؟ قال: نعم، فقالوا: مرحباً بالنبي الصالح، ففتح له فدخل جبريل ودخل معه محمد صلى الله عليه وسلم، فرأى آدم عليه السلام ورآه آدم، فقال آدم: مرحباً بالابن الصالح والنبي الصالح ، ثم صعد به إلى السماء الثانية، فوجد فيها عيسى ويحيى عليهما السلام، فرحبا به وقالا: مرحباً بالنبي الصالح والأخ الصالح، ثم صعد به إلى السماء الثالثة، فوجد فيها يوسف عليه الصلاة والسلام وقد أوتي الشطر الثاني من الجمال، فقال: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد إلى السماء الرابعة فوجد إدريس، فتلا قول الله تبارك وتعالى وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا [مريم:57]، ثم بعد ذلك صعد إلى السماء الخامسة فوجد فيها هارون، فرحب به وقال: مرحباً بالنبي الصالح والأخ الصالح، ثم ارتقى إلى السماء السادسة فوجد فيها موسى عليه الصلاة والسلام، فقال: مرحباً بالنبي الصالح والأخ الصالح، فلما صعد محمد صلى الله عليه وسلم بكى موسى؛ لأن غلاماً سيدخل من أمته أكثر مما يدخل من أمتي الجنة -فنسأل الله تبارك وتعالى أن يجعلنا جميعا من أهل الجنة -ثم صعد إلى السابعة فوجد إبراهيم عليه الصلاة والسلام وحوله أطفال المشركين وأطفال المسلمين، قال: مرحباً بالنبي الصالح والابن الصالح، ثم بعد ذلك صعد محمد صلى الله عليه وسلم، إلى سدرة المنتهى لكن جبريل لم يصعد مع رسول الله، وهذا دليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم أرقى منزلة عند الله من جبريل، وأكرم على الله من جبريل، وحق لنا أن نقول ذلك، فإن سيد الخلق أجمعين هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أكرم من جبريل عليه الصلاة وأزكى السلام، فصعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمه الله من وراء حجاب؛ لأن الله يقول : وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ [الشورى:51]، فكلمه من وراء حجاب وفرض عليه خمسين صلاة، فنزل يتردد بين الله جل وعلا وبين موسى، فقد كان موسى يقول: أمتك لا تستطيع ذلك، وهو يراجع ربه حتى جعلها الله خمس صلوات في اليوم والليلة، وهي بأجر خمسين صلاة بفضله ومنه وكرمه ورحمته على عباده.

    ذكر ما جاء في رؤية النبي صلى الله عليه وسلم في الإسراء والمعراج، وتكذيب قومه له، وموقف أبي بكر

    لقد رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الرحلة الميمونة المباركة عجباً وأمراً مذهلاً تشيب له الرءوس والولدان، فقد رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أقواماً في جهنم أفواههم كأفواه البعير يلتقطون جمراً من النار فيأخذونها في أفواههم فتنزل من أسفلهم فتخرج، ورأى أقواماً أيضاً يسبحون في نهر من الدماء، ويقف رجل على شط النهر ومعه حجر، فكلما اقترب هذا السابح في نهر الدماء من الخروج فغر فاه فألقمه الحجر فرجع كما كان، ورأى أقواماً بطونهم عظيمة فيها الحيات، وكلما أرادوا أن يقوموا انقلبوا على ظهورهم، ثم رأى أقواماً يلتفون حول الجيف يأكلون من هذه الجيف، وأقواماً لهم شرائح من اللحوم، وهذه اللحوم طيبة، فينظرون إليها فيتركونها، وينظرون إلى لحوم منتنة فيذهبون فيأكلونها، وآخرين لهم أظافر من حديد يخمشون به لحومهم وظهورهم، ورأى النساء تعلق كل امرأة من ثديها، فتعجب واندهش, ثم سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هؤلاء الأقوام فقيل له: أما المرأة التي تعلق من ثديها فهن الزانيات، وتحتهن نار كلما اشتعلت عليهم ارتفعوا وضوضوا، أي حدثت ضوضاء وحدثت أصوات كثيرة وشديدة من عذابهم.

    وأما الأقوام الذين يلتقطون الجمر ويأخذونها بأفواههم وتخرج من أسفلهم، فهؤلاء الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً، وقد قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا [النساء:10].

    وأما الذي فغر فاه وألقمه الحجر وهو يسبح في نهر من الدم، هؤلاء آكلوا الربا والعياذ بالله، وأمثالهم الذين يتجرءون على حرمات الله ويأكلون الربا بالحيل، كما ورد في بعض الأحاديث الضعيفة وإن كان معناها صحيح: (يأتي زمان على أمتي يأكلون الربا بالبيع، يسمونه بيعاً وهو ليس بالبيع) بل هو حيلة على رب البرية جل في علاه.

    قال: وأما الذين بطونهم عظيمة فيها الحيات، كلما قام منهم القائم ينقلب على ظهره مصداقاً لقول الله تعالى: لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ [البقرة:275]، وأما الآخرون الذين يخمشون وجوههم فهؤلاء هم الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم.

    والغرض المقصود أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى عجباً، وكل ذلك يشير لنا إلى أحقية أن نؤمن ونعتقد بعذاب القبر وإن كان الميت في بطون السباع، فإن الله سيعذبهم بهذا العذاب حتى تقوم الساعة.

    وبعد ما انتهى نبي الله صلى الله عليه وسلم من هذه الرحلة الميمونة المباركة وامتلأ صدره إيمانا وحكمة وعلماً، نزل إلى مكة يؤسس الدولة الإسلامية، ينشر هذه الدعوة لكنه لاقى ما لاقى من أهل مكة لما جلس يذكر ما رآه من بيت المقدس، فقام أبو جهل والوليد بن المغيرة ومن معهم من صناديد قريش فقالوا له: أين كنت أمس؟ قال: كنت في بيت المقدس، فأخذوا يسخرون منه ويستهزئون، ويضحك أبو جهل ويقول: رأيت إبراهيم، رأيت موسى، رأيت عيسى، صف لنا موسى، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أما موسى فكان رجلاً أسمر صخماً، وأما عيسى فكان أحمر ربعة، وأما إبراهيم فأنا أشبه الخلق به، وهو يتكلم بقوة؛ لأنه يعلم أن هذا هو الحق الذي أراه الله جل في علاه.

    فأخذوا يستهزئون، فقالوا: صف لنا بيت المقدس، وقد أصاب النبي صلى الله عليه وسلم الهم لما سألوه ذلك؛ لأنه دخل بيت المقدس ليلاً، وخرج منه ليلاً وهم يسألونه عن دقائق الأمور في بيت المقدس، فوقف وجلس لحظة مغموماً، وانظروا إلى قدرة الله جل وعلا، والله الذي لا إله إلا هو من لم يعتقد في الله حق اعتقاده فقد خاب وخسر وتخبطه الشيطان في كل وادٍ، ولن يبالي الله جل وعلا إذا أهلكه في أي وادٍ من هذه الوديان, فالذي يعتقد في الله حق اعتقاده يعلم أن الله لن يضيع رسوله أبداً، وسينصره عليهم، فاغتم رسول الله صلى الله عليه وسلم لذلك عندما سألوه في دقائق الأمور، فجاءه جبريل وعلى جناحه بيت المقدس, وفيه كل ما فيه, فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (فجاءني جبريل وعلى جناحه بيت المقدس أنظر إليه وأقص عليهم) وكان منهم من سافر إلى الشام ورأى بيت المقدس، فكان يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبر بدقائق الأمور الهندسية في هذا البيت، وهم يعلمون أن هذا هو الحق، وأعلى من ذلك وأرقى أنه قال: إن بعير فلان بن فلان في المكان الفلاني، وأما بعير فلان فتطلع عليكم الصبح، ثم ذهبوا فوجدوا ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم حقاً، فوقفوا أمام هذا الحق وهذا الصدق وهذه المعجزة، وأقروا بهذه الآية, فما كان ينتظر منهم إلا أن يؤمنوا؛ حيث إنهم أقروا إقراراً تاماً مطابقاً لما قال النبي صلى الله عليه وسلم، وأقروا بأن هذه آية، ولكن قام المغيرة فقال: إن هذا لسحر، فأخذوا يقولون هذه الكلمة، وقالوا: ساحر مبين حقدا وجحودا بمعجزات النبي صلى الله عليه وسلم وبدلائل النبوة.

    فالمقصود أن الله جل وعلا ثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أخبرهم بذلك، فقاموا وقالوا: نؤلب عليه قريشاً فذهبوا إلى أبي بكر فوبخوا أبا بكر رضي الله عنه، وقالوا: يا أبا بكر أرأيت ماذا قال صاحبك؟ قال: ماذا يقول؟ قالوا: قال إنه قد أسري به إلى بيت المقدس ورأى بيت المقدس، فقال أبو بكر: إن كان قال هذا فقد صدق، ثم أتى بدليل ساطع على تصديقه لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني أصدقه في ما هو أبعد من ذلك، إني أصدقه في الخبر يأتيه من السماء، فقياس الأولى والقياس الجلي إن أصدقه فيما حدث له في الإسراء والمعراج، ولقب من يومها رضي الله عنه وأرضاه بالصديق.

    اختلاف العلماء في رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه في حادثة الإسراء والمعراج

    لقد استنبط منها العلماء استنباطا اختلفوا فيه وهو عندما تردد النبي صلى الله عليه وسلم بين موسى وبين الله وهو يكلمه من وراء حجاب, هل رأى محمد ربه بعينه أم لا؟ فقد اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال:

    القول الأول: النفي مطلقاً، فلم يره لا بقلبه ولا ببصره، وهذا قول عائشة رضي الله عنها وأرضاها.

    واستدلت على قولها بقول الله تبارك وتعالى لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ [الأنعام:103]، وقالت: قال الله تعالى وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ [الشورى:51].

    القول الثاني قول ابن عباس رضي الله عنه وأرضاه وهو: أنه رأى ربه بعينه , وهذه رؤية بصرية، فقد قال ابن عباس: والذي نفسي بيده قد رأى محمد ربه، وذلك عندما سئل أرأيت ربك؟ قال: (نور إني أراه) فقد أثبت هنا الرؤية البصرية.

    القول الثالث: وهو قول منسوب لـعائشة وسنده ضعيف ومنسوب لـابن عباس أيضا، وهو أنه رأى ربه بقلبه لا بعينه، والفرق بين هذا وذاك أنه رأى ربه بقلبه أي رؤية منامية، ولم يره بعينه.

    وأدلتهم على ذلك حديث أتى به المصنف وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أتاني ربي في المنام في أحسن صورة، ثم سألني: فيم يختصم الملأ الأعلى؟ فما عرفت، فوضع يده على صدري فوجدت برد أنامله على صدري، فعلمت كل شيء، فقلت: يختصم الملأ الأعلى في الدرجات والكفارات).

    إذاً: النفي مطلقاً, والإثبات مطلقاً, والتفصيل وهو: أنه رآه بقلبه ولم يره بعينه, ونترك مسألة الرؤية القلبية، وننظر إلى القول بالرؤية البصرية وقول عائشة, فإن عائشة اشتد نكيرها على من يقول: إن الله رئي بالعين البصرية، وذلك لما قال لها مسروق : إن بعض الناس يقولون: إن محمداً رأى ربه، قالت: قد قف شعري لما تقولون، من أخبركم أن رسول الله قد رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية, تعني: الكذبة وهي تقصد الخطأ ولا تقصد الكذب الصريح, واستدلت بقوله تعالى: لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ [الأنعام:103]، وهذا دليل في غير محله؛ لأن المعارض والمخالف له أن يقول: نحن نوافق أن الله لا يُدَرك، وأن الله قد أحاط بكل شيء ولا يحيط به شيء سبحانه جل في علاه، لأن معنى الإدراك: الإحاطة , ونحن لا نحيط بالله أبداً لا علماً ولا سمعاً ولا بصراً, والرؤية غير الإدراك, فهذا الدليل ليس في محله.

    واستدلت بآية أخرى وهي قوله تعالى: وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ [الشورى:51] فقالت: إن محمداً لم يرَ ربه؛ لأن لا الله لا يكلم نبيناً إلا عن طري الوحي أو من وراء حجاب.

    لكي نقول: إن الله حقاً كلمه وكلمه من وراء حجاب، والكلام غير الرؤية، فلعله رأى ربه دون أن يكلمه، لكن لما كلمه كلمه من وراء حجاب , فتصبح الأدلة التي استدلت بها عائشة رضي الله عنها وأرضاها أدلة ليست من القوة بمكان في محلها.

    وأما ابن عباس فأدلته قوية فـعائشة تنفي وابن عباس، يثبت، والقاعدة عند علمائنا: أن المثبت مقدم على المنفي؛ لأن الذي ينفي ليس معه علم، والذي يثبت معه زيادة علم، وزيادة العلم تتقدم على غيره، وهناك حديث آخر يصرح بأن الرسول صلى الله عليه وسلم رأى ربه في مسند أحمد , فقد روى أحمد في مسنده من طريق حماد بن سلمة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس عن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (رأيت ربي) وهذا فصل للنزاع؛ لأن هذا تصريح، لكننا لا نخوض في هذا أيضاً، وأقول: إن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم على الراجح من أقوال أهل العلم: أنه لم يرَ ربه, والدليل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنكم لن ترو ربكم حتى تموتوا).

    وأصوليا كما قررنا في الأصول: أن الخطاب للأمة خطاب لسيد الأمة وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تفعلوا كذا فهو صلى الله عليه وسلم لا يفعل، إلا أن يدل الدليل بالتصريح أن هذه خصوصية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا) فيدخل النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الخطاب، فلن يرى ربه ربه حتى يموت بأبي هو وأمي.

    وقد قال الله تعالى لموسى عليه السلام: (لَنْ تَرَانِي [الأعراف:143] وحتى لو كانت الآية على بابها في التأبيد فهي في التأبيد الدنيوي لا الأخروي، فالصحيح الراجح في ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرَ ربه في هذه الدنيا.

    والرد على أدلة من قال: إن النبي محمداً رأى ربه: هو أن ابن عباس لم يصرح بأنه سمع ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأصبح الدليل في الرفع محتملاً، والمقطوع به يقدم على المظنون؛ لأن الاحتمال ظن، والمقطوع به: أنه قال لن تروا ربكم، وقد قال ابن عباس : أتعجبون أن يجعل الله جل وعلا لإبراهيم الخلة، ولموسى الكلام، ولمحمد الرؤية. ونحن لا نوافقه على ذلك، إذ جعل لمحمد الكلام وجعل لمحمد أيضا الخلة فقد اتخذ الله محمد خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً، وقد كلم الله جل وعلا الرسول صلى الله عليه وسلم كما كلم موسى عليه السلام، وهذا دليل على فضل رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيادته على الخلق أجمعين, فهذا بالنسبة لكلام ابن عباس فالرد على هذا: أن نقول: له الخلة وله الكلام، وأما الرؤية فلا يختص بها أحد، ولا يرى أحد ربه في الدنيا.

    ثانياً: حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (رأيت ربي) وهو حديث ضعيف؛ لأن قتادة مدلس، والذي يكفينا تدليس قتادة هو شعبة، والحديث من طريق حماد بن سلمة وهو ثقة ثبت لكنه ليس كـشعبة فلا نأمن من تدليس قتادة وإن كان السند مسلسلاً بالثقات، فالسند فيه: حماد بن سلمة ثقة ثبت قتادة ثقة ثبت، وعكرمة الكلام فيه غير معتبر، وهو ثقة ثبت، وابن عباس رضي الله عنه وأرضاه، فهو حديث مسلسل بالثقات، لكن التدليس يجعلنا نتوقف فيه، ويكون المقطوع به هو حديث: (لن تروا ربكم حتى تموتوا), والذي يقول: بل رأى محمد ربه، بقوله تعالى: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى [النجم:13] نقول: هذه الآية يقصد الله بها جبريل عليه الصلاة والسلام، كما قالت عائشة: إن النبي صلى الله عليه وسلم رأى جبريل في صورته وهيئته مرتين بستمائة جناح، المرة الأولى: عندما قال: زملوني زملوني، والمرة الثانية: عندما عرج به صلى الله عليه وسلم بأبي هو وأمي.

    ومن الأدلة على أنه لم ير ربه ببصره: ما جاء في حديث الترمذي : (أتاني ربي في أحسن صورة)، فالراجح والصحيح: أنه لم ير ربه في الدنيا، ولن يرى أحد ربه في الدنيا.

    وأما في الآخرة فقد بينا أن الوجوه تصبح ناضرة؛ لأنها إلى ربها ناظرة, نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا وإياكم ممن ينظر إلى وجهه الكريم، ويتمتع بذلك وينعم به.

    وصل اللهم وسلم على محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.