إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ محمد حسن عبد الغفار
  3. الاختلاف في القواعد الأصولية - الإجماع والقياس والمصالح المرسلة

الاختلاف في القواعد الأصولية - الإجماع والقياس والمصالح المرسلةللشيخ : محمد حسن عبد الغفار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من الأدلة المختلف فيها بين أهل العلم إجماع أهل المدينة، فقد أخذ به الإمام مالك من الأئمة الأربعة، وقد انبنى على ذلك خلاف في المسائل الفقهية، ومن الأدلة أيضاً القياس وله شروطه، وممن رفع راية رفضه كدليل ابن حزم الظاهري، ومن الأدلة أيضاً المصلحة المرسلة، وقد اختلف أصحاب المذاهب ظاهراً في الأخذ بها، ولكنهم أخذوا بها مندرجة تحت أصل آخر.

    1.   

    حجية الإجماع ودلالته

    إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    ثم أما بعد:

    نسأل جل في علاه أن يلهمنا وإياكم الإخلاص وأن يتقبل منا صالح الأعمال.

    نختم الكلام على الاختلاف في القواعد الأصولية وأثر ذلك في الخلاف الفقهي، وسنتكلم على الأصل الثالث من أصول الأدلة، وهو الإجماع.

    الإجماع لغة: هو الاتفاق.

    واصطلاحاً: هو اتفاق مجتهدي هذه الأمة في مسألة من المسائل بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم في عصر من العصور.

    ولم التقييد بـ: بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم؟

    والجواب: لأنه لا يوجد في المسألة نص؛ لذا فهم يجتهدون فيها، لا. والقاعدة عند العلماء: لا اجتهاد مع النص، فإذا قلت: (بعد وفاة النبي) أثبت أنه لا يصح الاجتهاد في وجود النبي صلى الله عليه وسلم، للنص النبوي.

    وهل الإجماع ممكن أو غير ممكن؟

    الصحيح أنه ممكن لكنه عزيز جداً، أي: أن المسائل التي فيها إجماع نادرة، ولذلك كان الإمام أحمد بن حنبل يقول عندما يعترض عليه في بعض المسائل بالإجماع: وما يدريك لعل الناس قد اختلفوا؛ أي لأن الإجماع عزيز.

    وقد تفرق العلماء في الأمصار، وصعب جداً أن تذهب من المشرق للمغرب حتى تأخذ قول المجتهد الذي في المغرب، وترى أنهما قد اتفقا معاً في المسألة، لكن في هذه العصور الإجماع سهل وهين، فمجتهدو هذه الأمة في هذا العصر ممكن الاتصال بهم بالتلفون أو بالإنترنت أو بغير ذلك من الوسائل التي مَنَّ الله بها على هذه الأمة.

    1.   

    إجماع أهل المدينة

    حكم إجماع أهل المدينة

    هذه مسألة أخرى يفترض ألا تدخل في حديثنا عن الإجماع، لكن سندخلها حتى نرى المسائل التي اختلف فيها العلماء، وهي: إجماع أهل المدينة.

    أولاً: ما معنى إجماع أهل المدينة؟ وأي مدينة هذه التي نرى أن إجماعها حجة على المسلمين؟

    المقصود بها المدينة المنورة، وهذا مذهب الإمام مالك ، فهو يرى أن إجماع أهل المدينة حجة، ويقدمه على الآحاد من الأحاديث، ولذلك ترى كثيراً من المسائل وردت فيها الأحاديث وثبتت، ومع ذلك لا يقول بها مالك ، مع أن مالكاً إذا ذكر الحديث فهو النجم، لكنه يرى أن إجماع أهل المدينة يقدم، وهو أقوى في الدلالة، وأنه قطعي، وحديث الآحاد دلالته دلالة ظنية، والقاعدة عند العلماء: القطعي يقدم على الظني؛ ولذلك ترى أنه يرى جواز أكل القرد والأسد، وله مسائل معينة انفرد بها الإمام مالك بسبب هذه القاعدة.

    وقد فرق العلماء بين إجماع المدينة أيام النبي صلى الله عليه وسلم، وأيام الخليفة أبي بكر والخليفة عمر ، وبين ما بعدهم فالأول حجة بالاتفاق ولا بد أن يعمل بمسائله؛ لأن فيه إجماع الصحابة، والخلاف إنما وقع في عهد عثمان ؛ فهل إجماع المدينة يؤخذ به بعد هذا الخلاف؟

    جماهير أهل العلم يرون أن إجماع أهل المدينة ليس بحجة، وهذا الراجح الصحيح.

    العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه

    والإجماع المعتبر هو اتفاق مجتهدي هذه الأمة، فإن حصرنا الإجماع باتفاق أهل المدينة فقط، فهذا الحصر لا يصح ولا يليق بالعلماء؛ لأن الأمة لا تجتمع على ضلالة، ولا يخص ذلك بالمدينة.

    من أجل هذا الخلاف بين مالك وبين جمهور أهل العلم طرأت مسائل اختلفوا فيها، منها:

    حكم الحامل ترى الدم

    أن ترى المرأة الحامل الدم، هل هذا الدم للحامل يكون حيضاً أو ليس بحيض؟

    أقول تفريعاً عن هذا التأصيل: اختلف العلماء في هذه المسألة نظراً لاختلافهم في حجية إجماع أهل المدينة، أما مالك فيراه حيضاً، والشافعي يوافقه لكن بالنظر.

    فالإمام مالك يرى أن الدم الذي ينزل من المرأة الحامل دم حيض، وأنه لا يجوز لها أن تصلي أو تصوم، وتأخذ كل أحكام المرأة الحائض، وعمدة دليله في ذلك إجماع أهل المدينة على أن المرأة الحامل إذا رأت الدم لا تصلي ولا تصوم.

    أما الشافعي فيرى رأي مالك لأن الأصل في الدم الذي يدفعه الرحم هو دم حيض، وهو الدم الجبلي، وليس دم فساد ولا علة، إلا إن تأتي قرينة ودليل يدل على أنه دم فساد أو علة. وهذا هو الراجح الصحيح، لكن معتمد الإمام مالك أن أهل المدينة أجمعوا على أن المرأة الحامل إذا نزل منها الدم فإن هذا الدم يعتبر دم حيض.

    أما الأحناف والحنابلة فاحتجوا بأدلة على أن هذا الدم ليس بدم حيض، منها:

    قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تحيض)، فبين أن الحمل لا يحاض فيه، ولذلك فرق بين الحامل والحائض.

    ومن الأدلة: براءة الرحم إما بالوضع وإما بالحيض، إذاً: الحامل لا تحيض، وإن كانت حائلاً فبراءتها بالحيض.

    لكن الصحيح الراجح في ذلك هو قول المالكية والشافعية بأن الحامل تحيض، وإذا نزل على المرأة الحامل الدم فهذا الدم دم حيض؛ فلا تصلي ولا تصوم، وذلك للنظر والأثر.

    أما الأثر فإجماع الصحابة لا إجماع أهل المدينة؛ لأن عائشة رضي الله عنها وأرضاها بعثوا لها سؤالاً فيه: امرأة حامل وقد نزل عليها الدم؟ قالت: لا تصلي ولا تصوم.

    وسمع الصحابة فتوى عائشة رضي الله عنها وأرضاها فلم ينكروا عليها، فصار إجماعاً سكوتياً.

    وأيضاً الأصل يدل على ذلك إلا أن يدل الدليل الناقض على خلافه، فالأصل أن الدم الذي يدفعه الرحم هو دم حيض إلا أن يكون دم فساد أو دم علة بدليل، ولم يرد دليل.

    وأما تفريق النبي صلى الله عليه وسلم بين الحامل والحائل فنقول: الغالب أن الحامل لا تحيض، وإذا نزل عليها الدم فهو من الحيض.

    قراءة المأموم الفاتحة خلف الإمام في الصلاة الجهرية

    ومن المسائل التي اختلف فيها العلماء بسبب الخلاف في إجماع أهل المدينة مسألة قراءة الفاتحة خلف الإمام في الصلاة الجهرية:

    فاختلف العلماء في المسألة على ثلاثة أقوال:

    القول الأول: قول المالكية.

    قالوا: بعدم جواز قراءة المأموم الفاتحة وإن كانوا يقولون بركنية قراءة المأموم الفاتحة خلف الإمام في الصلاة السرية وأنه إن لم يقرأ تبطل صلاته، وأما إن كانت جهرية فلا يقرأ، فلو أن الإمام يأخذ بالسنة فإنه يقرأ الفاتحة ثم يفتتح السورة ولا ينتظر المأموم لقراءة الفاتحة.

    وعمدة الإمام مالك إجماع أهل المدينة على أنه لا يقرأ خلف الإمام في الصلاة الجهرية.

    أولاً: نذكر الدليل على أن قراءة الفاتحة ركن من الأركان، فهي ركن لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا صلاة لمن لم يقرأ بأم الكتاب)، كذلك حديث المسيء؛ لأنه بين له الأركان لكن من بعيد.

    وكذلك حديث: (من لم يصل بأم الكتاب فصلاته خداج خداج خداج) أي: ناقصة.

    وأصرح ما في الباب للدلالة على ركنية قراءة الفاتحة هو حديث: (لا صلاة لمن لم يقرأ بأم الكتاب) وممكن لمعترض أن يقول: الصلاة هي ناقصة فقط لكنها صحيحة.

    ونحن نقول: (لا صلاة) يعني: لا صلاة صحيحة (إلا بأم الكتاب).

    المهم في هذه المسألة أن الإمام مالك استدل على عدم وجوب قراءة أم الكتاب في الجهرية بهذا الدليل، وجاء شيخ الإسلام ابن تيمية فرجح قوله، واستدل بدليل آخر، وهو حديث النبي صلى الله عليه وسلم -وهو مختلف في إسناده-: (من صلى خلف إمام قراءة الإمام قراءة للمأموم).

    القول الثاني: قول الأحناف.

    قالوا: لا يجب عليه قراءة أم الكتاب لا سرية ولا جهرية مطلقاً.

    القول الثالث: قول الشافعية.

    قالوا: يجب عليه قراءة أم الكتاب في الجهرية وفي السرية.

    إذاً: هي أقوال ثلاثة: لا يجب مطلقاً، يجب مطلقاً، قول وسط، والقول الوسط هو قول الإمام مالك قال: يجب عليه قراءة الفاتحة في السرية دون الجهرية، واعتمدوا على إجماع أهل المدينة، واستدل له شيخ الإسلام ابن تيمية بالحديث الذي ذكرناه.

    ولما اعترض عليهم: لم تفرقون بين السرية والجهرية؟ قالوا: التفريق عندنا لقول الله تعالى: وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا [الأعراف:204]، فإذا قرئ القرآن من الإمام وجب عليك ألا تقرأ؛ لأن القارئ مع قراءة الإمام ليس بمنصت، فهو مخالف لظاهر الآية، قالوا: وقراءة الإمام لا تسمع إلا في الجهرية، ففرقنا بين السرية والجهرية.

    والقول الراجح الذي لا محيد عنه في هذه المسألة هو: أنه يجب قراءة الفاتحة سواء في السرية أو الجهرية، أما في السرية فظاهر جداً لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا صلاة لمن لم يقرأ بأم الكتاب)، وبين أن السبع المثاني هي أم الكتاب، وبِسْمِ اللَّهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ [الفاتحة:1] آية من آياتها، (فلا صلاة) يعني: لا صلاة صحيحة إلا بأم الكتاب.

    وأما حديث: (قراءة الإمام قراءة للمأموم) فهو عام مخصوص بهذا الحديث، بمعنى: أن قراءة الإمام قراءة للمأموم في الفاتحة وفي السورة بعد الفاتحة، لكن جاء دليل من النبي صلى الله عليه وسلم قال فيه: (لا صلاة لمن لم يقرأ بأم الكتاب)، فخصص الفاتحة، فيلزم بقراءة أم الكتاب، وتبقى لنا: (قراءة الإمام قراءة للمأموم) في السورة التي بعد الفاتحة.

    إذاً أقول للمأموم: إذا صليت خلف الإمام والإمام يقرأ فاقرأ خلفه الفاتحة، ثم لا تقرأ السورة بعد الفاتحة؛ لأن قراءة الإمام قراءة لك إلا في الفاتحة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا صلاة لمن لم يقرأ بأم الكتاب).

    والذي يعضد ذلك ويبينه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجهر بالقراءة في صلاة الفجر، فقام رجل خلفه وهو يقول: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى [الأعلى:1-2] ويقرأ، فارتجت القراءة وحدث تشويش على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي، فلما انتهى صلى الله عليه وسلم من صلاته قال: (أيكم ينازعني في الصلاة؟ فقام رجل فقال: أنا يا رسول الله قرأت بـسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى [الأعلى:1]، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: لا تقرأ إلا بأم الكتاب).

    هنا نهاه عن القراءة؛ لأن قراءة الإمام قراءة للمأموم، ثم استثنى أم الكتاب، وهذا تصريح، يعني: لا تنازعني في القراءة إلا إذا كنت تقرأ بالفاتحة.

    يعني: لو وجدتني أقرأ فاقرأ الفاتحة حتى لو شوشت علي؛ لأن صلاتك لا تصح إلا بقراءة الفاتحة، ولو وجدتني أقرأ وأنت قد انتهيت من الفاتحة فلا تقرأ ولا تشوش علي، واعمل بقول الله تعالى: وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا [الأعراف:204].

    إذاً: أعدل الأقوال التي تلتئم معه الأدلة: أنه يجب قراءة الفاتحة في السرية والجهرية سواء قرأ الإمام أو سكت الإمام.

    أما لو كان الإمام يسرع بقراءته ولا يترك وقتاً بين الفاتحة وبين السورة، فأقول: اقرأ الفاتحة في سكتات الإمام أو في نفسك؛ لأن أبا هريرة سئل في هذه المسألة: قال: (أرأيت إن قرأ الإمام -يعني: لم يسكت الإمام- فقال له أبو هريرة: يا بني! اقرأها في نفسك).

    وأيضاً كثير من العلماء أفتى بقراءتها في سكتات الإمام، مثلاً يقرأ الإمام: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2] ويأخذ نفساً، فتقول: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2]، هو يقول: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة:3] وأنت تقول: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة:3].

    إذاً: في سكتات الإمام تقرأ ذلك حتى تفوز بالمصلحتين.

    1.   

    القياس

    القياس في اللغة: التقدير والمساواة، وفي الاصطلاح: إلحاق فرع بأصل في الحكم للمساواة في العلة أو الاشتراك في العلة، مثل: النبيذ، أما البيرة فهل حرمت لأنها سائل أصفر؟ حرمت لإذهاب العقل بنشوة؛ لأن الخمر ما خامر العقل بنشوة، ترى الرجل يمشي عرياناً وهو يظن نفسه أحسن الناس وهو أصغر الناس، ويرى أنه في السماء يطير، فنقول: هو مخامرة العقل بنشوة، فالعلة في التحريم الإسكار، والبيرة تفعل ما يفعله الخمر من إسكار.

    إذاً: إلحاق فرع البيرة بأصل الخمر كالتالي:

    للمساواة في العلة وهي الإسكار، وحكم الخمر الحرمة، إذاً: البيرة حرام.

    هذا معنى إلحاق فرع بأصل مع المساواة للاشتراك في العلة.

    اختلف العلماء في حجية القياس على أقوال: منهم من وقف، ومنهم من قال يؤخذ به، وأصحاب القول الأول هم جماهير أهل العلم على أن القياس حجة شرعية يعتبر بها، ويتعبد بها لله جل في علاه، فإذا قلنا: هذا حرام بالقياس يحرم، وإذا قلنا: هذا حلال بالقياس فالقياس حجة شرعية، سواء كان في المؤخرة أو المقدمة.

    وأما ابن حزم فهو ممن رفع راية إنكار القياس، وقال: القياس ليس بحجة شرعية، فما الدليل على حجية القياس؟

    من الأدلة قول الله تعالى: كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ [الأنبياء:104].

    أيضاً: فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ [الحشر:2]، وجه الدلالة في الآية هو إلحاق النظير بالنظير؛ لأن القاعدة في الشرع: لا يفرق بين المتماثلين، لكن يفرق بين المختلفين.

    كذلك: إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى [فصلت:39].

    ومن السنة: إقرار النبي على القياس، وإن كانت سنة تقريرية وفي المرتبة الثالثة لكنها صحيحة؛ لأن عماراً قاس وكان القياس قياس فاسد الاعتبار وأين وجه الدلالة على أن النبي صلى الله عليه وسلم أقره؟ أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر على عمار، وقال له: لم تقيس، أنت لا بد تأتي بدليل فقط، فلم ينكر عليه القياس نفسه.

    كذلك قوله: (أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ قالوا: نعم، قال: فكذلك إذا وضعها في حلال)، وهذا قياس من النبي اسمه قياس العكس.

    كذلك قوله: (إنما ذلك عرق)، وقوله: (إنما مثلي ومثلكم كالنذير العريان).

    أيضاً قول النبي صلى الله عليه وسلم: (أرأيت إن كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ قالت: نعم، فقال: فدين الله أحق أن يقضي)، كل هذه أدلة على القياس.

    تعريف القياس

    القياس في اللغة: التقدير والمساواة.

    وفي الاصطلاح: إلحاق فرع بأصل في الحكم للمساواة أو الاشتراك في العلة، مثل: النبيذ، وقد حرمت لإذهاب العقل بنشوة؛ لأن الخمر ما خامر العقل بنشوة، ترى الرجل يمشي عرياناً وهو يظن نفسه أحسن الناس وهو أصغر الناس، ويرى أنه في السماء يطير، فنقول: هو مخامرة العقل بنشوة، فالعلة في التحريم الإسكار، والبيرة تفعل ما يفعله الخمر من إسكار.

    إذاً: إلحاق فرع البيرة بأصل الخمر كالتالي:

    للمساواة في العلة وهي الإسكار، وحكم الخمر الحرمة، إذاً: البيرة حرام.

    هذا معنى إلحاق فرع بأصل للاشتراك في العلة.

    حجية القياس

    اختلف العلماء في حجية القياس على أقوال: منهم من وقف، ومنهم من قال يؤخذ به.

    فجماهير أهل العلم على أن القياس حجة شرعية، ويتعبد بها لله جل في علاه، فإذا قلنا: هذا حرام بالقياس فهو حرام، وإذا قلنا: هذا حلال بالقياس، فالقياس حجة شرعية، سواء كان في المؤخرة أو المقدمة.

    وأما ابن حزم فهو ممن رفع راية إنكار القياس، وقال: القياس ليس بحجة شرعية.

    فما الدليل على حجية القياس؟

    من الأدلة قول الله تعالى: كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ [الأنبياء:104].

    أيضاً: فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ [الحشر:2]، وجه الدلالة في الآية هو إلحاق النظير بالنظير؛ لأن القاعدة في الشرع: لا يفرق بين المتماثلين، لكن يفرق بين المختلفين.

    كذلك: إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى [فصلت:39].

    ومن السنة: إقرار النبي على القياس، وهي إن كانت سنة تقريرية وفي المرتبة الثالثة لكنها صحيحة، فـ عماراً قاس التيمم على الماء وكان القياس فاسد الاعتبار، ولكن وجه الدلالة أن النبي صلى الله عليه وسلم أقره ولم ينكر عليه القياس، فلم يقل له: لم تقيس، لا بد تأتي بدليل.

    كذلك قوله: (أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ قالوا: نعم، قال: فكذلك إذا وضعها في حلال)، وهذا قياس من النبي اسمه قياس العكس.

    كذلك قوله: (إنما ذلك عرق)، وقوله: (إنما مثلي ومثلكم كالنذير العريان).

    أيضاً قول النبي صلى الله عليه وسلم: (أرأيت إن كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ قالت: نعم، فقال: فدين الله أحق أن يقضي)، كل هذه أدلة على القياس.

    1.   

    أثر الاختلاف في حجية القياس على الفروع الفقهية

    الأصناف الربوية

    هناك مسائل اختلف فيها نظراً للاختلاف في حجية القياس، منها:

    أن الأصناف الربوية التي ذكرت في الحديث أصناف، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الذهب بالذهب ربا إذا لم يكن يداً بيد سواء بسواء، والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح)، فهل يقاس عليها شيء آخر كالحديد أو النحاس أو تقاس النقود على الذهب والفضة أم لا؟

    الذين يقولون بأن الذهب والفضة فقط ربوية سيقولون في عصرنا: النقود ليست ربوية، إذا قلنا ليست بربوية فمعنى ذلك أن فوائد البنوك حلال، ولك أن تبيع الجنيه باثنين؛ لأنه ليس صنفاً ربوياً.

    فالذي يقول بعدم القياس يقول بأن الأصناف الربوية محصورة في الأصناف الستة، والصحيح الراجح خلاف ذلك، والقياس هنا قياس ظاهر جداً، وابن حزم يقول: هذا من دلالة اللفظ وليس من القياس، من دلالة اللفظ أن تدخل الأصناف مع الأصناف الربوية، فالذهب والفضة العلة فيهما الثمنية؛ تدخل ولذلك النقود مع الذهب والفضة على خلاف بين العلماء؛ لأن الحنابلة يقولون: الذهب والفضة العلة فيها الوزن.

    وثمرة هذا الكلام: أن يقال: الحديد بالحديد ربا إلا أن يكون مثلاً بمثل، وهذا الكلام ليس بصحيح، والصحيح أن العلة هي الثمنية.

    التمر بالتمر، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والملح بالملح، كل هذه أصناف ربوية يدخل معها غيرها.

    فالملح يدخل معه -كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية - كل ما يصلح به الطعام من توابل مثل الشطة وغيرها.

    أيضاً: (التمر بالتمر) يدخل معه الفواكه؛ لأن التمر فاكهة.

    والبر يدخل معه الأرز والقمح والحبوب على تفصيل فقهي.

    المقصود: أن الاختلاف في حجية القياس سبب اختلافاً في مسألة الأصناف الربوية، فمنهم من قصر الربا على الأصناف الستة فقط وما دون ذلك فليست بربويات، وهذا خلاف الراجح الصحيح.

    والصحيح الراجح: أن كل ما وافق هذه الأصناف في العلة يدخل معها؛ لأن القاعدة: أن الشرع لا يفرق بين المتماثلين، بل يسوي بينهما، ويفرق بين المختلفين.

    الكفارة على من أكل وشرب في نهار رمضان

    رجل أفطر عامداً في نهار رمضان بالأكل والشرب، هل عليه الكفارة أم لا؟ وها هي على الترتيب أم على التخيير؟

    أما المالكية فيرون أنها على التخيير، وأما الجمهور فيرون أنها على الترتيب.

    ودليل التخيير أنه قال في بعض الروايات: (أطعم أو صم أو أعتق) فـ(أو) هنا للتخيير.

    والصحيح الراجح أنها على الترتيب.

    إذاً: المسألة فيها خلاف، لكن الراجح الصحيح أنها على الترتيب.

    هذا الذي أكل أو شرب هل عليه كفارة مع القضاء أم لا؟

    اختلف العلماء في المسألة على قولين، وسبب الخلاف ناشئ عن القياس، فترى مجموعة من الذين يقيسون ينتصرون لمذهب ابن حزم الذي لا يقيس، فيقول: الذي أكل أو شرب ليس عليه إلا القضاء، لكن هو لا يقول بالقضاء أيضاً، وإنما يقول: ليس عليه شيء، ويتوب إلى الله جل في علاه، وإلا فالعقوبة زائدة عند الله جل في علاه، قلنا: لم؟ قالوا: لأنه لم يرد نص يثبت القضاء على الذي أكل أو شرب، وليس هناك نص على الكفارة لكي يكفر.

    ووافق ابن حزم الحنابلة والشافعية مع أنهم من أهل القياس، وقالت المالكية والأحناف: من أفطر عامداً بالأكل أو الشرب في نهار رمضان فعليه القضاء والكفارة بعتق رقبة، فإن لم يجد فيصوم شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً.

    قالوا: ودليلنا في ذلك القياس على الجماع في نهار رمضان، ففي الصحيحين والسنن: أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ينتف لحيته ويقول: (يا رسول الله احترقت! قال: أين المحترق؟ - وفي رواية قال: هلكت- قال: وما أهلكك؟ قال: وقعت على أهلي في نهار رمضان- يعني: وطأت أهلي في نهار رمضان- فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أعتق رقبة، فقال: ليس عندي، فقال: صم شهرين متتابعين، قال: ما فعل بي ذلك إلا الصيام، قال: أطعم ستين مسكيناً، قال: لا أجد) فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالكفارة؛ لأنه واقع أهله في نهار رمضان، قالوا: والعلة هنا مشتركة، وهي انتهاك حرمة يوم من رمضان بالإفطار عمداً، فبجامع انتهاك حرمة اليوم نقول: إن الذي أكل أو شرب عامداً في نهار رمضان يلحق بالذي جامع عامداً في نهار رمضان، فيكون عليه الكفارة.

    قلنا: هذا قياس بديع، فهل نقول به أو لا نقول به؟ الذي أتبناه وأدين الله به: أنه لا يلحق بالجماع غيره.

    المقصود أن القول الراجح هو قول ابن حزم والشافعي وأحمد مع أن الشافعي وأحمد يقولان بالقياس.

    فردوا عليهم قالوا: أنتم تقيسون، فلم رفضتم هذا القياس؟ قالوا: لأن قياسكم هنا اختل فيه شرط من الشروط، فإنه يشترط في القياس الصحيح:

    أولاً: أن يثبت الأصل بالكتاب أو السنة.

    ثانياً: علة الوصف المناسب، أي: لا تكون العلة قاصرة، لا تتعدى لغيرها.

    ثالثاً: ألا يكون الأصل تعبدياً غير معلل، فلابد من توجد علة غير قاصرة، والعلة الغير قاصرة يدور معها الحكم وجوداً وعدماً، أي: يوجد الحكم بوجودها، وينعدم الحكم بعدمها.

    رابعاً: ألا يصادم نصاً أقوى منه، فيكون فاسد الاعتبار.

    خامساً: أن تكون العلة في الفرع مساوية للعلة في الأصل.

    فإذا نظرنا إلى الشروط وجدناها غير متوفرة في هذه المسألة؛ لأننا وجدنا أن العلة هي الجماع، والعلة هنا هي الأكل والشرب، والأكل والشراب لا يلحق بالجماع، إذ إن هناك فارقاً بينهما، فالمتعة هنا غير المتعة هنا، وهناك فوارق كبيرة.

    نقول: إن القياس إذا كان مع الفارق لا يصح الاستدلال به، فنقول لهم: إن قياسكم الطعام والشراب على الجماع قياس مع الفارق، والقياس مع الفارق يعتبر قادحاً من قوادح القياس، فلا نأخذ بالقياس في هذه الحالة، فيصح قول ابن حزم والشافعية والحنابلة بأن الذي أكل أو شرب ليس عليه القضاء.

    وحتى القضاء فيه خلاف بين العلماء، لكن الراجح الصحيح أنه ليس عليه إلا القضاء، وليس هذا مجال التفصيل.

    كفارة الجماع على المرأة

    هل المرأة عليها كفارة جماع أم لا؟

    الذين قالوا بأن عليها كفارة قاسوا، وهو قول الأحناف والمالكية وأحد قولي الشافعية، فقالوا: تجب عليها الكفارة قياساً على الرجل؛ لأنه لا فارق بين المرأة والرجل.

    والذين اختلفوا معهم قالوا: ليس على المرأة كفارة، لحديث الرجل: (جامعت أهلي في نهار رمضان، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: افعل كذا وافعل كذا وافعل كذا) كأنه يقول: عليك الكفارة أنت وحدك، ولم يسأله عن المرأة، ولم يلزم المرأة بالكفارة، وفيه دلالة على أنه لا كفارة عليها.

    لكن الأصول الشرعية تحتم علينا أن نقول بأن عليها كفارة إلحاقاً لها بالرجل؛ إذ لا فارق بينهما، لما رواه أبو داود بسند صحيح: (النساء شقائق الرجال) أي: في الأحكام.

    إذاً: لا فارق بين المرأة والرجل إلا أن يدل الدليل على التفريق بين المرأة والرجل.

    إذاً: إذا كانت الكفارة على الرجل فلا بد أن تكون على المرأة للمساواة بينهما في الأحكام الفقهية.

    1.   

    المصالح المرسلة

    أقسام المصالح

    المصلحة في اللغة: على وزن منفعة، ومعناها: المنفعة التي لا دليل عليها من الشرع باعتبارها ولا بإلغائها.

    و

    المصالح أقسام ثلاثة: مصالح معتبرة، مصالح ملغاة، مصالح مرسلة.

    1- المصالح المعتبرة: هي التي جاء الشرع باعتبارها:

    قال الله تعالى: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ [البقرة:222] يعني: لا تأتوا النساء في المحيض، فهذه مصلحة معتبرة، فلو أن المرأة ولدت فإنه يعقب الولادة النفاس، فلا يصح للرجل أن يجامع المرأة في نفاسها، للمصلحة وهي دفع ضرر سيقع عليه، ولو نظرنا في سبب منع الله الرجل أن يأتي المرأة في الحيض لظهر الأمر.

    إذاً: المصلحة أنه يكف، لأن الضرر موجود في النفاس، والكف مصلحة، وهذه مصلحة جاء الشرع باعتبارها.

    2- المصالح الملغاة: هي التي جاء الشرع بإلغائها:

    مثال ذلك: المصلحة في الدرهم والدينار في المنفعة التي تأتي من بيع وتصنيع الخمر، قال الله: قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ [البقرة:219] والمنافع المال الناتج من التصنيع والبيع والشراء، فهذه مصلحة جاء الشرع فألغاها، فلا يمكن أن تعتبر؛ لأن الشرع ألغاها، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لعن الله شارب الخمر وبائعها وساقيها ومشتريها .) إلى آخر الحديث، فملعون من باع الخمر واستفاد من هذا المال. فهذه مصلحة متوهمة ملغاة.

    والربا أيضاً؛ لأن فيه فائدة، لكن هذه الفائدة جاء الشرع فألغاها.

    3- المصالح المرسلة: هي التي لم يأت الدليل باعتبارها ولا بإلغائها: مثل الخط في المسجد للصلاة لتسوية الصفوف، فتسوية الصفوف من باب إقامة الصلاة، وإن كانت لا تسوى الصفوف إلا بالخط، فنحن نعمل الخط من باب المصلحة المرسلة.

    أيضاً من باب المصالح المرسلة الميكرفون؛ لأنه سيسمع الناس.

    فالمصالح المرسلة هي التي لم يأت دليل على اعتبارها ولا على إلغائها، ولكي نعمل بها ننظر أولاً: هل هي توافق الشرع أم تصادمه؟ فإن كانت تصادمه فلا نأخذ بها، وإن كانت توافقه وتوافق المقاصد الكلية والقواعد الشرعية فنأخذ بها.

    اختلاف العلماء في الأخذ بالمصالح المرسلة

    اختلف العلماء في الأخذ بالمصالح المرسلة:

    فجمهور أهل العلم قالوا: المصلحة المرسلة ليست حجة، وإلا لقيل بها في كل مسألة مثل السجاد في الأرض والصلاة عليه، هذا من قبيل المصالح المرسلة، فأقول: لا دليل عليه، فلا يجوز على قول الجمهور!

    لو قلت: الميكرفون هذا من المصالح المرسلة ولا بد أن نستخدمه حتى نسمع الناس، فإنك ترد علي وتقول: الجمهور يرون عدم حجية المصالح المرسلة، إذاً: لا يصح استعماله!

    أيضاً الخط لا يصح استعماله. هذه ثمرة الخلاف.

    والمالكية هم أكثر الناس أخذاً بالمصالح المرسلة.

    وإذا نظرت إلى المسائل الفقهية وجدت أن جل الفقهاء بل الأئمة الأربعة يأخذون بالمصالح المرسلة، لكن الشافعي يدرج المصلحة المرسلة تحت مسمى القياس، وأما الأحناف فيأخذون بالمصلحة المرسلة ويدرجوها تحت الاستحسان، فالكل يأخذ بالمصالح المرسلة.

    أيضاً اختلف العلماء في مسائل تبعاً للاختلاف في حجية المصلحة المرسلة، مثل: سبعة رجال جاءوا إلى رجل فقتلوه، فهل يقتل السبعة بالرجل أم يقتل واحداً منهم، أم لا يقتل أحد وله الدية؟

    هذه المسألة اختلف فيها العلماء، وأصل النزاع فيها بسبب الخلاف في اعتبار المصالح المرسلة، فجماهير أهل العلم من الشافعية والمالكية والأحناف يرون أن السبعة يقتلون بهذا الواحد.

    أما المالكية فدليلهم المصالح المرسلة، وكيف رأوا أن المصلحة في أن يقتل السبعة؟

    الجواب: قالوا بقتلهم سداً للذريعة؛ لأننا لو قلنا إن السبعة لا يقتلون بواحد، فكل من في قلبه ضغينة على أحد يقول: لو قتلته وحدي سأقتل، لكن سآتي بثلاثة وأعطيهم المال فنقتل هذا الرجل فلا نقتل به.

    فمن المصلحة العظمى للحفاظ على الأرواح والدماء أن يقتلوا به، قال الله: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ [البقرة:179] فمن أجل حياة الناس نقتلهم بالواحد.

    فلو تكالب أهل مدينة بأسرهم على قتل رجل فلا بد أن نقتل هؤلاء به، كما قال عمر بن الخطاب : لو قتله أهل صنعاء لقتلتهم به.

    أما أحمد وابن المنذر فيرجحون أنه لا يقتل السبعة، بل يقتل رجل منهم، أو عليهم الدية، ودليلهم في ذلك عموم قول الله تعالى: فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ [البقرة:194].

    لكن نقول: لو اعتدوا كلهم عليه، فلا بد أن يأخذوا حكم القاتل الواحد فيقتلون بهذا القتيل.

    المسألة الثانية: من المصالح المرسلة تضمين الصناع:

    لو أنك ذهبت بالقميص لمن يكويه لك فأحرقه، فهل يضمن هذا القميص أو لا؟

    هذه المسألة اختلف فيها العلماء على قولين: جماهير أهل العلم قالوا: لا يضمن؛ لأن يد الأجير يد أمانة ولا يضمن إلا بالتفريط، فإن ثبت أنه غير مفرط فلا يضمن.

    والإمام علي والإمام عمر بن الخطاب رضي الله عنهما والأحناف والمالكية قالوا بتضمين الصناع، فعليك أن تضمنه هذا القميص وتأخذ منه بدلاً عن القميص، ودليلهم في ذلك: المصالح المرسلة.

    قالوا: المصلحة في ذلك أننا نأخذ على أيديهم حتى لا يحدث منهم تهاون أو تفريط، فإنا نقول له: هذا بيدك وأنت ضامن له، وأشترط عليك هذا ضمان، فإن قلت بالضمان فلا بد أن ينتبه، لكن لو علم أنه لا يضمن فإنه قد يتهاون.

    والصحيح الراجح هو قول جماهير أهل العلم، وهو أنه لا يضمن؛ لأنك عندما أعطيته هذا القميص ما أعطيته إياه إلا وأنت تثق في دينه وأمانته، فإذا أعطيته ذلك فيده يد أمانة، والأصول الشرعية والقواعد الكلية تدل على أن الذي يده يد أمانة لا يضمن إلا بالتفريط، فإن أحرق لك ثوبك فأثبت أنه قد فرط ضمنه وإلا فلا.

    والحمد لله الذي أتم علينا هذا الكتاب بفضله ومنه وكرمه وحوله وقوته، وأسأل الله أن ينفع به، وأن يلهمنا وإياكم الإخلاص.