إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. محمد حسن عبد الغفار
  4. سلسلة شرح كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب لابن خزيمة
  5. شرح كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب - تكملة باب إثبات اليد لله جل وعلا

شرح كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب - تكملة باب إثبات اليد لله جل وعلاللشيخ : محمد حسن عبد الغفار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من الصفات الثابتة لله تعالى في الكتاب والسنة: صفة اليد، وهي صفة لا تشبه صفات المخلوقين، وقد ضل فيها طائفتان من الناس، فمنهم من شبهها بصفة المخلوقين لاشتراكهما في الاسم، ومنهم من عطلها وأولها وأنكرها فراراً من التشبيه.

    1.   

    اليد صفة من صفات الله لا تشبه يد المخلوق

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]، يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71]. أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد:

    فإن كتاب التوحيد لإمام الأئمة ابن خزيمة في إثبات صفات الرب عز وجل كتاب عظيم جليل.

    وقد سبق ذكر صفة اليد، وسوف نبين هنا منهج ابن خزيمة في هذه المسألة.

    صفة اليد صفة جليلة عظيمة، وهي من الصفات الثبوتية الذاتية الخبرية التي ثبتت لله في الكتاب والسنة وإجماع أهل السنة، وذلك كما يليق بجلال الله وكماله، وأما كيفيتها فلها كيفية لكنها غير معلومة لنا، بل هي مجهولة، ويجب أن نفوض هذه الكيفية لله جل وعلا.

    فمن آيات الصفات قول الله تعالى: وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ * وَالأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ [الذاريات:47-48]، وقوله جل وعلا: إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ * إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ [البروج:12-13]، وقوله: وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ [الحج:65].

    فقوله تعالى: وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ [الذاريات:47]، أيد: جمع يد، وهذه من آيات الصفات التي لا بد أن نعتقدها وأن نتعبد بها لله جل وعلا، ولكي نعرف الآية هل هذه من آيات الصفات أو لا، لا بد أن نعلم أن كل آية تذكر فيها صفة من الصفات، كالعين أو اليد، أو غيرها لا يمكن أن نثبتها لله جل وعلا حتى تضاف، وإلا فكيف نثبتها؟! وأما قول الله تعالى يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ [القلم:42] فإن الساق هنا لم تضف إلى الله جل وعلا ، ولكن الذي جعل هذه الآية من آيات الصفات هو حديث في الصحيحين وفيه (أن الله جل وعلا يوم القيامة يكشف عن ساقه، فيسجدون له) فالضابط في آيات الصفات أنه لابد أن تذكر الصفة مضافة إلى الله جل وعلا من باب إضافة الصفة للموصوف، أما إذا أطلقت فلا نستطيع أن نثبتها لله جل وعلا إلا بقرينة أخرى.

    فالأيد والأيادي جمع يد، ومنهم من قال: إن معناها بقوة فهي ليست من آيات الصفات.

    قول المشبهة في صفة اليد

    أما أصحاب الغلو في الإثبات فقالوا: نثبت لله يداً كما جاء في الكتاب والسنة، قال الله تعالى: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [الفتح:10]، وقال صلى الله عليه وسلم: (وكلتا يديه يمين)، وقد أثبت الله للمخلوق يداً فقال: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [الفتح:10]، فإذا قلنا بذلك فيد الخالق تشبه يد المخلوق، فالله أثبت لنفسه يداً وسماها يداً، وأثبت لعبده يداً وسماها يداً.

    ونجيب عليهم بالقاعدة التي قعدها أهل العلم ، وقد استقوها من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، ومن كلام علماء السلف الصالح وهي: أن الاشتراك في الأسماء لا يستلزم التساوي في المسمى ، فإذا كان لله يد وللإنسان يد فإن يد الله لا تشبه يد الإنسان، وبالقياس الجلي فالله جل وعلا خلق للإنسان يداً، وخلق للبعير يداً وخلق للحمار يداً وخلق للقرد يداً، فهل يد الإنسان تماثل يد القرد أو يد الفيل؟ الجواب: أنها لا تشترك معها إلا في الاسم فقط، وأما المسمى فلا تشابه، فإذا استوى الاسم واختلف المسمى بين المخلوقات فمن باب أولى وبالقياس الجلي أن يد الخالق لا يمكن أن تماثل يد المخلوق وإن وجد التساوي في الاسم، فهذا هو الرد على المشبهة الذين غلوا في الإثبات، لذا فالمشبهة تعبد صنماً.

    1.   

    مذهب أهل التعطيل والتأويل في صفة اليد

    إن الذين حرفوا وعطلوا يعبدون عدما؛ لأنهم قالوا: ليس لله يد، ولو قلنا: إن لله يداً لشبهنا الخالق بالمخلوق؛ لأن اليد جارحة، والجارحة لا تصلح لله عز وجل، ولذلك فروا من القول بأن لله يداً، وقالوا: إن المقصود باليد في قوله تعالى: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [الفتح:10] النعمة، وهذا وارد في اللغة، وقد جاء في حديث صلح الحديبية أن أبا بكر قال لـعروة : أنحن نفر عن رسول الله؟ امصص بظر اللات، فقال: من هذا؟ قالوا: أبو بكر ، قال: لولا يد لك عندي لم أجزك بها لأجبتك، أي: لولا أن لك نعمة عندي لم أكافأك بها لأجبتك على هذه المسبة التي سببتني بها، فقوله: لولا يد لك عندي، اليد هنا بمعنى النعمة.

    الرد على أهل التعطيل والتأويل في تأويلهم صفة اليد بالنعمة

    إن الجواب على أهل التأويل الذين أولو اليد بالنعمة يكون بصريح القرآن، قال الله: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [الفتح:10] فهل معنى ذلك: نعمة الله فوق أيديهم؟! وهل أنتم أعلم أم الله ورسوله، ثم الصحابة الكرام حتى تفسر اليد بما لم يفسروها؟! وهل الله جل وعلا يعجز أن يأتي بنفس اللغة فيقول: نعمة الله فوق أيديهم؟ وكأن الله لم يجد من يساعده على أن يصرح بلفظ النعمة، فالله يقول: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [الفتح:10] وأنتم تحرفونها عن موضعها وتقولون: إن معناها النعمة، ولو كانت اليد بمعنى النعمة لبين ذلك النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه مأمور شرعاً أن يبين كل ما أنزل عليه، فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم لم يبين ذلك فالآية على ظاهرها، وقولكم يخالف ظاهر القرآن والسنة وإجماع السلف.

    ولو افترضنا أن اليد بمعنى النعمة فلن يستقيم كلام الله وكلام رسوله الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن الله تعالى يقول لإبليس -منكراً عليه-: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص:75]، فإذا وضعت كلمة نعمتي مكان يدي للزم من ذلك لوازم باطلة منها: حصر نعمة الله في نعمتين فقط، وحاشا لله أن يكون كذلك ، قال الله تعالى وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا [إبراهيم:34]، فنعمة هنا مفردة مضافة فتعم كل النعم.

    وقال الله عن إبراهيم: شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ [النحل:121]، وهذا جمع يدل على أن أنعام الله كثيرة وغزيرة لا تعد ولا تحصى، وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بين أن الأراضين جميعاً والسموات بيد الله جل وعلا قال: (وبيده الأخرى الميزان يرفع ويخفض) فهل يمكن أن نؤول اليد بالنعمة ونقول: وبنعمته الأخرى الميزان، وبالنعمة الأولى السماوات والأرض؟! فهذا أيضاً من أبطل الباطل الذي لا تستقيم معه اللغة، ولا يتناسب مع حديث النبي صلى الله عليه وسلم.

    وإذا أولنا اليد بالقدرة ووضعنا القدرة مكان كلمة يد، وقلنا: قدرة الله فوق أيديهم، فلا يمكن أن يستقيم المعنى، ولذلك ليس عندهم دليل ولا قرينة تصرف هذا الظاهر عن ظاهره. وأيضاً في آية أخرى قال الله تعالى: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص:75] فليس المعنى: بقدرتي؛ لأن قدرة الله واحدة باتفاق أهل العلم لغة وعقلاً وشرعاً، وهي قدرة عامة تعم كل شيء، يقول الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة:20]، فلازم هذا القول أن تكون القدرة متعددة، وهذا باطل.

    وأيضاً: إذا قلنا: إن معنى قول الله تعالى: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص:75] أي: بقدرتي، فإنه لا مزية لإبليس على آدم ، وهذه الآية تثبت لنا أن الله فضل آدم على إبليس وأمره بالسجود له، وهذا من اللوازم الباطلة، وهو من كلام أهل الجاهلية، فإنهم يجعلون لإبليس حجة على الله؛ لأن الله فضله على آدم وأمره بالسجود له وقد خلقهما بقدرته.

    ومن اللوازم الباطلة كذلك أنه لا مزية لآدم على سائر الخلق فقد خلق الله الحيوانات جميعاً بقدرته، وهذه الآية بينت المزية التي امتاز بها آدم على إبليس وعلى سائر الخلق، وهي أن الله باشر خلقه بيديه، فقال مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص:75]، وهذه من اللوازم الباطلة التي لا يمكن أن يقبلها المسلم، وهذا رد على المؤولة الذين خالفوا ظاهر القرآن والسنة، وخالفوا إجماع أهل السنة، ولو قلنا بكلامهم للزمنا لوازم باطلهم قد تصل بالإنسان إلى الكفر. ونحن نعتقد في قول الله تعالى: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [الفتح:10] أن يد الله جل وعلا لا تشبه أيدي المخلوقين.

    1.   

    الأدلة على أن لله يدين

    لقد أثبت الله لنفسه اليد، فكم لله أيد؟

    يقول الله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا [يس:71]، وقد يفهم من الآية أن لله أيد كثيرة، وهذا خطأ، فليس لله أيد كثيرة، وإنما له يدان فقط، والدليل على ذلك من الكتاب قوله تعالى: لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص:75]، ومن السنة: (كلتا يدي ربي يمين).

    والجواب عن تلك الآية التي قد يفهم منها أن لله أيد كثيرة هو أن الجمع (الأيدي) هنا يدل إما على الذات كقول الله تعالى: فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ [الشورى:30]، فالكسب يشمل فعل الإنسان نفسه، وإما أن يدل على التعظيم، فقد أثبت الله جل وعلا لنفسه يدين اثنتين عظيمتين جليلتين تليق بجلال الله وكماله.

    1.   

    اختلاف أهل السنة هل لله يد شمال

    اختلف أهل السنة والجماعة هل لله يمين وشمال؟ فكثير من أهل السنة والجماعة يثبتون لله اليمين ويثبتون له الشمال، ودليلهم على ذلك ما جاء عن سالم بن عبد الله بن عمر عن ابن عمر رضي الله عنه وأرضاه قال: قال صلى الله عليه وسلم: (إن الله جل وعلا يطوي السماوات بيمينه، وبشماله الأراضين) فذكر الشمال، وأيضا هناك رواية عن ابن يسار عن عمر بن الخطاب أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله جل وعلا مسح على ظهر آدم باليمنى فأخرج الذرية، فقال: هؤلاء في الجنة ولا أبالي ، وبشماله أخرج الذرية، فقال: هؤلاء للنار ولا أبالي).

    فالرواية الأولى أثبتت أنه يطوي الأراضين بشماله، والرواية الثانية عن عمر فيها أن الله يمسح على ظهر آدم بشماله، فأثبت له اليد الشمال، فمن أهل السنة والجماعة من قال: يوصف الله تعالى بأن له يداً شمالاً، وأنها تليق بجلال الله وكماله، وإذا كانت اليد الشمال بالنسبة للعباد فيها نقص فاليمنى عندهم أقوى من اليسرى، واليسرى فيها شيء من الوهن، فالله ينزه عن كل نقص، فإذا وصف الله بها دلت على الكمال والعظمة والبهاء.

    وجمهور أهل السنة والجماعة -وهو الذي نرجحه- على أن الشمال لا يوصف بها الله جل وعلا، ابن خزيمة يرى في كتابه أن الشمال لا يوصف بها الله جل وعلا ، وأيضا درج على ذلك البيهقي والقرطبي ، ورجح ذلك النووي والحافظ ابن حجر أن الله لا يوصف باليد الشمال.

    واستدلوا على ذلك بأدلة منها: أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما تحدث عن يدي الله لم يذكر إلا اليمين فقال (يمين الله ملأى سحاء الليل والنهار لا يغيضها نفقة)، وقال صلى الله عليه وسلم: (وكلتا يدي ربي يمين)، وقال آدم عليه السلام لما خيره الله جل وعلا: (أختار يمين ربي وكلتا يدي ربي يمين)، وهذا إقرار من الله لآدم على أن كلتا يديه يمين.

    وفي الحديث الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنه وأرضاه قال صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم: (أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب) مع أن الله أول ما خلق القلم أخذه بيمينه، فقال: وكلتا يدي ربي يمين.

    فكل هذه الأدلة تثبت أن كلتا يدي الله يمين، فهذا تصريح من النبي صلى الله عليه وسلم ومن آدم عليه السلام، وابن عباس رضي الله عنه وأرضاه يقول: وكلتا يدي ربي يمين ، وأيضا حديث: (المقسطون -الذين يعدلون- على منابر من نور على يمين الرحمن)، فهذه الأدلة كلها من الآثار الصحيحة الصريحة تصرح بأن كلتا يدي الله جل وعلا يمين ، فهذا يضعف لنا قول من قال: بأن الله له يد شمال؛ لأن كل الروايات تدل على أن كلتا يديه يمين، فالصحيح الراجح أن الله جل وعلا لا يوصف بالشمال أثراً ونظراً.

    فأما الأثر: فما أوردناه من الآثار والأحاديث التي تثبت بأن كلتا يدي الله يمين.

    وأما من النظر فإن هناك قاعدة مهمة لطلبة العلم وهي: كل صفة توهم نقصاً فإننا ننزه الله عنها، كالخيانة فإنها نقص فلا يمكن أن نصف بها الله تعالى، وكذلك لا يجوز أن يقال: إن الله ماكر؛ لأن إطلاق المكر على الله يوهم أنها صفة نقص، ولكن إذا كانت من باب المقابلة فيجوز، كأن يقال: إن الله يمكر بالماكرين، ويخطئ بعض الذين لا يعرفون عن العقيدة شيئاً عندما يقولون: لا تخشى، فإن الله ضار وسيضر الظالمين، ويقولون: يا ضار ضر الظالمين، وهذا سوء أدب مع الله جل وعلا، فلا يجوز أن يقال عن الله جل وعلا: الضار ويُسكت، بل لابد وأن يقرن معه: النافع، فيكون: الضار النافع؛ لأن إطلاق الضرر يوجب نقصاً في حق الله، وأي صفة توجب نقصاً إذا أتصف بها الله جل وعلا وجب علينا أن ننزه الله جل وعلا عنها.

    فلا بد إذاً أن نقرن مع الصفة صفة أخرى، فنقول: الخافض الرافع، المحيي المميت، الأول الآخر، الظاهر الباطن، فكل صفة توهم نقصاً فلا بد أن ننزه الله عنها، والشمال يوهم نقصاً، والعرب الأقحاح يعتبرون اليد اليسرى أو الشمال نقصاً، ولذلك لا بد أن ننزه الله عنها.

    وأما إذا ثبت الحديث الدال على أن لله يد شمال فنقول: إنها تليق بجلال الله وكماله، ولكن إذا لم يثبت الحديث نقول: هذا نقص، ولم يأت دليل يدل على ذلك، والصحيح الراجح أنه لا يوصف الله جل وعلا بالشمال ، فكلتا يديه يمين ، من اليمن والبركة، وهي يمين حقيقة.

    1.   

    إثبات الأصابع لله عز وجل

    إن لله سبحانه أصابع، ولا يقال: إن هذه الأصابع ليس لها كيفية، بل لها كيفية يعلمها الله، وأما نحن فلا نعلمها، والأصابع معلومة في اللغة، وكيفيتها مجهولة، والإيمان بها واجب، والسؤال عنها بدعه، والحديث ظاهر جلي كالشمس في الأفق وإن شغب المشاغبون والجهلة المبتدعون عليه، ففي الصحيحين: أنه دخل حبر من أحبار اليهود على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (يا محمد! إن الله جل وعلا يحمل الأراضين على ذه، والجبال على ذه، والشجر على ذه، والماء على ذه -وفي رواية: الخلق على ذه- والثرى على ذه)، وفي رواية: (أنه صلى الله عليه وسلم كان يقبض ويبسط يده)، وهذه الطريقة تصح في التعليم، فقد روي عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بين أن الله جل وعلا يقبض السماوات بيمينه كان يقبض ويبسط يده، وقال: (يهزهن ثم يقول: أنا الرحمن أين المتكبرون؟ أنا الجبار أين الجبارون؟)، ثم قال: فمن شدة تأثر النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبين ذلك ويقبض ويبسط يده صلى الله عليه وسلم كاد المنبر أن يسقط.

    فلما أخبر ذلك الخبر أن الله يحمل الشجر على ذه، والماء على ذه، والثرى على ذه، والخلق على ذه، ضحك النبي صلى الله عليه وسلم مقراً فهم هذا الحبر على أن الله جل وعلا يحمل كل هذه على أصابعه، ولذلك قال الله تعالى: وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [الزمر:67]، فهذا فيه دلالة واضحة على إقرار النبي صلى الله عليه وسلم على أن لله أصابع، وأقر فهم الحبر اليهودي وهو مع ذلك ليس مؤمناً.

    ولكن المخالفين المشاغبين قالوا: اليهود مجسمة، وقد ضحك النبي صلى الله عليه وسلم منكراً على ذلك الحبر، وهذا تناقض لا يقبله عقل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن يضلل أصحابه؛ لأنهم عندما يرون النبي صلى الله عليه وسلم يضحك لقول الحبر، لن يقولوا: إنه إنكار وإنما سيقولون: هذا إقرار، ومن قال بأن ضحك النبي صلى الله عليه وسلم كان إنكاراً فقد طعن في فهم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    فالصحيح الراجح أن النبي صلى الله عليه وسلم أقر الحبر على ما قال، وضحك مقراً فهم الحبر على أن لله أصابع.

    ومن ذلك ما جاء في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء) وكان النبي صلى الله عليه وسلم كثيراً ما يقول (يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، ويا مصرف القلوب صرف قلبي إلى طاعتك) فإذا اعتقد المرء أن الله جل وعلا يقلب قلب العبد بين إصبعيه إن شاء هداه وإن شاء أضله فإن ذلك يجعله يفتقر ويذل إلى ربه في كل لحظة من حياته، ويضع التراب على رأسه، ويسجد لله باكياً؛ حتى لا يصرف الله قلبه، فإنه لا يحول بين الله وبين عباده أحد، والعبد إذا ابتعد أبعده الله، ومن سقط من عين الله فلا راد له، فإذا علم العبد يقيناً أن قلبه بين إصبعين من أصابع الرحمن جل وعلا إن شاء أضله وجعله من أكبر الكافرين، وإن شاء هداه وجعله من أعبد العباد في الأرض ، فإنه لابد أن يكون فقيراً إلى الله جل وعلا ليل نهار، وإن كنا نغفل عن هذا الأمر في بعض الأوقات، لكن رحمة الله جل وعلا واسعة، فسأله ألا يتركنا لأنفسنا قط، وإذا اعتقدنا بأن قلوبنا بيد الله جل وعلا فإنا سنطمع أن الله يثبتنا على الحق، فإنه سبحانه إذا أراد بقوم فتنة فلا عاصم لهم منها.

    1.   

    إثبات الأنامل لله عز وجل

    كما يوصف الله عز وجل بأن له أصابع، فيوصف أيضاً بأن له أنامل، وبكيفية ذلك يعلمها الله جل وعلا ولا نعلمها نحن. وهذه الأنامل ثبتت بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وأثبتها أهل السنة والجماعة، وأهل السنة والجماعة مع أهل البدعة والضلالة من المفوضة يتفقان ويفترقان، فالمفوضة ذهبوا إلى تمييع الصفات، فعندما نقول: الله عز وجل يسمع كل الأصوات على تعدد الحاجات واختلاف اللغات، ويسمع دبيب النملة السوداء، على الصخرة الصماء، فهم يقولون في سمع الله: لا نعلم معناه، مع أنهم يعلمون أنك إذا قلت: محمد يسمع، أنه يسمع بسمع حقيقي، لكنهم يقولون في صفة السمع: لا نعلم معناها، وكأنهم يقولون: تفوض المعنى، أي: لا معنى لها إلا هذه الحروف التي تشابكت أمامنا فقط، فهؤلاء هم المفوضة.

    وأما أهل السنة والجماعة فيفوضون الكيفية فقط ولا يفوضون المعنى، فهم يتفقون مع أهل البدعة في تفويض الكيف، ويفترقون عنهم في تفويض المعنى، ولذلك فالإمام أحمد لما ذكرت له الصفة قال: نفوضها لله، أي: نفوض كيفيتها، فأهل السنة والجماعة يقولوا: نفوض كيفيتها، فيقولون في قوله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5]: نفوض الكيفية ولا نعلم كيف استوى، لكنا نعلم أن معنى الاستواء هو العلو والارتقاء.

    إذاً: فأهل السنة مع أهل البدعة يتفقان في تفويض الكيفية ويفترقان في تفويض المعنى؛ لأن أهل السنة والجماعة يثبتون المعنى ويعلمونه، وأما أهل البدعة والضلالة فيفوضونه. إذاً: فنفوض الكيفية في الأنامل، ونثبت المعنى، فلله أنامل، ولها كيفية، وهذه الكيفية مجهولة يعلمها الله.

    قال النبي صلى الله عليه وسلم -كما في سنن الترمذي -: (رأيت ربي في المنام) وهذا دليل صريح على أن المؤمن يمكن أن يرى ربه في المنام بلا كيفية، فقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم ربه في منامه رؤية قلبية، لا رؤية بصرية؛ لأننا نعتقد أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرى الله في الدنيا، ولم يراه أحد في الدنيا، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لن تروا ربكم حتى تموتوا) فلا رؤية لأحد لله جل وعلا بالعين البصرية في الدنيا ، وعندما طلب موسى من الله أن يراه قال: قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي [الأعراف:143]، فالنبي صلى الله عليه وسلم رأى الله في المنام ليلة، فسأله: فيم يختصم الملأ الأعلى؟ فلما لم يعلم النبي صلى الله عليه وسلم، وضع الله يده على صدره، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (حتى وجدت برد أنامله على صدري) فأثبت اليد ثم أثبت الأنامل، وهذا فيه تصريح أن لله أنامل.

    وهذا ختم الكلام في باب صفة اليد، والخلاصة: أن الله لا يوصف بأن له شمال، بل كلتا يديه يمين، وله أصابع وأنامل، وكيفيتها يعلمها ربنا جل وعلا.

    أقول قولي هذا، واستغفر الله لي ولكم.