إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ محمد حسن عبد الغفار
  3. تيسير أصول الفقه للمبتدئين - أدلة الأحكام - الدليل الأول: الكتاب

تيسير أصول الفقه للمبتدئين - أدلة الأحكام - الدليل الأول: الكتابللشيخ : محمد حسن عبد الغفار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يعتبر الكتاب العزيز أصل الأصول، فهو المرجع الذي ترجع إليه أدلة الأحكام كلها، وقد بحثه العلماء في مؤلفاتهم، وخاصة في علم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة، وذكروا مسائل كثيرة تتعلق به، ومنها: تعريفه، وحكم القراءة الشاذة، والنسخ فيه، وغير ذلك المسائل الأخرى.

    1.   

    أصل الأصول (الكتاب)

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    ثم أما بعد:

    فكما بينا الأحكام الخمسة ضمن الأحكام الوضعية، فنتكلم -بمشيئة الله تعالى- عن الأدلة لهذه الأحكام، فأصل الأصول والمرجع الذي ترجع له أدلة هذه الأحكام هو: الكتاب، والسنة، والكتاب هو أصل الأصول.

    تعريف القرآن الكريم

    القرآن: هو: كلام الله المعجز، المتعبد بتلاوته، المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، المنقول إلينا بالتواتر.

    قوله: (كلام الله) الله جل وعلا تكلم به بصوت وحرف وسمعه جبريل الرسول الملكي من الله جل وعلا، ثم نزل به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فكان جبريل إذا تلا القرآن على رسول الله أسرع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيردد ما قاله جبريل، خشية النسيان، فنهاه الله عن ذلك فقال: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ [القيامة:16-18]، فكان جبريل يسمعه من الله عز وجل، وينزل به على محمد صلى الله عليه وسلم، فهو كلام الله، وهذا فيه رد رد على المعتزلة، وفي الظاهر أيضاً رد على الأشاعرة، وإن كان الأشاعرة يقولون: هو كلام الله، لكن الأشاعرة قولهم في القرآن أخبث من قول المعتزلة، فالمعتزلة يقولون: كلام الله مخلوق، ونحن نقول: لا، كلام الله صفة من صفاته، تكلم الله بالقرآن بصوت مسموع وحرف.

    قوله: (المعجز) أي: الذي أعجز البشر أن يأتوا بمثله، أي: نزل هذا القرآن على البلغاء منهم، فقد كانوا أفصح الناس وأبلغهم، حتى إن شاعرهم جلس من طلوع الشمس ينثر شعراً إلى غروب الشمس، وكان عنده ضعف في نطقه بالراء، فإذا تكلم ونطق بحرف الراء فالناس سيستنكرون منه هذا الحرف، فأتى بأكثر من مائة وعشرين بيتاً من الشعر ليس فيه حرف الراء من الفصاحة والبلاغة، كانوا بلغاء وفصحاء، ومع ذلك لم يأتوا بمثل هذا القرآن.

    قال الله تعالى معجزاً إياهم: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [الإسراء:88].

    وأيضاً الله جل وعلا أعجزهم أيما إعجاز فقال: فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ [الطور:34] ثم أعجزهم بعشر سور من مثله، ثم أعجزهم بسورة فقال: وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [البقرة:23]، ولم يستطيعوا أن يأتوا بحرف واحد، مع أن الله أعجزهم أكثر بالحروف المقطعة، وكأنه يقول لهم: هذا القرآن من هذه الحروف التي تتكلمون بها، فالمعجز: هو الذي أعجز البشر على أن يأتوا بمثله، ولذلك كان هذا رداً على طه حسين وأمثاله من الزنادقة الذين يلمحون بأن القرآن من كلام محمد أو من الشعر الجاهلي والعياذ بالله! وهذا كفر مبين.

    فالله جل وعلا يبين أن هذا الكلام هو كلامه، وقد أعجز البشر على أن يأتوا بمثله، فهو كلام الله المعجز.

    قوله: (المتعبد بتلاوته) هذا قيد ليخرج به الحديث القدسي؛ لأنه أقرب إلى القرآن، فالقرآن لفظاً ومعنىً من الله جل وعلا، والحديث القدسي معناه من الله ولفظه من النبي صلى الله عليه وسلم.

    ويمكن أن نقول: الحديث القدسي عام في اللفظ والمعنى، لكن أكثر المعنى موكول إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيخرج بالمتعبد بتلاوته: الحديث القدسي، ومعنى: المتعبد بتلاوته: أن الإنسان لابد أن يأتي بنفس الألفاظ، فمثلاً: الفاتحة لا يمكن لأحد أن يصلي بالفاتحة بمعناها دون لفظها، لابد من نفس اللفظ، لأنه لفظ توقيفي، كما يوجد خلاف بين المحدثين: هل الحديث يمكن أن ترويه بالمعنى أو لا؟ والراجح أنه ممكن أن تروي الحديث القدسي بالمعنى ولك الأجر، لكنك غير متعبد بتلاوته.

    قوله: (المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم) هذا فيه دلالة على أن محمداً هو الذي اختص بهذه الخصيصة، وفيه بيان أن القرآن هو أكبر المعجزات التي أوتيها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    قوله: (المنقول إلينا بالتواتر) يخرج لنا الآحاد من الأحاديث القدسية التي نقلت لنا عن طريق التواتر.

    1.   

    حكم القراءة الشاذة

    وهنا مسائل تختص بأول أصل من الأصول في الأدلة، ومنها:

    المسألة الأولى: حكم القراءة الشاذة، هذه المسألة تتعلق بأصل الأصول وهو القرآن، والقراءة الشاذة: هي القراءة التي نقلت إلينا بغير التواتر، فتسمى عند العلماء قراءة شاذة.

    ومثال هذا القراءات: الزيادة في مصحف ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه، فهذه قراءة شاذة؛ لأنها لم تنقل إلينا بالتواتر.

    وقد اختلف العلماء في حكم القراءة الشاذة بعدما اتفقوا أنها ليست من القرآن، وعلى هذا فلا تأخذ هذه القراءات حكم القرآن، أي: لا يتعبد بتلاوتها.

    جمهور أهل العلم يرون أن القراءة الشاذة ليست بحجة.

    وذهب بعض الحنابلة وبعض الشافعية والجمهور من الأحناف إلى أنها حجة ويعمل بها في الأحكام، وهذا له أثره في الخلاف الفقهي.

    من الأدلة التي استدل بها الجمهور:

    أولاً: أنها افتقدت شرطاً من شروط القرآن.

    وهو: التواتر، فلا تأخذ حكم القرآن، والقرآن هو الحجة وغيره ليس بحجة.

    ثانياً: أنها لم تضف لا للمشرع، ولا لنقل الشرع على الراجح أصولياً، ومعنى: (لم تضف إلى المشرع) أي: الله، ومعنى: (لم تضف إلى ناقل الشرع) على الراجح من أقوال أهل العلم هو الرسول صلى الله عليه وسلم، ودليل ذلك: أن الذي أقرأها لا يقول: إنها من القرآن، وكذلك لا يقول: قال الله تعالى، ولا يقول: إنها من قول النبي صلى الله عليه وسلم.

    وأما حجة جمهور الحنابلة والأحناف وبعض الشافعية فقالوا: تنزل القراءة الشاذة منزلة الحديث الحسن، فحكمها حكم الحديث المرفوع، والحديث المرفوع حجة في الأحكام.

    والصحيح الراجح من أقوال أهل العلم هو: قول الجمهور: بأن القراءة الشاذة ليست بحجة؛ لأنها فقدت شرط القرآن، والقرآن هو الحجة، فهو يأتينا بالتواتر، فإذا فقد شرط التواتر فليس من القرآن، وكذلك الذي يقرأ بها لا يقول: قال رسول الله كذا، فكيف ننزلها منزلة الحديث الحسن؟!

    فالصحيح الراجح: أن القراءة الشاذة ليست بحجة في الأحكام، ويظهر هذا الخلاف بالمثال، قال الله تعالى: لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ [المائدة:89]، ثم قال: فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ [المائدة:89]، ثم قال: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ [المائدة:89] قرأها ابن مسعود : (فصيام ثلاثة أيام متتابعات) فانظر إلى المثال هنا، ابن مسعود يقرؤها: (متتابعات) والقراءات العشر لم يأت فيها هذا اللفظ، فالقراءة هنا قراءة شاذة، إذاً: الذي فقد الإطعام أو الكسوة أو تحرير رقبة مآله في الكفارة إلى صيام ثلاثة أيام ولا يلزمه فيها التتابع، فممكن أن يصوم الثلاثة الأيام متفرقات، فهذا قول الجمهور؛ لأن عندهم أن قراءة ابن مسعود : (ثلاثة أيام متتابعات) هذه قراءة شاذة.

    وطالما هي قراءة شاذة إذاً: لا حجة فيها، فنقول: يجوز له أن يصوم ثلاثة أيام متفرقات، أو يصوم متتابعات وهذا أولى له، لكن إن فرق الأيام لا نلزمه بالتتابع.

    أما الحنابلة والأحناف فيلزمون من يكفر عن يمينه بالتتابع؛ لأن عندهم أن قراءة ابن مسعود وإن كانت شاذة فهي حجة، وكيف تكون حجة؟ قالوا: تنزل منزلة الحديث الحسن، والحديث الحسن ولو كان آحاداً فهو حجة فيلزم العمل به، ونحن لا نوافقهم على هذا الإنزال، ونقول: طالما فقد شرط التواتر فلا حجة فيه.

    وقراءة ابن مسعود تكون من اجتهاده وهو قول له، فإن كانت القراءة قولاً لـابن مسعود فلا نلزم به؛ لأن الحجة في القرآن وفي السنة، وقول الصحابي فيه اختلاف إذا لم يخالفه أحد، فإذا خالفه أحد فمن باب أولى ألا يؤخذ ولا يكون حجة؛ لأن كلاً يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب القبر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وهنا: يشكل علينا حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها أنها كانت تقول: (كان مما نزل من القرآن عشر رضعات مشبعات يحرمن، فنسخن إلى خمس رضعات مشبعات، ومات رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي مما يتلى من القرآن).

    ابن حزم وأهل الظاهر وجمهور المالكية يقولون: إن الذي يحرم في الرضاع مصة أو مصتان أو ثلاث مصات، وحديث عائشة لا يؤخذ به؛ لأنه ليس بقرآن، ونحن نأخذ به فنقول: لا، خمس رضعات مشبعات يحرمن، أما يشكل علينا هذا؟ نقول: هذا ليس بقرآن فكيف يكون حجة؟ ونحن قعدنا قاعدة وقلنا: إما أن يكون قرآناً بالتواتر فهو حجة، وإما أن يكون حديثاً، وهذا ليس بقرآن ولا حديث، فكيف نحتج به؟

    وعلماء جمهور الشافعية الذين يقولون: بأن القراءة الشاذة ليست بحجة يحتجون بحديث عائشة على أن خمس رضعات مشبعات يحرمن فكيف يجاب عن هذا الإشكال؟

    الجواب: نقول: الحجة ليس في قول عائشة ، وإنما الحجة في إقرار النبي صلى الله عليه وسلم، ويلمح قول عائشة على أنه مات الرسول صلى الله عليه وسلم وهي مما يتلى، أي: أن النبي صلى الله عليه وسلم أقر بذلك، فهو يعتبر في حكم الحديث المرفوع؛ لأن إقرار النبي صلى الله عليه وسلم حجة، والسنة تنقسم إلى سنة قولية، وسنة فعلية، وسنة إقرارية، وهذا من باب السنة الإقرارية، فهي إذا فقدت الشرط الأول الذي هو التواتر، فإن الشرط الثاني موجود، وهو: الإضافة إلى ناقل الشرع، وهو الإضافة إلى الله أو إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، فلا يشكل علينا حكم حديث عائشة رضي الله عها وأرضاها.

    1.   

    النسخ في القرآن

    المسألة الثانية التي تتعلق بالقرآن: مسألة النسخ، وهذه مسألة من أصعب ما تكون، وقد اخترنا منها بعض المسائل.

    تعريف النسخ لغة واصطلاحاً

    النسخ لغة: الإزالة، تقول: الليل نسخ النهار، أي: أزاله ومحاه.

    واصطلاحاً: رفع حكم شرعي سابق بحكم شرعي لاحق بدليل شرعي من الكتاب أو السنة لفظاً أو حكماً.

    قوله: (رفع حكم شرعي) أي: إزالته أو تغييره، والأحكام الشرعية خمسة وهي: الوجوب والندب والإباحة والتحريم والكراهة، فنقول: رفع حكم شرعي، أي: نرفع الحكم من الوجوب إلى الاستحباب، أو من التحريم إلى الإباحة، أو من الإباحة إلى التحريم، كما أن الله جل وعلا أباح نكاح المتعة ثم نسخه بالتحريم، وأباح أكل لحوم الحمر الأهلية ثم نسخه بالتحريم، فهو إما رفع الحكم نفسه والإتيان بغيره، أو تبديله من الوجوب إلى الإباحة، أو من الوجوب إلى الندب، أو من التحريم إلى الكراهة، أو من التحريم إلى الإباحة، أو من الإباحة إلى التحريم.

    وقوله: (السابق) يرفع باللاحق، وإذا قلت: لاحق وسابق فمعناه: أنه لابد من التاريخ لهذا المتأخر الذي رفع الحكم المتقدم، فهذا هو الصحيح، أن الحكم الرافع يكون متأخراً، والحكم الذي رفع يكون متقدماً بدليل شرعي، أي: من الكتاب أو السنة، فالناسخ إما من الكتاب أو السنة أو الإجماع، وأما القياس فإنه لا ينسخ الأحكام الشرعية.

    الأدلة على جواز النسخ

    والنسخ جائز بالأثر والنظر:

    أما بالأثر: فبتصريح قول الله تعالى: مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا [البقرة:106]، فجاء النسخ بالكتاب تنصيصاً.

    وكذلك السنة فإنها قررت ذلك: قال صلى الله عليه وسلم: (كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها) فنسخ.

    وأما من النظر: فالعقل يجوز النسخ، فمن لوازم ربوبية الله جل وعلا أنه يحكم في عباده، قال الله تعالى: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ [الأعراف:54]، فالله جل وعلا هو الذي يحكم، وقال تعالى: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ [الأنعام:57]، وقوله صلى الله عليه وسلم: (إنما الله هو السيد) أي: الله جل وعلا له السيادة المطلقة في التشريع، فالله جل وعلا له أن يحرم وله أن يحلل؛ لأنه هو الذي يعلم الغيب، فالله جل وعلا له الأمر كله، وإليه يرجع الأمر كله، فله أن يحل ويحرم كيف ما شاء، يمحو ما يشاء من الأحكام، ويثبت ما يشاء من الأحكام، فالعقل يجوز ذلك.

    إذاً: استدللنا من الأثر والنظر على أن النسخ جائز، وفيه رد على اليهود الذين لا يقولون بالنسخ.

    أمثلة على النسخ في القرآن

    من أمثلة النسخ في الكتاب:

    المثال الأول: كان الله جل وعلا يأمر المؤمن أن يقف أمام عشرة من المشركين ولا يحل له أن يفر منهم، ولو فر فقد وقع تحت الوعيد الشديد قال تعالى: وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا [الأنفال:16]، ثم قال: فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ [الأنفال:16]، فهذا وعيد شديد من الله لمن يفر من العشرة، قال: إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ [الأنفال:65]، ثم نسخ الله هذا الحكم، فكان للمرء أن يفر من ثلاثة، فنسخه من العشرة إلى الاثنين، قال تعالى: الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ [الأنفال:66]، فإذا كانوا اثنين فليس له أن يولي دبره، ويكون من الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم: (والتولي يوم الزحف)، أي: أنه من الموبقات، فلو كان هناك جنديان من اليهود مع جندي مثلاً من الفلسطينيين فليس له أن يفر، لكن لو كانوا ثلاثة له أن يفر منهم، فإن الله جل وعلا خفف من عشرة إلى اثنين، فهذا نسخ للحكم السابق.

    المثال الثاني: قال الله تعالى: عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ [البقرة:187]، ثم قال: فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ [البقرة:187]، كان الحكم أن الذي يصوم إذا نام قبل سقوط الشمس حتى خرج وقت المغرب لا يأكل ولا يشرب ولا يجامع النساء، حتى ولو جاء عليه المغرب، أي: أنه لو جاء إلى وقت سقوط حاجب الشمس فنام قبل أن يأكل، فإذا استيقظ لا يجوز له أن يأكل ولا يمس النساء، فيبقى صائماً إلى اليوم الثاني، هذا كان حكماً شاقاً على الصحابة، ولذا جاء أحد الصحابة إلى امرأته بعدما تعب تعباً شديداً في عمله، فقاربت الشمس على المغيب؛ فجهزت له الطعام وجهزت نفسها له، فلما ذهبت لتأتي بالطعام وقد سقط حاجب الشمس وجدته نائماً، فكلمته كلمة شديدة معاتبة له؛ لأنه إذا استيقظ ليس له أن يأكل أو يأتي امرأته؛ فخفف الله ونسخ هذا الحكم على المؤمنين، وذلك بأنه إذا سقط حاجب الشمس نام أم لم ينم، له أن يأكل ويشرب، وله أن يأتي النساء قال تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ [البقرة:187]، وقال: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ [البقرة:187].

    المثال الثالث: قال تعالى: وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ [البقرة:284] أي: أي شيء من الخواطر القلبية ستحاسبون عليها، فشق ذلك على الصحابة؛ فأنزل الله: رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة:286]، فقال الله: (قد فعلت.. قد فعلت)، فنسخ الحكم الأول بالحكم الثاني، وهذا من سنة التدريج، وكذلك فيه نسخ.

    كذلك تحريم الخمر تدرج الله عز وجل في تحريمه، فكان أول ما نزلت فيه آية تبين أن الخمر فيه منافع ومساوئ، والمساوئ أكثر.

    ثم حرم الله شرب الخمر والاقتراب منها وقت الصلاة، فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى [النساء:43] ثم بعد ذلك قال: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ [المائدة:91].

    أمثلة على النسخ في السنة

    من أمثلة النسخ في السنة:

    المثال الأول: المتعة، وفيه خلاف فقهي عريض، والصحيح الراجح عند المحققين أن النبي صلى الله عليه وسلم أباحها أولاً؛ لأن العرب كانوا لا يستطيعون البعد عن النساء، فكانوا إذا ذهبوا يقاتلون ليس معهم النساء، فأباح لهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يتزوجوا، كما قال أبي وغيره: (كان الواحد منا ينكح المرأة على ثوبه أو على دينار أو على درهم) فينكحها ويتمتع بها ثلاثة أيام بالشرط، وينفسخ العقد، فأحلها ثم حرمها يوم خيبر، ثم في سبايا أوطاس حرمها تحريماً نهائياً، فهي أحلت، ثم حرمت، ثم أحلت، ثم حرمت تحريماً نهائياً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله حرم المتعة إلى يوم القيامة) فكان هذا تحريماً نهائياً من السنة.

    كذلك: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها)، فهذا مثال النسخ من السنة.

    وقد قلنا: إن الناسخ الذي ينسخ الكتاب: إما دليل من الكتاب أو من السنة أو الإجماع، فلا ينسخ القياس ولا المصالح المرسلة ولا قول الصحابي، وأما الإجماع فلا ينسخ الإجماع؛ لأنه ليس بناسخ، ولكنه دليل على النسخ كما دل عليه المحققون من أهل الأصول، أي: لو جاء في مسألة يقول لك: الذهب المحلق ليس بحرام؛ لأن الإجماع قام على جوازه، بمعنى أن الشيخ الألباني يقول: إن الذهب المحلق كالسلسلة أو الخلخال وأي شيء له طوق فهو حرام على النساء، وله أدلة قوية، كحديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من أراد أن يطوق حبيبه بطوق من نار فليطوقه بسوار)، وأيضاً قال لـفاطمة : (أيعجبك أن يقول الناس: إن فاطمة بنت محمد سورت بسوار من نار)، فباعتها واشترت بها عبداً وأعتقته، فهو يقول: إن الذهب المحلق حرام، فمن رد من أهل العلم عليه في ذلك قال: هذا خلاف الإجماع، فقد دل الإجماع على جواز لبس الذهب المحلق، فإما أن نقول: هذا الحديث مؤول أو نقول بالنسخ، وأنا أميل إلى أنه مؤول كما سنبين، والغرض المقصود من هذا: أن الإجماع يدل على النسخ، ويوجد دليل آخر يبيح الذهب المحلق للنساء، لكن الإجماع نفسه ليس بناسخ.

    أحوال النسخ في الكتاب والسنة

    إذا قلنا: إن الكتاب ناسخ، فالآية تنسخ الآية، أي: أن الكتاب ينسخ بالكتاب، وهذا بالاتفاق عند أهل العلم كما بينا في أمثلة القرآن، وهذه هي الحالة الأولى.

    الحالة الثانية: نسخ الكتاب بالسنة، وهذا على خلاف عريض بين أهل العلم، فالجمهور: يرون أن الكتاب ينسخ بالسنة، وتصدى الشافعي للجمهور فخالف وقال: الكتاب لا ينسخ بالسنة.

    أما الجمهور فقالوا: الأصل في النسخ تبديل الأحكام، والقرآن والسنة وحي من الله، قال صلى الله عليه وسلم: (ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه)، وقال الله تعالى: وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ [الأحزاب:34]، فبالاتفاق أن الآيات هي: القرآن، والحكمة هي: السنة، قال تعالى: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم:3-4].

    إذاً: فالكتاب والسنة وحي من الله جل وعلا فيمكن أن ينسخ، واستدلوا على ذلك بحديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا وصية لوارث).

    إذاً: الوارث لا يوصى له، فلا توصي وتقول: إن الربع هذا لأبي أو لأمي؛ لأن الأب يرث والأم ترث، فهل لي أن أقول: أوصيت ببيتي هذا لابنتي الوحيدة؟

    لا يصح؛ لأنها فرع وارث.

    فلو أن رجلاً له: بنت وأخت، فأوصى لأخته بسيارته وقال: أختي هذه تذهب إلى المساجد تتعلم، فأوصي بسيارتي لها، هل الوصية باطلة؟

    نقول: الآن لنا حالتان:

    الحالة الأولى: إن كانت الأخت ترث فلا وصية لها.

    الحالة الثانية: إن كانت الأخت حجبت بالفرع الوارث، كأن يكون عنده ولد مثلاً فحجبها، فلها الوصية.

    فهي لها حالتان: حالة ترث، وحالة لا ترث، فالتفصيل هو الصحيح، فإذا كانت وارثة فلا وصية لها، وإن لم ترث فلها الوصية.

    فالجمهور يقولون: قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا وصية لوارث) نسخ لنا آية: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ [البقرة:180]، إذاً: الأم والأب لابد أنك تكتب له وصية بالميراث، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (لا وصية لوارث)، فنسخ هذا الحكم؛ لأن الأم سترث والأب سيرث، فإذاً: لا وصية لهما بهذا الحديث، فجاء الحديث فنسخ هذه الآية.

    أما الشافعي فيقول: لا تنسخ السنة الكتاب، وله أدلة أوضح من شمس النهار، يقول:

    أولاً: قال الله تعالى: مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا [البقرة:106]، وهل السنة خير من القرآن؟ لا، القرآن فيه آيات يفضل بعضها على بعض، لكن السنة ليست بخير من القرآن.

    ثانياً: أجاب على أدلة الجمهور، فقال: أما الدليل الذي استدللتم به: (لا وصية لوارث)، فهذا ليس بناسخ وإنما هو مبين للناسخ، قلنا:كيف؟ قال: الناسخ لهذه الآية هو قول الله تعالى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ.. [النساء:11] ففرض الفروض: فجعل للأب كذا.. وللأم كذا.. وهنا بهذه الآية نسخ الوصية، فجاء الحديث مبيناً لهذا الناسخ وليس بناسخ بذاته، فهذه الآية التي بينت الفرائض في الكتاب هي الناسخة لهذه الآية.

    وصراحة كان كلامه أقوى مما يكون، وهذا الدليل قوي جداً، ولذلك الجمهور ما عرفوا كيف يردون على الشافعي أولاً، وما عرفوا أن يأتوا بدليل أو بمثال آخر يكون فيه سنة نسخت القرآن.

    ولذلك إن قلنا: نحن مع الجمهور أصبحنا من المقلدة، وما عندنا دليل، وإن قلنا: نحن مع الشافعي فالمسألة حقاً صعبة؛ لكن الجمهور عادة يكون الحق مائلاً لهم، إلا أن يظهر دليل واضح للفرد فيكون الحق معه، والمقصود أن هذا خلاف معتبر، والراجح قول الجمهور على مضض.

    أحوال النسخ في السنة

    والسنة كذلك لها حالتان:

    الحالة الأولى: أن السنة تنسخ السنة، فالمتواتر منها ينسخ المتواتر، والآحاد ينسخ الآحاد، وهذا بالاتفاق.

    فمثلاً: أحاديث تحريم نكاح المتعة نسخت الأحاديث التي أحلت نكاح المتعة.

    كذلك في بعض أقوال أهل العلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم في أول الأمر أجاز ربا الفضل: الدينار بالدينارين، والدرهم بالثلاثة، وبعض العلماء أول حديث: (لا ربا إلا في النسيئة) بأنه منسوخ، وهذا تأويل، والجمع أولى منه، والخلاف الواقع هو في نسخ السنة بالكتاب وهذا سهل؛ لأن الكتاب أعلى، وهو خير من السنة فيكون أسهل، وهنا تصدى الشافعي لهذا، بل الجمهور مع الشافعي وقال: الكتاب لا ينسخ بالسنة، ودليله نظر بالعقل، أي: شبهة طرحها علينا فقال: لو قلنا بأن الكتاب ينسخ السنة فلن يسلم لنا حكم من السنة بحال من الأحوال، واستدل على ذلك بالبيوع، فقال: النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحه، ونهى عن بيع الغرر، ونهى عن بيع التمر بالتمر إلا أن يكون مثلاً بمثل، ونهى عن بيع المجهول والمعدوم، فكل هذا نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم، فـالشافعي قال: لو قلنا: بأن الكتاب ينسخ السنة فسيأتينا متنطع ويقول: كل هذه البيوع منسوخة، ما الذي نسخها يا رجل؟ يقول: الكتاب قال الله تعالى: أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ [البقرة:275]، و(البيع) هنا اسم جنس معرف بالألف واللام، فيفيد كل البيوع، فيكون الكتاب هنا نسخ كل البيوع المحرمة التي حرمها رسول الله بالسنة.

    هذه هي الشبهة التي قالها الشافعي في الاعتراض على أن الكتاب ينسخ السنة.

    أما الجمهور فقالوا: الكتاب ينسخ السنة، وقالوا: عندنا دلائل منها:

    استقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت المقدس بالسنة، فهل الله أمره أن يصلي إلى بيت المقدس؟ لا، ثم نسخ بالكتاب، قال الله جل وعلا: وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ [البقرة:150]، أي: شطر المسجد الحرام، ولذلك ذهب الذاهب -كما في الصحيحين- في صلاة العصر فوجدهم يصلون إلى بيت المقدس، فقال: أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم قرآناً، وقد أمر أن يتحول إلى بيت المقدس، قال: فاستداروا من التوجه إلى بيت المقدس إلى الكعبة.

    إذاً: فيه دلالة على أن الكتاب ينسخ السنة، وهذا هو الراجح؛ لأن الكتاب خير من السنة، والله جل وعلا يقول: نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا [البقرة:106].

    أما اعتراضات الشافعي في المسألة الأولى: في قول الله تعالى: بِخَيْرٍ مِنْهَا [البقرة:106]، والسنة ليست خيراً من الكتاب، نقول: الخيرية هنا خيرية في الأحكام لا خيرية في الشرف والمكانة.

    أي: التخفيف من الثقيل إلى الأخف، لا خيرية في الثواب، أي: يعمل عملاً قليلاً وله الثواب الجزيل، وذلك كما بين النبي صلى الله عليه وسلم: أننا نحن نعمل من العصر إلى المغرب وثوابنا أضعاف من عمل من الفجر إلى الظهر، ومن الظهر إلى العصر، فيعمل عملاً قليلاً ويأخذ ثواباً جزيلاً، فهذا معنى بِخَيْرٍ مِنْهَا [البقرة:106] أي: التخفيف في الأحكام.

    وأما الاعتراض الثاني: أن الكتاب ينسخ السنة، فيأتي رجل فيقول: كل البيوع هذه محرمة، نقول: لا، ليست هذه بشبهة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم مبين عن الله، والله جل وعلا يقول: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل:44]، وقد بين لنا الرسول صلى الله عليه وسلم ما معنى: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ [البقرة:275] أي: أحل كل البيع إلا هذه البيوع التي حرمتها عليكم، فهذا هو الجواب على اعتراض الشافعي ، فالصحيح الراجح: أن الكتاب ينسخ الكتاب، والسنة تنسخ الكتاب، والكتاب ينسخ السنة.

    ما يمتنع من النسخ

    مسألة: ما الذي يمتنع من النسخ؟ نقول: الذي يمتنع من النسخ هو الأخبار، ومعنى ذلك: أن يأتي خبر من الله يخبرنا عن شيء حدث ومضى، كأكل آدم من الشجرة، فلا يمكن أن يأتينا حكم ينسخ هذا، فلا تأتينا آية تقول: ما أكل آدم من الشجرة، أو أن الله جل وعلا أمر إبليس أن يسجد لآدم فأبى، ثم تأتينا آية أخرى فتقول: قد سجد إبليس لآدم.

    كذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال في قيام الساعة: (لن تقوم الساعة حتى يوسد الأمر إلى غير أهله، وينطق الرويبضة)، فيأتينا خبر آخر من النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إن الساعة تقوم على خلاف هذا الخبر، أو يقول: إن الساعة لا تقوم حتى يخرج الدجال أو ينزل عيسى بن مريم عليه السلام، فيأتينا خبر آخر من النبي صلى الله عليه وسلم يقول: لن ينزل عيسى، مع أنه قال: (لا تقوم الساعة حتى ينزل عيسى) فيأتينا خبر آخر يقول: لن ينزل عيسى، هذا لا يمكن أن يكون في كتاب الله أو سنة النبي صلى الله عليه وسلم بحال من الأحوال، فالأخبار لا تنسخ؛ لأن الأخبار محلها الصدق والكذب، فإذا قلت: بأن خبراً لاحقاً جاء فنسخ الخبر السابق، فستقول مؤكداً: الخبر السابق كان كذباً، ولذلك أنت عندما تعيش في هذه الحياة فترى خبراً يأتيك، ثم يأتيك خبر آخر مخالف، فيقال: هذا الخبر الثاني قد كذب الخبر الأول، فهل في شرع الله جل وعلا في الكتاب أو في السنة أخبار كاذبة؟! حاشا لله! قال الله تعالى: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا [النساء:87]، وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا [النساء:122]، والنبي صلى الله عليه وسلم صادق مصدوق، كما قال ابن مسعود : (أخبرني الصادق المصدوق) فلا كذب في هذه الأخبار.

    إذاً: يمتنع النسخ في الأخبار، وفي أحكام التوحيد، وكذلك في الأحكام التي فيها تشريع عام من أول الخليقة إلى آخرها، كالفواحش وغيرها، فلا نسخ فيها، والشيء الذي الفطر مجبولة على أنها تنفر منه لا يمكن أن ينسخ؛ لأنها قوام لمعيشة الناس.

    شروط النسخ

    أما شروط النسخ:

    فأولها: تعذر الجمع بين الدليلين، أي: إذا جاءت أدلة ظاهرها التعارض، والأصل أنه ليس هناك تعارض؛ لأنه كله يخرج من مشكاة واحدة، قال تعالى: إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم:4] فلا يوجد تعارض، لكن في نظر المجتهد يكون ظاهره التعارض، فإن أمكن الجمع فلا نذهب إلى النسخ؛ لأن العلماء قالوا: الجمع أولاً، ثم النسخ، ثم الترجيح، فلا يذهب المجتهد للنسخ في الأدلة إلا إذا تعذر الجمع بين الدليلين؛ للقاعدة الفقهية التي تقول: (إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما) أو (إعمال الكلام أولى من إهماله)؛ لأنه كله خرج من النبي صلى الله عليه وسلم، فلو وجدت له طريقاً في أنك تعمل به فاعمل، وكما قلنا: الذين قالوا لنا: قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا صلاة لمن لم يقرأ بأم الكتاب) في الصلاة الجهرية منسوخة بقول الله تعالى: وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا [الأعراف:204]، نقول: لا نسخ؛ لأنه يمكن الجمع بينهما، وكيف يكون الجمع؟ نقول: فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا [الأعراف:204] هذا في غير الفاتحة، أما الفاتحة فيقرؤها، فإعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما.

    ثانيها: العلم بالناسخ، والعلم بالناسخ يعرف بأمور ثلاثة:

    الأمر الأول: بالنص، كأن يأتيني نص يقول لي: هذا نسخ هذا، فهذا أوضح وأجلى ما يكون، مثال ذلك: قال الله تعالى: الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ [الأنفال:66] أي: نسخ الوقوف والمجابهة أمام العشرين بالمجابهة أمام الاثنين، فهذا النسخ صريح.

    كذلك في النص الصريح: قول النبي صلى الله عليه وسلم: (كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها) فنسخ.

    وأيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كنت قد أبحت لكم نكاح المتعة إن الله حرمها إلى يوم القيامة)، هذا نص صريح أيضاً في النسخ.

    الأمر الثاني: بقول الصحابي، كأن يقول: هذا الحكم نسخ، أوضح مثال لذلك هو: جابر بن عبد الله كما في الصحيحين، حيث بين أن آخر الأمرين من النبي صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار، وكان قبل ذلك يتوضأ مما مست النار، فأي شيء طبخ فلابد أن تتوضأ إذا أردت الصلاة، فـجابر بن عبد الله أخبر أن هذا قد نسخ، وكان آخر أمره صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار.

    كذلك لحوم الأضاحي: (نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن تدخر لحوم الأضاحي فوق ثلاثة أيام)، فبين علي بن أبي طالب أن هذا كان لعلة، هي علة: الدافة؛ لأن الفقراء كثر، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يدخروا منها شيئاً، فلا بد أن يوزعوا على الفقراء، فلما انتهت الدافة والفقر أباح لهم أن يدخروا من لحوم الأضاحي.

    وكذلك حديث عائشة : نسخ الرضعات من عشر إلى خمس، وهذا أصرح ما يكون.

    ثالثها: العلم بالتاريخ، كأن يكون الراوي متأخراً في الإسلام، كـأبي هريرة مثلاً، حيث يكون قد روى الحديث شخص متقدم في الإسلام، فيروي أبو هريرة حديثاً ينسخه؛ لأن أبا هريرة متأخر في الإسلام.

    أقسام النسخ

    القسم الأول: نسخ الحكم واللفظ، أي: ينسخ حكمه وتلاوته، كقول عائشة : (كان مما نزل من القرآن عشر رضعات مشبعات يحرمن، ثم نسخن إلى خمس رضعات) فهل ممكن أحد يأتينا بهذه الآية من القرآن؟ لا، فقد نسخت حكماً وتلاوة.

    القسم الثاني: نسخ الحكم دون التلاوة، مثاله: قوله تعالى: إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ [الأنفال:65]، الحكم هذا نسخ وبقيت تلاوته.

    كذلك قوله تعالى: وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ [البقرة:284] نسخت حكماً دون التلاوة.

    كذلك قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ [البقرة:240] معنى الآية: أن المرأة المتوفى عنها زوجها لا تخرج من البيت أبداً مدة عام كامل، فهذه نسخت إلى أربعة أشهر وعشراً، قال الله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا [البقرة:234]، فهذا من المنسوخ حكماً دون التلاوة؛ لأن الآية موجودة، لكن الحكم نسخ من سنة إلى أربعة أشهر وعشراً.

    ما الحكمة في ذلك؟ الحكمة:

    أولاً: أن يؤجر المرء بتلاوة القرآن؛ لأن الآية عندما يتلوها الشخص يأخذ أجراً عليها، الثاني: إثبات للنسخ، الذي هو: نسخ الحكم دون التلاوة.

    الثالث: أن الله جل وعلا يبين للأمة أنه يخفف عنهم، فيعلموا أن الله يريد بهم اليسر ولا يريد بهم العسر، فيشكرون الله على ذلك، وهذا فيه دلالة أيضاً على أن الدين هو دين السماحة واليسر بحق إن لم يخالف الشرع، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خير بين أمرين اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً أو مخالفاً للشرع.

    القسم الثالث: نسخ التلاوة دون الحكم، ومثاله هذه الآية: (والشيخ والشيخة إذا زنيا..) كما في الصحيح عن ابن عباس قال: (قام عمر بن الخطاب خطيباً في الناس فقال: إني أخشى أن يطول بالناس زمان فيتركوا فرضاً فرضه الله عليهم، ألا وإنه كانت آية كنا نقرؤها مع رسول الله: (والشيخ والشيخة إذا زنيا..)) -ويقصد بالشيخ: المتزوج- (والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة) قال: فرجم رسول الله، ورجم أبو بكر ..) فبين للناس هذا الحكم مع أنه قد نسخ تلاوة، ولكن بقي حكماً، فكل سيد أحصن بنكاح صحيح زنى فإنه يرجم، والنكاح الصحيح كما قال جمهور أهل العلم هو: الوطء بعقد صحيح ولو مرة واحدة، مالك استثنى وقال: إلا في حيض، وهذا خلافه أيضاً يرجع إلى الفقه.

    الغرض المقصود: أن المحصن هو: من وطأ امرأته ولو مرة واحدة، ولو غاب عنها مائة سنة، المهم أنه يكون وطأها مرة واحدة بعقد صحيح، فهذا محصن يرجم حتى الموت: (ارجموهما ألبتة) أي: حتى الموت.

    الحكمة من النسخ

    الحكمة من النسخ:

    أولاً: مراعاة مصلحة العباد في سنة التدرج؛ لأنه كما قالت عائشة : لو جاء فقال: الخمر حرام ما سمع الناس ولا أطاعوا، لكن الله جل وعلا درج العباد بسنة التدريج حتى يتهيئوا للأحكام، ولذلك قلنا: من الفقه أن الإنسان لو أراد أن يقيم سنة أنه يعلم الناس مرة ومرتين وثلاث حتى يعرفوها، مثل السنة التي هجرت في هذه البلاد وهي: أنه كان صلى الله عليه وسلم إذا خطب بالناس اتكأ على الرمح، ولذلك هذا الشيء لا تجده في خطيب بحال من الأحوال، وهذه سنة قد هجرت، ولابد لأحد أن يقيمها، ولكن حتى تقوم أنت بها علم الناس مرة ومرتين وثلاث، ثم ائت بها حتى لا تنكر.

    كذلك: سنة الإسرار بالبسملة، آية من آيات القرآن، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يجهر بها أحياناً ويسر كثيراً، وما رأيت إماماً واحداً يفعل ذلك، فيسر بالبسملة إلا أهل التصوف الذين هم ليسوا طلبة علم، ولكن يقولون: نحن شوافع هذا هو الذي عندهم، ونحن نقول: السنة أنه يجهر أحياناً بالبسملة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجهر أحياناً.

    كذلك: من السنة التي هجرت وأصبحت المسألة إذا بدلت صارت كأنها بدعة: التزام الدعاء بعد الخطبة، الخطيب لا يدعو إلا في آخر الخطبة، فهو يدعو والناس يرفعون أيديهم ويؤمنون آخر الخطبة، وهذا أيضاً ليس من السنن، بل السنن التي هجرت كما في صحيح مسلم : (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو أول الخطبة، ووسط الخطبة، وآخر الخطبة)، أما التزام الدعاء آخر الخطبة فهذه ليست من السنة.

    ثانياً: اختبار المكلفين بالسمع والطاعة، فينزل عليهم الأحكام اختباراً لهم، ليرى الانقياد الذي هو عمل القلب والاستسلام لله، ولذلك قال الله تعالى: لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ [الأنفال:37]، ولو شاء الله لانتصر المسلمون، ولكن الله يبتلي بعضهم ببعض: لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ [الأنفال:37]، فتن تنزل على المساجد وأئمة المساجد، فهذه الفتن تغربل البشر حتى يميز الله جل وعلا من الذي يصدق مع الله ويعمل لله من الذي لا يصدق مع الله أو يعمل لله.

    وإذا وقف المرء أمام الله في عرصات يوم القيامة فحاسبه على ما في قلبه كانت له الحجة، فيقول: يا رب! ابعث لي آية ابعث لي رسولاً، وأمرني، وأنا سأقول: سمعت وأطعت، مع أن الله يعلم أنه كاذب، فالله يخرج ما في قلبه ويبتليه في الدنيا، اللهم استر علينا يا رب العالمين وثبتنا عند كل بلاء.

    فالغرض المقصود هو: لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ [الأنفال:37] يختبر العباد بالنسخ، ولذلك ترى اليهود لما اختبر الله العباد بتحويل القبلة تذمروا، فقال تعالى: سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ [البقرة:142].

    رابعها: أن يبتلى العبد بالنسخ ليشكر ربه؛ لأنه ينسخ الأحكام الثقيلة إلى الأحكام الخفيفة، فيحمد العبد ربه على ما يسر عليه من أمور الدين والشريعة، ولو كان المرء يعمل بما أمر الله أولاً ما استطاع، فقد فرض الله علينا خمسين صلاة، وكان موسى يراجعه فيقول: ارجع إلى ربك، فإني قد خبرت الناس قبلك ولا يستطيع قومك، فيرجع النبي صلى الله عليه وسلم ليراجع ربه، فنسخها الله من خمسين إلى خمس.