إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ محمد حسن عبد الغفار
  3. شرح كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب - باب إثبات العلم لله جل وعلا

شرح كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب - باب إثبات العلم لله جل وعلاللشيخ : محمد حسن عبد الغفار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من الصفات التي يجب أن نثبتها لله عز وجل صفة العلم، فقد دلت عليها الآيات والأحاديث الواردة عن المصطفى صلى الله عليه وسلم، وأجمع الصحابة على إثباتها، والعقل شاهد على اتصافه سبحانه بهذه الصفة.

    1.   

    ما جاء في إثبات صفة العلم لله عز وجل

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    ثم أما بعد:

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ قال الله جلا وعلا في محكم تنزيله: لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ [النساء:166]، وقال عز وجل: فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ [هود:14].

    فأعلمنا الله أنه أنزل القرآن بعلمه، وخبرنا جل ثناؤه أن أنثى لا تحمل ولا تضع إلا بعلمه، فأضاف الله جل وعلا إلى نفسه العلم الذى خبرنا أنه أنزل القرآن بعلمه، وأن أنثى لا تحمل ولا تضع إلا بعلمه.

    فكفرت الجهمية وأنكرت أن يكون لخالقنا علم مضاف إليه من صفات الذات تعالى الله عما يقول الطاعنون في علم الله علواً كبيراً ].

    العلم صفة من صفات الله جلا وعلا الثبوتية التي ثبتت في الكتاب والسنة، بل هي ثابتة أيضاً بالعقل كما سنبين بعد الإجماع، فهي صفة ثبوتية ذاتية، ومعنى ذاتية أي: لا تنفك عن الله جلا وعلا، ولا تستطيع أن تقول هي فعلية؛ لأنها لا تتجدد، فإن الله لا يزال عالماً حكيماً خبيراً جلا وعلا، فصفة العلم صفة ثبوتية أزلية أبدية ثابتة بالكتاب وبالسنة والإجماع والعقل.

    الأدلة من القرآن على إثبات صفة العلم لله

    الأدلة من السنة على إثبات صفة العلم لله

    وأما من السنة ففي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مفاتح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله: لا تدري نفس ماذا تكسب غداً إلا الله) إلى آخر الحديث.

    وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (علم الله جلا وعلا ما صائر إليه خلقه فهم صائرون إليه)، أو كما قال صلى الله عليه وسلم.

    ويقصد به القدر، أنه كتب كل شيء قبل أن يخلق الخلق بخمسين ألف سنة.

    كذلك صلاة الاستخارة فيها إثبات صفة العلم لله ونصها: (اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تعلم ولا أعلم.. ) فهذا فيه إثبات العلم لله جل وعلا بالكتاب والسنة.

    الإجماع والأدلة العقلية على إثبات صفة العلم لله

    كذلك الإجماع: أجمعت الصحابة على أن لله علماً ثابتاً بالكتاب والسنة، وهذا العلم أزلي وهي صفة ثبوتية، والعقل يدرك هذه الأشياء، وهذا الكون إنما وجد بإرادة، وهذه الإرادة تستلزم العلم، وبالمثال يتضح المقال، لو أردت شراء سيارة أحدث موديل وقلت: أنا لا أريد إلا هذه السيارة، فإرادتك لهذه السيارة تنبئ بأنك تعلم تفاصيلها وتعلم عنها كل شيء، وتعلم مميزاتها وعيوبها، فهذه الإرادة تنجم عن علم ومعرفة.

    ولما أراد الله خلق هذا الكون العظيم المبدع فهذا نابع عن علم، وأيضاً إتقان هذه الصنعة كهذه الجبال والأنهار والسماوات والشمس تجري لمستقر لها، والقمر يكون في الليل، والشمس يكون نهاراً وتغرب الشمس وتذهب تسجد تحت العرش، فكل هذا الإتقان يدل أنه نابع من عليم قدير.

    فالعقل يؤكد هذه الصفة، فنثبت لله جل وعلا صفة العلم على أنها صفة ثبوتية أزلية، وأن الله أحاط بكل شيء علماً، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، يرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، لا تواري عنه سماء سماءً ولا أرض أرضاً ولا بحر ما في قعره، ولا جبل ما في وعره؛ فإن الله جلا وعلا قد أحاط بكل شيء علماً، قال الله تعالى: لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا [الطلاق:12]، و(شيء) هنا نكرة في سياق الإتيان تعم كل شيء دقيق وجليل يعلمه الله جلا وعلا، يعلم ما تحمل كل أنثى، وما تغيظ الأرحام وما تزداد.

    وقد قص الله على نبينا صلى الله عليه وسلم أخباراً لا يعرفها ولا درسها ولا تعلمها، وكانت معجزة من المعجزات التي كانت بين يديه، وقص الله عليه قصة يوسف عليه السلام وما حدث معه في غيابة الجب من الاضطرار الذي صبره، وما حدث له مع هذه المرأة التي دعته إلى الزنا فصبر عليها صبراً اختيارياً فضلاً منه صلى الله عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأزكى السلام.

    كذلك قص عليه قصة آدم وأنه أمر إبليس أن يسجد له فأبى واستكبر وكان من الكافرين، وقص عليه قصة إبراهيم عليه السلام، فعلم بما كان، ونحن الآن نعلمه من علم الله جلا وعلا، ويعلم سبحانه ما يقع في المستقبل، ونحن ننتظر أن يقع علم ما سيكون الذي أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم قال تعالى: لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ [الفتح:27]، فهذا حدث.

    كذلك قال الله تعالى: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ [القمر:45]، وقال: الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ [الروم:1-3]، ولذلك أبو بكر قام خطيباً في أهل مكة وراهنهم على انتصار الروم، وهذا الرهان هو الرهان الصحيح، يعني: المقامرة هنا مقامرة صحيحة شرعاً، وإن كان الأصل في المقامرة المحرمة، لكنها هنا تصح؛ لأنها على يقين، لو راهن أحدٌ أحداً على أمر ليس فيه ضرب من المخاطرة يصح، ولذلك كان أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه على يقين من أن الروم ستغلب لأنه وحي من الله جل وعلا فراهنهم على ذلك وكسب الرهان حلالاً له.

    وأخبرنا صلى الله عليه وسلم بما سيكون وما زلنا ننتظر ما يقع كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (يخرج من بعدي دجالون ثلاثون يدعون النبوة) فمنهم من ظهر وحتى الآن لم يكتملوا الثلاثين.

    كذلك قال صلى الله عليه وسلم: (بين يدي الساعة سنوات خداعة يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويخون الأمين). إلى آخر الحديث.

    كذلك أخبرنا عن الدجال وما يحدث معه، وما أعطاه الله جل وعلا من صفات الربوبية ليختبر به إيمان العباد ابتلاءً وفتنة.

    1.   

    علم الله أحاط بكل شيء

    علم الله ما يكون وما وقع، وما لم يقع، وعلم ما لم يكن لو كان كيف سيكون، هو ليس موجوداً، لكن لو قدر الله أن يوجد هذا الممكن في الكون أمامنا شاهداً حاضراً فكيف سيكون، وهذا من العلم الممكن، قال الله تعالى عن الكافرين أنهم لا يسمعون سمع إجابة: إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ [الأنفال:22-23]، إذاً: الله جلا وعلا لم يسمعهم سمع إجابة، ولو أسمعهم الله لعاندوا وتعنتوا، وأعرضوا عن الله جل وعلا، ومن الممكن أيضاً خروج المنافقين في الصف المسلم يعيثون فساداً في الصف المسلم، قال الله تعالى عن المنافقين: لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ [التوبة:47]، فهذا أيضاً علم ما لم يكن لو كان كيف سيكون يعني: لو خرج المنافق مع النبي صلى الله عليه وسلم لأفسد في الصفوف الإسلامية، وهذا من الممكن.

    كذلك من الممكن في الآخرة عندما يقف أهل الكفر على النار، ويتمنون الرجعة، قال تعالى: وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا [الأنعام:27-28] يعني: لو قدر الله جل وعلا أن يخلق الدنيا مرة ثانية ويردهم إليها ويبعث إليهم محمداً فلن يؤمنوا له، قال تعالى: وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [الأنعام:28]، هذا كله في الممكنات الله يعلم ما لم يكن لو كان كيف سيكون، أما في المستحيلات لو كان للكون أكثر من خالق ماذا سيحدث؟!

    نحن لا نعلم، والله جل وعلا بين لنا أنه لو قدر أن للكون أكثر من خالق لذهب كل إله بما خلق، ولعلا بعضهم على بعض ولذلك قال الله تعالى: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا [الأنبياء:22].

    إذاً: علم الله جل وعلا علم شمولي أحاط بكل شيء علماً فعلم ما يكون، وعلم ما لم يكن لو كان كيف سيكون، أنتم اعتقدتم هذا الاعتقاد الجازم في قلوبكم بأن صفة العلم لله جل وعلا ثابتة أزلية أبدية يعلم بها كل شيء عظيم ودقيق، يعلم ما كان وما م يكن لو كان كيف سيكون، قال الله تعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ [محمد:31]، حتى هذه للغاية، ثم يقول لنا: (ولنبلونكم) ربما أنزل الله البلاء لكي يعلم المجاهدين والصابرين، والله يعلم كل شيء فكيف يقول (حتى نعلم) هنا في الآية؟

    الصحيح أن سابق علم الله مكتوب في اللوح المحفوظ، لكن لو أتى الله جل وعلا بالعبد الكافر فقال: إني أعلم قبل أن أخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة أنك كافر، ورماه في النار، فقد تكون له الحجة على الله فيقول: يا رب! لو تركتني لكنت مؤمناً بك، ولذلك قال الله تعالى في الحكمة من إرسال الرسل: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء:165]، حتى لا تكون عندهم حجة وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء:15]، فعلم الله جل وعلا يظهره، حتى يكون حجة على الناس، وهذا العلم يسمى علم المحاسبة، سيحاسبك الله عليه وإلا فهو يعلم كل شيء دقيقه وجليله.

    علم الغيب وعلم الشهادة

    العلم نوعان: علم غيب، وعلم شهادة وكل ثابت لله، وقد علمه الله لبعض خلقه، وفاوت بين الناس درجات من هنا إلى السماء في أبواب العلم، وما من حديث وما من آية مدحت أهل العلم إلا والمقصود علم الشرع وهو علم الشهادة.

    وعلم الغيب كذلك نوعان: غيب مطلق وغيب نسبي، أما الغيب المطلق فلا يعلمه إلا الله، ومن ادعاه فقد كفر، قال الله تعالى: قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ [النمل:65]، هذا مطلق يشمل كل الغيب، فلا يعلمه إلا الله جل وعلا، ولا يشكل علينا قول الله تعالى: (( إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ [الجن:27]، فهو يعلمهم من الغيب ما يريد، فعلم الله النبي صلى الله عليه وسلم بعض أمارات الساعة إذاً الغيب المطلق لا يعلمه إلا الله جلا وعلا، أما الغيب النسبي فيمكن أن يعلمه البعض، ويغيب عن البعض، مثال ذلك ما يحدث في المسجد الآن هل هذا غيب عندنا؟ لا، ففي جلستنا هذه ما يحدث من الأخذ والرد والشرح هل يغيب عن أحد منكم؟ لا، لكن إن قدرنا أن رجلاً في الراشدية الآن بعيداً عن هذه الحلقة لا يعلم شيئاً عنا، فهذا بالنسبة له يسمى غيباً نسبياً، لكن عندنا علم شهادة، كذلك ما يحدث في أمريكا الآن نحن لا نعلمه لكن عند الأمريكيين هو علم شهادة وعندنا علم غيب، وهذا يوضح لك مسألة القرين الذي يخبر الكاهن بما يقع من الغيب النسبي.

    إذاً: الغيب نوعان: غيب مطلق لا يعلمه إلا الله جل وعلا، ومن ادعاه فقد كفر، وهنا مسألة الأبراج وحظك اليوم كذا.. واقرأ برج الأسد وبرج كذا وأنت سعيد.. وغداً ستحزن بكذا.. كل هذا الذي يطلع عليه أخشى عليه من الكفر، والذي يطلع عليه فيقصده فقد فعلَ فعل الكفر؛ لأنه اعتقد في غير الله ما لم يكن إلا لله، يعتقد أنه سيحدث له ما ذكر، فهذا كفر يخرج من الملة؛ لأنه بذلك يعتقد أن الغيب يعلمه غير الله، والغيب المطلق لا يعلمه إلا الله جل وعلا، بل الرسول لا يعلم الغيب، والحوادث التي وقعت ولا يعلمها الرسول كثيرة، وأشهر حادثة وقعت حادثة هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان عندما أخذت كبد حمزة رضي الله عنه وأرضاه أسد الله وأسد رسوله فلاكتها ثم لفظتها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (الحمد لله الذي لم يجعل جزءاً منه في النار) معتقداً بأن هند ستموت على الكفر، فأصبحت من الصالحات العابدات رضي الله عنها وأرضاها، فثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم نفسه لا يعلم الغيب، فالغيب لا يعلمه إلا الله، وأنتم تعتقدون ذلك وأنا أعتقد ذلك.

    1.   

    إخبار الكاهن ببعض المغيبات

    هنا إشكال: الكهنة قد يخبرون بما سيحدث غداً ثم يحدث ما أخبروا به، فلو ذهب أحدكم إلى كاهن يسأله يقول لك: أنت في العام المقبل يوم الإثنين، في الساعة السادسة ستقابل امرأة اسمها كذا وستتزوجها، تأتي في العام المقبل يوم الإثنين في الساعة التي أخبر بها تنظر في المرأة فتجدها ثم تتزوجها، فهل يعلمون الغيب؟

    لا، النبي صلى الله عليه وسلم أجاب عن ذلك وأخبر أن الجن يركب بعضهم فوق بعض ليخترقوا السمع، فيأخذ الجني الكلمة ثم يقرقرها للذي تحته وربما يأتيه شهاب قبل أن يقرقرها، ثم يقرقرها للذي تحته حتى تصل إلى الكاهن فيكذب معها مائة كذبة، لكن الإنسان ينظر في الكلمة التي صدق فيها، وهذا ليس بإشكال وليس بغيب؛ لأنه يخترق الجني هذه الكلمة من السماء ويقرقرها في أذن وليه.

    لكن السؤال والإشكال: ما الحكمة في ذلك؟ أليس الغيب كله لله جل وعلا؟ ما الحكمة في أن يعلم الكاهن جزئية من الجزئيات فيخبر عنها فيشوش على الناس، فيعتقدون في غير الله ما يعتقد إلا في الله؟

    نقول: هذا ابتلاء من الله جل وعلا، أما أعطى الله الدجال أن ينظر إلى السماء فيقول: أمطري فتمطر، ويأتي إلى الخربة فيقول لها: أخرجي كنوزك فتخرج، ويقتل المرء ويناديه: فيأتي متهللاً أمامهم؟! أعطاه الله شيئاً من صفات الربوبية بلاءً واختباراً لعباده، إذاً الغيب كله لله جل وعلا، فالغيب المطلق لا يعلمه إلا الله سبحانه.

    1.   

    الطوائف التي أنكرت صفة العلم لله

    الذين أنكروا العلم هم ثلاثة أقسام: قسم أنكروا العلم فكفروا، وابن تيمية كفرهم وقال: كفرة الجهمية حيث نفوا عن الله العلم.

    أما المعتزلة وهم أفراخ الجهمية فنفوا عن الله علم ما يكون وأثبتوا له علم ما كان؛ ولذلك تراهم يقولون: إن الله لا يعلم أفعال العباد حتى يفعلوها يعني: إذا عمل العبد عملاً الله يعلمه.

    القسم الثالث: الفلاسفة المناطقة وهم كالجهمية وكلامهم سفسطة؛ قالوا: إن الله يعلم الكليات لكن لا يعلم الجزئيات، فهؤلاء الثلاثة الأقسام أفراخ لليهود قال ابن عيينة : إذا وجدت عالماً ضالاً فاعلم أنه من أفراخ اليهود، وإن وجدت عابداً ضالاً فاعلم أنه من أفراخ النصارى أو كما قال.

    فهذا الانحراف في صفات الله منبعه ومنشؤه اليهود الذين نفوا عن الله العلم، ولذلك قالوا: الله جل وعلا لما خلق آدم ثم خلق البشر وجد أنهم يعيثون في الأرض فساداً فبكى حتى أرمد يعني: الله جل وعلا كما في التوراة المزيفة التي حرفوها!

    أما الرد عليهم فهو يسير فنقول: أولاً: قد أثبت الله لنفسه صفة العلم، وأثبتها له رسوله، وأجمعت الأمة عليه، فكيف تنفون عن الله ما أثبته لنفسه، وتنفون عن الله ما أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم، والله يقول: وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ [الإسراء:36]؟ لا بد أن تقول: سمعت وأطعت، آمنا بالله وبما جاء عن الله وعلى مراد الله، وآمنا برسول الله، وبما جاء عن رسول الله، على مراد رسول الله، وخالفتم أيضاً الإجماع.

    الأمر الثاني: خالفتم ظواهر النصوص، وليس لكم ثمة أدلة.

    الأمر الثالث: أن من قال بقولكم يلزمه لوازم باطلة ومنها: أن تقول: إن الله إذا كان لا يعلم فهو يجهل، والجهل صفة نقص، والله منزه عن كل نقص، بل الجاهل لو قلت له: يا جاهل لصفعك على وجهك لأنك وصفته بالجهل، فالجهل صفة نقص والله جل وعلا وتعالى وتقدس منزه عن كل نقص، هذا ما يرد عليهم به.

    أما حكمهم: فغلاة الجهمية كفرة، وأما القدرية المعتزلة فلو قالوا بنفي علم ما يكون فإنهم يكفرون، ولكن المعتزلة قل منهم من ينفي العلم، ولذلك كان الشافعي يقول: حاجوهم بالعلم يعني: إذا نفوا العلم كفروا، وإذا أقروا بالعلم لا بد أن يقروا بالقدر؛ لأن الله يعلم أفعال العباد، وهو الذي خلقها، وكان بعضهم يقول: لا أقول: يعلم، وأقول: لا يجهل، يعني: أنه لا يثبت الصفة، لكن ينفي ضدها، ونحن قلنا: النفي المحض لا كمال فيه، بل لا بد أن يثبت في النفي كمال الضد فنقول: يعلم أي: لا يجهل، وهذه كانت مناظرة بين بشر المريسي عليه من الله ما يستحق وبين عبد العزيز المكي الشافعي وهو عالم من علماء السنة كان يناظره فقال: أنت تقول: لا يجهل فتنفي عنه الجهل، ونفي الجهل لا يستلزم حدوث العلم، فلا بد أن تقول: هو يعلم ثم تنفي عنه بعد ذلك الجهل ثم تثبت كمال الضد وهو العلم.

    قال الله تعالى: لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ [النساء:166]، فيه دلالة على أن الله يكون شهيداً، ونعم الشهيد جل وعلا، كما قال الله تعالى: قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ [الأنعام:19]، وخير شهيد هو الله جل وعلا، ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم لما خطب في حجة الوداع قال: (اللهم قد بلغت، فأقروا وقالوا: قد بلغت، فرفع أصبعه إلى السماء فقال: اللهم فاشهد! اللهم فاشهد).

    كذلك قوله تعالى: لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ [النساء:166]، دلالة على علو الله جل وعلا، وأن نزول القرآن يكون من علو إلى سفل، وقوله: أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ هذا فيه رد على الزنادقة غلاة الشيعة.

    الذين يقولون: كانت النبوة لـعلي فأعطاها جبريل محمداً صلى الله عليه وسلم، فالله يعلم أين يجعل رسالته، وهو يعلم أنها تنزل على محمد، فلو خان جبريل فترك علياً وذهب إلى محمد إذاً الله جل وعلا غافل حاشا لله أن نقول ذلك! قال تعالى: لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى [طه:52]، وفي الآيات رد على الزنادقة غلاة الشيعة الذين يقولون: إن جبريل خان الرسالة فجعلها لمحمد.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم.