إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. محمد حسن عبد الغفار
  4. سلسلة شرح كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب لابن خزيمة
  5. شرح كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب - إثبات أهل السنة لصفتي العلو والكلام لله جل وعلا والرد على من أنكرهما

شرح كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب - إثبات أهل السنة لصفتي العلو والكلام لله جل وعلا والرد على من أنكرهماللشيخ : محمد حسن عبد الغفار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من الصفات التي أثبتها أهل السنة والجماعة لله جل وعلا صفة العلو، فالله تعالى فوق سماواته مستو على عرشه كما يليق بجلاله وعظمته، ولم ينازع في إثبات هذه الصفة لله تعالى إلا بعض أهل البدع كالأشاعرة الذين أولوا الاستواء بالاستيلاء، وحججهم في ذلك مردودة عليهم.

    1.   

    إثبات صفة العلو لله تعالى

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1]

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71]

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله, وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم, وشر الأمور محدثاتها, وكل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة, وكل ضلالة في النار.

    ثم أما بعد:

    فمازلنا مع كتاب التوحيد في إثبات صفات رب البرية سبحانه وتعالى, ومن هذه الصفات صفة العلو, وصفة الكلام.

    فالعلو علوان: علو مطلق, وعلو مقيد.

    وأهل البدع والضلالة يعتقدون الاعتقادات الخربة، ولم يستطيعوا أن يجابهوا أهل السنة والجماعة, وخافوا من أسنة ورماح جهابذة أهل السنة فلم يظهروا هذه العقيدة الخربة في قرون الخيرية الأولى, فلما توارت شمس السنة وبزغت شمس البدعة تبجحوا بهذه العقيدة الخربة وأظهروها سافرة أمام أعين أهل السنة والجماعة.

    ونسأل الله جل وعلا أن يعلي كلمته بأهل السنة والجماعة.

    والجهمية المعطلة عطلوا صفة العلو, والعلو علوان: علو مطلق وعلو مقيد, فالله جل وعلا يتصف بالعلو أزلاً وأبداً.

    وهناك علو المعنى وعلو الصفة, وعلو الله على عرشه صفة فعل، فالله لم يستو على العرش حتى خلق العرش, فلا نقول: إن الله استوى على العرش قبل أن يخلق العرش, وهذه الصفة من صفات الفعل.

    فإثبات علو الله جل وعلا في الكتاب والسنة وإجماع أهل السنة والعقل, والأصل في صفات الله الخبرية الذاتية الثبوتية أنه لا يدخل العقل فيها, لكن في صفة العلو يدخل فيها العقل؛ لأن العلو صفة كمال بالعقل, واتفق العقلاء على أن العلو صفة كمال, وإذا أردت أن تنتقص من أحد فقل فيه: إنه رجل سافل في الفكر والمنطق.

    والإنسان يتنزه عن أن يقال عنه: سافل؛ لأن العلو كمال, فمن باب أولى أن يتنزه الله عن السفول, حاشاه سبحانه وتعالى جل وعلا وتقدست أسماؤه.

    وأيضاً إذا قلنا : إن من الكمال أن يتصف المرء بالعلو, أي: علو الهمة وعلو الذات, وهذه صفة كمال, فإثبات صفة العلو لله جل وعلا من باب أولى، لأن القياس قياس أولي أو قياس جلي, فمن باب أولى أن يتصف الله بصفات الكمال كصفة العلو.

    1.   

    الصفات السبع التي أثبتها الأشاعرة لله جل وعلا وتأويلهم لصفات الله الثابتة

    الأشاعرة هم مؤولة العصر, الذين يحرفون الكلم عن مواضعه, وقد انتشر بين الناس الآن أنهم متكلموا أهل السنة والجماعة وهذا باطل, فإنهم أبعد الناس عن أهل السنة والجماعة, بل هم من يحرف الكلم عن مواضعه.

    فهؤلاء أثبتوا لله السبع الصفات: حي عليم قدير, والكلام له, إرادة كذاك السمع والبصر، وهذه الصفات توافق العقل.

    إذاً: فهم يثبتون لله جل وعلا الحياة والعلم والقدرة والإرادة والكلام وأيضاً السمع والبصر, ثم يحرفون بعد ذلك كل صفة من صفات الله جل وعلا بقاعدة عندهم، وهي تأويل الصفة بالأدلة.

    فإذا جاءوا لحديث النبي صلى الله عليه وسلم (ينزل ربنا إلى سماء الدنيا ثلث الليل الآخر) يقولون: ينزل ربنا بمعنى تنزل رحمته لا ذاته.

    وقوله تعالى: وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر:22] قالوا: تجيء رحمته أو أمره, أو ملائكته, فلا يثبتون الصفة, ويؤولونها بلازمها, وأهل السنة والجماعة يثبتون الصفة.

    والفرق بين أهل السنة والجماعة وبين الأشاعرة, أن أهل السنة والجماعة يثبتون الصفة ويثبتون لازمها, فقوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله إذا أحب عبداً نادى في السماء أن يا جبريل إني أحب فلاناً..) فالأشاعرة يقولون: المحبة هنا معناها إرادة الثواب, فأثبتوا لازم الصفة, لأن الله إذا أحب عبداً أثابه الجنة, وجعله في جواره في الجنة.

    وأهل السنة والجماعة يثبتون أولاً أن الله يحب ويبغض, ثم يثبتون لازم صفة المحبة وهي أن الله إذا أحب عبداً أدخله الجنة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا أحب الله عبداً عسله, قالوا: يا رسول الله وما عسله؟ قال: وفقه لعمل خير فقبضه عليه, فكان مآله الجنة) .

    فإذا أحب الله عبداً, فإن لازم هذه المحبة أن يجعله في جواره في الجنة.

    فالأشاعرة ما أثبتوا صفة من صفات الله جل وعلا, بل حرفوها عن مواضعها, فقالوا: لا يمكن أن نقول: إن الله في علو, وأنكروا العلو, وقالوا في قول الله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5]: معناها الرحمن على العرش استولى!

    القرينة اللغوية عند الأشاعرة لتأويل صفة الاستواء إلى الاستيلاء والرد عليها

    قال الأشاعرة: أنتم يا أهل السنة والجماعة قعدتم قاعدة وهي: أنه يمكن لنا أن نصرف اللفظ عن ظاهره إذا جاءت القرائن, وعندنا مسوغ وقرينة من اللغة تجعلنا نؤول الاستواء بالاستيلاء، قال الشاعر العربي الأصيل:

    استوى بشر على العراق من غير سيف ولا دم مهراق

    فيكون معنى استوى في قوله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5] أي: استولى.

    أما أهل السنة والجماعة فقالوا: هذا القول من أضل الضلال, والذين قالوا بذلك من الفرق الضالة المبتدعة الذين حرفوا الكلم عن مواضعه، ويرد عليهم بما يلي:

    أولاً: قوله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5] هذه الآية من المحكم, فالاستواء محكم، وكذلك الآية الأخرى (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف:54] ومعنى: أن الله استوى على العرش, أي: علا وارتفع سبحانه وتعالى على العرش.

    فهذه المحكمات لا يمكن أن نخالفها ونصرفها عن الحقيقة إلى المجاز إلا بقرينة, لأن الأصل في اللفظ أن يبقى على حقيقته, ولا يصرف للمجاز.

    فالاستواء حقيقة في العلو, ونتنزل بأن هذا البيت عربي أصيل, فيكون مجازاً بمعنى استولى, فقوله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5] حقيقة في العلو, مجازاً في الاستيلاء.

    والأصل أن نبقي اللفظ على حقيقته, إلا أن تأتي قرينة تصرفه من الحقيقة إلى المجاز, ولا توجد قرينة صارفة، فيبقى اللفظ على حقيقته وهو العلو والارتفاع.

    فنقول: علا وارتفع سبحانه وتعالى.

    ثانياً: ظاهر قول الله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5] أن الاستواء على حقيقته بمعنى علا وارتفع على هذا العرش, فهذا ظاهر اللفظ, فإننا لا نؤول من الظاهر إلى المؤول إلا بدليل, ولا دليل على ذلك في كتاب الله يؤول الاستواء إلى الاستيلاء, وكذلك لا دليل من السنة يجعلنا نقول: الاستواء بمعنى الاستيلاء.

    فإن قالوا: هنالك مسوغ من اللغة, قلنا: الأصل أن يفسر القرآن بالقرآن؛ لأن الله جل وعلا أنزل الكتاب بلسان عربي مبين, إذاً: يبقى اللفظ على ظاهره وقد خالفوا الظاهر, ويبقى اللفظ على حقيقته وأتوا بالمجاز، والأصل أن يؤخذ بالحقيقة دون المجاز, فيبطل بذلك استدلالهم بهذا البيت.

    اللوازم الباطلة من تفسير الاستواء بالاستيلاء

    لو فسرنا الاستواء بالاستيلاء, يلزم من ذلك لوازم باطلة:

    أولها: أن العرش لم يكن تحت ملك الله جل وعلا, ثم استولى عليه بعد ذلك، وهذا كفر مبين, فلو قال قائل: إن شيئاً قيد أنملة أو شجرة أو ورقة شجر ليست في ملك الله فقد كفر بذلك, إذ أحاط الله جل وعلا بكل كونه ملكاً وقدرة وعزة وقهراً سبحانه وتعالى.

    إذاً من أول اللوازم الباطلة: إذا قلنا بأن الاستواء بمعنى الاستيلاء، أن العرش لم يكن في ملك الله, ثم استولى عليه, فهذا أول لازم من اللوازم الباطلة, وهذا كفر مبين.

    ثانيها: القول بأن هناك أرباباً من دون الله, فلو قلنا: الرحمن على العرش استولى, لزم أن يكون هنالك رب آخر كان مستولياً على العرش, وحصلت المغالبة بين هذا الرب وهذا الرب, أو هذا الإله وهذا الإله, واستولى بعد ذلك الرحمن على العرش، بعدما أخذه منه, والله جل وعلا يقول: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا [الأنبياء:22] فهذا اللازم الباطل أكفر من اللازم الأول, لأنه يلزم منه وجود أرباب من دون الله تنازع الله في ملكه سبحانه وتعالى.

    فإن قالوا: هذه اللوازم نرفضها, وأنتم تريدون أن توقعونا في شر أعمالنا, وسنخرج منكم بكلام لطيف وهو أن معنى استولى: تم ملكه, أو مطلق التمليك, وليس الاستيلاء بالمغالبة, فنقول: الرحمن على العرش استولى, يعني: الرحمن دخل في ملكه العرش.

    قلنا: لم خص الله جل وعلا العرش بالتمليك؟ فالشجر ملكه وكذلك البحر والسماء والشمس والنجوم, إذاً: لِم لمْ يقل الله جل وعلا: الرحمن على الشمس استوى أو الرحمن على الشجر استوى, أو الرحمن على البحار استوى؟ فالبحر ملك لله, والشمس ملك لله, والأرض ملك لله, والجبال ملك لله, فلا مزية بين الجبال وبين العرش, ولا بين البحر وبين العرش, فيلزم التساوي بينها وبين الآية، وهذا من أبطل الباطل, فبذلك يظهر لنا بطلان تأويلهم من أجل اللوازم الباطلة.

    ثم نقول: نفرض أن هذا البيت عربي أصيل وأنه مسوغ لذلك, ونحن لم نكفره, فالتكفير للنوع دون العين, فمن حرف الكلمة عن موضعها بدون مسوغ من اللغة, هذا كفر؛ لأنه تكذيب لقول الله جل وعلا.

    فمن قال في قوله تعالى: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [الفتح:10] بمعنى: رحمة الله فوق أيديهم, أو قدرة الله فوق أيديهم، وهذا قول أهل البدع والضلالة، فهذا كفر مبين؛ لأنه مكذب, ولا يوجد مسوغ في اللغة.

    فمن قال: هنالك مسوغ من اللغة، وهو أن اليد بمعنى النعمة، كقولهم: لولا يد لك عندي ما كافأتك عليها، وأيضاً في اللغة مسوغ بأن اليد هي القدرة، فالعرب يقولون: قبض على البلدة بيد من حديد، يعني: بقدرة أي: قدر على أهلها.

    الغرض المقصود: أن اليد بمعنى القدرة لها مسوغ من اللغة, فإذا قالوا: بأن الاستواء بمعنى الاستيلاء وليس لهم مسوغ كفروا, وإن قالوا: المسوغ هذا البيت, قلنا: هذا البيت ليس بعربي أصيل، إذ إنه لشاعر نصراني قال:

    استوى بشر على العراق من غير سيف ولا دم مهراق.

    ونحن نقول لهم: استوى بشر على العراق, بمعنى استولى بشر على العراق, هل هذا أصل فيها أم هناك قرائن تحيل اللفظ من ظاهره إلى المؤول؟

    استوى بمعنى علا واستقر، والقرينة قوله: من غير سيف ولا دم مهراق, أي: حصلت هناك مغالبة ثم استولى على مقاليد الحكم في العراق, فنقول: هنا قرينة أولته, وفي الآية ليس ثمة قرينة, فبطل استدلالهم بذلك.

    الرد على الاعتراضات على تفسير الاستواء بمعنى العلو

    قالوا: إن أبطلتم لنا الاستدلال, فعندنا لوازم باطلة نلزمكم بها إذا قلتم بأن الاستواء معناه العلو.

    قلنا: هاتوا اللوازم هذه لعلنا نرجع عما اعتقدنا.

    فقالوا: اللازم الأول: أنكم إذا قلتم: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5] بمعنى: علا واستقر, لزم من ذلك أن العرش يمس الرحمن, ويحده، وكأن العرش أحاط بالله.

    فإذا قلتم: إن لله حداً فهذا كفر.

    فاللازم الأول أن الله جل وعلا إذا علا أو استوى على العرش, يحدث في ذلك المماثلة مع المخلوق، وأحاط العرش بالله جل وعلا, فإذا أحاط به فإن له حداً, فهذا أول لازم باطل, ونعوذ بالله من ذلك.

    اللازم الثاني: قالوا: إذا قلتم الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5] لزم من ذلك أن الله يحتاج إلى عرش, فإن العرش يقل الرحمن سبحانه وتعالى.

    فعندما نقول: محمد استوى على الكرسي وهو يعطي الدرس, فلو سحب رجل الكرسي من تحته فإنه سيقع؛ لأنه محتاج إلى كرسي, فكذلك لو قلتم: استوى الرحمن على العرش, فإن العرش يقل الرحمن, والرحمن يحتاج للعرش, وحاشا لله من ذلك.

    فنقول لكم: هذه اللوازم الباطلة نحن لا نعتقدها ولا نقول بها, نحن نقول بظاهر القرآن، ولا يمكن أن تكون لوازمه باطلة.

    أما قولكم: إنه يلزم من معنى الاستواء أن العرش يحد الرحمن, فإننا نتعامل مع الألفاظ المبهمة في العقيدة، بأن نتوقف فيها فلا ننفي الحد ولا نثبته, فإن كان معنى استوى على العرش، بأنه علا على العرش وهو بائن من خلقه, ومنفصل عنهم، ويعلم ما هم عليه، فهذا حق.

    وإذا قلتم: إن العرش أحاط بالله, نقول: حاشا لله, لأن الله أكبر من أن يحاط به، فهذا كفر مبين, والذي جركم لهذا تشبيهكم الخالق بالمخلوق, وتكييفكم لصفة العلو, لأنكم بهذه الطريقة كيفتم صفة العلو, ونحن قلنا: الكيف مجهول, فنفوضه لله جل وعلا, والله جل وعلا لم يره أحد، حتى يخبركم بهذه الكيفية.

    فأصبح اللازم الأول باطلاً والثاني باطل والثالث أبطل ما يكون، فيرد عليكم هذا اللازم ولا نقول به.

    فالله جل وعلا علا على العرش بكيفية يعلمها, وهي صفة كمال وجلال وعظمة وبهاء لله جل وعلا, والله يحيط بكل شيء، ولا شيء يحيط بالله سبحانه وتعالى.

    أما اللازم الثاني فنقول: كل المخلوقات أحوج ما تكون لله, والله لا يحتاج لأحد, وهذا من لوازم اسمه الصمد.

    والصمد: هو الذي يحتاج إليه كل العباد وهو لا يحتاج إلى أحد, قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [فاطر:15].

    فالعرش أحوج ما يكون لله جل وعلا, والعرش لا يحمل الله, بل العرش نفسه محمول, يحمله ثمانية من الملائكة, فبطل هذا اللازم وبطلت أدلته.

    ونقول: الله جل وعلا عالٍ على عرشه, وهو فوقه، ويعلم ما العباد عليه, لا تخفى عليه خافية سبحانه وتعالى، يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ [غافر:19]، وهذا آخر الرد على الأشاعرة. ونكون قد انتهينا من باب العلو.

    1.   

    الفوائد المستنبطة من حديث: (سبقت رحمتي غضبي)

    نذكر بعض الفوائد المستنبطة من بعض الأحاديث التي رواها المصنف كما يلي:

    أولاً: الحديث الأول, قوله: (سبقت رحمتي غضبي)، فيه صفتان فعليتان ثبوتيتان: صفة الرحمة وصفة الغضب.

    وضابط الصفة الفعلية أنها تتعلق بالمشيئة وبالأحكام وتتجدد، أي: إن شاء رحم وإن شاء لم يرحم سبحانه وتعالى.

    وصفة الرحمة هي صفة عامة وصفة خاصة, فهي خاصة في الآخرة, أما في الدنيا فهي رحمة عامة مطلقة تشمل الكافر والمؤمن.

    والله يرحم الكافر أولاً بأنه يهديه إلى طريق الرشاد, وهذه هداية البيان والدلالة, وإنزال الآيات البينات الباهرات يعتبر من رحمة الله به, ويشفيه إذا مرض, ولا يمنعه من خير في هذا الكون, فيعطيه المال والطعام, بل ويزيد له في ذلك في الدنيا, فرحمة الله تعم الكافر والمؤمن في الدنيا وتخص المؤمن في الآخرة.

    وغضب الله جل وعلا صفة فعلية من الصفات التي تتعلق بمشيئة الله جل وعلا كما في الحديث الصحيح وهو حديث الشفاعة عن النبي صلى الله عليه وسلم وفيه: (إن الله غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله قط، ولن يغضب مثله بعده) وفي هذا دلالة على أن الله يغضب يوم القيامة.

    وهنا لفتة لطيفة جداً وهي: (سبقت رحمتي غضبي) وهذا من فقه التعبد لله بأسمائه الحسنى والصفات العلى, أن تهرب من الله إليه, ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك) وأن تستعيذ بالله منه, وأن تستعيذ بصفة من صفاته، فتقول: أعوذ برحمتك من غضبك, فإن رحمتك قد سبقت غضبك.

    فالمؤمن يهرب من صفة إلى صفة أخرى, أعوذ بمعافاتك من عقوبتك.

    1.   

    الفوائد المستنبطة من حديث: (احتج آدم وموسى...)

    الحديث الذي بعده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (احتج آدم وموسى فقال موسى: يا آدم أنت الذي خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه).

    والروح مضاف إلى الله, والأصل في (من) أنها للتبعيض, فهذه مهمة جداً.

    (ونفخ فيك من روحه) يحتج بها النصارى على التثليث, لأنهم يقولون: عيسى روح الله, يعني: أنه جزء منه, لأن من للتبعيض, فكيف نرد عليهم؟.

    نرد عليهم بالفائدة التي سنبينها، فمن هنا للابتداء لا للتبعيض, يعني من روح عنده, والإضافة هنا إضافة تشريف.

    إذ الإضافة لله جل وعلا نوعان:

    إضافة أعيان قائمة بذاتها, وإضافة معاني.

    وإضافة الأعيان القائمة بذاتها تضاف إلى الله جل وعلا تشريفاً وتعظيماً, نحو: الكعبة بيت الله, وقوله تعالى: نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا [الشمس:13]، وعيسى روح الله.

    وأما المضاف إلى الله جل وعلا من المعاني: فهي إضافة الصفة إلى الموصوف.

    والقرائن التي أثبتت لنا أن من هنا للابتداء وليست للتبعيض، وهي أن نلزم النصارى بقوله تعالى: وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ [الجاثية:13]

    فنقول: هل من أحد منهم يقول: السماء جزء من الله؟ أو الأرض أجزاء من الله بأشجارها وأنهارها وبحارها؟ هم يقولون: لا نقول بذلك.

    إذاً: من هنا للابتداء، وقوله تعالى: وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ [الجاثية:13] مضافة إلى الله تشريفاً, فعيسى من باب أولى يكون مضافاً إلى الله تشريفاً وتعظيماً؛ لأن عيسى بالاتفاق ليس جزءاً من الله، بل هو مخلوق, وكذلك آدم الذي نفخ الله فيه من روحه، فالإضافة هنا من باب التشريف والتعظيم.

    أنواع الاحتجاج بالقدر

    وقوله صلى الله عليه وسلم: (قال: أغويت الناس وأخرجتهم من الجنة, فقال آدم: وأنت موسى الذي اصطفاك الله بكلامه, تلومني على عمل عملته قد كتبه الله علي قبل أن يخلق السماوات والأرض, قال: فحج آدم موسى) فالاحتجاج بالقدر أنواع ثلاثة:

    الأول: احتجاج بالقدر على المعايب وعلى المعاصي.

    الثاني: احتجاج بالقدر على المصائب.

    الثالث: احتجاج بالقدر على المعاصي بعد التوبة منها.

    أولاً: الاحتجاج بالقدر على المعاصي لا يجوز بحال من الأحوال، فهو محرم, وهذا مذهب الجبرية المبتدعة الذين يبطلون الشرع كلية, فيسوون بين إبليس وبين جبريل, فيقولون: إن إبليس يصنع ما قدره الله عليه, وما أمر الله به كوناً وقدراً, وجبريل يصنع نفس الأمر, فهو سائر يسير على وفق ما قدره الله عليه, كما قيل:

    ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له إياك إياك أن تبتل بالماء

    فالجبرية يحتجون دائماً بالقدر على المعاصي, فإذا سرق رجل قال: مهلاً, سرقت بقدر الله, وإذا زنى قال: مهلاً زنيت بقدر الله, وإذا اغتاب قال: اغتبت بقدر الله, فهم يحتجون بالقدر على الشر!

    و عمر بن الخطاب لما قبض على سارق فأمر بقطع يده, فقال السارق: مهلاً يا أمير المؤمنين, والله ما سرقت إلا بقدر الله.

    فقال: ونحن ما نقطع يدك إلا بقدر الله.

    فالسارق يريد أن يحتج بالقدر على هذه المعصية, وعمر احتج عليه بالشرع لا بالقدر.

    فبين له أنه متعبد لله بالشرع, والله أمرنا شرعاً أن من سرق, وإن قدر عليه ذلك وكتب عليه في اللوح المحفوظ, فإنه محاسب على فعله, فإن سرق قطعت يده.

    والقصة الثانية: المرأة التي زنت -والعياذ بالله- فدخل عليها زوجها الجبري ووجد عليها رجلاً, فاستل سيفه ليقتله, فقالت: مهلاً ما فعل ذلك إلا بقدر الله, قال: نعم أصبت, وتركها.

    فهذا أساء إساءة منكرة، فلما علمت المرأة أن هذا الجبري يصل بذلك إلى الدياثة, تركت هذا المذهب ولم تنتحله.

    فنقول: ضرب القدر بالشرع كفر مبين.

    فالاحتجاج بالقدر على المعاصي لا يجوز في حال من الأحوال, وآدم لم يحتج بحال من الأحوال على المعصية بالقدر أبداً، ومن فهم ذلك فقد أخطأ.

    أما الثاني: فهو الاحتجاج بالقدر على المصائب, وهذا جائز، وهو أفضل الاحتجاجات.

    الثالث: الاحتجاج بالقدر على المعاصي بعد التوبة, وهذا يصح, فإذا عصى العبد ربه ثم تاب من المعصية توبة نصوحاً, فجاء أحد يعيره بهذا الذنب الذي أذنبه, فله أن يقول: قد كتبه الله علي قبل أن يخلقني بخمسين ألف سنة.

    قال بعض العلماء: إن آدم لما قال: أما رأيت أن الله قد كتب علي هذا الذنب قبل أن يخلق السماوات والأرض؟ قال موسى: بلى, فسكت, فحج آدم موسى.

    فالله تعالى قبل توبة آدم، قال الله تعالى: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ [البقرة:37] والتائب من الذنب كمن لا ذنب له.

    إذاً: التائب لا يمكن أن يعير, ولا يصح شرعاً أن يعير تائب من ذنب, وآدم عليه السلام قد تاب من الذنب ولذلك فقد حج موسى، وهذا تأويل ضعيف, لكنه يعمل به.

    أقول: الذي يتوب من ذنب إذا عير بالذنب له أن يحتج بالقدر, لكن هذا التأويل في هذا الباب فقط ضعيف؛ لأن موسى أفقه من أن يعير آدم بذنب قد تاب منه, ولا يمكن أن يقال: موسى الذي هو أعلم أهل الأرض في زمانه لا يعلم أن التائب من الذنب كمن لا ذنب له, أو أن يؤاخذ أحداً قد تاب الله عليه من ذنبه, فهذا يبين ضعف هذا التأويل.

    والصحيح الراجح في ذلك أن آدم كانت له الحجة حين احتج على المصيبة بالقدر, وهي الخروج من الجنة، وكأن موسى لم يعيره بالذنب, إنما قال له: أخرجتهم من الجنة, فهو لا يعاتبه على الذنب وهو الأكل من الشجرة, إنما يعاتبه على الخروج من الجنة.

    فلما عاتبه على تلك المصيبة قال آدم: ألم تر أن الله كتب ذلك في اللوح المحفوظ؟! إلى آخر الحديث, فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (حج آدم موسى) وأقر ذلك.

    إذاً: الاحتجاج بالقدر على المصائب جائز, والدليل من كتاب الله قوله تعالى: وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ [التغابن:11] قال ابن مسعود : وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ [التغابن:11] يعني: يؤمن بالله ويعلم أن هذه المصيبة من عند الله قد كتبها في اللوح المحفوظ, وأنها لابد أن تقع عليه فوقعت, يَهْدِ قَلْبَهُ [التغابن:11] ومعنى ذلك ما يلي:

    أولاً: هذا إقرار بأن قلبه مهدي.

    ثانياً: أنه يزداد إيماناً فوق الإيمان.

    إذاً: الاحتجاج بالقدر على المصائب من أكمل الإيمان, ودليل هذا من الكتاب والسنة, فمن محض الإيمان أن تعلم أن المصيبة مكتوبة عليك في اللوح المحفوظ.

    وحديث عبادة بن الصامت أنه قال لابنه: وأن تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك, وما أخطأك لم يكن ليصيبك, فإن مت على غير ذلك دخلت النار, ووجه الشاهد, قوله: فإن مت على غير ذلك دخلت النار.

    إذاً: محض الإيمان أن تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك, وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك, وأنا عرضت هذا الحديث لما فيه من الزيادة.

    والدليل الثاني الذي يثبت علو الإيمان, وأن المصيبة من عند الله جل وعلا, وأنك إن آمنت بذلك يهد الله قلبك, هو قوله صلى الله عليه وسلم: (عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير, إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له, وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له) .

    أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.