إسلام ويب

شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - كرامات الأولياءللشيخ : محمد حسن عبد الغفار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الولاية هي النصرة، وهي كرامة يعطيها الله سبحانه وتعالى لعباده الصالحين، الذين يؤمنون به ويتقونه، وقد يتلاعب الشيطان بمن يجتهد اجتهاداً عالياً في العبادة وهو جاهل بأسماء الله وصفاته وتوحيده، فيبعده عن الطريق الصحيح، فمن هؤلاء الجهلة من يصل به الحال إلى أن يدعي الألوهية، أو النبوة، أو يتعلم السحر أو غير ذلك. وولاية الله لعباده الصالحين متفاوتة، وقد يكرم الله بعضهم ببعض الكرامات، وأهل السنة يثبتون الكرامات كما دل على ذلك الكتاب والسنة.

    1.   

    صفات الأولياء

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهديه الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    إن ولي الله له صفات لا بد أن تتوافر فيه حتى يصير ولياً لله جل وعلا، فيجني من هذه الصفات ثمرة الولاية.

    والولاية معناها: النصرة، ومعناها: المحبة، والولي لا بد أن تتوفر فيه صفتان حتى يوصف بأنه ولي من أولياء الله.

    الصفة الأولى: تحقيق الإيمان ظاهراً وباطناً. والصفة الثانية: التقوى والورع.

    الصفة الأولى التي لا بد أن تتوافر في ولي من أولياء الله: الإيمان الظاهر والباطن، وتحقيق الإيمان ظاهراً أي: تحقيق الإيمان بالجوارح، وتحقيق الإيمان باللسان، عن طريق الذكر الواجب، ودخول الإسلام لا يكون إلا بالتوحيد؛ بكلمة لا إله إلا الله محمد رسول الله، وتحقيق الفرائض بالجوارح.

    وتحقيق الإيمان باطناً أي: تحقيق الإيمان داخل القلب من التصديق والقبول واليقين والتوكل والإنابة والخشية، هذا تحقيق الإيمان ظاهراً وباطناً.

    وأيضاً لا بد له من صفة أخرى زائدة على هذا الإيمان وهي: التقوى، التقوى التي تحجب عن معاصي الله جل وعلا وعن المحارم، كما قال الله تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس:63]، والتقوى هي: العمل بطاعة الله على نور من الله، يعني: على بصيرة وعلم، لا على جهل، وكثير من العباد تراهم على جهل بدين الله جل وعلا، وسيحاسبون على ذلك، كما سنبين أن الشيطان يتلاعب بمن يجتهد اجتهاداً عالياً في العبادة، وهو جاهل بأسماء الله الحسنى، جاهل بصفات الله، جاهل بالتوحيد الخالص الذي يقدمه بين يدي عبادته.

    وهكذا يتلاعب الشيطان بهؤلاء الجهلة، فلا بد أن يعمل بطاعة الله على نور من الله يعني: على بصيرة، قال تعالى: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي [يوسف:108] يعني: على علم، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)، فيعمل بطاعة الله على نور من الله، ويرجو ثواب الله، ويجتنب محارم الله على نور من الله، يعني: على علم وعلى بصيرة، ويخاف عقاب الله جل وعلا.

    إذاً: يخلط بين الخوف والرجاء: كما قال تعالى: يَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا [الأنبياء:90]، وقلنا: هذا التقسيم فيه رد على المتصوفة الذين يتنطعون، ويزعمون أن رابعة العدوية قالت: لا أعبدك طلباً لجنتك، ولا خوفاً من نارك. مع أن الذهبي انتصر لها وبين أن أسانيدها ليست بصحيحة.

    وهذا لا يهمنا في شيء، سواء صحت الأسانيد إليها، أو صح عنها أو صح عن غيرها من المتصوفة، فهذا الكلام خطأ محض، وهو مخالف لشريعة الله جل وعلا، بل أفضل الخلق على الإطلاق الأنبياء والرسل قال الله عنهم: يَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا [الأنبياء:90] أي: خوفاً ورجاءً، فلا بد للولي أن تتوافر فيه هذه الصفات: الإيمان الظاهر والباطن والتقوى التي فيها عمل بطاعة الله، واجتناب محارم الله جل وعلا.

    1.   

    الولاية مراتب تتفاوت

    مراتب الولاية لا تتوقف، بل تتفاوت كما بين السماء والأرض، لكن أدنى هذه المراتب من أدى الواجبات وانتهى عن المحرمات، فهذا أول الدرج الذي يصعد فيه الولي، ليصبح ولياً لله جل وعلا.

    وأكمل المراتب في الولاية: من أدى الفرائض، وانتهى عن المحرمات، وأتبع الفرائض بالنوافل والمستحبات، وأتبع الانتهاء عن المحرمات بالانتهاء عن المكروهات، والشبهات تدخل مع المحرمات، فمن انتهى عن المحرمات، وعن المشتبهات، وانتهى عن المكروهات، وأيضاً عن كثير من المباحات، فقد وصل في الورع والتقوى مبلغاً، فهذه أكمل مراتب الولاية لله، جعلنا الله وإياكم ممن ينزل هذه المنزلة ويرتقي هذا المرتقى في الطاعة.

    لا تحسبن المجد تمراً أنت آكله لن تبلغ المجد حتى تلعق الصَّبرا

    وقال بعض علمائنا: من طلب العلا سهر الليالي.

    فلا بد أن تجد وتجتهد؛ لأنه ليس بين الله وبين عباده حاجز، إن وجدك الله جل وعلا صادقاً في جدك واجتهادك، وفي عبادتك له جل وعلا ارتقيت إلى هذه المنزلة، وبينهما من المنازل ما تتفاوت به المراتب، وتشرأب أعناق الناس إلى هذه المنزلة، ويرتقي المرء إلى ربه بهذه المنزلة، من منزلة المحبة إلى منزلة المحبوبية، وقد بينا أن منزلة المحبوبية إذا ارتقى إليها المرء، لا ينزل منها مرة ثانية، وإن عصى وإن ألم بالسيئات، فإن الله يلهمه التوبة بعد التوبة؛ حتى يصعد مرتقى غير هذه المنزلة التي نزلها، مرتقى أعلى منها؛ لأن العبد بعدما ينكسر ويتذلل ويبكي على معاصيه، ويتوب إلى الله توبة نصوحاً، فإنه ينزل منزلة أعلى من المنزلة التي كان عليها، ويتقرب قربة أكثر من الله جل وعلا، نسأل الله أن نرتقي إلى هذه المراتب.

    إذاً: فهو ينتقل من المحبة إلى المحبوبية ليجني ثمرة الولاية.

    1.   

    البشريات التي يلقاها الولي في الدنيا والآخرة

    العبد الولي عبد موفق مسدد مثبت مبشر، له بشريات في الدنيا وفي الآخرة، أما بشرياته في الدنيا فقد جاءت بأسانيد صحيحة مذكورة عند تفسير قول الله تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى [يونس:63-64]، فورد في الآثار بالأسانيد الصحيحة أن البشرى هي الرؤيا الصالحة، يراها الولي أو ترى له، هذه أول بشريات الولي في الدنيا، أنه يرى رؤيا صالحة، أو ترى له، وهذه البشرى جزء من أجزاء النبوة، وهي التي بقيت من الوحي؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الرؤيا الصالحة جزء من ست وأربعين جزءاً من النبوة).

    وقيل: البشرى أن الله جل وعلا يبشره ببعث الملائكة عند قبض روحه لمكانته في الجنة كما قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ [فصلت:30]، فيبشرونهم بالجنة عند قبض الأرواح، والبشارة في الآخرة أن الله جل وعلا يفتح له المجال، ويعرفه ويهديه إلى مكانه في الجنة، فيكون أشد معرفة له من معرفته لبيته في الدنيا، فهذه من بشريات الولي في الدنيا ثم في الآخرة، قال تعالى: لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ [يونس:64]، وقال تعالى:وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة:62].

    أيضاً هو مسدد مثبت، قال الله تعالى: (إن أحببته)، يعني: الولي الذي ارتقى المرتقى الرفيع فوصل إلى درجة المحبوبية، قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم: (قال الله تعالى: ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإن أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت في شيء أنا فاعله في قبض روح المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته) .

    فهذا حديث عظيم يبين أن الولي مسدد مثبت من عند الله جل وعلا، لا يذكر إلا ما يرضي الله جل وعلا، ولا يسمع إلا ما يرضي الله جل وعلا، وإذا بطش لا يبطش إلا بقوة الله، قال تعالى: وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى [الأنفال:17].

    ومن البشريات أيضاً أن الله جل وعلا يظهر فضله في الدنيا، ويظهر مكانته أمام الصالحين، بكرامة تظهر على يديه، علمها أو لم يعلمها، وهذه من البشريات التي تثبت أن هذا الرجل له منزلة عند الله جل وعلا، وأنه ولي من أولياء الله الصالحين، وهي الكرامة.

    1.   

    معنى الكرامة لغة واصطلاحاً

    الكرامة لغة: مشتقة من الكرم، والكرم هو العطاء والجود، واسم الله الكريم، وهذا الاسم يتضمن صفة الكرم، فالكرامة عطاء من الله لعبد من عباده اصطفاه على باقي العباد.

    أما شرعاً واصطلاحاً فالكرامة هي أمر خارق للعادة، يتفضل الله به على عبد من عباده اصطفاه، غير مقرون بتحد؛ لأن المعجزة مقرونة بتحد؛ لأن الله جل وعلا يبعث النبي ويتحدى، قال تعالى: وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا [البقرة:23-24] التحدي: أن يأتوا بمثل هذه المعجزة، أما الكرامة فلا تحدي فيها، إذاً: هو أمر خارق للعادة غير مقرون بتحد.

    1.   

    اختلاف الناس في كرامات الأولياء

    الكرامة اختلف فيها على ثلاثة مذاهب، المذهب الأول: مذهب فيه غلو، والمذهب الثاني: مذهب فيه جفو، والمذهب الثالث: مذهب وسط وهو مذهب أهل السنة والجماعة.

    أما المذهب الأول: مذهب الأشاعرة، يرون أن الكرامة والمعجزة أمر واحد لا خلاف بينهما، الفارق الوحيد: هو أن الكرامة لا يتحدى بها الولي، والمعجزة يتحدى بها النبي، إذاً: الأشاعرة يثبتون الكرامة، ويقولون: هي كالمعجزة، وما يحدث للنبي يحدث للولي.

    معنى ذلك: أنه يمكن للولي أن يأخذ عصاً ويضرب بها البحر فينفلق؛ لأنه يساوي ما يحدث للنبي، أو يأخذ خشبة كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم فيهزها، فتنقلب سيفاً أمامهم، أو يلقي الخشبة أو العصا فتكون حية، هذا على كلام الأشاعرة، أن ما يحدث للنبي قد يحدث للولي، لكن الولي لا يتحدى والنبي يتحدى، وهذا غلو كما سنبين.

    المذهب الثاني: على النقيض مذهب فيه جفو، وهو مذهب المعتزلة، الذين يمررون كل شيء على العقل، هؤلاء لا يثبتون الكرامة، ويخالفون بذلك الكتاب والسنة والواقع المشاهد، قال: لا كرامة لولي بحال من الأحوال، واستدلوا على ذلك بشبهٍ عقلية، قالوا: لو قلنا بالكرامة ساوينا بين الولي والنبي، ولازم ذلك تلبيس الأمر على العامة، يلبس عليهم الأمر فيقولون: كل الأولياء هم أنبياء، ولا يفرقون بين نبي ولا ولي، ويكون الذي تميز به النبي قد تميز به الولي، فلا فرق بين نبي ولا ولي، هذه هي الشبهة العقلية.

    المذهب الثالث: المذهب الوسط في الكرامة، مذهب أهل السنة والجماعة، قالوا: الكرامة ثابتة بالكتاب والسنة، أما بالكتاب، فإن الله أثبتها لبعض عباده ، قال الله تعالى: كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [آل عمران:37] فأثبتها الله جل وعلا في أمة من إمائه، وأيضاً ثبتت في السنة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم بين أن الكرامة تأتي لعبد صالح قد أدى الفرائض وانتهى عن المحرمات وتمسك بالسنة، كما جاء عن أنس الصادق الذي صدق الله ما وعد، (جاء أنس عندما كسرت أخته الربيع سن جارية، فطلب القصاص، فقال أنس : سنُّ الربيع يا رسول الله! والله لا تكسر -هو لا يقسم على النبي صلى الله عليه وسلم رداً حاشا لله، لكنه صادق مع ربه- فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: يا أنس ! كتاب الله القصاص -يعني: لا بد أن تكسر- فرضي ولي الجارية بالعفو مقابل الدية، ونظر النبي صلى الله عليه وسلم متعجباً لـأنس، ثم قال: إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره)، وقال صلى الله عليه وسلم: (رب أشعث أغبر مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره).

    ومن الكرامات: أن يرفع يده، وما ينزل يده إلا ويستجاب له في الحال، كما حدث مع البراء بن مالك رضي الله عنه وأرضاه.

    والغرض المقصود أنها ثابتة: بالكتاب وبالسنة وبالواقع المشاهد، فكثير من الصحابة شاهدوا كرامة عمران بن الحصين ، كانت الملائكة تسلم عليه وهو يمشي في الشوارع.

    أيضاً أسيد بن حضير كان يمشي ومعه العصا في الظلمة فتنير له الطريق.

    كذلك الأسد كلم سفينة وأخذ به إلى جيش المسلمين؛ كرامة لـسفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال له: يا أبا الحارث، اعلم أني مولى رسول الله، فحرك ذنبه له، ثم قال: دلني على الجيش، فأخذه حتى أوصل، ثم حرك ذيله كأنه يسلم عليه؛ كرامة لهذا الصحابي، فهي ثابتة بالكتاب وبالسنة وبالواقع المشاهد.

    فمذهب أهل السنة والجماعة أنها ثابتة، لكنها أقل من المعجزة، فهي تتفق مع المعجزة وتفترق، تتفق بأنها أمر خارق للعادة، وتفترق بأنها أقل درجة من المعجزة، يعني: لا يمد الخشبة فتكون سيفاً، ولا تقلب له حية، ولا ينفلق له بحر، ولا يضرب الحجر فيتفجر ماءً، لا يحدث له ذلك، لكن يمكن أن يطير في الهواء، ويمكن أن يمشي على الماء، ويمكن أن يرفع يده وقبل أن ينزل يده يستجاب له الدعاء في التو واللحظة، يمكن له ذلك؛ لأن هذا من الكرامات، فهي ثابتة لكنها أقل درجة من المعجزة.

    والأدلة على ذلك أن الله جل وعلا إذا أرسل النبي صلى الله علبه وسلم إلى قوم فمنهم السفيه ومنهم الغبي ومنهم المتغابي، ومنهم الجهول، فلا بد أن يؤذى النبي صلى الله عليه وسلم، ويصد عن الرسالة التي أرسل بها مع الأهوال التي سيقابلها، فلا بد من قوة في الآيات التي تنزل عليه، فلذلك ترى النبي صلى الله عليه وسلم نزل بأقوى ما كانوا يتمتعون به، بمعجزة هم كانوا يتمتعون بها وهي البلاغة.

    وقد كان بعض الشعراء من البلاغة يقرأ الشعر من الصباح إلى المساء في الحج، وكان لا يستطيع أن ينطق حرف الراء نطقاً صحيحاً، فأتى بآلاف من أبيات الشعر، ولم يأتِ ببيت واحد فيه حرف الراء، حتى لا يبين العيب الذي فيه، من الفصاحة والبلاغة، فكانت المعجزة هذه كاسرة له، فلذلك أنزل الله هذه المعجزة؛ ليبين أن هذه من عنده، وليست من قبل النبي، بل هو أمي، لا يقرأ ولا يكتب.

    وأيضاً عيسى عليه السلام شاع الطب في عصره، فأنزل الله له هذه المعجزة، أنه لا يمسح على أحدٍ حتى يبرأ، ولذلك سمي المسيح؛ لأنه ما مسح مريضاً إلا ويبرأ على يديه.

    وأيضاً في عصر موسى كان السحر والتبديل أمام أعين الناظرين لقلب الأعين، فكانت تقلب حقيقة معجزة للنبي موسى.

    إذاً: يحتاج النبي إلى معجزة قاصمة للظهور، أما الولي فلا يحتاج للتحدي، بل الكرامة إظهار مكانته وورعه وزهده وتقواه، حتى يتأسى به بعض الحاضرين، فلا يحتاج مثلما يحتاج النبي، فكانت أقل درجة من النبوة.

    أما بالنسبة للأشاعرة فيرد عليهم بأنه لا تنقلب الأعيان للأولياء، وما حدث ذلك قط لأي ولي، ائتوني بولي واحد حدثت له كرامة تشبه معجزة النبي، أو تساوي معجزة للنبي، ما حدث ذلك قط.

    أما المعتزلة فالرد عليهم أنه لا خلط بين نبي وولي، إذ إن الولي إذا حدثت له الكرامة علم أو لم يعلم، وما قام الولي خطيباً فقال: قد حدثت لي كرامة كذا وكذا، وأدعوكم إلى الله فإني رسول إليكم، أترون الولي يفعل ذلك؟ لو فعل ذلك لكان متنبئاً أفاكاً، كذاباً، أثيماً، فالولي لا يفعل ذلك فلا يبقى عند الناس، أما النبي فيقوم وسط الناس ويقول: أنا نبي، قد أرسلني الله إليكم، وإن كان الولي يفعل ذلك فإن الله يكذبه في التو واللحظة، كما قام بعض الذين ادعوا النهضوية في هذه العصور، قام في أمريكا خطيباً في الناس وادعى النبوة، وادعى أنه بعث إلى الناس وأتى بآيات الله جل وعلا، وابتلاه الله في نفس اللحظة بإسهال حتى نزل على المنبر، وبنفس المرض بين الله كذبه وزوره في نفس الوقت واللحظة، فالولي لا يستطيع أن يتحدى بالكرامة التي كرمه الله بها.

    إذاً: يوجد مذهب يقول: الكرامة تساوي المعجزة وهو مذهب الأشاعرة، ومذهب يقول: لا كرامة وهم المعتزلة، ومذهب أهل السنة والجماعة يثبتون الكرامة للولي، ويقولون: هي ثابتة بالكتاب والسنة، وهي أقل من المعجزة.

    هذه جملة الكلام على معنى الكرامة ومنزلتها عند أهل السنة والجماعة.

    1.   

    خوارق العادات وأقسامها بالنسبة للمؤمنين وغيرهم

    المؤمنون أو غير المؤمنين ينقسمون بالنسبة لخوارق العادات أربعة أقسام:

    القسم الأول : قسم وحدوا الله حق التوحيد وأتموا الفرائض وانتهوا عن المحرمات، وقالوا بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وحدثت لهم خوارق العادات، وهؤلاء من أولياء الله الصالحين، الذين قال فيهم الله جل وعلا: لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس:62].

    القسم الثاني: قسم فسقة وفجرة، استخدموا الشياطين واستخدمتهم الشياطين، وتراهم يمشون على الماء وتراهم يذهبون للحج يوم عرفة ويرجعون ويقولون: حججنا، وهم في بلاد بعيدة، وتراهم يفعلون أموراً خارقة للعادة وهم ليسوا على الإسلام، كما قال الشافعي : إذا رأيت رجلاً يمشي على الماء أو يطير في الهواء، فنقيسه على الكتاب والسنة، فإن وافق الكتاب والسنة فهو من أولياء الله الصالحين، وإلا فهو من أولياء الشيطان الرجيم.

    القسم الثالث: قسم كفرة، جحدوا بآيات الله جل وعلا، وأيضاً هؤلاء الناس استخدموا الشياطين، ولكنهم استخدموهم في إفساد عقائد الناس، فهم دجلة، وسيدهم هو الدجال الأكبر: المسيح الدجال، الذي سيأتي أمام الناس يحيي الموتى، يأتيه الرجل فيقول له: تؤمن بي؟ يقول: أؤمن بك على شرط، يقول: ما شرطك؟ يقول: تحيي لي أبي وأمي، فيظن الرجل أنه يحيي أباه وأمه، ولكن ذلك عن طريق الجن حيث يتمثلون في أبيه وأمه، وهو لا يحيي أباه وأمه.

    فهؤلاء الناس استخدموا الشياطين كفراً وإلحاداً لإفساد عقائد الناس، ويتجرءون على الله، ويزعمون أنهم من الربوبية بمكان، ومن الإلهية بمكان؛ لأن الدجال يرتقي، يدعي النبوة بعدما يصنع خوارق العادات، والنبي صلى الله عليه وسلم بين لنا أن اسمه المسيح؛ لأنه يمسح مشارق الأرض ومغاربها في أوقات يسيرة، ويأتي على الأرض الخربة فيقول: أخرجي كنوزك، فتخرج الكنوز، وينظر إلى السماء فيقول: أمطري فتمطر، فيغوي الناس بذلك، ويمر على الفقراء فيغنيهم، ويمر على الأغنياء فيفقرهم، أي: آتاه الله من لوازم الربوبية ما آتاه فتنة للعباد؛ فيدعي النبوة، ثم يرتقي إلى الربوبية، ويطلب لنفسه الإلهية، ويقول: أنا ربكم الأعلى، كما قال فرعون.

    وهذا القسم الثالث هم من الكفر بمكان، وهم أكثر الناس.

    القسم الرابع: قسم عباد زهاد، ولكنهم لا يرتقون هذه المنزلة التي سبقت؛ لأن الشياطين هم الذين يستغلونهم، فهؤلاء عبدوا الله على جهل، وهؤلاء صنف من صنف المتصوفة، الذين يرون بالكشف والوجد والذوق، تجد الرجل يجلس ثم ينتفض ويقوم ويبتسم وكأنه يعانق أحداً، فلما تسأله يقول: قد حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما حضر شيطانه، لكن يحسب أن هذا رسول الله، ويحسب أن هذه كرامة له من الله جل وعلا أو أن الملائكة تحرسه أو تأكل معه، أو يرى دابة على صورة حمار تأخذه فتطير به في الهواء، ويقول: هذه كرامة من الله، وهو جاهل، ويعبد الله على جهل، ويخالف سنة النبي صلى الله عليه وسلم، والولاية لا تكون لجاهل أبداً، إذ الجاهل يعبد الله وهو على جهل، فيشرك بالله حيث أراد صاحبه، وكم من مريد للخير لم يبلغه!

    فهذا القسم الرابع نعوذ بالله منهم، ونسأل الله جل وعلا أن نكون من الصنف الأول.

    1.   

    صور من الكرامات في الأمم السابقة

    انتقل المصنف إلى صور من الكرامات في الأمم السابقة ثم في هذه الأمة، أما في الأمم السابقة فقد تأولوا هذه الكرامات التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: (كمل من الرجال الكثير، ولم يكمل من النساء إلا أربع، وذكر مريم عليها السلام) . كما وصف الله جل وعلا: كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا [آل عمران:37] ، كرامة من الله جل وعلا .

    فزكريا كان يدخل على مريم فيجد فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء، وهذه كرامة وإظهار لمنزلة مريم عند الله جل وعلا أمام الناس جميعاً.

    أيضاً من الكرامات التي حدثت في الأمم السابقة صاحب سليمان ووزيره الذي عَلِمَ اسم الله الأعظم، وهو ولي من أولياء الله الصالحين، صنع الله له كرامة أمام نبي، وهذه تدل على أن الولاية لها مكانة علية، وهي لا تساوي النبوة كما يقول المتصوفة، ولا تتعداها، لكنها قريبة منها، فهذا الوزير أظهر الله على يديه كرامة أمام نبي صادق مصدوق، وهو سليمان عليه السلام، لما أراد عرش بلقيس قال تعالى: أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ [النمل:40]، فكان هذا الوزير يحفظ اسم الله الأعظم، فدعا به قبل أن يرتد طرف سليمان، فوجد سليمان عليه السلام عرش بلقيس أمامه، فقال: (هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ [النمل:40] .

    وأيضاً في الأمم السابقة حدثت كرامة عظيمة جداً، أنطق الله طفلاً رضيعاً كرامة لعبد زاهد تقي نقي، تعبد لله جل وعلا وترك الدنيا خلفه زهداً، من أجل رضا الله سبحانه، هذا الرجل كما في الصحيحين كان عابداً، لكن الفقه ما كان له مرتقىً فيه، وبينما هو يصلي النافلة، إذ جاءت أمه تناديه، فقال: يا رب! أمي وصلاتي! من أقدم؟ فتحير كثيراً ثم قال: صلاتي، فاختار صلاته على أمه، ولكن الفقه يقول: لو دعته أمه وهو في صلاة الفرض لا يجوز أن يستجيب؛ لأنه عند تعارض الواجبات يقدم الأهم والأوجب، فالواجب أن لا يقدم أمه على صلاة الفرض، ولكن إن كانت الصلاة نافلة يقدم أمه على الصلاة، وكثير من الناس لا يعرفون ذلك.

    يعني: لو أن رجلاً في صلاة النافلة وأمه دعته يجب عليه أن يخرج من الصلاة ويستجيب لأمه، لكن جريج فضل صلاته، فدعت عليه، وقالت: لا أماتك الله حتى تنظر في وجه النساء اللاتي يفعلن الفاحشة، فما أماته الله حتى نظر في وجه النساء اللاتي يفعلن الفاحشة؛ لأنه لما لم يقطع الصلاة من أجل أمه فقد أساء؛ ولذلك استجاب الله دعاء أمه، وكانت محقة لما دعت عليه، فجلس بعض الشياطين يريدون أن يوقعوا بهذا العابد، فأوزعوا إلى امرأة تفعل الفاشحة من بني إسرائيل أن تختبر صدق هذا العابد، فذهبت إليه، فراودته عن نفسه، ولأنه صادق في عبادته لله جل وعلا أبى، فلما رجعت راودها رجل فلاح مزارع فوطأها، فحملت منه، فلما أنجبت ووضعت الطفل، قالوا: ممن هذا؟ قالت: هذا ابن جريج ، فهدموا صومعته.

    وهذا فيه دلالة على أن دهماء الناس والعامة لا تأخذ منهم خيراً كثيراً، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم عن عامة الناس من هذا الزمان: (إنكم يومئذٍ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل).

    فالطائفة المنصورة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم طائفة قليلة، والذين يخالفونهم ويعارضونهم أكثر، قال صلى الله عليه وسلم: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم).

    وهؤلاء العامة ذهبوا ليقتلوا جريجاً، وهدموا الصومعة، وأخذوه، فإذا به ينظر إلى النساء اللاتي يفعلن الفاحشة، فأخذ يعاود نفسه يراجعها كيف لم أبر بأمي؟ وكيف لم أقطع الصلاة من أجل أمي؟ وأصبت بالنظر إلى المرأة التي تفعل الفاحشة بدعاء أمي.

    وهذه لفتة مهمة جداً، وهو ضعيف الإيمان في قلوبنا، كل منا تشرأب عنقه حتى ينظر إلى امرأة جميلة، ويظفر بالنظر إليها، ولا يعرف أن هذا الطريق يودي به إلى المهالك؛ لأن الله جل وعلا قال: سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ [الأعراف:182].

    فإنه من الممكن لأي شخص منا أن يطلق بصره على امرأة جميلة تعجبه، وانظروا إلى جريج العابد ، فإن المعصية التي فعلها أدت به إلى أمر قد يودي بدينه، وهو نظره إلى اللاتي يفعلن الفاحشة، والنظر إلى اللاتي يفعلن الفاحشة مصيبة أيما مصيبة، ولكن الله سبحانه وتعالى يقول: إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا [الكهف:30]، فهذا الرجل كانت له عند الله مكانة؛ لتعبده وزهده وتقواه وورعه، فإن الله أنشأ له كرامة أيما كرامة، فقد ذهب إلى الطفل فوغزه وقال: من أبوك؟ فقال الطفل: أبي فلان المزارع، نطق أمام الناس، فعلموا أن هذه كرامة له، وبرأه الله على رءوس الأشهاد، فقالوا: نبني لك صومعة من ذهب؛ لأنك ولي من أولياء الله الصالحين، فأبى وطلب منهم أن يعيدوها كما كانت، فالكرامة لا تكون إلا لمن صدق الله، فارتقى إلى منزلة الولاية.

    كذلك لا ييئس الذي عصى الله، وارتكب الكبائر، وتجرأ على الله أن يكون ولياً من أولياء الله الصالحين، فهذا رجل قتل مائة نفس ونحن نعلم أن قتل نفس واحدة تكفي للخلود في نار جهنم، ولكن الله جل وعلا جعل هذا الرجل ولياً من أولياء الله الصالحين، فقد قتل هذا الرجل تسعة وتسعين نفساً كما في القصة المشهورة، ووجد الراهب الذي لا يعلم شيئاً عن دينه، فقتله فأكمل به المائة، وذلك حين سأله: هل لي من توبة؟ فقال له الراهب: لا توبة لك، فلقي عالماً فنصحه العالم أن يذهب إلى أرض كذا فيها الخير وأهل الخير، ونصحه بأن يتعاون معهم على البر والتوبة، فلما ذهب مات في الطريق، فاختصمت فيه ملائكة العذاب وملائكة الرحمة، قالت ملائكة العذاب: لم يتب، وهو أقرب إلى أرض العذاب، فقالت ملائكة الرحمة: ذهب إلى ربه تائباً، فلما اختصموا فصل الله النزاع، بأن أرسل ملكاً على صورة بشر، يفصل النزاع بينهم، قال: قيسوا بين الأرض: التي ذهب إليها ليتوب فيها، والأرض التي خرج منها وعصى الله فيها، كرامة من الله لهذا الولي الصادق الذي تاب توبة نصوحاً، فارتقى إلى الولاية، فقد أمر الله الأرض التي قصدها ليتوب أن تقترب، وأمر الأرض التي عصاه فيها أن تبتعد، ثم أخذته ملائكة الرحمة، كرامة من الله لهذا الولي.

    أما كرامات هذه الأمة فهي أعظم وأكبر؛ لأن الله جل وعلا فضل هذه الأمة على باقي الأمم، قال الله تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ [آل عمران:110] .

    فكرامات هذه الأمة وردت وثبتت في السنة في عهد رسول الله وبعد عهده صلى الله عليه وسلم في القرون الخيرية.

    سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك اللهم وأتوب إليك.