إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ محمد حسن عبد الغفار
  3. القواعد الفقهية بين الأصالة والتوجيه - أحكام التابع والمتبوع

القواعد الفقهية بين الأصالة والتوجيه - أحكام التابع والمتبوعللشيخ : محمد حسن عبد الغفار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من القواعد الفقهية: أن التابع يأخذ حكم المتبوع، وتدخل هذه القاعدة في كثير من أبواب الفقه، هذا بالنسبة للغالب، وإلا فإنه قد يغتفر في التابع ما لا يغتفر في الأصل، كما أنه يغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء، ولكل من هذه القواعد تطبيقاتها الفقهية المتعددة.

    1.   

    قاعدة التابع حكمه حكم المتبوع

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله, وأحسن الهدي هدي النبي صلى الله عليه وسلم, وشر الأمور محدثاتها, وكل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة, وكل ضلالة في النار.

    ثم أما بعد:

    معنى قاعدة التابع تابع ودليلها

    التابع هو بمثابة الفرع، والمتبوع هو الأصل, والفرع حكمه حكم الأصل لا يمكن أن ينفك عنه، والتابع حكمه حكم المتبوع، والمأموم حكمه حكم الإمام، فلو سها الإمام فإن المأموم لا بد أن يسجد لسهو الإمام مع سجود الإمام، فإنما جعل الإمام ليؤتم به.

    إن هذه القاعدة يمكن أن يستدل لها بقول الله تعالى: يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ [الطلاق:1]، فبعض العلماء استنبط هذه القاعدة من هذا الدليل العظيم، والخطاب فيها للنبي صلى الله عليه وسلم. أي: إذا طلقت فطلق للعدة.

    والرسول هو المتبوع والأمة تعتبر تابعة له، والخطاب هنا كان أولاً للمتبوع ثم عمم على التابع، وذلك يدل على أن التابع حكمه حكم المتبوع، فجاء نص الآية أولاً بخطاب النبي: يا أيها النَّبِيُّ ، فهذا خطاب خاص له، ثم بين أن الأمة التي تتبعه تقتدي به في ذلك، فصرح بخطابهم فقال: إِذَا طَلَّقْتُمُ .

    أمثلة القاعدة

    ولهذه القاعدة أمثلة كثيرة جداً نذكر هنا بعضها:

    رجل عنده بقرة وهي حامل، وكان رجلاً كريماً يكرم أضيافه، وهذا الكرم يقع منه اقتداء بأبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام، فأخذ البقرة وكانت حاملاً فذبحها لأضيافه، فخرج جنين البقرة متكاملاً خلقه من بطن أمه، فوقف الرجل حائراً: أيقدم الجنين ليأكلوه أو يلقيه أو يذبحه؟

    فيقال له: إن التابع حكمه حكم المتبوع، والمتبوع هو هنا البقرة الكبيرة والتابع هو الجنين، فتكون ذكاة هذا الجنين هي ذكاة الأم؛ لأنها متبوعة في ذلك.

    وهذا هو ما بينه لنا النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: (ذكاة الجنين ذكاة أمه)، وعليه فيجوز أكله إلا إذا خرج حياً وخرج إلى المزارع يأكل فلا بد له من ذكاة جديدة.

    ومن أمثلة هذه القاعدة: ما لو ذهب رجل يشتري بقرة، فلما اشترى البقرة وجدها حاملاً، فقال له البائع: متى تأخذها؟ قال: بعد أسبوع ساتيك بالثمن وآخذ البقرة.

    فهذا العقد صحيح، وبعد مرور المدة المحددة جاء المشتري لأخذ البقرة فوجدها قد ولدت الجنين، فقال: هذه البقرة وجنينها لي، فقال البائع: لا. أنا أطعمتها طعاماً جيداً فولدت عندي فهي لي، فلما اختلفا قالا: نتحاكم إلى كتاب ربنا وسنة نبينا، فيقول لهم عالم الشريعة: التابع حكمه حكم المتبوع، والجنين تابع لأمه، وهو قد اشتراها وهو في بطنها، فلما ولدته البقرة أصبح حكمه تابعاً لها، فهما للمشتري.

    ومن صور هذه القاعدة: ما إذا أراد رجل أن يقترض قرضاً، فذهب إلى رجل يقرضه، لكن هذا الرجل يخشى على ماله، فقال: سأقرضك ما تريد ولكني أريد رهناً يحفظ لي مالي، وقد قال تعالى: فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ [البقرة:283].

    فأخذ الرجل المال وسلم بقرته رهناً، وكانت البقرة حاملاً، فأخذ المقرض البقرة عنده يطعمها ويسقيها ويشرب من لبنها؛ لأن الغنم بالغرم والخراج بالضمان. وبعد فترة ولدت، فسمع ذلك المقترض فقال: أعطني نتاج البقرة وأعطيك دينك، وقال المقرض: لن أعطيك ذلك، وإن كان ملكاً لك؛ لأن البقرة رهن وجنينها تابع لها، فهو رهن أيضاً.

    1.   

    قاعدة يغتفر في التابع ما لا يغتفر في المتبوع

    معنى القاعدة

    هذه القاعدة بصيغة أخرى: يغتفر في الفرع ما لا يغتفر في الأصل، أي: أنه قد يتسامح بحكم التحريم في التابع، لكن لا يمكن أن يتسامح ذلك مع الأصل المتبوع، فقد يكون بعض الأفعال لا يجوز ابتداء فعله، ولكنه لو كان تابعاً فقد يجوز فعله.

    أمثلة على هذه القاعدة

    الأمثلة عليها كثيرة جداً:

    فمن ذلك: رجل رأى بناءً جميلاً جداً بالنسبة له، فأحبه وأراد أن يهبه لزوجته، فاشتراه من صاحبه، مع أنه لم ير أساس البيت، بل رأى ظاهره فقط.

    فلو قيل: بيعك مفسوخ وعقدك باطل؛ لأنك وقعت في الغرر الجهالة، والنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغرر، وأنت لم تر أساس البيت. فإننا نقول: إن أساس البيت لا يرى حتى يهدم البيت، وهذا الأساس تابع للبناية الشكلية الظاهرة، فيغتفر في التابع ما لا يغتفر في الأصل.

    مثال آخر: لو أن رجلاً رأى سيارة أعجبته جداً، فدخل معرض البيع فليس له أن يقطع جلد مقاعد السيارة ليرى حشوها هل هو جيد أو لا، ويظن أن ذلك ينفي الجهالة والغرر المنهي عنه.

    فيقال له: إن هذا تابع، ويغتفر في التابع ما لا يغتفر في الأصل.

    وكذلك شراء الجبة ونحوها، فيجوز ذلك وإن لم يعلم حشوها؛ لأنه يغتفر في التابع ما لا يغتفر في الأصل.

    ونذكر هنا مسألة عظيمة جداً، وبعض العلماء استنبطوا هذه القاعدة من هذه المسألة، وهي:

    إذا بيت المسلمون الكفار، فقتلوا النساء والأطفال، وقتلوا الشيوخ في الصوامع.

    فلو قال قائل: أخطأتم بأن قتلتم النساء والأطفال، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وقتلتم الشيوخ وهم لم يحاربوا، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك!

    فيقال له: الممنوع هو قصدهم بأعيانهم للقتل، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما مر على امرأة من الكفار مقتولة قال: (ما كانت هذه لتقاتل)، ولكن الصحابة جاءوه مرة فقالوا: يا رسول الله! نبيت القوم وفيهم النساء والأطفال، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: (هن منهم حكمهن حكمهم).

    وهذا صريح في أنه يغتفر في التابع ما لا يغتفر في الأصل، فكأنه يقول لهم: أنتم ما ذهبتم إلى البيوت وأخرجتم النساء وقتلتموهن، وما ذهبتم إلى الصوامع وأخذتم الشيوخ وقتلتموهم، ولكنكم قاتلتم الرجال وكان هؤلاء معهم فقتلوا معهم، فيغتفر في التابع ما لا يغتفر في الأصل.

    وهناك مسألة أخرى عرضت على شيخ الإسلام ابن تيمية ، وهي أن الكفار لو أخذوا المسلمين وتترسوا بهم، والحرب قائمة بين أهل الإسلام وأهل الكفر، وأهل الإسلام على قرب نصر بإذن الله، وأهل الكفر أرادوا أن يوقفوا زحف المسلمين فتترسوا بالمسلمين، فماذا يفعل المسلمون في هذه الحالة؟

    فإذا بـشيخ الإسلام يجيبهم، وكان بحراً لا ساحل له في العلوم، فطبق قاعدة: يغتفر في التابع ما لا يغتفر في الأصل، وذلك أنه لا يجوز ابتداءً أن يقتل المسلم مسلماً لقوله تعالى: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً [النساء:92]، ولكن إذا كان المسلم مع بعض الكفار الذين يوقعون القتل في المسلمين، وقتاله هذا لهم سيأتي بالنصر للمسلمين، ولكن معهم هذا المسلم قد تترسوا به فهنا يغتفر في التابع ما لا يغتفر في الأصل، فيجوز أن تقتلهم وإن قتلت المسلم معهم؛ لأن مصلحة الجماعة مقدمة على مصلحة الفرد، فقال شيخ الإسلام: اقتلوهم وارموهم بالنبال، ولو قتلتم المسلمين فعليكم الدية، ويغتفر في التابع ما لا يغتفر في الأصل.

    ومما يدخل تحت هذه القاعدة مسألة الوقف، فإن العلماء قالوا: إن الوقف لا يصح إلا في العقار، يعني: في أرض أو بناء، أما المنقول الذي يستهلك كالفراش ونحوه فهذا لا يصح أن يكون وقفاً، فإذا كان هناك رجل له دار، فأوقفها كلها لطلبة العلم، فتصبح وقفاً لطلبة العلم مع أن فيها منقولاً كالأثاث والفراش ونحوهما، والأصل أن هذا لا يصح أن يكون وقفاً، ولكن هنا صحت أن تكون وقفاً من باب: يغتفر في التابع ما لا يغتفر في الأصل، فهي تابعة للأصل وهو العقار الذي يصح أن يكون وقفاً.

    1.   

    قاعدة يغتفر في الاستدامة ما لا يغتفر في الابتداء

    معنى القاعدة ودليلها

    إن الاستدامة أقوى من الابتداء، فيغتفر فيها ما لا يغتفر في الابتداء.

    أي الحكم في الاستدامة يصح ولا يصح في الابتداء، وهذا مأخوذ من حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها قالت: (طيبت النبي صلى الله عليه وسلم لحله ولإحرامه).

    أي: كان النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يحرم يرتدي رداء تطيبه عائشة حتى قالت: كنت أرى الطيب في مفرق رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم.

    ومعلوم أنه لا يجوز بحال من الأحوال أن يتطيب المحرم، والدليل على ذلك قصة الرجل الذي وقصته ناقته فمات فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تمسوه طيباً) وحديث ابن عمر ظاهر جداً في أن المحرم لا يرتدي ثياباً مسها طيب أو زعفران، فهذه أدلة واضحة جداً على أن المحرم لا يجوز له أن يتطيب.

    وجاء في حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم تطيب قبل أن يحرم، فلما أحرم وقال: لبيك اللهم بعمرة، وجد الطيب في مفرق رأسه صلى الله عليه وسلم، فهل يجب عليه أن يغسل هذا الطيب؟

    الجواب: لا؛ لأنه يجوز في الاستدامة ما لا يجوز في الابتداء, فلو تطيب قبل أن يحرم ودام الطيب معه، فإننا لا نلزمه بالغسل؛ لأنه استدامه فقط، ولم يبتدئه ابتداءً.

    إرجاع المطلقة

    ونذكر أيضاً صورة أخرى لتطبيق هذه القاعدة:

    لو أن رجلاً طلق امرأته وكانت قد أتعتبه كثيراً حتى قال عند طلاقها: لقد أراحني الله منك، وعندما طلقها كان على مشارف عمرة، فأحرم فقال: الحمد لله أن نزعت عن كاهلي هذا البيت الثقيل، والحمد لله أنني سأعتمر خالياً، فأحرم بعمرة.

    وعند الطواف تذكر حبه لزوجته ولأولاده، فحن إليها فقال: لقد طلقتها وأنا الآن محرم فلا يجوز لي أن أراجعها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن ينكح المحرم أو ينكح له!

    فيقال له: أخطأت فهم النص، فالنص يتكلم عن حرمه ابتداء نكاح جديد، أما إرجاعك لامرأتك فليس نكاحاً جديداً بل هي امرأتك أصلاً ولكنك طلقتها، فيجوز لك أن تراجعها وأنت محرم، فإنك طلقتها طلاقاً رجعياً والله يقول: وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ [البقرة:228] فأنت في استدامة، ويغتفر في الاستدامة ما لا يغتفر في الابتداء.

    الوكالة بالبيع

    ومن صور هذه المسألة مسألة الوكيل بالبيع:

    فلو أن رجلاً عنده مال لرجل آخر، فذهب فاشترى له بعيراً ثم باع البعير فربح، ثم أعطاه ماله.

    فالأصل في هذا التصرف أنه لا يجوز؛ لأنه تصرف في مال الغير بغير إذنه، لكن هنا إذا أخذ المال وباع واشترى فهذا يعتبر بيع فضولي، فإن أجازه صاحب المال، فإن هذا الجواز يستند لأثر ولقاعدة:

    أما الأثر فهو حديث عروة البارقي عندما أعطاه النبي صلى الله عليه وسلم درهماً وقال له: (اشتر به شاة , فاشترى به شاة ثم باعها بدرهمين، ثم اشترى شاة بدرهم، وربح درهماً).

    فقد فعل أفعالاً لم يأذن له فيها النبي صلى الله عليه وسلم، لكن لما رضي النبي صلى الله عليه وسلم علمنا أن هذا الرضا يدل على أنه يغتفر في الاستدامة ما لا يغتفر في الابتداء، والأصل هنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد وكله في الشراء فقط، فهو أدام الفعل فاشترى الشاة وباعها، ثم اشترى شاة أخرى، فهذه استدامة، ويغتفر في الاستدامة ما لا يغتفر في الابتداء.

    ونسأل الله جل في علاه أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا.