إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ محمد حسن عبد الغفار
  3. شرح كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب - تكملة صفة الرجل وإثبات صفة الكلام لله جل وعلا

شرح كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب - تكملة صفة الرجل وإثبات صفة الكلام لله جل وعلاللشيخ : محمد حسن عبد الغفار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد جاء في السنة إثبات صفة الرجل لله تعالى، فعلى المسلم أن يسلم بذلك ولا يحكم فيه عقله، فإن العقل لا مدخل له في صفات الله ولا في الغيبيات، وهذه صفة ذاتية أثبتها أهل السنة والجماعة وأنكرها وأولها أهل البدع الذين لم يسلموا وينقادوا للشرع، ومثلها صفة الكلام لله تعالى، فهي ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع، فالله تعالى يتكلم حقيقة بكلام مسموع بحرف وصوت لا يشبه كلام المخلوقين.

    1.   

    إثبات صفة الرجل لله جل وعلا والأدلة على ذلك

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم, وشر الأمور محدثاتها, وكل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة, وكل ضلالة في النار.

    ثم أما بعد:

    إخوتي الكرام! ما زلنا مع هذا الركن الركين من هذا الدين، وفرض عين على كل إنسان أن يتعلمه وهو علم التوحيد، فما زلنا مع كتاب (التوحيد وإثبات صفات الرب عز وجل) لإمام الأئمة أبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة .

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وعن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة رضي الله تعالى عنه عن محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر أحاديث منها: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تحاجت الجنة والنار، فقالت النار: أوكلت بالمستكبرين والمتجبرين، وقالت الجنة: فمالي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم وعجزهم! فقال الله للجنة: إنما أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي، وقال للنار: إنما أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي، ولكل واحدة منكما ملؤها, وأما النار فلا تمتلئ حتى يضع الله رجله فيها فتقول: قط قط، فهنالك تمتلئ ويزوي بعضها إلى بعض، ولا يظلم الله عز وجل من خلقه أحداً, وأما الجنة فإن الله عز وجل ينشئ لها خلقاً) ].

    في الحديث الآخر وفيه: (حتى تقول: قط قط), وفي راوية أخرى: (أن الموت يذبح فيقال: يا أهل الجنة! خلود فلا موت, ويا أهل النار! خلود فلا موت).

    صفات الله جل وعلا التي أثبتها الله لنفسه في كتابه، وأثبتها له رسوله صلى الله عليه وسلم في سنته: الصفات الفعلية الثبوتية الذاتية, والخبرية, ونحن الآن نتكلم عن صفة من صفات الله الخبرية وهي: صفة الرجل لله جل وعلا, فلله رجْل لا تشبه ولا تماثل رجل الخلق, فرجْل الله جل وعلا صفة من صفات الكمال والجلال والعظمة لله جل وعلا، وقد ثبتت هذه الصفة بالكتاب وبالسنة.

    فأما الكتاب: ففيه إشارة إلى ذلك فقد قال الله تعالى: أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا [الأعراف:195]، فالله جل وعلا ينكر على الذين يعبدون من فيهم صفة النقص، فكيف يرتقون بمن وصف بالنقص إلى حيز من له الكمال المطلق؟ فهؤلاء ليس لهم أرجل, وهذه صفة نقص, فكيف يعبدونهم؟! فإذا أنكر الله جل وعلا على المعبودين أنهم يتصفون بصفة النقص وهي: أن لا رجل لهم, فمن الكمال أن يتصف الله جل وعلا بهذه الرجْل, فهذه إشارة.

    وأما التنصيص على ذلك ففي السنة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال كما جاء في هذا الحديث: (تحاجت الجنة والنار، -وفيه- فإذا ألقي كل فوج في النار قالت النار: هل من مزيد، هل من مزيد حتى يضع الجبار سبحانه وتعالى رجله فيها), وفي رواية: (حتى يضع قدمه عليها)، ورواية (عليها) فيها رد على أهل البدع والضلالة؛ لأن أهل النار يكونون في النار لا على النار, فأهل البدع يقولون: إن المراد بالرجل هنا: طائفة من أهل النار. ففيه: إثبات صفة الرجل لله جل وعلا, وهي صفة كمال، ومسماها عندنا: أجزاء وأبعاض.

    إن العبد إذا أثبت هذه الصفة العظيمة الجليلة لله جل وعلا فلا بد أن يتدبر في عظم هذه الصفة, وفي كمال هذه الصفة لله سبحانه وتعالى, فمن عظم صفة الرجْل لله جل وعلا أنه إذا وضعها في النار التي لا تمتلئ قط بالبشر أنها ينزوي بعضها إلى بعض وتقول: قط قط؛ لعظمة رجْل الله جل وعلا، ولكم أن تتدبروا وتتفكروا في قول ابن عباس بسند صحيح قال: العرش يستوي الله عليه جل وعلا, والكرسي موضع القدمين, والله جل وعلا يصف الكرسي فيقول: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ [البقرة:255]، فهذا دلالة عظيمة على عظم رجل الله جل وعلا؛ وأنها صفة كمال وجلال وعظمة لله جل في علاه.

    فهذه الصفة لا بد للإنسان أن يتعبد بها لله, فإذا اعتقد هذا الاعتقاد الصحيح السديد في قلبه في عظم رجْل الله ازداد خوفاً وخشية ومهابة لله جل في علاه, وازداد وقاراً, فإن قلبه يرتجف عندما يسمع: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [الأنعام:91]، والله جل وعلا يبين لنا أن الأرض والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى, ويضع رجْله في النار فيزوي بعضها إلى بعض؛ من عظمة رجْله جل في علاه، ويرتجف القلب أيضاً من قول الله تعالى: مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا [نوح:13]، وأنت لا يمكن لك أن تعظم ربك حتى تعلم عظيم صفات الله جل في علاه.

    1.   

    مسائل وفوائد متعلقة بالكلام عن صفة الرجل لله سبحانه ومستنبطة من الأحاديث السابقة

    وكلامنا عن هذه الصفة العظيمة التي أثبتها الله لنفسه وأثبتها له رسوله صلى الله عليه وسلم يتعلق به مسائل:

    المسألة الأولى: كم عدد أرجل الله جل وعلا؟

    الجواب: أننا نقف حيث وقفت الآثار, فلم يرد أي دليل مرفوع يثبت العدد, لكن ورد بسند صحيح عن ابن عباس في مستدرك الحاكم أنه قال: الكرسي: موضع القدمين, والعرش لا يقدر قدره إلا الله جل وعلا.

    فذكر ابن عباس هنا خبراً غيبياً، وعلماء الحديث يقولون: إن الصحابي إذا أخبر بخبر ليس هو محلاً للاجتهاد وهو أمر غيبي فحكمه حكم المرفوع. وقد قيل: إن ابن عباس كان يأخذ من أهل الكتاب، وبعض العلماء نحا في الغيبيات: أن يكون حكمها حكم المرفوع، فنحن نقف حيث وقف الأثر، فقد ورد بسند صحيح صححه الحاكم على شرط مسلم عن ابن عباس أنه قال: والكرسي موضع القدمين.

    والأحاديث السابقة التي قرئت علينا فيها فوائد مستنبطة كثيرة تفيدنا في التعبد لله جل وعلا بهذه الصفات الجليلة, ومن هذه الفوائد المستنبطة:

    أن الله جل وعلا ينشئ للجنة أقواماً أو خلقاً جديداً, وهذا فيه دلالة وإشارة إلى أن أهل الصلاح قلة وليسوا بكثرة, والذي يدلك على ذلك: أن أهل الجنة لا يملئون الجنة حتى يخلق الله جل وعلا خلقاً يملؤها بهم، وهذا موافق لقول الله تعالى: وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [الأنعام:116]، وأيضاً مصداق لحديث النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين: (أن الملك ينظر إلى عبد نجا وجاوز الصراط وهو يلج الجنة، فيقول الملك: نجوت نجوت! يندهش لذلك)، فهذا فيه دلالة كبيرة على أن أهل الصلاح قلة ولا يغرنك كثرة الهالكين, ولذلك ورد عن ابن مسعود بسند صحيح لما سئل عن الجماعة قال: من كان معه الحق وإن كان وحده, فهذه لفتة عظيمة ولطيفة لا بد لكل عبد أن يتدبرها وهي: ألا يغتر بالكثرة، فالقلة إذا كان معهم الحق فهؤلاء هم الذين لابد أن تلتزم برباطهم أو بصراطهم، وتسير معهم على الدرب الذي رسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم, كما في الصحيح (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم).

    وأيضاً من الفوائد المستنبطة: كلام الجنة والنار، وفي الحديث الصريح قال النبي صلى الله عليه وسلم: (تحاجت الجنة والنار، فقالت النار: مالي أوثرت بالمستكبرين؟ وقالت الجنة: ما لي أوثرت بالضعفاء والعجزة؟ فيقول الله جل وعلا للنار: أنت عذابي أعذب بك من أشاء, ويقول للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء), ففيه دلالة: أن الجماد يتكلم, وفيه رد قاطع على أهل البدعة والضلالة الذين يعطلون صفات الله جل وعلا, ويقولون: إن الله لا يتكلم، مع أن الله جل وعلا تكلم، واستمع جبريل صوت الله جل وعلا وكلامه، فالله جل وعلا ينادي بصوت مسموع ويتكلم بحرف كما بينا قبل ذلك.

    وأما أهل البدع فقد أنكروا ذلك وقالوا: لو قلنا بأن الله يتكلم للزم من ذلك أن يكون آلة ولا بد من مخرج، ولا بد من فم ولسان! والذي جعل فكرهم يصل إلى ذلك أنهم شبهوا الخالق بالمخلوق، فما قدروا الله حق قدره، ولا قالوا: إن هذه صفة من صفات الكمال والجلال لله جل وعلا فعطلوها، فقد خافوا من التشبيه ففروا إلى التعطيل, ونحن نقول: هذه لوازم باطلة ولا تلزم من إثبات الصفة، ولو نظرنا في المخلوقات لوجدنا أن بعض الجمادات قد تكلمت وليس لها فم ولا لسان، والجنة تكلمت وقالت: أوثرت بالضعفاء والعجزة, والنار تكلمت وقالت: أوثرت بالمستكبرين، ولا مخرج للجنة ولا النار, وأيضاً نظير ذلك: أن السماء والأرض والجبال عندما أمرهن الله جل وعلا أن يأتين طوعاً أو كرهاً قلن: أتينا طائعين، وهذا تصريح بالكلام من السماء والأرض والجبال، والطعام تكلم أيضاً، فالصحابة رضوان الله عليهم لما طهرت قلوبهم وازداد الإيمان عندهم كانوا إذا أكلوا الطعام سمعوا تسبيح الطعام، فأين المخرج الذي يتكلم منه الطعام؟ فما ذكروه من اللوازم لا يلزم، وذلك الجذع الذي كان يرتقي عليه النبي صلى الله عليه وسلم في خطبته، لما صنع له المنبر سمع الصحابة أنين الجذع؛ لفراق النبي صلى الله عليه وسلم.

    وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم وصف الحجر الذي ضربه موسى لما قال: ثوبي حجر! ثوبي حجر! قال: (وسمع له أنين)، فالحجر أيضاً له أنين مع أنه ليس له مخرج.

    وأيضاً من الفوائد المستنبطة من هذه الأحاديث: إثبات صفة الإتيان لله تعالى، وهي صفة من صفات الفعل لله جل وعلا, وهي: صفة ثبوتية فعلية, وضابط الصفة الفعلية: أنها الصفة التي تتعلق بمشيئة الله تعالى، وهنا الله جل وعلا يأتي يوم القيامة يفصل بين العباد, فيأتي والملك صفاً صفاً, فالله جل وعلا يأتي إتياناً يليق بجلاله وكماله, وأما التفصيل لهذه الصفة فسيأتي إن شاء الله.

    وقد بينا قبل ذلك الرد على المبتدعة الذين يقولون: إنما يأتي أمره، أو تأتي ملائكته, وذكرنا أن هذا خلاف ظاهر اللفظ، فإن الله جل وعلا يأتي إلى النار, ويأتي إلى الجنة, فيأتي إلى النار فيضع رجله فيها فينزوي بعضها إلى بعض، وتقول: قط قط.

    أيضاً من الفوائد المستنبطة: نفي الظلم عن الله تعالى، فالظلم صفة سلبية أي: منفية عن الله جل وعلا, وقد نفاها عن نفسه سبحانه، ونفاها عنه رسوله صلى الله عليه وسلم, قال الله تعالى: وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [فصلت:46]، وقال جل وعلا: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا [يونس:44]، وقال الله تعالى: وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ [هود:101]، وقال جل وعلا: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ [النساء:40]، فنفى الظلم عن نفسه مع قدرته عليه جل وعلا, فالله على كل شيء قدير سبحانه وتعالى، وفي الحديث الذي في مسلم قال النبي صلى الله عليه وسلم: (قال الله تعالى: يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً) , فالله يقدر على الظلم لكنه لا يظلم، وهذا من كمال عدله جل في علاه.

    والمقصود: أن الظلم صفة سلبية منفية عن الله، فقد نفاها الله عن نفسه في كتابه، ونفاها عنه رسوله صلى الله عليه وسلم كما في هذا الحديث, والنفي المحض لا كمال فيه, بل ننفي هذه الصفة ونثبت كمال ضدها، فقول الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ نقول: لكمال عدله سبحانه، فهو الحكم العدل, فإن الله يحب المقسطين، والله ما أنزل الكتاب من السماء إلا بالحق؛ ليحكم بين الناس بالحق وبالعدل، فإن الله عدل يحب كل عدل ويحب المقسطين سبحانه وتعالى, ويبغض الظالمين ويبغض كل ظلم، ويكفيك لتعلم أن الله لا يحب الظلم ولا الظالمين لا أن الله جل وعلا أقسم من فوق سماواته العلى، فقال عن دعوة المظلوم: (وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين)، فهذه دلالة على بغض الله جل وعلا للظالم وللظالمين.

    وفي مسند أحمد بسند صحيح عن عائشة رضي الله عنها وأرضاها قالت: لله ثلاثة دواوين: ديوان لا يغفره الله أبداً, وديوان لا يتركه الله أبداً, وديوان هو في المشيئة, فإذا كانت المشيئة فهو أقرب إلى الرحمة؛ لأن الله جل وعلا قال: إن رحمتي سبقت غضبي, فأما الديوان الذي لا يغفره الله أبداً: فهو الشرك, إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ [النساء:48]، وأما الديوان الذي لا يتركه الله أبداً: فديوان المظالم، فالمظالم لا تفوت عند الله بحال من الأحوال, ففي عرصات القيامة عند دنو الشمس على قدر ميل أو شبر من الرءوس يجعل الله العبد الظالم يقف هذه الوقفة، فيرتجف قلبه، وترتعد فرائصه من المظالم التي وقعت منه على العباد، ويقتص منه يوم القيامة, فالله لا يفوت الظلم أبداً, قالت: والديوان الذي لا يتركه الله أبداً: ديوان المظالم؛ لأنه لا يظلم وقد حرم الظلم على نفسه, فلذلك لما تناطحت شاة مع أخرى قال النبي صلى الله عليه وسلم لــعلي بن أبي طالب (إن الله جل وعلا سيقتص للشاة الجلحاء) فالله جل وعلا يبغض الظلم حتى مع البهائم وينتصر للمظلوم, فالله لا يظلم الناس شيئاً: (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً) فهذه أيضاً من الفوائد المستنبطة من بركة هذه الأحاديث.

    وأيضاً من الفوائد المستنبطة من هذه الأحاديث: رؤية المؤمنين لربهم جل وعلا، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم (أن أهل الصليب يذهبون مع الصليب، والذين كانوا يعبدون القمر والشمس ويعبدون عزيراً يمثل لهم بعزير ويمثل لهم بعيسى وكلاً يكون إلى نار جهنم، ويبقى المؤمنون ومعهم المنافقون فيأتي الله جل وعلا على صورة غير الصورة التي يعرفونها, فيقول لهم: لمَ لم تذهبوا مع الناس؟ قالوا: كنا وحدنا في الدنيا ونحن في الآخرة كذلك، فيقول: ما تنتظرون؟ فيقولون: ننتظر ربنا, فقال: هل بينكم وبينه علامة؟ قالوا: نعم , فيقول أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك، لست بربنا)؛ لأنهم لا يعرفونه، فهم يعرفون ربهم في عرصات يوم القيامة بعلامة بينهم وبينه جلا وعلا, فيأتيهم بصورة أخرى أيضاً فيقولون نفس القول، ثم يأتيهم بالصورة التي يعرفونها فيقول: أنا ربكم, فيقولون: أنت ربنا، فيكشف عن ساقه جل في علاه، فيسجد كل مؤمن كان يسجد لله إخلاصاً، وأما المنافق فيرجع ظهره طبقاً -نعوذ بالله من الخذلان- فلا يسجد، ويظهر نفاقه، فالله جل وعلا يخدعه كما خادع هو الله والمؤمنين في الدنيا.

    إذاً: فالمؤمنون يرون ربهم في عرصات يوم القيامة، وفي الجنة، فأفضل ما يتمتعون به في الجنة هو رؤية وجه الله جل وعلا، جعلنا الله جميعاً ننظر إلى وجهه الكريم، ونقترب منه على منابر من نور, وكل -بحسب إيمانه- ينظر إلى ربه جل وعلا, ولما سألوا النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين: (هل نرى ربنا؟ قال: أترون القمر ليلة البدر، وقال: أترون الشمس في رابعة النهار ليس دونها سحاب؟ قالوا: بلى، قال: فإنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر) وهذا تشبيه للرؤية بالرؤية، لا المرئي بالمرئي.

    وآخر الفوائد المستنبطة من هذا الحديث: أن الموت يمثل يوم القيامة بكبش ثم يذبح تنكيلاً وتبكيتاً لأهل النار نعوذ بالله أن نكون منهم, وفرحة عارمة لأهل الجنة بأنهم خالدون في الجنة بلا موت، اللهم اجعلنا من أهل الجنة يا رب العالمين! بجوار نبيك صلى الله عليه وسلم.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.