إسلام ويب

عبادات أهل الإسلام والإيمان وأهل الشرك والنفاق - التوسل [1]للشيخ : محمد حسن عبد الغفار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الدعاء عبادة لله تعالى فلا يجوز صرفها لغيره، ويشرع للداعي أن يقدم بين يدي دعائه وسيلة تكون سبباً لإجابة دعائه، ولكن يجب أن تكون هذه الوسيلة مشروعة، ومن الوسائل المشروعة التوسل إلى الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، والتوسل بالأعمال الصالحة، وبدعاء الأحياء أو حال الداعي.

    1.   

    تعريف التوسل

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    ثم أما بعد:

    التوسل في اللغة هو: الشيء الموصل للغرض المقصود.

    والتوسل عموماً في الشرع هو: الوسيلة أو الطريقة المتخذة للوصول إلى رضا الله وجناته.

    وأما خصوصاً فهو: اتخاذ الوسيلة بين يدي الدعاء للاستجابة.

    والتوسل عبادة، قال تعالى: وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ [المائدة:35].

    قوله: (ابتغوا) أمر من الله بابتغاء الوسيلة، والله عز وجل لا يأمر إلا بما يحب، إذاً: فالوسيلة يحبها الله عز وجل، فإذا كان الله عز وجل يحبها فهي داخلة تحت مسمى (العبادة)، والعبادة: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه.

    وقال تعالى: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي [غافر:60] فسمى الدعاء عبادة، ولازم الدعاء اتخاذ الوسيلة بين يدي هذا الدعاء، ولازم الشيء يأخذ اسمه وحكمه.

    إذاً: إن كانت الوسيلة عبادة، فصرفها لله توحيد، وصرفها لغير الله شرك، ومن هذا المنطلق فالتوسل على نوعين: توسل مشروع، وتوسل ممنوع.

    1.   

    التوسل المشروع وأنواعه

    التوسل بذات الله تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله

    والتوسل المشروع على أربعة أنواع:

    الأول: التوسل بذات الله تعالى وبأسمائه وصفاته وأفعاله.

    فأما التوسل بأسماء الله تعالى، فقد قال تعالى: وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ [الأعراف:180]، أي: اتخذوها وسيلة.

    وقال جل في علاه: قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى [الإسراء:110].

    وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يتوسل إلى الله بأسمائه الحسنى، وكان عليه الصلاة والسلام يقول: (اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك؛ سميت به نفسك، أو علمته أحداً من خلقك، أو أنزلته في كتابك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك)، فكان يتوسل بأسماء الله تعالى.

    ومنه: (وأعوذ بعزتك أن تضلني، أنت الحي الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون).

    و(مر النبي صلى الله عليه وسلم على رجل يدعو في المسجد ويقول: اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله، لا إله إلا أنت، الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: قد سأل باسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب) فهذا توسل بأسماء الله تعالى وهذا لا يصل إليه إلا الفقيه المتدبر الذي اعتقد اعتقاداً صحيحاً في ربه.

    والمسلم إذا أراد أن يسأل الله ويتوسل بأسمائه فليأت بالاسم المناسب في المقام الذي يريده، فمثلاً: إذا أرا أن يطلب من الله الرحمة، فلا يقل: يا عزيز! يا جبار! يا منتقم! ارحمني، لأن هذا سوء أدب مع الله، لأن الجبار يناسبه أن ينتقم، لا أن يرحم، فهو قد وضع اسم الله في غير موضعه، لذا فمن الآداب التي لا بد أن يراعيها العبد وهو يتعبد لله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى توسلاً: أن يأتي بالاسم الذي يوافق المقام.

    وكذلك إن أراد الرزق فلا يقل: يا مانع ارزقني، وإنما ليقل: يا رزاق ارزقني.

    وإن أراد النصر فيكون أنسب ما يقول: إنك نِعم المولى ونعم النصير.

    وإن أراد الموت قال: أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ [يوسف:101].

    وقد علم النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر رضي الله عنه أن يتوسل باسم من أسماء الله في مقام مناسب، وذلك في آخر الصلاة بقوله: (قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم).

    إذاً: عند التوسل بأسماء الله جل في علاه تأتي بالاسم المناسب للمقام الذي تدعو له وتتوسل به.

    وأما التوسل بصفات الله جل في علاه، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يتوسل بصفات الله جل وعلا فيقول: (أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق) فهنا النبي صلى الله عليه وسلم توسل بصفة من صفات الله الفعلية، وهي: الكلام.

    وأما التوسل بصفات الله تعالى الذاتية، فكأن يتوسل العبد بالرحمة فهي صفة ذاتية، لكن أصرح من ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: (أعوذ بعزة الله وقدرته وسلطانه من شر ما أجد وأحاذر) فالصفة الذاتية هنا: العزة والقدرة والسلطان، وكلها صفات ذاتية لا تنفك عن الله جل في علاه.

    وأما التوسل بأفعال الله تعالى، فمعناها: أن ينظر النبي صلى الله عليه وسلم، أو ينظر الصحابي، أو ينظر المؤمن التقي في فعل من أفعال الله في أمة من الأمم فيقول: يا رب كما فعلت كذا فافعل بي، أو كما هديت فلاناً فاهدني أو كما أنعمت على فلان فأنعم علي، أو كما رزقت فلان فارزقني.

    وأصرح من ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: (اللهم عليك بهم اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف) أي: اللهم ابتلى قريشاً بسنين كسني يوسف، لأنهم جحدوا وكفروا، فكان كل واحد منهم ينظر إلى الميتة فيطعمها من البلاء والجوع.

    ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: (اللهم انصرنا كما نصرتنا على الأحزاب).

    وأفعال الله تعالى لا تنتهي بحال من الأحوال.

    التوسل بالأعمال الصالحة

    الثاني: التوسل بالأعمال الصالحة:

    وقد ثبت ذلك بالكتاب والسنة؛ فقال الله تعالى حاكياً لنا عن الحواريين عندما توسلوا لربهم بالأعمال الصالحة، فقالوا: رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ [آل عمران:53].

    وقوم محمد صلى الله عليه وسلم قالوا: رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا [آل عمران:193]

    فهم سألوا الله بأعمالهم الصالحة، وهي: الإيمان بالله، والإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قالوا: رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ... [آل عمران:193] وهل يصح سؤاله عز وجل بحبه وحب رسوله صلى الله عليه وسلم؟

    الجواب: نعم، يصح للمرء أن يقول: اللهم إني أسألك بحبي لك ولدينك، وحبي لنبيك أن تحببني فيك وتحبب عبادك في، أو: أن تحببني إلى الصالحين وتحبب الصالحين إليّ، فتدعو الله جل وعلا بالعمل الصالح، وهو حبك لله وحبك لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وأصرح من ذلك فعلياً قصة الثلاثة الذين أغلق عليهم الغار، وكيف أنهم توسلوا لله بالأعمال الصالحة.

    فأما الأول: فتوسل بأنه أخذ اللبن الذي أتى به لأمه وأبيه أولاً وأولاده حوله يبكون يريدون اللبن فما أعطاهم؛ فبقي هكذا حتى بزغ الفجر، فسقى أباه وأمه براً بهما، وترك أولاده وفلذات كبده.

    فهذا عمل صالح، فذكره ثم قال: (اللهم إن كان هذا العمل إخلاصاً لوجهك الكريم فافرج عنا فانفرجت فرجة ينظرون منها ولا يستطيعون الخروج.

    فجاء الثاني فقال: اللهم إنك كنت تعلم أنه كان لي ابنة عم، وكنت أحبها حباً جماً، فطلبت مني مالاً فراودتها عن نفسها، فلما تمكنت منها وكنت منها بمكان الزوج من زوجه، قالت: اتق الله لا تفض الخاتم إلا بحقه) فارتدع الرجل، وهنا انظر الدين والإخلاص، فإن الرجل جاءه الرادع فارتدع، قال: (فأعطيتها المال، وهي أحب إلي خوفاً منك، اللهم إن كان هذا إخلاصاً لوجهك الكريم فافرج عنا ففرج الله عنهم.

    وجاء فقال: اللهم إنه كان لي أجراء فكان من هؤلاء أجير لم يأخذ أجره فأخذت أجره فنميته له، فلما جاء الرجل قال: أجري؟ قلت: انظر إلى هذا الوادي من الغنم والبقر، قال: لا تستهزئ بي واتق الله، قلت: والله إن هذا أجرك، ثم قال: اللهم إن كنت فعلت ذلك إخلاصاً لوجهك فافرج عنا، ففرج الله عنهم).

    فهذا توسل بالأعمال الصالحة.

    التوسل بدعاء الصالحين الأحياء

    الثالث: التوسل بدعاء الصالحين الأحياء:

    والتوسل بالصالحين على نوعين: إما توسل بالذات، وإما توسل بالدعاء، وسنبين أن التوسل الممنوع هو: التوسل بالذات، وأما التوسل بدعاء الصالحين فهو ثابت بالكتاب والسنة:

    أما من الكتاب: فقوله تعالى: قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا [يوسف:97].

    وقوله تعالى على لسان إبراهيم عليه الصلاة والسلام: رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ [إبراهيم:41] فهو قد دعا لهم.

    وأيضاً قول الله تعالى عن التابعين: وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ [الحشر:10].

    وأما من السنة: ففي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه جلس بين أصحابه فقال: (يدخل الجنة سبعون ألفاً بغير حساب ولا عذاب، فبات الناس يدوكون: مَنْ هؤلاء؟ لعلهم الذين أسلموا ولم يعبدوا صنماً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هؤلاء الذين لا يتطيرون ولا يكتوون ولا يسترقون).

    وفي رواية: (لا يرقون ولا يسترقون وعلى ربهم يتوكلون)

    وقوله: (ولا يرقون) هذه الرواية عند مسلم ، وهي شاذة؛ لأن الحديث المتفق عليه في البخاري ومسلم قال: (لا يسترقون)، وإلا لو قلنا: (لا يرقون) فقد رقى النبي صلى الله عليه وسلم، وأمر بالرقية فقال: (أرقوها ....)، ورقى جبريل عليه السلام، فكيف نقول: (لا يرقون) وقال شيخ الإسلام ابن تيمية : إن هذه الرواية شاذة، أما القول بأنهم لا يرقون الرقية الشرعية فهذا كلام خطأ، وهو كلام المتأخرين.

    والشاهد: أن عكاشة بن محصن قال: يا رسول الله! ادع الله أن أكون منهم، فقال: (أنت منهم) فوجه الدلالة: أنه طلب الدعاء من النبي صلى الله عليه وسلم.

    وأيضاً: الاستسقاء، فيدخل الرجل فيقول: يا رسول الله! هلكت الأموال والزروع فاستسق لنا.

    وهناك حديث يحتج به شيخ الإسلام يقول: عندما ذهب عمر بن الخطاب إلى العمرة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا أخانا لا تنسنا من صالح دعائك)، وهذا حديث ضعيف، ويكفينا الأحاديث الصحيحة التي تكلمنا بها.

    التوسل بحال المرء

    الرابع: التوسل بحال المرء، وهذا تذلل يوافق كرم الله، فالله جل وعلا يرفع الكربة به، كأن يقول العبد: اللهم أنت تعلم ما نزل بي من البلاء، اللهم ارفع عني هذا البلاء.

    وأصل التوسل به ثابت في الكتاب والسنة:

    أما من الكتاب فقد قال الله تعالى حاكياً عن سيدنا أيوب أنه قال: مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [الأنبياء:83].

    وعن موسى عليه الصلاة والسلام: فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ [القصص:24]، أي: فقير إلى رحمتك، فقير إلى عطائك، فقير إلى كرمك.

    وأما من السنة: حالة الاستسقاء؛ لأنهم يخرجون على هيئة رثة يستعطفون ربهم جل في علاه.

    ولذلك نرى أن من السنة في صلاة الاستسقاء أن الحاكم، أو ولي الأمر، أو المهذب، أو المعلم، أو الإمام يعلم من يذهبون إلى الاستسقاء فيقول لهم: صوموا يوماً أو يومين وتصدقوا، ثم لا بد أن تذهبوا إلى ربكم بثياب بالية، وذلك هو فعل النبي صلى الله عليه وسلم، ثم خالف بين ردائه، وفي ذلك إشارة إلى التحويل، وقد قال ذلك العباس عندما قال: (أيدينا مرفوعة إليك بالذنوب- أي: حالنا أننا من أهل الذنوب- لكنا نرجو رحمتك)، فكانوا إذا استسقوا بـالعباس سقاهم الله فضلاً منه ورحمة ونعمة.