إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ محمد حسن عبد الغفار
  3. القواعد الفقهية بين الأصالة والتوجيه - درء المفاسد مقدم على جلب المصالح

القواعد الفقهية بين الأصالة والتوجيه - درء المفاسد مقدم على جلب المصالحللشيخ : محمد حسن عبد الغفار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد نهى الإسلام عن مضرة الآخرين، وأصَّل في ذلك قاعدة تندرج تحتها كثير من المسائل العلمية، وهي: درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، والأدلة على هذه القاعدة ثابتة بالكتاب والسنة، ولها صور من الواقع الذي نعيشه.

    1.   

    بيان القاعدة الفقهية درء المفاسد مقدم على جلب المصالح

    المعنى العام لقاعدة درء المفاسد مقدم على جلب المصالح

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71]، أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    ثم أما بعد:

    فإنَّ القاعدة الفقهية تقول: درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.

    والمفسدة: هي التي تلحق بمن وقعت عليه الضرر، وهي مرتبطة بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا ضرر ولا ضرار).

    والمصلحة: هي التي تجلب المنفعة لمن كانت له هذه المصلحة.

    والمعنى العام للقاعدة كما بينا في القواعد الفقهية: أنه إذا تعارضت مفسدة مع مصلحة فالأولى أن لا ننشغل بالمصلحة، بل الأولى إزالة المفسدة؛ لأن إزالة الضرر أولى من جلب المنفعة؛ لأن إزالة المفسدة أو درءها فيها منفعتان:

    المنفعة الأولى: عدم وقوع المفسدة.

    المنفعة الثانية: تركُ المرء سالماً؛ لأن الضر إذا وقع على الإنسان فإنه يعيقه عن كثير من المصالح التي لا بد أن يتقدم لها.

    ففيها منفعتان: قطع هذه المفسدة التي كانت ستقع، وأيضاً قطع أبواب مفاسد أخرى يمكن أن تجرها هذه المفسدة.

    الأدلة على أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح

    والأدلة على هذه القاعدة العظيمة العريضة التي يندرج تحتها كثير من المسائل العلمية: قول الله تعالى: وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ [الأنعام:108].

    فالله جل وعلا نهى الصحابة الكرام أن يسبوا الآلهة أو يسفهوا أحلام من يعبد هذه الآلهة، مع أن سب الآلهة الباطلة ممدوح، بل محثوث عليه، وتسفيه أحلام من يفعل ذلك ممدوح، بل محثوث عليه، بل يثاب المرء إذا فعل ذلك، لكن منع الله جل في علاه هذه المصلحة لدرء مفسدة أعظم منها، أو لتعارض مفسدة مع هذه المصلحة، ألا وهي سب الله جل في علاه، فإن من أعظم المفاسد أن يسب الله جل في علاه.

    ولذلك بين لنا الله جل في علاه قاعدة شرعية لا بد أن نسير عليها طيلة تعبدنا لله جل في علاه، ألا وهي: دفع المفسدة مقدم على جلب المصلحة، فإن كان في سب الآلهة مصلحة فإن دفع المفسدة أولى.

    ومن الأدلة التي تثبت ذلك: حديث النبي صلى الله عليه وسلم عموماً: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فانتهوا).

    ففي هذا الحديث دلالة على هذه القاعدة العظيمة، ووجه الدلالة: أن أمر النبي صلى الله عليه وسلم فيه منفعة، فسهل فيه وعلقه بالاستطاعة، وأمر بامتثال النهي مطلقاً لأنه مفسدة تجتنب، فالحديث يبين أن الشرع يهتم بالانتهاء عن المنهيات، بدفع المفاسد كلها.

    فالمنافع فيها التسهيل، قال صلى الله عليه وسلم: (فأتوا منه ما استطعتم)، أما في المنهيات وفي المفاسد قال: (فانتهوا).

    وفي الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على عائشة رضي الله عنه وأرضاها وقال لها: (لولا أن قومك حديثو عهد بكفر لهدمت الكعبة، ولبنيتها على قواعد إبراهيم، ولجعلت لها باباً منه يدخل الناس، وباباً يخرجون منه)، ولم يفعل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم.

    فالمصلحة هنا: أن تكون الكعبة كما بنيت على عهد إبراهيم.

    والمصلحة الثانية: أنه لا يفرق بين الناس، حيث إنَّ أهل مكة كانوا قد جعلوا مصعداً يصعد عليه الشرفاء ليدخلوا الكعبة، لكن الضعفاء أو الفقراء لا يدخلون.

    فكان النبي صلى الله عليه وسلم يريد مصلحة أعظم من ذلك ألا وهي عدم التفريق؛ لأن رب أشعث أغبر عند الله أفضل من آلاف من هؤلاء المعظمين، فقال: (ولجعلت لها باباً يدخل منه الناس)، والمصلحة العظمى: باب يخرجون منه خشية التزاحم.

    فهذه مصلحة عظيمة جداً أن تبنى الكعبة على قواعد إبراهيم، لكن نازعت هذه المصلحة مفسدة فامتنع النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا هو الشاهد، والمفسدة هي: حدوث الفتنة وهو ارتدادهم عن الإسلام، فإنَّ أهل مكة كانوا يعظمون الكعبة، ويعظمون الشعائر، فإذا رأوا النبي صلى الله عليه وسلم يهدم الكعبة سيقولون: النبي صلى الله عليه وسلم لا يعظم الكعبة فتحدث الفتنة بينهم، فيرتدون عن الإسلام؛ لأنهم لا يفقهون أن النبي صلى الله عليه وسلم يبين أن هدم الكعبة وبناءها على قواعد إبراهيم مصلحة كبيرة جداً، بل سيقولون: لم يعظم شعائر الله جل في علاه، كيف يأمرنا أن نعظم شعائر الله وهو لم يعظم شعائر الله حين هدم الكعبة؟

    ومن الأدلة على ذلك: الرجل الذي جاء ينظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقسم الغنائم، فقال: اعدل يا محمد! هذه قسمة ما أريد بها وجه الله تعالى.

    فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (ويحك، ومن يعدل إن لم أعدل)، وفي رواية قال: (ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء؟! فقام خالد بن الوليد ، وقال: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: لا، حتى لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه).

    فوجه الدلالة في هذا الحديث قوله: (لا، حتى لا يتحدث الناس أن محمداًً يقتل أصحابه) فالمصلحة: كل من تطاول على رسول الله صلى الله عليه وسلم فحده القتل حتى لا يتجرأ أحد على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وأما المفسدة: فهي أن يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه، وتحدث مفسدة ناجمة عن ذلك بعدم دخول الناس في الإسلام خوفاً، فيقولون: ما من أحد يكلم هذا الرجل إلا وقتله.

    إذاً: في قتل هذا المنافق مفسدة وهي تنفير الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فقدم درؤها على مصلحة قتله.

    1.   

    تطبيقات قاعدة درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة

    صلاة الجنب من غير اغتسال إذا أدى غسله إلى كشف العورة

    الصورة الأولى: امرأة كانت تسافر في صحراء، فنامت فأجنبت، فأرادت أن تغتسل فلم تجد سترة تستتر بها، وأرادت أن تصلي، وكانت الصلاة قرب سقوط حاجب الشمس.

    فالمصحلة: الاغتسال والطهارة من أجل الصلاة، والمفسدة: أن تكشف عورتها أمام الأجانب.

    والحكم الصحيح: أنها لا تغتسل؛ لأن درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة.

    فعندنا مصلحة نجمت، ألا وهي الاغتسال لرفع الحدث من أجل الصلاة، وعندنا مفسدة نازعت هذه المصلحة وهو تعري المرأة أمام الرجال، وفي ذلك من المفاسد ما لا يعلمه إلا الله جل في علاه.

    صورة أخرى: قام رجل بين رجال جنباً، وأراد أن يغتسل، وليس ثمة سترة.

    فالمفسدة هنا: كشف العورة، والمصلحة: الاغتسال من أجل الصلاة.

    فمن العلماء من خفف فيها وقال: هذه مفسدة خفيفة، فيضع يده على العورة ويغتسل، لا سيما أن بعض العلماء قالوا: العورة القبل والدبر فقط، بل ابن حزم ارتقى وقال: عورة الرجل في الصلاة وخارج الصلاة القبل والدبر، يعني: لو أخذ غصن شجرة فستر القبل وستر الدبر فصلاته صحيحة.

    والعورة مختلف فيها، هل الورك يدخل في العورة أمْ لا؟ وهل هي من السرة والركبة أم لا؟

    والمقصود: أنهم اختلفوا في هذه المسألة؛ لأن المفسدة خفيفة، فالمسألة مختلف فيها، والقول الراجح: أنه يخلع ثيابه، ويستر عورته أو ذكره بيده ثم يغتسل.

    بيع المخدرات

    صورة أخرى: رجل كان يقف على جبل، فيقطع المخدرات ويبيعها، وقلنا له: حرام، قال: اتق الله أما علمت أن الله خلق المنافع للناس، وإني آخذ من هذه المنافع.

    قلنا: ما هي المنفعة؟

    قال: راحة الناس، وأيضاً: استجلاب المال فهو يدر عليَّ الربح الذي أطعم به أولادي.

    نقول: حكم هذا البيع: أن هناك مفسدة نازعت المنفعة، ألا وهي إفساد الآخرين.

    والمنفعة كما يقول: أما رأيت الرجل دائماً يرى نفسه قوياً، ويقول: أنا قوي جداً وهو يمشي في الشارع، فيرى شجاعته متمثلة وتتجسد أمامه إذا شرب هذه المشروبات، والأصل في البيع الحل، وهناك تراضٍ بين المشتري والبائع، وقد طبق في البيع كل الشروط والأركان، وفيها منفعة له وللمشتري.

    والردُّ عليه: أنَّ هذه المنفعة ليست مصلحة بأي حال من الأحوال، فإنه يقف أمام هذه المنفعة مفسدة، فالشريعة جاءت بحفظ خمس كليات منها العقل، وبالمخدرات يزول العقل، فزوال العقل مفسدة تخالف مقاصد الشريعة، والمتعامل بالمخدرات يقع تحت اللعن شرعاً، كما قال صلى الله عليه وسلم: (لعن الله شارب الخمر)، وشرب المخدرات مثل شرب الخمر.

    فدرء المفسدة مقدم على جلب المصلحة، والدليل على ذلك بالتصريح من قول الله تعالى: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ [البقرة:219]، فالخمر فيه منفعة أيضاً، ولكن إثمه أكبر، وقد غلب ضرره على النفع، ولذلك فرع العلماء على هذه القاعدة، فقالوا: إذا تعارض حاظر ومبيح غلب الحاظر على المبيح.

    فتح نافذة تطل على عورات الجار

    صورة أخرى من هذه الصور: رجل يريد أن يفتح نافذة في بيته وهذه مصلحة، ولكن هذه النافذة تطل على نساء غيره، أو على غرفة نوم الرجل مع أهله.

    فنقول: النافذة منفعة لك، والمفسدة أن تتطلع على عورات الجار، فدرء المفسدة مقدم على جلب المصلحة وإن كانت النافذة في ملكك.

    اشتباه الزوجة بأجنبيات

    صورة أخرى: لو اشتبه على الرجل امرأته، وذلك حين اختفت فبحث عنها أسبوعاً، فدعا الله في السحر، فأتاه الله بخمس نساء كل واحدة تشبه امرأته في الطول والشكل واللون، فلم يعرف امرأته، والأصل في النكاح الحل، والأصل في الأبضاع الحرمة قبل النكاح؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال (واستحللتم فروجهن بكلمة الله).

    إنَّ هذه المسألة نظرية لا وجود لها، لكن نريد تطبيق القاعدة فقط.

    فالمصلحة: أن يعف نفسه ويقع على زوجته، والمفسدة: احتمال أن يقع على واحدة أجنبية ليست بزوجته.

    فلما اشتبه الأمر نجم عنه مفسدة، وفي هذا الأمر مصلحة، فدرء المفسدة مقدم على جلب المصلحة، فليمت دون أن يجامع واحدة منهن.

    وصلِّ اللهم وسلم على محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.