إسلام ويب

الاختلاف في القواعد الأصولية - الأمر واقتضاؤه الوجوبللشيخ : محمد حسن عبد الغفار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الأمر يقتضي الوجوب على قول جماهير العلماء، ولا يصرف إلى الاستحباب إلا بصارف من نص أو قرينة أخرى معتبرة، ولهذه القاعدة أثر كبير في بيان أحكام كثير من المسائل الفقهية؛ ولذا ينبغي لطالب العلم إتقانها وتحقيقها.

    1.   

    الأمر

    تعريف الأمر

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    ثم أما بعد.

    فما زلنا مع اختلاف الأصوليين في القواعد الأصولية، وأثر هذا الاختلاف في المسائل الفقهية، فنقول:

    الأمر هو: طلب الفعل على وجه اللزوم على جهة الاستعلاء.

    أي: طلب الله جل في علاه من المخلوق المربوب أن يفعل هذا الفعل، كقول الله تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ [المزمل:20] فطلب فعل الصلاة هو طلب الفعل على وجه اللزوم، يعني: لابد أن تقول: سمعت وأطعت، ولست مخيراً بين الفعل وغيره، فإذا قال: صل، فلست مخيراً بين أن تصلي وألا تصلي.

    أما قول الله تعالى: فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ [الكهف:29] فهذه صيغة تهديد، يهدد الله جل في علاه وكأنه يقول: فمن شاء فليؤمن وسيرى ما عندي، ومن شاء فليكفر وسيرى عقابي، فهذه صيغة تهديد.

    مراتب الأمر

    فعل الأمر ينقسم إلى ثلاث مراتب من حيث الآمر:

    المرتبة الأولى: من الأعلى للأدنى، وهذا هو الذي يكون على وجه الاستعلاء، وفائدة معرفة أنه من الأعلى للأدنى أنك إذا علمت أن الأمر من الأعلى قلت: سمعت وأطعت، وليس لك تخيير فيه.

    المرتبة الثانية: من الأدنى للأعلى، ويكون معناه الطلب والدعاء والترجي، كقول الله تعالى مبيناً لنا ما نقول: رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ [آل عمران:53].

    المرتبة الثالثة: من المساوي للمساوي، ومن النظير للنظير، وهذا يسمى التماساً، فأنت تلتمس ممن يساويك في أمر معين وتقول له: اكتب لي هذا الدرس، أو ائتني بهذه الوسادة، فهذا التماس.

    صيغه

    الأمر له صيغ منها:

    أولاً: فعل الأمر:

    كقول الله تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ [البقرة:43] وقول الله تعالى: وَاتَّقُوا اللَّهَ [البقرة:194]، وقوله: وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ [الأنعام:141] وقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة:1]، فالوفاء بالعقود من الواجبات؛ لأن الله أمر به.

    ثانياً: من صيغ الأمر أن يقترن الفعل المضارع بلام الأمر:

    كقول الله تعالى: لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ [الطلاق:7]، (لينفق) اللام هنا لام الأمر كأن الله يقول: أنفقوا مما آتيناكم.

    وأيضاً قول الله تعالى عن صوم رمضان: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة:185]، وقوله: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ [النور:63]، وقوله: ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ [الحج:29]، فكل هذه أفعال مضارعة اقترنت بلام الأمر فتفيد الأمر، والأمر للوجوب.

    ثالثاً: من صيغ الأمر اسم فعل الأمر:

    قول النبي صلى الله عليه وسلم عن طلحة يوم أحد: (دونكم صاحبكم فقد أوجب)، أي: أوجب الجنة بما فعل من الخير والمدافعة عن رسول الله.

    ومنه قول المؤذن في الأذان: حي على الصلاة، فهذا اسم فعل أمر.

    ومنه قول الله تعالى حاكياً عن امرأة العزيز أنها قالت ليوسف: هَيْتَ لَكَ [يوسف:23]، يعني: هلم وتعال.

    ومنه قول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ [المائدة:105]، يعني: الزموا أنفسكم.

    ومنه حديث: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي)، عليكم: اسم فعل أمر.

    وعندما يقول الإمام: وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7] نقول: آمين، وهذا اسم فعل أمر بمعنى: استجب، لكن هذا الأمر من الأدنى إلى الأعلى.

    ما يقتضيه الأمر من وجوب أو ندب

    اختلف العلماء في الأمر هل يدل على الوجوب بذاته أم لا بد من قرينة تثبت هذا الوجوب؟

    وفي هذه المسألة أقوال أربعة:

    القول الأول: الأمر للوجوب، وهذا قول جمهور أهل العلم.

    القول الثاني: الأمر يدل على الندب إلا إذا جاءت القرائن التي تبين الوجوب.

    القول الثالث: الوقف، فلا يدل على الوجوب ولا على غير الوجوب حتى تأتي القرائن.

    القول الرابع: الأمر للإباحة، وهذا ضعيف.

    والراجح الصحيح أن ظاهر الأمر يدل على الوجوب كما هو قول الجمهور، والدليل على ذلك قول الله جل في علاه: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ [النور:63]، قال أحمد : الفتنة الشرك، فقد حذر الله من مخالفة أمر النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا التحذير يدل على أن الأمر للوجوب.

    أيضاً قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء)، وفي رواية: (عند كل صلاة)، فقد امتنع من الأمر حتى لا تقع المشقة؛ ولذلك قال الشافعي : لو أمر لوجب شق أو لم يشق.

    أيضاً قول النبي صلى الله عليه وسلم: (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى)، فلا يستحق النار إلا من عصى.

    وأوضح من ذلك حديث أم سلمة رضي الله عنها وأرضاها عندما (دخل النبي صلى الله عليه وسلم عليها وهو غضبان فقالت: يا رسول الله! من أغضبك أهلكه الله؟! فقال: أمرت الناس بأمر فلم يأتمروا)، والهلاك لا يلحق إلا من عصى، وهي دليل على أن عصيان الأوامر يأتي بالهلاك؛ لأنه خالف أمر الله، فهذه دلالة على أن أمر الله على الوجوب لا على الاستحباب كما هو الراجح والصحيح الذي لا محيد عنه.

    والقول بأنه على الاستحباب إلا لقرينة هو قول بعض الشافعية وبعض الأحناف.

    1.   

    خلاف العلماء فيما يقتضي الأمر

    اختلف العلماء في الأمر هل يدل على الوجوب بذاته أم لا بد من قرينة تثبت هذا الوجوب؟

    اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال أربعة:

    القول الأول: الأمر للوجوب، وهذا قول جمهور أهل العلم.

    القول الثاني: الأمر يدل على الندبية إلا إذا جاءت القرائن التي تبين الوجوب.

    القول الثالث: الوقف، فلا يدل على الوجوب ولا على غير الوجوب حتى تأتي القرائن.

    القول الرابع: الأمر للإباحة، وهذا ضعيف، والراجح الصحيح أن ظاهر الأمر يدل على الوجوب كما هو قول الجمهور، والدليل على ذلك قول الله جل في علاه في كتابه: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ [النور:63]، قال أحمد : الفتنة الشرك، فقد حذر الله من مخالفة أمر النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا التحذير يدل على أن الأمر للوجوب.

    أيضاً قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء)، وفي رواية: (عند كل صلاة)، فقد امتنع من الأمر حتى لا تقع المشقة؛ ولذلك قال الشافعي : لو أمر لوجب شق أو لم يشق.

    أيضاً قول النبي صلى الله عليه وسلم: (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى)، فلا يستحق النار إلا من عصى.

    وأوضح من ذلك حديث أم سلمة رضي الله عنها وأرضاها عندما (دخل النبي صلى الله عليه وسلم عليها وهو غضبان فقالت: يا رسول الله! من أغضبك أهلكه الله؟! فقال: أمرت الناس بأمر فلم يأتمروا)، والهلاك لا يلحق إلا من عصى، فهذه دلالة على أن عصيان الأوامر يأتي بالهلاك؛ لأنه خالف أمر الله، فهذه دلالة على أن أمر الله على الوجوب لا على الاستحباب كما هو الراجح والصحيح الذي لا محيد عنه.

    والقول بأنه على الاستحباب إلا لقرينة هو قول بعض الشافعية وبعض الأحناف.

    1.   

    أثر الاختلاف في حكم الأمر في المسائل الفقهية

    صلاة ركعتين قبل المغرب

    اختلاف العلماء في الأمر هل هو للوجوب أم لا ظهر أثره في الاختلاف في الأحكام الفقهية.

    وقد اتفق أهل الظاهر مع الجمهور أن ظاهر الأمر الوجوب إلا أن تأتي قرينة تصرفه من الوجوب إلى الاستحباب، لكنهم اختلفوا فيما بينهم هل كل صارف يصرف الأمر من الوجوب إلى الاستحباب:

    فقالت الظاهرية: لا يمكن أن نرضى بصارف يصرف كلام النبي صلى الله عليه وسلم من الوجوب إلى الاستحباب إلا بقرينة أظهر من شمس النهار وذلك إما بالنص أو بالإجماع.

    مثال ذلك: قول النبي صلى الله عليه وسلم: (صلوا قبل المغرب، صلوا قبل المغرب) فظاهر الأمر الوجوب، ولا يمكن أن يصرف على قول الظاهرية إلا بنص أو إجماع، وقد جاء النص على أن الركعتين قبل المغرب على الاستحباب لا على الوجوب، والنص هو قول النبي صلى الله عليه وسلم: (صلوا قبل المغرب؛ لمن شاء)، فهذا التخيير هو الصارف من الوجوب إلى الاستحباب.

    والجمهور يرون أن الصارف يمكن أن يكون نصاً أو إجماعاً أو قياساً أو مفهوم مخالفة أو بالنظر والمعنى، وهذا كلام جيد وهو أوسع، لكن في بعض الأحايين ترى قوة قول أهل الظاهر على قول الجمهور.

    حكم التسمية عند الطعام، والأكل والشرب باليمين

    التسمية عند الأكل:

    فالتسمية عند الأكل هي عند الجمهور على الاستحباب، أما أهل الظاهر فقالوا: هي على الوجوب، واستدلوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم لـعمرو بن سلمة : (يا غلام! سم الله وكل بيمينك، وكل مما يليك).

    فهذا أمر، وظاهر الأمر الوجوب، فقال أهل الظاهر: التسمية واجبة عند الطعام، والأكل باليمين واجب عند الطعام؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بذلك، والنبي لا يأمر إلا بالواجب، ولو أكل وشرب ولم يسم عامداً يأثم عند الظاهرية، أما إن كان ناسياً فلا يأثم بالاتفاق.

    والتسمية عند الجمهور سنة وليست واجبة، قالوا: لأن هذا من باب الآداب، وهذه قاعدة عند الجمهور، وهي:

    الأوامر والنواهي إن كانت من باب الآداب فهي تصرف الأوامر من الوجوب إلى الاستحباب، وتصرف النواهي من التحريم إلى الكراهة.

    وأنا لا أميل لهذا القول، بل القول الأقوى والأصح دليلاً هو قول أهل الظاهر فإذا لم يرد نص ولا إجماع ولا مفهوم ولا نظر ولا قياس حتى نقول بالصرف فيبقى أمر النبي صلى الله عليه وسلم على ما هو عليه؛ حفظاً لأوامر النبي صلى الله عليه وسلم؛ فلذا نقول: لزاماً على الآكل أن يسمي وأن يأكل بيمينه.

    ويستدل لأهل الظاهر بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل: (كل بيمينك، قال: لا أستطيع، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: لا استطعت، فما رفع يده إلى فيه).

    لكن للجمهور أن يجيبوا عن هذا الاستدلال بما في آخر الحديث: (ما منعه إلا الكبر)، فيكون الدعاء عليه من أجل الكبر.

    ونحن نقول: بل للأمرين؛ لأنه لم يأكل باليمين ولأنه متكبر، فالصحيح الراجح وجوب التسمية عند الطعام ووجوب الأكل والشرب باليمين، لا سيما وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تأكلوا بشمالكم فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله)، وهذا ظاهره التحريم، والله تعالى أعلى وأعلم.

    حكم وطء الزوجة بعد الطهر قبل الغسل

    وطء الزوجة بعد أن تطهر من الحيض واجب عند أهل الظاهر، فهم يرون وجوب إتيان الزوجة فور الطهر.

    وعندهم يكفيها أن تغسل الفرج دون أن تغتسل، واستدلوا بقول الله تعالى: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ [البقرة:222].

    ومحل الشاهد: (فأتوهن من حيث أمركم الله)، وهذا أمر، وظاهر الأمر الوجوب، فيجب على الزوج إذا طهرت زوجته من الحيض أن يأتيها ائتماراً بأمر الله جل في علاه.

    وقال جمهور أهل العلم: المرأة إذا طهرت من الحيض يستحب لزوجها أن يأتيها؛ لأمر الله جل في علاه: فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ [البقرة:222].

    وبعض العلماء قالوا: هو على الإباحة لا على الاستحباب، والأوامر قد تأتي على الإباحة، كقول الله تعالى: فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ [الحج:28]، وقوله: كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ [الأنعام:141]، فهذا الأكل على الإباحة لا على الوجوب.

    والصحيح الراجح هو قول الجمهور، والصارف الذي صرف الأمر في قول الله تعالى: فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ [البقرة:222] من الوجوب إلى الاستحباب أن الأصل في الجماع أنه على الإباحة، لاسيما وأن هذا الأمر جاء بعد الحظر؛ لأنه قال: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ [البقرة:222]، فحرم الإتيان وقت الحيض، وبعد هذه الحرمة جاء الأمر بالإباحة فقال: فَأْتُوهُنَّ يعني: النهي معلق بصفه الحيض، فإذا انتهى الحيض انتهى التحريم، ويرجع الأمر على ما هو عليه من الإباحة.

    حكم المتعة للمطلقة قبل الدخول عليها

    المطلقات على أنواع:

    الأولى: المعقود بها ولم يدخل بها.

    الثانية: المدخول بها.

    ومن عقد عليها من غير دخول لها حالتان:

    الحالة الأولى: أن يكون قد فرض لها مهراً معلوماً.

    الحالة الثانية: لم يفرض لها مهراً معلوماً.

    فالتي لم يفرض لها المهر المعلوم قال الله تعالى فيها: لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ [البقرة:236]، فهذه الآية اختلف فيها العلماء، فالشافعية والأحناف والحنابلة يرون وجوب المتعة للمطلقة قبل الدخول عليها ولم يفرض لها فريضة يعني: لم يسم لها المهر، قال الله: مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ يعني: ما لم تدخلوا بهن، ثم قال: وَمَتِّعُوهُنَّ ، فهذا فعل أمر، والأمر ظاهره الوجوب، وأيضاً أكد هذا الأمر بقوله: حَقًّا ، والحق فيه دلالة على الوجوب.

    أما المالكية فقالوا: سلمنا أن الأمر ظاهره الوجوب، لكنا نقول: هذا الأمر قد صرف من الوجوب إلى الاستحباب، والصارف في الآية نفسها، فالله قال في الآية: حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ ، قالوا: والإحسان ليس بواجب بالاتفاق ، فإن كان الإحسان ليس بواجب فالمتعة ليست بواجبة، بل هي من مكارم الأخلاق لقول الله تعالى: حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ .

    والصحيح الراجح هو قول جمهور أهل العلم؛ لأن الأمر ظاهره الوجوب، ولا صارف له، وهذا الصارف الذي ذكرته المالكية غير معتبر؛ لأن الإحسان من الواجبات، فالراجح الصحيح هو أن المرأة التي طلقت قبل الدخول ولم يفرض لها فريضة أنه لا بد لها من المتعة، لقوله تعالى: وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ [البقرة:236].

    وهذه المتعة اختلف العلماء في تقديرها، والصحيح الراجح أن مردها إلى العرف، فالموسع يمتع على قدر غناه، والمقتر يمتع على قدر فقره.

    حكم الإشهاد على الرجعة

    الرجعة تطلق على شيئين: الرجعة التي يؤمن بها الشيعة، وقد افتراها اليهودي الذي ضيع الشيعة عبد الله بن سبأ ، وهذه الرجعة تمس العقيدة، فالشيعة يعتقدون رجعة محمد بن الحسن العسكري، ويقفون عند السرداب ويقولون: ارجع يا محمد بن العسكري !

    وتطلق الرجعة على الرجعة من الطلاق، فالجمهور يرون أن الرجعة لا تحتاج إلى إشهاد.

    مثلاً: دخل رجل على امرأته فوجدها في حال لا يرضيه فقال: أنت طالق، وبعدما طلقها توضأ وصلى لله نافلة فاستغفر ربه وأناب وقال: لم فعلت بامرأتي هكذا؟! فذهب إليها وقال: سامحيني قد رددتك، فراجعها، فهذه الرجعة هل تقع أو لا تقع؟

    اختلف العلماء في ذلك على قولين: جمهور أهل العلم يرون أن هذه الرجعة تقع.

    والظاهرية يرون أن هذه الرجعة لا تقع، لأنه لم يأت بركن الرجعة وهو الإشهاد، قال الله تعالى: فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ [الطلاق:2] يعني: أشهدوا على هذه الرجعة، (وأشهدوا) فعل أمر، والأصل في فعل الأمر أنه على الوجوب، فقالوا: يجب على المطلق إذا أراد أن يراجع امرأته أن يشهد، فمن أراد إرجاع امرأته دون إشهاد فهذه الرجعة غير معتبرة.

    وهذا رجحه من المتأخرين الشيخ الألباني رحمة الله عليه، قال: الرجعة لا تصح بحال من الأحوال إلا بالشهود. وظاهر الدليل معهم.

    وعند الجمهور أن الأمر بالإشهاد للاستحباب، والصارف هو الأصول والمقاصد الشرعية، قالوا: أولاً: هذه الرجعة على النكاح الأول، فإذا كانت على النكاح الأول فاستدامتها صحيحة، ولو كانت نكاحاً جديداً لكان الأمر للوجوب.

    ثانياً: قالوا للظاهرية: إذا قلتم بوجوب الإشهاد فيجب الولي، فلما لم يجب فيها ولي وهو أهم أركان النكاح، فإنه لا يجب فيها الشهود.

    والغرض أنه عقد لم يفتقر إلى الولي فلم يفتقر أيضاً إلى الشهود. وهذا النظر قوي جداً، يصرف الأمر من الوجوب إلى الاستحباب.

    ثالثاً: هذا الإرجاع لا يفتقر إلى رضا المرأة، فلو دخل على امرأته وقال: رددتك، فقالت: أنا لن أرجع إليك، فالرجوع يصح، ورضا الزوجة من أهم أركان النكاح، وهو لا يشترط في الرجعة، فإذاً لا يشترط الإشهاد فيها من باب أولى.

    فهذه ثلاثة أمور من النظر القوي تصرف حكم الإشهاد من الوجوب إلى الاستحباب.

    وفائدة الإشهاد عدم الجحود، فقد يكون الرجل فاسقاًً يطلقها مرة ومرتين وثلاثاً ولا يشهد، فإذا قالت له: قد طلقتني الثالثة وبنت منك، قال: هذه طلقة واحدة فقط، وينكر أنه طلقها أكثر من مرة.

    وفي هذه الأزمنة لا يبعد أن نفتي بقول ابن حزم حزماً على هؤلاء الناس الذين خربت ذممهم، فأعرف مشاكل كثيرة جداً بين الناس، فالرجل يعيش مع امرأته في زنا ولا يقر بذلك، ويأتي منها بأولاد، فهؤلاء أولى بأن يفتى لهم على مذهب ابن حزم، لكن الحكم العام يغاير الفتوى، فإذا رأيت المتسيبين تشدد عليهم بفتوى ابن حزم ، وإن وجدت الرجل تقياً ورعاً فقل له: خذ امرأتك وارجع بها فقد رددتها، وتفتي له بالصحيح من الحكم العام.

    حكم استئذان البكر في الزواج

    اختلف العلماء في حكم استئذان البكر البالغة في النكاح، هل يجب أو لا يجب؟

    وثمرة الخلاف أنه لو كان يجب على الولي أن يستأذن البكر في الزواج فزوجها من غير أن يستأذنها فالنكاح مفسوخ بفسخها إياه.

    وقد اتفق أهل العلم على أن الصغيرة غير البالغة إذا زوجها وليها دون إذنها فالنكاح صحيح، لكن الأحناف قالوا: إذا بلغت فلها الخيار، وهذا كلام ليس بصحيح، والصحيح أن الولي إذا زوج ابنته الصغيرة فله ذلك، والعقد صحيح.

    ويصح للمرء أن يزوج الصغيرة غير البالغة ولو كانت بنت ثلاث سنوات، والدليل على ذلك قال الله تعالى: وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ [الطلاق:4] والشاهد قوله: وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وهن الصغيرات اللاتي لم يحضن، فإذا طلقت الصغيرة التي لم تحض فعدتها ثلاثة أشهر، والطلاق مرتب على نكاح صحيح.

    إذاً: هذه دلالة واضحة على أن هذا النكاح صحيح، وله أن يداعبها ويلاطفها ويتمتع بها دون أن يطأها، فإن احتملت الوطء وطئها.

    إذاً: اتفق أهل العلم على جواز زواج الصغيرة بلا إذن منها، واختلفوا في البكر التي بلغت المحيض، فإذا زوجها وليها بلا إذن منها فهل يصح النكاح أو لا يصح؟

    الجمهور على أن النكاح يصح، واستدلوا على ذلك بأدلة منها قول النبي صلى الله عليه وسلم: (الأيم أحق بنفسها، والبكر تستأذن وإذنها صماتها)، ووجه الدلالة من هذا تفريق النبي بين حكم الأيم وحكم البكر، ولأنه قال: (الأيم أحق بنفسها)، فمفهوم المخالفة أن ولي البكر أحق بها، وهي تستأذن على الاستحباب، وإن لم تستأذن فوليها أحق بها.

    واستدلوا على ذلك بقول الله تعالى: وَلا تَعْضُلُوهُنَّ [النساء:19]، والخطاب هنا للأولياء، هذا قول الجمهور.

    وخالفهم الأحناف فقالوا: إن تزويج الولي للبكر دون أن يستأذنها باطل إلا إذا رضيت بهذا الزواج، واستدلوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (والبكر تستأذن، وإذنها صماتها) فشرط النبي إذن المرأة البكر حتى يصح النكاح.

    والدليل الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم فسخ عقداً عقد على بكر لم تستأذن، وهذا الحديث قال البوصيري في الزوائد: إسناده صحيح، وصححه كثير من المحدثين، وهو عن ابن عباس : (أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءته امرأة تبكي فقالت: يا رسول الله؟ زوجني أبي برجل ليرفع بي خسيسته ولم أرض، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: الأمر إليك) يعني: إن شئت أديمي العقد وإن شئت فسخته.

    فهذا دليل واضح على أن عقد النكاح لا يصح إلا برضاها، فقالت: (يا رسول الله! رضيت، لكني أردت أن تعلم النساء ذلك)، فهذه الفقيهة جزاها الله عن الإسلام خيراً علمت النساء أن البكر لابد أن تستأذن وأن إذنها شرط في صحة العقد.

    وهذا الحديث فاصل في النزاع، فإنه يبين لنا أنه ليس للولي إجبار البكر على النكاح إلا برضاها، وإن زوجها بدون إذنها وبدون رضاها فلها أن ترفع أمرها لولي الأمر، وتفسخ هذا العقد، وهذا هو الراجح الصحيح.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.