إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ محمد حسن عبد الغفار
  3. شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - التوسل المشروع والتوسل الممنوع

شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - التوسل المشروع والتوسل الممنوعللشيخ : محمد حسن عبد الغفار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • التوسل نوعان: توسل مشروع وتوسل ممنوع، وقد جاءت الأدلة التي تبين الفرق بينهما، والتي ترغب في التوسل المشروع، وتحذر من التوسل الممنوع.

    1.   

    صور من كرامات الأولياء

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده لله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    اليوم نستكمل كرامة مهمة من كرامات الأولياء لنستنبط منها أمراً مهماً في مسائل التوحيد، ألا وهي مسألة التوسل المشروع والتوسل الممنوع.

    لقد بينا أن من كرامات الأولياء تسبيح الطعام بين يدي ابن مسعود وسلمان الفارسي وأبي موسى الأشعري ، فقد سبح الطعام وسمعوا ذلك كرامة من الله جل وعلا لهم.

    أيضاً من كرامات سلمان -والأسانيد التي تتكلم عن الكرامات يتسامح فيها بعض العلماء ومنهم النسائي عليه رحمة الله- أنه دخل على رجل من محبيه، فوجده على مشارف الموت، فقال بأعلى صوته: يا ملك الموت! كن به رءوفاً رحيماً، فسمع صوتاً يقول: يا سلمان ! إني بكل مؤمن رءوف رحيم، فكأن ملك الموت رد عليه كرامة له من الله جل وعلا.

    ومن كرامة زينب بنت جحش رضي الله عنها وأرضاها زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يأتيها العطاء من عمر بن الخطاب فتنظر في العطاء فتجده كثيراً وافراً، فتخشى على نفسها؛ لأنها عاشت مع النبي صلى الله عليه وسلم فكان يمر عليهم الشهر أو الشهران لا يطبخون طعاماً، وإنما يأكلون التمر والماء، فلما جاء عصر الفتوحات كثر المال فخشيت على نفسها، فكانت تنفق المال في سبيل الله وكما بينا أن لها اليد الطولى في الصدقة، فرفعت يدها وقالت: اللهم! اقبضني قبل عطاء عمر ، فماتت من عامها.

    فهذه كرامة من الله جل وعلا لزوج النبي صلى الله عليه وسلم، لكن هذه الكرامة أحدثت لنا إشكالاً وهو أنه كيف تدعو على نفسها بالموت وقد جاء النهي الصريح من النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك بقوله: (لا يتمنين أحدكم الموت، إن كان محسناً فلعله يزداد، وإن كان مسيئاً فلعله يستعتب

    فهي تمنت الموت بل دعت به على نفسها، فكيف تكون كرامة أن يستجاب لها والنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن تمني الموت؟

    فالإجابة على هذا الإشكال من وجوه:

    الوجه الأول: أن النهي عام، ويستثنى منه إذا خشي المرء على نفسه الفتنة فله أن يتمنى الموت، وأن يدعو على نفسه بالموت، وقد أقر الله جل وعلا مريم رضي الله عنها وأرضاها عندما خشيت على نفسها التهمة، فقالت: يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا [مريم:23] ، فتمنت الموت وأقرها الله على ذلك، والله لا يقر على باطل.

    الوجه الثاني: حديث النبي صلى الله عليه وسلم (اللهم! أحيني إن كانت الحياة خيراً لي، وأمتني إن كانت الوفاة خيراً لي).

    الكرامة الأخرى كرامة أسماء رضي الله عنها وأرضاه لما علمت أن ابنها مصلوباً رضي الله عنه وأرضاه رفعت يدها وقالت: اللهم! لا تمتني حتى تأتني بجثته، فما ماتت حتى أتاه الله بجثته كل عضو يأتي إليها متهللاً فتكفنه وتدفنه، فبعد أن دفنته ماتت من أسبوعها.

    وأنس بن مالك رضي الله عنه وأرضاه أيضاً كان له نفس الكرامة التي كانت لأخيه البراء بن مالك ، وهي أنه جاءه عامل من عماله يقول: أصاب القحط أرضك، فرفع يديه واستسقى وقال: اللهم! اسقني، قال الراوي: فجاءت سحابة أظلت أرضه، فسقت أرضه ولم تتعد أرضه شبراً كرامة لـأنس رضي الله عنه وأرضاه.

    واليوم سنذكر كرامة مهمة، ونتكلم على أصل من أصول التوحيد، وهي الكرامة التي كانت في العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه وأرضاه.

    1.   

    التوسل إلى الله بدعاء الصالحين

    روى اللالكائي أن عمر بن الخطاب كان إذا أصابه القحط قام فقال: اللهم! إنا كنا إذا أجدبنا استسقينا، أو قال: توسلنا إليك بنبيك، ونحن اليوم نتوسل إليك بعم نبيك! يا عباس ! قم فاستقِ.

    فهو يقول: كنا نتوسل إليك بنبيك في حياته، فلما مات نبيك نتوسل إليك بعمه العباس فلم يتوسل بالنبي بعد موته بل توسل بعمه الذي ما زال حياً، قال: قم يا عباس ! فقام العباس فرفع يديه، وقال: اللهم! إنك تعلم أنهم يتوسلون بي لقربي من نبيك، اللهم! إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب، ولم يرفع إلا بتوبة، وهذه أيدينا رفعت إليك بذنوبها، ونواصينا بالتوبة، اللهم! اسقنا، فكانوا يسقون بدعاء العباس رضي الله عنه وأرضاه.

    فنستفيد من ذلك أن التوسل مشروع بل هو قربة.

    1.   

    تعريف التوسل

    التوسل لغة: هو التقرب إلى المطلوب بالرغبة فيه، أو هو اتخاذ الوسيلة واتخاذ الواسطة للحصول على المرغوب أو المطلوب، فالوسيلة هي الواسطة، أو القربة التي يتقرب بها العبد إلى الله جل وعلا ليحصل له ما يرغبه ويطلبه، قال الله تعالى: وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ [المائدة:35]، أي تقربوا إليه بالدعاء والصلاة وغيرها لتحصلوا على ما تريدون منه جل وعلا.

    1.   

    أقسام الناس في التوسل

    التوسل قربة والأصل في القربات التوقيف، إذاً فلا بد من دليل من قول الله وقول رسوله صلى الله عليه وسلم حتى يتقرب العبد إلى الله، فلما كان الأمر كذلك انقسم الناس في التوسل إلى قسمين: قسم توسلوا بما شرع الله جل وعلا، وقسم ابتدعوا في دين الله، وقدموا بين يدي حاجاتهم بدعاً مقيتة، فأنى يستجاب لهم؟ وسنذكر لكم أدلة كل فريق.

    التوسل المشروع وأنواعه

    أما الفريق الأول الذين توسلوا بما شرعه الله في كتابه وفي سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، أي تقربوا بما في الكتاب أو في السنة وقد أرشدنا الكتاب والسنة أن نتوسل لله جل وعلا بأنواع ثلاثة:

    التوسل الأول: التوسل بأسماء الله الحسنى وصفاته العلا، وهو أن تتوسل إلى الله جل وعلا بين يدي حاجتك حتى تقبل عند الله بأسمائه وصفاته، كأن تقول: يا غفور! اغفر لي، يا رحمن! ارحمني، اللهم! بعزتك أعز الإسلام، اللهم برحمتك ارحمني، وهذا يسمى توسل بأسماء الله الحسنى وصفاته العلا جل وعلا.

    ودليله من الكتاب قول الله تعالى: وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف:180] أي توسلوا إليه بها، وأيضاً قال الله تعالى: قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى [الإسراء:110].

    ومن السنة حديث: (مر النبي صلى الله عليه وسلم على رجل يصلي، فلما قرأ التشهد قال: اللهم! إني أسألك يا ألله! يا واحد! يا أحد! يا فرد! يا صمد! يا من لم يلد ولم يولد! ولم يكن لك كفواً أحد! اللهم! اغفر لي فإنك أنت الغفور الرحيم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى)، انظروا إلى توسل الرجل قال: أسألك يا ألله! وهو اسم الله الأعظم، ثم ذكر الصفات التي تضاف إلى الله، فقال: يا واحد! يا أحد! توحيد لله جل وعلا، يا صمد! والصمد هو الذي لا يحتاج لأحد، بل الكل يصمد إليه ويسأله حاجاته، ومن معاني الصمد هو الذي لا يأكل ولا يشرب، فلا جوف له.

    فيتوسل إلى الله بأسمائه جل وعلا. ومن توسل النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح: (يا حي! يا قيوم! برحمتك أستغيث أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين).

    فتوسل باسم الله الحي، الذي يتضمن صفة الحياة، وقوله: يا قيوم! توسل باسم الله القيوم الذي يتضمن صفة القيومية، هذا توسله بالأسماء وفي آخر الحديث توسل بالصفة، فقال: (برحمتك أستغيث) أي: أتوسل إليك بصفة الرحمة.

    وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول أيضاً: (وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي)، فهو توسل بصفة العظمة لله جل وعلا، وقال: (وأعوذ بعزتك أن تضلني، أنت الحي الذي لا يموت والجن والإنس يموتون)، فتوسل إلى الله جل وعلا بصفة من صفاته الدالة على الكمال وهي صفة العزة.

    وسليمان عليه السلام كان يتوسل إلى الله جل وعلا بالأسماء والصفات، قال الله تعالى على لسان سليمان: رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ [النمل:19]، فتوسل بصفة الرحمة: وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ [النمل:19].

    النوع الثاني من أنواع التوسل المشروع: التوسل بالأعمال الصالحة، كحب النبي صلى الله عليه وسلم فتقول مثلاً: اللهم! إني أدعوك بما علمت من حبي لنبيك أن تفرج عني الكرب، أو تدعو الله جل وعلا بعمل قد أخلصت فيه لله، فلم يكن للرياء فيه مسرح، ولا للشيطان فيه مدخل فتتوسل إلى الله بهذا العمل الصالح أن يرزقك ما تريد.

    والدليل عليه من الكتاب قول الله تعالى حاكياً عن الذين آمنوا بعيسى: رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [آل عمران:16]، وأيضاً قول الله تعالى حاكياً عن أهل الإسلام أنهم قالوا: رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا [آل عمران:193]، يتوسلون بإيمانهم، وهو عمل صالح، رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ [آل عمران:193].

    ومن السنة قصة الثلاثة الذين أغلق عليهم الغار، فتقرب كل رجل منهم إلى الله بعمل صالح، رأى في نفسه أنه أخلص لله تعالى فيه فالأول لم يزن بابنة عمه، وأعطاها المال إخلاصاً لوجه الله جل وعلا، فانفرجت فرجة، والثاني قال: أنه كان يبر بوالديه إخلاصاً لله، فقبل الله منه هذا العمل، والثالث: أعطى الأجير حقه ونمى له المال، حتى أعطاه وادياً من الغنم، فاستغرب الأجير أن يكون هذا ماله، لكن الرجل كان أميناً مخلصاً لله جل وعلا، فانفرجت الصخرة التي كانت على باب الغار.

    النوع الثالث من أنواع التوسل المشروع: التوسل بدعاء الصالحين، الذين تقربوا إلى الله جل وعلا بالواجبات ثم بالمستحبات وتركوا المحرمات والمكروهات، فنتوسل إلى الله جل وعلا بدعاء الصالحين لا بذواتهم .

    والدليل على ذلك من الكتاب، قول الله تعالى حاكياً عن إخوة يوسف: قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ [يوسف:97] ، فطلبوا من أبيهم أن يستغفر لهم ما أخطئوا في حق يوسف عليه السلام.

    أما من السنة فحديث عكاشة بن محصن رضي الله عنه وأرضاه، لما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (سبعون ألفاً يدخلون الجنة) إلى آخر الحديث، فقام عكاشة بن محصن فقال: (يا رسول الله! ادع الله لي أن أكون منهم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أنت منهم، فقام رجل آخر، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: سبقك بها عكاشة) .

    وأيضاً الحديث الصحيح عن عمر بن الخطاب أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره إذا رأى أويس القرني أن يطلب منه أن يستغفر له، فهذا دليل على التوسل بدعاء الصالحين.

    ويحتج شيخ الإسلام بحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لـعمر وهو ذاهب إلى العمرة: (يا أخي! لا تنسانا من صالح دعائك) وهذا حديث ضعيف تغنينا عنه الأحاديث الصحيحة.

    التوسل الممنوع وأنواعه

    أما القسم الثاني فهم الذين جروا خلف العواصف والويل وتركوا السنة وراءهم ظهرياً، الذين ابتدعوا في دين الله جل وعلا، وتوسلوا التوسل الممنوع.

    والتوسل الممنوع أيضاً ينقسم إلى ثلاثة أنواع:

    النوع الأول: شرك يخرج من الملة، فصاحبه كافر خالد مخلد في نار جهنم والعياذ بالله، وهو الذي يأتي إلى الولي، أو إلى قبر من يظن أن فيه خيراً فيستغيث به، أو يطلب منه جلب نفع، أو دفع ضر، وقد جلست مع بعضهم وكنت أقول له: اتق الله، فيشيح بوجه عني ولا يجيب، فهو يخشى من الإجابة، وأنا أقول له: إذا ذهب رجل إلى الحسين فقال: يا حسين ! اشفي مريضي، أو قال: يا حسين ! ابنتي لا تنجب اجعلها تنجب، ماذا تقول فيه؟ وهو يأبى أن يجيب، فعله يعتقد في قلبه أنه يجيبه؛ لأن بعض الثقات ذكروا لي أنه يقول: إن للكون أقطاباً وأبدالاً يتحكمون فيه، وإن أرواح الأولياء تحرج فتنصر المؤمنين!

    وسنعقد فصلاً خاصاً للرد عليه بإذن الله، فهو كافر، وسنأتي بكلامه نسمعكم إياه، ونرد عليه، حتى نؤصل العقيدة الصحيحة، احتراماً واحترازاً وحفظاً لجناب التوحيد.

    فمثال النوع الأول من التوسل الممنوع أن يذهب إلى البدوي فيقول: يا بدوي ! اشف ابني، أو يقول: يا سيدة زينب ! أنت مباركة، ابنتي لا تلد فاجعلي ابنتي تلد، أو تكتب للنبي صلى الله عليه وسلم وهذا حدث واقعاً عند النبي صلى الله عليه وسلم، أنه ذهبت امرأة فكتبت ورقة وقالت فيها: يا رسول الله! ابنتي لا تنجب اجعلها تنجب، اعتقدت في رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يكون لله جل وعلا، والأشد منه أن يذهب إلى البدوي أو المرسي أبي العباس أو إلى غيره يدعوه ويستغيث به، ويطلب منه جلب النفع، أو دفع الضر، ومن فعل هذا فقد وقع في الشرك من ثلاثة أوجه:

    الوجه الأول: شرك في الألوهية إذ إن الدعاء عبادة، والقاعدة أن كل عبادة ثبت بالكتاب أو بالسنة أنها عبادة ففعلها لله توحيد، وفعلها لغير الله شرك، والدعاء لطلب النفع أو لدفع الضر عبادة كما ثبت ذلك بالكتاب، قال الله تعالى: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر:60]، ثم قال: إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي [غافر:60] وهذا هو محل الشاهد، فثبت أن الدعاء عبادة، بالتصريح وبالتنصيص من قول النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: (الدعاء هو العبادة)، وهذا أسلوب يسمى أسلوب حث، يعني كل العبادة دعاء، والدعاء هو كل العبادة، إذاً: الدعاء عبادة، ففعلها لله توحيد، وفعلها للبدوي أو للحسين أو للسيدة زينب أو للجيلاني شرك.

    الوجه الثاني من الشرك: شرك في الربوبية، إذ إن الذي يستغيث بـالبدوي أن يشفي ابنه أو يشفي مريضه يعتقد في قلبه اعتقاداً بأن البدوي يستطيع أن يشفي ابنه، وهذا لا يكون إلا لله جل وعلا، فهذا جعل صفة الربوبية لميت لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً.

    الوجه الثالث من وجوه الشرك التي يقع فيها من يدعو ويستغيث غير الله لجلب نفع أو دفع ضر: شرك في الأسماء والصفات، حيث إنهم أنزلوا الخالق منزلة المخلوق، وفيه تشبيه فالملك أو الرئيس، أو مدير العمل، كيف تدخل عليه، لا بد من سكرتير أو أمير الديوان يشفع لك عند المدير، فهم نزلوا الخالق منزلة المخلوق فقالوا: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر:3]، كأن الله ملك لا يمكن لأحد أن يدخل عليه حتى يستأذن من السكرتير أو حتى يأتي بالشفيع ليشفع له، فسبحان الله ما أكرمه! وما أحلمه! وما أعظمه! ما عليك إلا أن تتوضأ ثم تخلو بربك وتكبر للصلاة فإذا بك قد دخلت عليه، بل هو قِبَل وجهك، فكلما سجدت وبكيت لله جل وعلا كنت أقرب ما تكون له، بل إنك حين تدعو الله جل وعلا وتتضرع وتتذلل وتتمسكن له يستجيب لك، فهو لا يحتاج إلى بواب ولا يحتاج إلى شفاعة.

    فوجه الشرك في الأسماء والصفات، التشبيه حيث أنزلوا الخالق منزلة المخلوق.

    النوع الثاني من التوسل الممنوع: هو مثل الأول لكنه أخف، وهو ذريعة إلى الشرك الأكبر، فهو من الشرك الأصغر وصورته أن يذهب إلى الميت لكن لا يطلب منه جلب نفع ولا دفع ضر، لكنه يخاطبه، يقول: يا بدوي ! أنت عند الله جل وعلا، وقد رأيت الكرامات، ولك مكانة فاشفع لي عند ربك أن يغفر لي أو قال: اسأل الله جل وعلا أن يرزقني، إذاً: هو ما طلب من البدوي أن يرزقه أو يغيثه، ولكنه خاطب الميت، على اعتقاد أن الميت يسمع، وهذا مما اختلف فيه العلماء، فعلماء الحجاز قاطبة يجعلونه من الشرك الأكبر، والصحيح الراجح عند تدقيق النظر أن هذا ليس من الشرك الأكبر، بل هو من الشرك الأصغر؛ لأنه إنما خاطب ميتاً يعتقد أنه يسمع، وسماع الميت فيه خلاف بين العلماء، ولا طلب منه جلب نفع، ولا دفع ضر، ما سأله إلا أن يستغفر الله له، مثله مثل الذي يتذكر آيات الله جل وعلا بأن الذين يحملون العرش ومن حوله يستغفرون للذين آمنوا، فيقول: يا ملائكة ربي! استغفري لي، فهو أمركم أن تستغفروا لي، فهذا ليس بمشرك، مع أنه خاطب غائب؛ لأنه لم يطلب منه دفع ضر ولا جلب منفعة، فهذا ليس بشرك.

    إذاً: النوع الثاني من التوسل الممنوع ليس بشرك أكبر، لكنه من الشرك الأصغر.

    النوع الثالث من أنواع التوسل الممنوع فيه اختلاف فقهي، وليس اختلافاً في العقيدة ألا وهو: التوسل بذات النبي أو بجاه النبي، وقد كثر على الألسنة قول: بحق جاه النبي افعل لي كذا، وقد ذكرت هذا لأكون منصفاً، فهذا فيه خلاف بين أهل السنة والجماعة، منهم من أباحه ومنهم من منعه، والمنع أقرب للصواب؛ لأن الحجة مع من منع كما سنبين.

    أما الذين قالوا بصحة التوسل بجاه النبي أو بذات النبي فقد وردت رواية عن أحمد بن حنبل ، إمام أهل السنة والجماعة وهذه الرواية مستغربة جداً، ورجحها العز بن عبد السلام ، والإمام الشوكاني ، بل إن الشوكاني توسع في المسألة حتى قال بجواز التوسل بذوات الصالحين، وأدلتهم جواز التوسل بجاه النبي وذات النبي من الأثر ومن النظر، أما من الأثر: فعن عمر بن الخطاب أنه قال: كنا نتوسل إليك بنبيك ونحن نتوسل إليك بعم نبيك، أي بذات عم النبي أو بجاه عم النبي صلى الله عليه وسلم.

    واستدلوا أيضاً بحديث آخر رواه الحاكم في المستدرك وصححه وهو صحيح عن عثمان بن حنيف أنه قال: (جاء رجل أعمى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! ادع الله لي أن يرد علي بصري، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: إن شئت دعوت لك، وإن شئت صبرت ولك الجنة -كما قال للمرأة التي كانت تصرع- قال: ادع الله لي، فقال: اذهب فتوضأ ثم صلِّ ركعتين، ثم قل: اللهم! إني أتوجه إليك بنبيك أو أتوسل إليك بنبيك محمد صلى الله عليه وسلم، يا محمد! يا نبي الرحمة! إني أتوجه بك إلى ربي، ثم قال: اللهم! شفعه في وشفعني فيه).

    وتفسير شفعه في أي: اقبل شفاعته فيَّ، فالرجل لا يشفع للنبي صلى الله عليه وسلم عند الله، ولكنه يقول: يا رب! اقبل دعائي أن تقبله شفيعاً لي عندك، كما سنبين.

    وأما من النظر أن النبي صلى الله عليه وسلم أكرم خلق الله على الله، فلنا أن نتوسل بجاهه ونتوسل بذاته عند الله جل وعلا. فهذه هي أدلة الذين قالوا بجواز التوسل بجاه النبي صلى الله عليه وسلم.

    أما جماهير أهل العلم وترجيح شيخ الإسلام رحمة الله عليه الذي نشر العلم والذي حارب من أجل ارتفاع كلمة أهل السنة والجماعة، ودحض أهل البدعة، فقد رجح أن هذا التوسل ممنوع، وإن كان هناك قول آخر له بأنه مشروع لكنه رجع عنه، واستدل بنفس حديث العباس ؛ لأن عمر بن الخطاب قال: إنا كنا نتوسل بنبيك، ثم قال: ونحن اليوم نتوسل بعم نبيك. فهل توسل بعم النبي لجاهه أم بدعائه؟

    في نفس الحديث قال له عمر بن الخطاب : قم يا عباس ! فقام العباس وقال: اللهم! إنهم توسلوا بي -أو بمكانتي- عند نبيك، اللهم! ما نزل بلاء إلا بذنب، وما رفع إلا بتوبة، ورفع يديه حتى استسقى لهم، فسقاهم الله جل وعلا بدعاء العباس .

    وأيضاً استدل جماهير العلماء: بأن الصحابة رضوان الله عليهم عمر وأبو بكر ومعاوية ومن بعدهم لم يتوسلوا لا بذات النبي ولا بذات غير النبي صلى الله عليه وسلم، فـعمر رضي الله عنه ما كان له أن يترك الأفضل ويذهب إلى المفضول، وما كان له مع القحط وعام الرمادة أن يتوسل بالضعيف ويترك القوي، فالقوي هو ذات النبي صلى الله عليه وسلم؛ فلم يتوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم ولم يذهب إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم ولم يقف على المنبر ويقول: أتوسل إليك بجاه نبيك، أو بذات نبيك.

    وأيضاً معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه وأرضاه، لما أصيب الناس في عصره بالقحط، قام على المنبر وقال: اللهم إنا نتوسل إليك بأفضلنا وخيرنا، قم يا يزيد ! وهو يزيد بن الأسود، فقد كان بكاءً زاهداً في الدنيا عابداً متحمساً، وفي رواية قال: قم يا بكاء! فاستسق لنا، فقام يزيد فرفع يديه فاستسقى فما نشب أن وضع يده حتى أنزل الله المطر كرامة لـيزيد العابد.

    فـمعاوية ما كان ليترك التوسل بذات النبي أو جاهه ويذهب إلى يزيد التابعي ليتوسل بدعائه، إلا لأنه وقر في قلبه أنه لا يجوز التوسل بذات النبي، وهذا هو الراجح الصحيح.

    فالصحيح أنه لا يجوز لأحد أن يتوسل بجاه النبي صلى الله عليه وسلم ولو كان التوسل بذات النبي وجاهه خيراً لسبقونا إليه وهم أفضل وأفقه.

    فإذا كان هذا هو الراجح فلا بد لنا من الإجابة عن أدلة من قال بجواز هذا التوسل.

    الإجابة الأولى: أن حديث العباس: ليس لكم فيه دليل؛ إذ إن عمر توسل بدعاء العباس ولم يتوسل بذات العباس ، فقد قال: قم يا عباس ! فادع الله، فقام العباس فدعا الله جل وعلا، ولما قال: كنا نتوسل بنبيك، ليس المقصود بذات النبي، وإنما المقصود بدعائه، ففي الحديث الصحيح أنه دخل أعرابي والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب، فقال له: هلكت الأموال، وجاع العيال، فاستسق لنا، فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه -وفي رواية: ورفع القوم أيديهم- فدعا الله جل وعلا فما نشب أن أنزل يديه صلى الله عليه وسلم حتى تهاطل المطر على لحيته.

    فهم توسلوا بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يستسقي لهم بالصلاة، والدعاء، أو بالدعاء بدون الصلاة، فقوله: كنا نتوسل بنبيك معناه أي: بدعاء نبيك.

    وأما قول عمر : ونحن اليوم نتوسل بعم نبيك، فقد فسرها بقوله: قم يا عباس ! فادع، فهو يتوسل بدعاء العباس ، فهذا هو الرد على الحديث الأول.

    أما الحديث الثاني حديث عثمان بن حنيف رضي الله عنه وأرضاه فقد وجدوا فيه زيادة عظمت موقفهم، والزيادة هي: أنه جاء رجل أعمى في عصر عثمان بن عفان أو به ضر، فقال له عثمان : اذهب فتوضأ وصل ركعتين ثم ادع بهذا الدعاء: (اللهم إني أتوجه إليك بنبيك أو أتوسل إليك بنبيك نبي الرحمة)، وهذا بعد زمن النبي صلى الله عليه وسلم، فالمسألة ليست توسل بالدعاء، بل هي توسل بالذات.

    فنقول في الإجابة عنها أولاً هذه الزيادة ضعيفة، فسندها هالك، وقد ضعفها كثير من أهل العلم إن لم يكن الاتفاق على ضعفها، وإن صحت هذه الزيادة فهو اجتهاد من هذا الصحابي المخالف لاجتهاد عمر بن الخطاب الذي كان ملهماً، ونحن عندنا قاعدة هي: أن الخلاف لو كان بين الصحابة، فالكفة الراجحة هي التي يكون فيها أبو بكر أو عمر لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر)، هذا أول رد عليهم.

    الرد الثاني: أن حديث عثمان بن حنيف قال له النبي صلى الله عليه وسلم: (اذهب فتوضأ وصل)، يعني قدم بين يدي حاجتك طاعة، كما قال للآخر: (أعني على نفسك بكثرة السجود).

    فكأن النبي يقول له: أنا سأدعو الله لك، وأشفع لك، لكن عليك أن تكثر من الطاعات، وأن تتوسل بالأعمال الصالحات، ثم تتوسل بدعائي فتكون قد أخذت نوعاً آخر من أنواع التوسل المشروع وهو التوسل بدعاء الصالحين، وهو أصلح الصالحين: النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: (اللهم شفعه) هنا الشاهد، قال: (شفعه في) أي: اقبل شفاعته في، واقبل دعاءه لي، وقال: (وشفعني فيه)، معنى شفعني فيه أي اقبل دعائي أن أقول: اللهم! اقبل محمداً شافعاً لي، أو اقبل دعاء محمد أن يرد علي بصري، فهذا محل الشاهد، وهذا هو الرد على الدليل الثاني، فنقول: نعم رسول الله صلى الله عليه وسلم هو أكرم الخلق على الله، وهو سيد الأولين والآخرين، بل هو إمام النبيين، بل إنه هو الوحيد الذي خاطبه الله جل وعلا معظماً له باللقب فقال: يا رسول الله! يا نبي الله! ولم يقل له: يا محمد! تعظيماً لشأنه وكرامة له، بل إنه ما ذكر الله إلا وذكر معه محمد صلى الله عليه وسلم.

    لكن هذه المكانة وهذه العزة وهذه العظمة خاصة برسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاه النبي ينفع النبي ولا ينفع أحداً غيره، فكأنك حين تتوسل بجاه النبي تتوسل بشيء أجنبي عنك؛ لأن جاه النبي وعظمة النبي ومكانة النبي خاصة به صلى الله عليه وسلم.

    والإجابة الثانية: أنه لو كان خيراً لسبقونا إليه، فأفقه الأمة بعد نبيها أبو بكر ، ولم يفقه هذا الذي فقهتموه، ولم يقل بأن مكانة رسول الله وعظمته وجاهه يمكن أن يتوسل به، فما ورد عن أبي بكر أنه قال: بحق جاه نبيك افعل لي شيئاً، أو قال عمر : بحق جاه نبيك، أو عثمان أو علي .

    والصحيح في ذلك أن نقف حيث أوقفنا الله جل وعلا، وحيث أوقفنا الشرع الحنيف، وأن نقف حيث وقف الصحابة، فهم توسلوا بأسماء الله الحسنى وصفاته وتوسلوا بالأعمال الصالحات فنتوسل به وتوسلوا بدعاء الصالحين، فنتوسل بما توسلوا، ولم يتوسلوا بجاه النبي فلا نتوسل به ونقول: إن هذه بدعة صاحبها غير مأجور والله تعالى أعلى وأعلم، وهذا آخر ما يقال في الرد عليهم.

    1.   

    فضل طلب العلم ومكانة طالبه

    إن شمس البدعة بزغت، ولن يتصدى لها إلا طالب علم يحقق المسائل ويدقق النظر في الأدلة، قال بعض السلف رحمهم الله: ما انتشرت بدعة إلا وأخمدت سنة، ولما انتشرت البدع أميتت السنن، وانقلب الحال، فأصبحت السنة بدعة والبدعة سنة، فوجب على طالب العلم أن يصبر على طلب العلم، قال الإمام أحمد : ما رأيت أفضل من طلب العلم لمن أخلص نيته، وقال الشافعي : طلب العلم أفضل من قيام الليل ومن الصيام ومن الصدقة.

    بل إن طلب العلم أفضل من الجهاد، والعالم أفضل من المجاهد، وهذا في جهاد النافلة لا جهاد فرض العين، فطلب العلم أفضل من سبعين باباً من أبواب الجهاد، وضربنا مثلاً بما فعله الشافعي مع أحمد ، لما ذهب إليه وأكل عنده كثيراً، وجلس طيلة الليل على الفراش فحسبته ابنة أحمد أنه نام، ثم قام فصلى الفجر بوضوء العشاء، فقالت ابنة أحمد: يا والدي! لقد أخذت على الشافعي ثلاثاً، قال: هاتها: قالت: أكل كثيراً، ونام كثيراً، وصلى الفجر بغير وضوء، فاستشكل أحمد فسأله عن ذلك فقال له الشافعي : أما طعامك فطعام الصالحين، فعلمت أنه مليء بالبركة، فأكثرت الأكل منه، وفي هذا فقه وفطنة من الشافعي، ثم قال الشافعي: وأما إني لم أصل من الليل فقد جلست أفكر في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (يا أبا عمير ! ما فعل النغير؟)، فاستخرجت منه أكثر من عشرين مسألة، ولو جلست المجامع الفقهية في الكويت، والمجامع الفقهية في مصر والمجامع الفقهية في السعودية ليلة كاملة، ثم خرجوا بخمس مسائل فجزاهم الله خيراً، فالحديث خمس كلمات أو ست كلمات يستخرج منها الشافعي مسائل، ولذلك كان الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين رحمة لله عليه يتأمل في الأدلة، وبلغني عمن لازمه من طلبة العلم قال: كان أفضل ما يدهشنا من الشيخ أنه كان ينظر في الدليل ويتأمل فيه.

    والنبي صلى الله عليه وسلم قال: (رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه)، ولذلك تجد أحدهم يجلس بجانبنا من الفجر إلى الظهر، يسمع الصحيحين، وبعدها يسمع بقية الكتب الستة، وهذا جيد فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نضر الله امرأً سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها) لكن إذا سألته عن الفقه وجدته لا يفقه شيئاً.

    ولذلك أفضل العلماء من خلط بين الفقه والحديث، وكان وتداً في العقيدة، فطالب العلم الذي يخلو عقله من العقيدة أو من الفقه أو من الحديث طالب ضعيف؛ لأنه سيضعف أمام المسائل، فلا بد من الاجتهاد والإخلاص، وأذكر أن شيخ الإسلام ابن تيمية قال: إذا جاءك الحديث فلك فيه طريقان: إثبات سنده، وفهم متنه، وفهم المتن رأس الأمر.

    قال الشافعي لـأحمد: وأما صلاة الفجر فإني صليتها بغير وضوء، فما نمت من العشاء إلى الفجر.

    عند ذلك قال أحمد وهو إمام أهل السنة والجماعة وهو الفقيه والمحدث بحق: هذه التي لا نقوى عليها، وهذه التي هي أنفع للأمة من صلاة الليل، يعني: أن أمة لا تنتفع إلا بمثلك؛ لأنك تخرج على الأصول الفروع فتنتفع بها الأمة.

    فنحن في زمان عز فيه الطلب، فتجد كثيراً من الناس ما عندهم صبر، وهذا هو الذي يضيع عليهم الخير؛ لأن الترف أضاعهم، وأبشرهم بما يحزنهم، حتى يجعلوه خلف ظهورهم، قال الإمام مالك : لن يصل إلى هذا العلم إلا من أدقعه الفقر، أي نام في العراء، ولم يجد طعاماً ولا شراباً فهو الذي يصل إلى هذا العلم، فنقول: إن أنعم الله عليك بالمال فاستخدمه في رضا الله وفي طلب العلم، وإذا جلست في مجالس العلم، فاصبر وصابر وستصل بإذن الله، فالأمة الآن تحتاج إلى علماء، كما أهيب بالإخوة أن يصبروا، ويصابروا.

    لا تحسب المجد تمراً أنت آكله لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا

    فاتقوا الله في أنفسكم، والله الله في العلم، واعلموا أن قيام الساعة لن يكون حتى يضيع العلم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لن تقوم الساعة حتى يرفع العلم، ويكثر الجهل، وإذا كثر الجهل اتخذ الناس رءوساً جهالاً، فسألوهم فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا).

    فاعلموا حفظكم الله أن النجاة في العلم، وكفى بطالب العلم شرفاً أن يكون وريثاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكفى به أنه ليس بينه وبين النبي إلا درجة النبوة، فلمثل هذا فليعمل العاملون، ولمثل هذه المكانة تشرئب الأعناق، فهذه المكانة فوق مكانة المجاهدين، وبين العالم المجد وبين غيره تفاوت في الدرجات، فكن عالماً أو كن متعلماً، ولا تكن الثالث.

    أنا لا أريد أن تكون محباً لأهل العلم فقط حتى لا تكون ذيلاً، وعلى الإنسان أن يربأ بنفسه أن يكون ذيلاً لأحد، واسأل نفسك: لم لا أكون رأساً، إن لم أكن مثل أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه، فلم لا أنحو نحوه، وأحذو حذوه، وأسير على دربه؟ لم لا أتخذ شيخ الإسلام ابن تيمية نبراساً أمامي، يكون هو الذي تشرئب عنقي إليه، حتى أصل إليه، وإن لم أصل إليه أسير على دربه؟

    فالناس بحاجة إلى العلماء، مثل حاجتهم إلى الماء والهواء أو أكثر، فانشغلوا بالعلم، فالعلم أفضل طاعة تطيعون الله بها، والعلم هو أفضل ما تقدمه بين يديك يوم القيامة، فإذا كنت من العلماء وقفت خلف الأنبياء.

    فالناس لهم صفوف ولهم درجات عند الله يوم القيامة، فإذا كنت عالماً كانت درجتك تحت النبي، فلماذا تريد أن تكون في الأسفل؟ إن الله يحب عالي الهمة، فأنا أهيب بإخوتي أن ينشغلوا بالعلم، وينقضوا عليه، ويجتهدوا، فلا تنم إلا قليلاً، ولا تأكل إلا قليلاً، واجعل غذاءك العلم، وكما قيل: الرزق رزقان، رزق القلوب، ورزق الأبدان، ورزق القلوب أفضل وأروع من رزق الأبدان؛ لأنه هو الذي به النجاة.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.