إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ محمد حسن عبد الغفار
  3. تيسير أصول الفقه للمبتدئين - مفهوم المخالفة

تيسير أصول الفقه للمبتدئين - مفهوم المخالفةللشيخ : محمد حسن عبد الغفار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من المباحث الأصولية: مبحث المفهوم، وهو المعنى المستفاد من اللفظ لا في محل النطق، وهو على قسمين: مفهوم موافقة، ومفهوم مخالفة، فمفهوم المخالفة تكلم فيه العلماء بالتعريف، وبيان حجيته في استنباط الأحكام الشرعية، وذكروا المواضع التي لا يصح فيها اعتبار مفهوم المخالفة، وهو على أنواع كثيرة منها: مفهوم الوصف، ومفهوم الشرط، ومفهوم الغاية، ومفهوم العدد، ومفهوم اللقب، وكل هذه الأنواع حجة عند جمهور أهل العلم، ما عدا مفهوم اللقب.

    1.   

    تعريف مفهوم المخالفة

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فسنتكلم بمشيئة الله تعالى حول: مفهوم المخالفة.

    مفهوم المخالفة هو: المعنى المستفاد من اللفظ، والمخالف للمنطوق.

    فمثلاً: لوقلت: (نجا العالم الصادق) فإن مفهوم المخالفة من هذا اللفظ: أن العالم غير الصادق لا ينجو.

    ودليل ذلك: حديث أبي هريرة الذي فيه: (ثلاثة تسعر بهم النار يوم القيامة، وذكر منهم العالم)، يعني: العالم غير الصادق.

    وقد روي في ذلك حديث موضوع، وروي أيضاً عن علي بن أبي طالب موقوفاً بسند صحيح؛ قال: (كل الناس هلكى إلا العالمين، والعالمون هلكى إلا المخلصين، والمخلصون على خطر عظيم).

    وعرفه بعضهم فقال: هو أن يكون حكم المسكوت عنه يخالف حكم المنطوق.

    مثال ذلك: قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة).

    فالمنطوق هنا: أن الموحد حكمه أنه يدخل الجنة، ومفهومه: أنه من مات مشركاً دخل النار، أو لم يدخل الجنة. فحكم المسكوت عنه يخالف حكم المنطوق.

    1.   

    حجية مفهوم المخالفة

    هل مفهوم المخالفة حجة أو ليس بحجة؟

    اختلف العلماء في ذلك على قولين: أما جمهور أهل العلم فيقولون: إن مفهوم المخالفة حجة شرعية، والأحناف يرون: أن مفهوم المخالفة ليس بحجة شرعية، والصحيح والراجح: قول الجمهور.

    الأدلة على الاحتجاج بمفهوم المخالفة

    والأدلة على ذلك كثيرة من الأثر ومن النظر.

    أما من الأثر:

    الدليل الأول: قول الله تعالى: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ [التوبة:80].

    فالله جل وعلا يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: (استغفر أو لا تستغفر)، ثم أتى بشرط فقال: إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ [التوبة:80] وهذا مفهومه: أنك لو استغفرت لهم أكثر من سبعين مرة فيحتمل أن يغفر لهم، فقام النبي صلى الله عليه وسلم يستغفر للمنافق فقال له عمر : كيف تستغفر له وقد قال الله: إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً [التوبة:80]؟ فقال: (سأستغفر فوق السبعين). أو قال: (فوالله لأزيدن على السبعين).

    فالنبي صلى الله عليه وسلم شرع لنا مفهوم المخالفة في هذا، وبين أنه يُحتمل أن أكثر من السبعين فإن الله يغفر له، لكن الله حسم هذا المبدأ، وبين أن هذا المفهوم غير مراد فقال: وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ [التوبة:84].

    الدليل الثاني: إقرار النبي صلى الله عليه وسلم لـعمر بن الخطاب عند أن قرأ الآية: فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا [النساء:101].

    وهنا مفهوم شرط أيضاً. فالمنطوق: إن خفت من أهل الكفر فلك أن تقصر من الصلاة، ومفهوم المخالفة: إن لم تخف فلا تقصر من الصلاة.

    فقال: يا رسول الله! ما لنا اليوم في أمان ونقصر من الصلاة في السفر؟ فأقره النبي صلى الله عليه وسلم ولم ينكر عليه فهمه؛ فكأنه قال له: نعم أنت على حق في فهمك. ثم بين له أن قصر الصلاة لعلة أخرى فقال: (صدقة تصدق الله بها عليكم).

    الدليل الثالث: حديث أبي ذر رضي الله عنه وأرضاه قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يقطع الصلاة الكلب والحمار والمرأة)، وفي رواية: (الكلب الأسود).

    فقال أبو ذر مستعملاً مفهوم المخالفة: يا رسول الله! ما بال الكلب الأسود؟ معنى هذا: أن أبا ذر فهم من هذا التقييد: أن الكلب الأسود هو الذي يقطع الصلاة، وأما بقية الكلاب فلا تقطع، فقال النبي صلى الله عليه وسلم مقراً لفهم أبي ذر (الكلب الأسود شيطان). يعني: أن مفهوم المخالفة: أن الكلب الأصفر لا يقطع الصلاة؛ لأنه ليس بشيطان.

    الدليل الرابع: حديث ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله: (من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة)، فقال ابن مسعود : وأنا أقول: من مات يشرك بالله شيئاً دخل النار، أو قال: لم يدخل الجنة.

    فقول ابن مسعود هذا فيه دلالة على مفهوم المخالفة؛ فإنه فهم النص وفهم منه المخالفة. وقد جاء النص صريحاً عن النبي صلى الله عليه وسلم مرفوعاً من غير رواية ابن مسعود بنفس التصريح، أو من رواية ابن مسعود بنفس التصريح: (من مات يشرك بالله شيئاً دخل النار، أو لم يدخل الجنة).

    1.   

    أنواع مفهوم المخالفة

    لمفهوم المخالفة أنواع كثيرة منها:

    مفهوم الوصف

    النوع الأول: مفهوم الوصف، أو مفهوم الصفة، كأن تقول: (أكرم العالم الصادق) فتقييد العالم بالصادق يعني: أن مفهوم المخالفة: إذا جاءك العالم الفاجر فلا تكرمه.

    ومثله قول الله تعالى: إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا [الحجرات:6] منطوق الآية: أنك لا تقبل خبر الفاسق إلا بعد التبين من صحة الخبر.

    وأما مفهوم المخالفة: إن جاء غير الفاسق بخبر، يجب قبول خبره دون تبيان، لو جاءك أخ كريم تقي نقي ورع فقال: الأمر جلل! امرأتك رأيتها تخرج بغير النقاب، أو رأيت امرأتك والنقاب واسع على وجهها، أو إلى فمها أو إلى أنفها؛ فإن جاءك الثقة وقال لك ذلك، هل ترد عليه وتقول: اذهب أيها الشيطان! لابد أن أتبين وتقرأ عليه قول الله تعالى: إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا [الحجرات:6]؟ الجواب: لا؛ بل صدقة ثم اذهب وانه امرأتك عن ذلك؛ لأنه عدل.

    والدلالة أيضاً على هذا من الشرع: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل شهادة العدل الواحد، وابن عمر بين أن أعرابياً شهد عند الرسول صلى الله عليه وسلم برؤية هلال رمضان، فصام وأمر الناس بالصيام.

    ومثاله أيضاً: قوله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا [النساء:25] -يعني: غناً-

    أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ [النساء:25]. فهنا أيضاً تقييد بالوصف، يعني: أن للعبد أن يتزوج الأمة بشرط أن تكون مؤمنة.

    وأما مفهوم المخالفة: إن كانت الأمة من أهل الكتاب فلا يحل الزواج بها.

    ومثل ذلك أيضاً: قوله تعالى: وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ [النساء:23] فابن الابن الذي ليس من الصلب حليلته لا تحل للجد، لأن هذا الابن يأخذ حكم الابن الصلبي، فلا يجوز للجد أن يتزوج حليلته. مثال آخر: حديث جابر في الصحيح أنه قال: (قضى النبي صلى الله عليه وسلم بالشفعة في كل شركة لم تقسم) فرجل له شركة في شقة، وهذه الشقة لم تقسم فما حكمها؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الجار أولى بالشفعة). يعني: لو أراد الذي يمتلك حجرة من الشقة أنه يبيعها فأولى الناس بها هو جاره.

    فالجار أولى بها حتى لو أجبره على ذلك، بل حتى لو باع بيعاً لغيره فإن له أن يفسخ البيع، ويعطيه سعر المثل، ويأخذ هذه الغرفة له. لكن النبي صلى الله عليه وسلم قيدها فقال: (ما لم تقسم). فمفهوم المخالفة: أنها إذا قسمت -يعني: أخذ كل واحد منهم نصيبه- فليس له الشفعة.

    مفهوم الشرط

    النوع الثاني: مفهوم الشرط، وهو: دلالة اللفظ المفيد لحكم معلق بشرط على ثبوت نقيضه عند انتفاء الشرط.

    مثال ذلك: قول الله تعالى: وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ [الطلاق:6].

    منطوق الآية: وجوب النفقة على المطلقة الحامل، حتى تضع حملها.

    ومفهوم المخالفة: إن كانت غير حامل، لا يجب الإنفاق عليها.

    ومثال ذلك أيضاً: قول الله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ [النساء:25].

    منطوق الآية: مشروعية نكاح الأمة المؤمنة عند عدم القدرة على نكاح الحرة المؤمنة.

    ومفهوم المخالفة: لا يجوز نكاح الأمة المؤمنة عند القدرة على نكاح الحرة المؤمنة.

    ومثاله أيضاً: قوله تعالى: وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا [النساء:4].

    منطوق الآية: أنه لا يجوز للزوج أن يأكل مهر المرأة، ويبقى على كل رجل كتب على نفسه مهراً لامرأته عاجلاً أو آجلاً دفعه إليه، لأن ذلك دين في ذمته، ويجب عليه أن يعطيها المهر كاملاً، إلا أن تسقطه هي.

    ومفهوم المخالفة: إن أسقطت حقها عن طيب من نفسها فللزوج أكله، وله ألا يعطيها منه شيئاً، ولكن لو قالت: أريد مهري، ولا تطيب نفسي عن درهم واحد من مهري، فلا يجوز له أن يأكل منه درهماً واحداً، بل لابد أن يعطيها مهرها كاملاً مكملاً.

    ومثاله أيضاً: قول النبي صلى الله عليه وسلم: (الواهب أحق بهبته إذا لم يثب عليها). هذا الحديث فيه ضعف، وهو صحيح عن عمر.

    منطوق الحديث: أن الرجل الذي أعطى هدية ليثاب عليها أحق أن يرجع بهبته.

    ومفهوم المخالفة: إن أثيب عليها فليس له أن يرجع.

    مفهوم الغاية

    النوع الثالث: مفهوم الغاية، وهو: دلالة اللفظ الذي قيد الحكم فيه بغاية على نفي ذلك الحكم بعد تلك الغاية.

    فإذا قلت: أطعم محمداً إلى الظهر. أي: بعد الظهر لا تطعمه، فهنا الحكم للغاية وهي إلى الظهر، أما بعد الظهر فلا تطعمه. ومثاله: قول الله تعالى: فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ [البقرة:230]. فإذا طلق الرجل امرأته وقال لها: أنت طالق، طالق، طالق. ثلاثاً، فقد وقعت بينونة كبرى، ولا يحل له أن يردها حتى تنكح زوجاً غيره.

    فمنطوق الآية: أن المرأة المطلقة ثلاثاً لا يجوز للرجل أن يردها حتى تنكح زوجاً غيره.

    وأما مفهوم المخالفة: إن نكحت زوجاً غيره وطلقها أو مات عنها فله أن يردها.

    ومثاله أيضاً: قول تعالى عن الصائمين: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ [البقرة:187].

    المنطوق: إباحة الأكل والشرب الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر.

    ومفهوم المخالفة: إذا تبين لنا الخيط الأبيض من الخيط الأسود فلا نأكل.

    وهذا هو الذي فهمه ابن عباس فقال: (كل إذا شككت حتى تستيقن) يعني: إذا قمت من الليل، وشككت هل أذن الفجر أم لا؟ فإن لك أن تأكل حتى تستيقن من الأذان؛ لأن الله جل وعلا قال: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ [البقرة:187] أي: حتى يستيقين.

    ومثاله أيضاً: قوله تعالى: فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ [الحجرات:9].

    فـمعاوية وعلي رضي الله عنهما اقتتلا، فإذا قلنا: هذا القتال الحق فيه مع علي، وإن معاوية رضي الله عنه وأرضاه كان متأولاً اجتهد فأخطأ، فله أجر، فنقول: نقاتل مع الفئة التي معها الحق، حتى ترجع الفئة الباغية إلى الحق، فإذا رجعت إلى الحق فلا قتال.

    وهذا هو الفقه الذي نادى به العلماء في قتال أهل العراق في حرب الكويت، لأن العراق ظلمت الكويت واعتدت عليها، فكانت فئة باغية، فلابد أن تُقاتل حتى ترجع إلى حدودها، ثم يُكف عن القتال.

    فإذا رجعت فلا تدك، ولا تقتل؛ لأن المقصود هو: قتال الفئة الباغية حتى تردها عن البغي، فإذا ردت عن البغي فلا يجوز لك أن تقاتلها، وهذا هو العمل بمفهوم المخالفة.

    إذاً: المنطوق: وجوب قتال الفئة الباغية.

    ومفهوم المخالفة: عدم جواز قتالها إذا فاءت لأمر الله تعالى.

    ومثاله أيضاً: قول الله تعالى: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ [البقرة:222].

    فالمرأة الحائض لا يجوز للمرء أن يقترب منها، يعني: لا يجامعها، لكن له أن يتمتع بها كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (افعلوا كل شيء إلا النكاح) يعني: إلا الوطء.

    وهنا قال: حَتَّى يَطْهُرْنَ [البقرة:222] إذاً: لا يقرب الرجل المرأة الحائض إلى غاية، والغاية هي الطهر.

    ومفهوم المخالفة: إذا طهرت امرأتك فلك أن تقترب منها.

    مفهوم العدد

    النوع الرابع: مفهوم العدد، وهو: دلالة اللفظ الذي قيد الحكم فيه بعدد بنقيض ذلك الحكم فيما عدا ذلك العدد.

    كقول الله تعالى: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ [البقرة:197].

    أشهر الحج هي: شوال، وذو القعدة، والعشر الأوائل من ذي الحجة، ورجب ليس من أشهر الحج؛ بدليل مفهوم المخالفة.

    ومفهوم المخالفة: أن غير هذه الثلاثة لا يكون من أشهر الحج.

    ومثاله أيضاً: قول الله تعالى: فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً [النور:4] مفهوم العدد: أنك لا تزيد على الثمانين.

    ومثاله أيضاً: قوله تعالى: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ [البقرة:196].

    المنطوق: أن كفارة اليمين قد حددها بثلاثة أيام.

    ومفهوم العدد: أنه لا يجب عليه أن يصوم أكثر من ثلاثة أيام.

    مفهوم اللقب

    وكل هذه الأنواع التي مضت باتفاق جمهور أهل العلم أنها حجة.

    النوع الخامس: مفهوم اللقب، وهو: دلالة اللفظ الذي علق الحكم فيه بالاسم العلم على نفي ذلك الحكم عن غيره.

    وهذا النوع اتفق العلماء على أنه ليس بحجة، وهو نوعان: اسم جنس، واسم علم.

    فأما اسم العلم: فبالاتفاق أنه ليس بحجة، كأن تقول: (محمد رسول الله) فمفهوم المخالفة: غير محمد ليس برسول الله، فأين إبراهيم وموسى وعيسى ويونس؟!

    وأما اسم الجنس: كقول النبي صلى الله عليه وسلم: (في البر صدقة).

    1.   

    المواضع التي لا يصح فيها اعتبار مفهوم المخالفة

    متى يطرح مفهوم المخالفة عند الجمهور؟ ومتى لا يكون مفهوم المخالفة حجة شرعية؟

    الجواب: لا يكون حجة شرعية في ثلاثة أحوال:

    الحالة الأولى: إذا كان القيد للغالب: نحو قول الله تعالى: وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ [النساء:23] يعني: أن الرجل إذا تزوج امرأة ولها بنت، فإن الغالب أنه سيربيها، وتكون في حجره.

    فمنطوق الحكم: أنه لا يجوز له أن يتزوجها.

    فإن كانت هذه البنت الربيبة بعيدة عن الأم، وهو تزوج أمها، ثم طلق أمها، فرأى ابنتها فأعجبته، فهي الآن ليست بربيبة، وليست في حجره، فهل له أن يتزوجها؟ مفهوم المخالفة: له أن يتزوجها، لكن نقول: إن المفهوم هنا مطروح لا يعمل به؛ لأنه قيد أغلبي، لأنه في الغالب أن زوج الأم يربي البنت، لأن الكثير يتزوجون النساء اللاتي عندهن أولاد ويكفلون أولادهن، وخاصة إذا كانوا أيتاماً.

    الحالة الثانية: إذا كان القيد بياناً للواقع، بمعنى: أن المفهوم ليس مراداً، وإنما هو يبين الواقع، كقول الله تعالى عن ربا الجاهلية: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً [آل عمران:130].

    فهنا مفهوم المخالفة لو عملنا به لكان المعنى: كلوا ضعفاً واحداً وليس أضعافاً مضاعفة، وهذا المفهوم مطروح؛ لأن الله يبين هنا حال أهل الجاهلية أنهم كانوا يأكلون الربا أضعافاً مضاعفة.

    فقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً [آل عمران:130] هذا بيان للواقع فلا مفهوم له.

    وأيضاً ممكن أن يقال ذلك في الخبر الذي جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: (لتمرن الظعينة من حضرموت إلى صنعاء لا تخاف إلا الله، والذئب على الغنم).

    فهذا أيضاً ليس له مفهوم؛ لأن الذي يحتج به يحتج بالمفهوم، ونحن نقول: مفهومه مطروح؛ لأنه بيان للواقع.

    الحالة الثالثة: إذا خرج القيد مخرج الامتنان، يعني: أن الله يمن به على عباده، نحو قوله تعالى: لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا [النحل:14] فلو أخرجت اللحم الطري من البحر لك أن تأكله.

    ومفهوم المخالفة هنا: إن كان اللحم غير طري فليس لك أكله، وهذا ليس صحيحاً؛ فإن ميتة البحر كلها حل سواء كانت طرية أو غير طرية.