إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ محمد حسن عبد الغفار
  3. شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - فضائل عثمان بن عفان

شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - فضائل عثمان بن عفانللشيخ : محمد حسن عبد الغفار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • عثمان بن عفان رضي الله عنه هو الخليفة الراشد الثالث، وله فضائل كثيرة، ومناقب عديدة، وأعمال عظيمة، من أعظمها أنه جمع القرآن على حرف واحد، وأنقذ الله به الأمة من الاختلاف في وجوه القراءات، وقد قتل صابراً محتسباً مظلوماً شهيداً، فرضي الله عنه وأرضاه.

    1.   

    ترجمة عثمان بن عفان

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102] .

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1] .

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71]. أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    ثم أما بعد:

    نحن على موعد مع ثالث الخلفاء الراشدين، مع الذي استحيت منه الملائكة، إن فضائله جمة، فقد ثبته الله جل وعلا، وقتل صابراً محتسباً شهيداً مظلوماً، وارتقى عند ربه جل وعلا، وحظي بالمكانة السامية عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو ختن رسول الله الذي فضله النبي صلى الله عليه وسلم على كثير من أصحابه وزوجه بابنتيه، وورد في بعض الروايات التي يتسامح فيها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لو كانت عندي الثالثة لزوجتك إياها)، نحن مع عثمان بن عفان رضي الله عنه وأرضاه.

    اسمه ولقبه وكنيته

    عثمان بن عفان بن أبي العاص يلتقي مع النبي صلى الله عليه وسلم في الجد الرابع ابن عبد مناف. وكان أصغر من النبي صلى الله عليه وسلم بست سنوات.

    لقب بـذي النورين ، لقبه به كثير من الصحابة، بل إن علي بن أبي طالب لما سئل عنه قال: هذا الرجل يدعى عند أهل السماء بذي النورين، ختن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولقب بهذا اللقب؛ لأنه تزوج بـرقية ثم بـأم كلثوم رضي الله عنهم أجمعين، وقد تزوج بـرقية قبل النبوة والمبعث ثم في غزوة بدر مرضت مرضاً شديداً وامتنع من حضور بدر بسبب تمريض بنت النبي صلى الله عليه وسلم بأمر منه، وماتت في وقت غزوة بدر، وضرب الله له بسهم في غزوة بدر، فلما ماتت زوَّجَه النبي صلى الله عليه وسلم بـأم كلثوم رضي الله عنه وأرضاه.

    أما كنيته فكان يكنى بـأبي عمرو ، وقيل: كان يكنى بـأبي ليلى لرقته ودماثة خلقه ولين جانبه رضي الله عنه وأرضاه، فلما ولدت له رقية عبد الله كني به رضي الله عنه وأرضاه.

    فضائله جمة لا تحصر لكن سنتكلم بإيجاز عن فضائله، ثم عن الفتوحات التي كانت في عصره، وفي جوانب عظمة شخصيته، ثم فتنة مقتله، ونبين أن فتنة مقتل عثمان رضي الله عنه وأرضاه فتنة كبيرة جعلت هذه الأمة تحلب دماً بدلاً من اللبن بسبب مقتل عثمان رضي الله عنه وأرضاه.

    فضائله

    كان عثمان رضي الله عنه وأرضاه زاهداً ورعاً عابداً فقيهاً عالماً، روى عن النبي صلى الله عليه وسلم مائة وخمسين حديثاً، وكان رضي الله عنه وأرضاه -كما اتفق الصحابة- من أعلم الصحابة على الإطلاق بالمناسك، ويخلفه بعد ذلك عبد الله بن عمرو بن العاص ، وكان من فقهاء الصحابة فهو عالم فقيه محدث، وكان عابداً لله جل وعلا قانتاً له، لا يترك صيام النهار عملاً بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: (من صام يوماً في سبيل الله بعد الله وجهه عن النار سبعين خريفاً). فكان صواماً للنهار قواماً لليل، حتى أثر عنه أنه كان يختم القرآن في ليلة واحدة في ركعة واحدة. ولما حج بالناس قام في الحجر من العشاء إلى الفجر يختم القرآن، وقد أنزلت فيه الآيات كما جاء ذلك عن عبد الله بن عمر بن الخطاب في قول الله تعالى: أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ [الزمر:9] قال ابن عمر : هذه في عثمان بن عفان رضي الله عنه وأرضاه. فكان قواماً لليل صواماً للنهار، ويكفيه أنه الذي بين لنا كيفية وضوء النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين: (أنه أخذ تنوراً فيه الماء فغسل يديه ثلاثاً، ثم مضمض واستنشق ثلاثاً، ثم غسل يديه إلى المرفقين ثلاثاً، ثم مسح برأسه وغسل رجليه ثلاثاً ثم قال: توضأ رسول الله نحو وضوئي) يعني: هذا الوضوء بالضبط هو الذي توضأه النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا من فقهه ودقة نظره لأفعال رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: (توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو وضوئي هذا، ثم قال: من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه). والمعنى لا يفكر في أمور الدنيا ولو هجمت عليه أمور الدنيا سارع بردها، حتى يفرغ قلبه لله جل وعلا ولتدبر الآيات. قال: (غفر له ما تقدم من ذنبه) . فرضي الله عن عثمان الذي بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الفائدة العظيمة.

    وكان سخياً كريماً زاهداً رضي الله عنه وأرضاه. جواداً كريماً فالجود والكرم كانت من خلاله، وكان الحياء مع الجود والكرم صديقان له ملازمان لشخصيته، والحلم والأناة كانت من صفاته أيضاً، فـعثمان بن عفان كان من أجود الناس، أنفق كل ماله في سبيل الله، وكان له السبق في الإسلام والهجرة كما سنبين، وبعد الهجرة واجهت المسلمين مشكلة أيما مشكلة، وهي مشكلة الماء، فقد قدر الله بحكمته أن الماء يكون في يد خبيث لعين من أحفاد القردة والخنازير، وهي بئر رومة، فقد كان يمتلكها يهودي، وكان يرفع السعر على المسلمين فيشترون منه الماء بثمن غالٍ، فاشتد ذلك عليهم وشق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستشرفت نفسه إلى من يجود بما معه من المال ليشتري هذا البئر للمسلمين ويكفيهم مئونة الماء، فعلم عثمان بن عفان بحكمته رضي الله عنه وأرضاه ماذا يريد رسول الله، فذهب فساوم اليهودي على بئر رومة، فما أراد الرجل أن يبيعها له على الإطلاق، فقال: تأخذ أنت نصفها وأشتري أنا نصفها، فاشترى نصفها باثني عشر ألفاً، ثم أوقف النصف الذي اشتراه على المسلمين، فالبئر تكون يوماً لـعثمان ويوماً لليهودي، فكان اليوم الذي لـعثمان يأتي المسلمون فيأخذون من الماء ليومين، ويصبح اليوم الذي يمتلكه اليهودي فارغاً لا يأخذ منه ماء ولا ينتفع به، فلما علم اليهودي أن المسلمين أوقعوه في حفرة لا يخرج منها ذهب فساوم عثمان على النصف الآخر والشطر الآخر فاشتراه منه وأوقفها كاملة في سبيل الله جل وعلا، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (من يشتري بئر رومة وله الجنة؟). فحازها عثمان رضي الله عنه وأرضاه.

    ولما اشتد بالمسلمين البأس في تجهيز جيش العسرة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد استنصر الناس لينفقوا على الجيش الذي سيذهب لتأديب أتباع الروم، فجاء عثمان بألف بعير بأقتابها وما عليها، وبأموال طائلة وضعها في حجر النبي صلى الله عليه وسلم، وسر النبي صلى الله عليه وسلم، وظهر الفرح على وجه الرسول صلى الله عليه وسلم، فنظر إلى عثمان وقال: (ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم) . وهذا يقطع ألسنة كل من أخذ على عثمان رضي الله عنه وأرضاه أي مأخذة، فأي فعل يفعله يغمر في ميزان حسناته رضي الله عنه وأرضاه.

    وهو من السابقين إلى الإسلام فقد سبق إسلامه ستة أو سبعة فقط، وكان إسلامه على يد أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه، فقد كان عثمان ذا عقل راجح فذهب إليه أبو بكر ليدعوه إلى الإسلام فقال: ويحك يا عثمان! أتعبد صنماً لا يضر ولا ينفع وتترك رب الأكوان؟ فأخذه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، كلمة واحدة تؤثر في القلوب النقية، أما القلوب القاسية فهي بعيدة أبعد ما تكون عن الله جل وعلا، ولذلك دائماً أنا أقول: محل مقياس الناس ومقامات الناس عند رب الناس هو نقاء القلوب، ولذلك عثمان رضي الله عنه وأرضاه ما لبث أن سمع الكلمة حتى رق قلبه للإسلام، فدخل على رسول الله بقلب صاف نقي فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: (يا عثمان ! أجب داعي الله إلى جنته) . فبكى بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فالقلوب النقية البيضاء الصافية تدخل إلى دين الله جل وعلا، فكان رضي الله عنه وأرضاه ذا عقل راجح وقلب نقي.

    وكان مع هذا اللين والرقة شجاعاً، والشجاعة تظهر عند الحزم في الأمور، وعندما يكلف بمهمة يتقاعس عنها أشجع الناس فتظهر شجاعته، وهذه الشجاعة ظهرت جلية في السفارة عند صلح الحديبية، وذلك لما طلب النبي صلى الله عليه وسلم من عمر بن الخطاب أن يكون سفيراً إلى قريش يبين المسألة التي بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم اعتذر عمر ، ثم كلف النبي صلى الله عليه وسلم عثمان فذهب عثمان حتى أن بعض الصحابة اغتبط عثمان في ذلك وقال: هنيئاً له سيطوف بالبيت، ولننظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم كيف يظن في عثمان، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا والله! لا يطوفن البيت قبل أن نطوفه) ولما ذهب عثمان إلى مكة رأى البيت وهو متشوق إلى أن يطوف بالبيت فقال: لا أطوف بالبيت ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يطف به، ومنع نفسه الطواف. والمقصود أنه قبل أن يكون سفير النبي صلى الله عليه وسلم إلى قريش، وهذه من بطولاته وشجاعته.

    ومن شجاعته الحازمة أيضاً أنه جمع القرآن في مصحف واحد وهو مصحف عثمان الذي وحد الله به الأمة، وهذه من المآخذ التي أشعلوها فتنة عليه كما سنبين.

    والمقصود أن فضائل عثمان كثيرة جداً، فله المكانة السامية السابقة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكفى أن النبي صلى الله عليه وسلم بشره بالجنة وهو يمشي على رجليه بين أظهر الناس، وفي الحديث: (وقف النبي صلى الله عليه وسلم على جبل أحد فاهتز به، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اثبت أحد، ما عليك إلا نبي وصديق وشهيدان) . وكان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان بن عفان ، فأما عمر وعثمان فكانا شهيدين رضي الله عنهما. وأيضاً قيل في رواية أخرى: (وقف النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير، فاهتز فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما عليك إلا نبي وصديق وشهيد). وشهيد هنا نكرة في سياق النفي فتعم، فكأن المعنى: كل من عليك شهيد، فالنبي صلى الله عليه وسلم مات شهيداً، وأبو بكر مات شهيداً أيضاً، وعمر وعثمان وطلحة كل هؤلاء ماتوا شهداء كما في وقعة الجمل.

    والنبي صلى الله عليه وسلم بشره بالجنة لما كان أبو موسى بواباً له ففي الحديث: (دخل النبي صلى الله عليه وسلم في حائط، فقال أبو موسى : سأكون بواباً لرسول الله اليوم، فجاء أبو بكر يستأذن فقال أبو موسى : انتظر، فدخل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: من؟ قال: أبو بكر. قال: ائذن له وبشره بالجنة. فدخل أبو بكر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجده جالساً في الحائط تتدلى رجله في الماء، فجلس بجانب النبي صلى الله عليه وسلم على يمينه وأدلى برجله في الماء، ثم جاء عمر يستأذن. فقال أبو موسى : مهلاً، فدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: من؟ قال: عمر . قال: ائذن له وبشره بالجنة. فبشره بالجنة ودخل وجلس في الجانب الأيسر للنبي صلى الله عليه وسلم. ثم جاء عثمان رضي الله عنه وأرضاه فاستأذن فقال أبو موسى : مهلاً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: من؟ قال: عثمان . قال: ائذن له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه) . وهذه البلوى كما سنبين في مسند أحمد أن النبي صلى الله عليه وسلم بينها أيما بيان لـعثمان نفسه. (فدخل عثمان فتغير وجهه وقال: الله المستعان) . يعني: سيبشر بالجنة على بلوى تصيبه (فدخل عثمان ثم جلس مقابل رسول الله صلى الله عليه وسلم).

    ففي مسند أحمد أيضاً: (دخل عثمان ، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ائتني برجل من أصحابك. قال: أبو بكر . قال: لا. قال: عمر ؟ قال: لا. قال: عثمان ؟ قال: نعم. فدخل عثمان بن عفان رضي الله عنه وأرضاه فساره النبي صلى الله عليه وسلم بكلام). يعني: أخذه بكلام في أذنه فتغير وجه عثمان رضي الله عنه وأرضاه. وفي رواية قال له النبي صلى الله عليه وسلم: (سيلبسك الله قميصاً فلا تخلعنه لو أرادك المنافقون على أن تخلعه فلا تفعل) .

    وفي رواية أخرى: أن النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن قال له ذلك ساره بموقعة قتله، يعني: بالفتنة التي ستحدث في قتله، وعلمه كيف يتعامل مع الفتن، فظهر جلياً فعل عثمان رضي الله عنه وأرضاه. وهذه من نبوءات النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه أولاً: (بشره بالجنة على بلوى تصيبه) . ثم ساره بأن الله سيلبسه قميصاً يقصد به الخلافة فقال: (إذا أراد المنافقون أن يخلعوك منها فلا تفعل) . وهذه من علامات صدق نبوة النبي صلى الله عليه وسلم.

    وأيضاً: كانت له المكانة العالية والسامية عند أبي بكر وعند عمر رضي الله عنه وأرضاه، وكانا يعرفان له قدره، فقد كان وزيراً لـعمر كما كان عمر وزيراً لـأبي بكر رضي الله عنه وأرضاه، كما أن رقة أبي بكر اختلطت بشدة عمر ؛ فإن رقة عثمان اختلطت بشدة عمر، واستوت بذلك الخلافة لـعمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه.

    1.   

    مبايعته بالخلافة

    لما مات عمر بويع عثمان بالخلافة، واختلف كيف بويع عثمان هل بالتنصيص أم بويع له رضي الله عنه وأرضاه بالاختيار؟

    والصحيح الراجح أنها كانت بالاختيار؛ لأن عمر بن الخطاب قال: لئن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني أبو بكر ، وإن لم أستخلف فلم يستخلف من هو خير مني وهو النبي صلى الله عليه وسلم. ثم كتب الستة الذين مات عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو راض عنهم وهم: سعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف وعثمان وعلي ، وكأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه يلمح بـسعد بن أبي وقاص فقد قال: وإن ولي هذا فهو لها. يعني: هو الجدير بالخلافة، وقال: لم نعزله لخيانة أو عجز. فكان يرى أن أصلح الناس للخلافة هو سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وأرضاه؛ لأنه كان يرى في عثمان اللين، وكان يقول في علي: إن تولاها علي ففيه دعابة، ولكنه سيحملهم على الحق. وكان يرى في عبد الرحمن بن عوف أنه أمين وإيمانه يعدل نصف إيمان الأمة، لكنه لين، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لـأبي ذر : (إنك رجل ضعيف وإنها أمانة ويوم القيامة تكون حسرة وندامة). فأشار إلى ذلك وألمح، وقال لهؤلاء الستة النفر: عبد الله بن عمر رضي الله عنه وأرضاه شاهد لكم ويحكم بينكم، يعني يفصل بين الأقوال، ثم أعطى الزبير وطلحة صوتهما لـعلي بن أبي طالب وعثمان، وبقي عبد الرحمن بن عوف فقال: أيكم ينخلع عنها؟ فسكت علي وسكت عثمان ، حتى أنهما تقدما ليصليا على عمر فقال عبد الرحمن: ارجعا كلاكما يريد الخلافة، يصلي عليه صهيب حتى يفصل في النزاع، فسكت، فقال عبد الرحمن : أتولاها أنا، فمر على الصحابة فوجد أن الصحابة لا يفضلون على علي وعثمان أحداً، فانفرد بـعلي فقال: أخذت عليك ميثاق الله إن لم تأتِ إليك الخلافة من تولي؟ قال: عثمان . ثم ذهب إلى عثمان وقال: إن لم تكن الخلافة لك من تراه يكون؟ قال: علي . فذهب عبد الرحمن بن عوف فدار على بيوت الأنصار وذهب على أصحاب رسول الله، حتى ذهب إلى النساء في خدورهن فما عدلوا بـعثمان أحداً. وهذا يعتبر إجماعاً من صحابة رسول الله على أن أفضل الأمة بعد أبي بكر وبعد عمر هو عثمان ، وهذا هو الراجح الصحيح، وإن خالف بعض أهل السنة والجماعة ففضل علياً على عثمان ، لكن الراجح الصحيح أن عثمان بن عفان هو أفضل هذه الأمة بعد العمرين رضي الله عنهم أجمعين.

    وعبد الرحمن بن عوف ذهب إلى منبر رسول الله ونادى علياً، فجاءه علي فقال: ابسط يدك فبسط يده. قال: تبايعني على أن تحكم كتاب الله وتتبع العمرين يعني أبا بكر وعمر؟ قال: لا آلو إلا أن أكون تبعهم على قدر استطاعتي، لقول الله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16] فسحب يده ثم قال لـعثمان : قم. فقام عثمان فبايعه على نفس ما بايع علياً فقال: اللهم نعم. فبايعه، ثم كان أول من بايع عثمان علي بن أبي طالب، واستتم الأمر بفضل الله تعالى على عثمان، وأصبح أميراً للمؤمنين بعد الأيام الثلاثة التي جعلها عمر بن الخطاب ليختاروا لهم فيها أميراً عليهم.

    ولما تأمر عثمان في الست السنين الأولى اغتبط به الناس، وقدموه على عمر وفرحوا به أيما فرح، وكان لين الجانب رضي الله عنه وأرضاه، وكان عمر قد حبس الصحابة في المدينة وقال: لا يخرج منكم أحد، حتى في الفتوحات الكثيرة التي فتحت للمسلمين، فقد خشي عمر على أصحاب رسول الله أن تأخذهم الدنيا عملاً بحديث النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما الفقر أخشى عليكم ولكن أخشى عليكم أن تفتح عليكم الدنيا فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم). رضي الله عنه وأرضاه، لكن عثمان فتح لهم الأبواب وخرجوا في الأمصار، فبعد السنوات الست أشعلت الفتن، وهذا الذي سنختم به الكلام على عثمان .

    1.   

    جوانب العظمة في شخصية عثمان

    جوانب العظمة في شخصية عثمان كثيرة منها:

    أولاً: الاهتمام بالدين عن طريق عمارة المساجد، فقد اهتم بمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزاد فيه البناء بالحجارة والنقش، وزاد في بناء مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذ عليه ذلك وقيل له: كيف تفعل هذا ولم يفعله أبو بكر وعمر ؟ فاحتج عليهم بفقهه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من بنى مسجداً لله ابتغاء وجه الله بنى الله له بيتاً في الجنة). فكان أول من اهتم بمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وتوسعة المسجد.

    ثانياً: لما رجع حذيفة من معركة نهاوند مع الفرس بين له أن العراقيين يقرءون بلغة والمغاربة يقرءون بقراءة، والقرشيون يقرءون بقراءة، فخشي من تشرذم الأمة وأن تظهر العصبية الجاهلية، فأشار على عثمان أن يجمع المصاحف كلها على مصحف واحد، فاستعان عثمان بـزيد بن ثابت وغيره من الصحابة الذين كانوا يحفظون كتاب الله جل وعلا وقال: إذا اختلفت القراءات فاجمعوها على قراءة قريش، وحملهم كلهم على مصحف واحد وهو مصحف عثمان رضي الله عنه وأرضاه الذي بين أيدينا الآن، وهذه من فضائله رضي الله عنه وأرضاه.

    1.   

    الفتوحات في عصر عثمان

    الفتوحات في عصر عثمان لم تكن كثيرة لكنها كانت إتماماً لفتوحات عمر، وكان هناك القمع للتمرد الذي حدث بعد موت عمر، فلما مات عمر وتولى عثمان كان كبير السن، فقد كان يكبر النبي صلى الله عليه وسلم بسبع سنين فقط، وكان أكبر من عمر بن الخطاب ، فكان شيخاً كبيراً عندما بويع له، فلما تولى عثمان الخلافة قال الفرس والروم: لا بد من إعادة الأمجاد، وتمردوا على الأمة الإسلامية، وابتدءوا يتحركون في الفتنة.

    وأفضل ما حدث وما يكتبه التاريخ ويسطره بماء الذهب لـعثمان أنه أنشأ أسطولاً بحرياً للأمة الإسلامية، فـعمر بن الخطاب خشي هذه الخطوة لما ذكر له السفن ورجال البحر وما أمر به لكن عثمان في عصره أنشأ أسطولاً بحرياً يقاتلون به، والمعركة التي دارت في البحر هي أشهر المعارك في العالم وهي ذات الصواري فقد كانت بين المسلمين وبين الروم، حتى أن المسلمين تشاوروا معهم أن يجعلوا المعركة على ظهر الأرض فأبوا فذهب المسلمون فربطوا سفنهم بسفن الروم ثم تجالدوا بالسيوف حتى أثخنوا قسطنطين قائد الروم بالجراح وفر، ونصر الله المسلمين.

    وفي الجهة الغربية كانت أيضاً معارك مع الروم، وأقوى وأروع ما يقال في هذا أن قائداً للمسلمين اسمه حبيب بن مسلم الزهري فقد كان مغواراً مقداماً شجاعاً، وكان في عشرة آلاف يعقد الألوية، فجاءه الروم بثمانين ألفاً، ثم طلب المدد فوصل إلى ثمانية عشر ألفاً، فلما عقد الألوية جاءته زوجته، فقالت: يا حبيب ! أين ألقاك إذا حمي الوطيس وهاجت الرياح؟ -فانظروا الثابت- قال لها: اللقاء بيني وبينك في خيمة قائد الروم أو في الجنة، وانظروا إلى الثبات والقوة، يعني: إنه سوف يشق الصفوف قتلاً فيهم حتى يذهب إلى قائد الروم فيقتله لله جل وعلا، وفي المعركة ثمانية عشر ألفاً مقابل ثمانين ألفاً يتصارعون بالسيوف، وكتب الله النصر للمسلمين، وقابلته زوجته في خيمة قائد الروم بفضل الله جل وعلا عليه. فتمت الفتوحات وتسنى الأمر لـعثمان .

    1.   

    الإرهاصات قبل حادثة مقتل عثمان

    بعد الست السنين الأولى حدثت الشائعات والفتن، وظهر المغرضون والمفتونون والمأثومون الذين أرادوا قتل عثمان، وحسدوا وحقدوا هذه الأمة الإسلامية، وأرادوا هدم عروش هذه الأمة التي دانت لها الدنيا بأسرها، فبدءوا يشعلون نيران الفتنة، فأتوا بشبه على عثمان حتى يرتقوا إلى خلع عثمان أو قتله وهذه الشبه هي: شبه في شخصية عثمان ، ثم شبه دينية، ثم شبه سياسية في التعامل والإدارة، ثم شبه في التعامل مع الأفراد والأسرى، وأنا ألخص ما قاله ابن تيمية فـعثمان غير معصوم، هذا الأصل، فإذا أخطأ أخطأ وهو غير معصوم لكن عثمان سبق الناس لفضله، وعثمان هو ذو النورين الذي تستحيي منه الملائكة، وعثمان رضي الله عنه وأرضاه ولو وقع في الخطأ لضاع هذا الخطأ في بحر حسنات عثمان رضي الله عنه وأرضاه.

    عبد الله بن سبأ اليهودي الخبيث اللعين دخل في الصف المسلم ليكون طابوراً خامساً من المنافقين ويشعل نار الفتنة، فـعبد الله بن سبأ هو الذي خرب عقائد المسلمين، فقد جاء لهم فقال: المسلمون عندهم في أبواب الفقه القياس الجلي أو قياس الأولى وقياس العلة، فقياس الأولى عنده يقول: إذا أقررتم أنتم برجوع عيسى عليه السلام ومحمد أفضل من عيسى فمن باب أولى أن يرجع محمد صلى الله عليه وسلم، يريد بذلك أن يخرب عليهم عقولهم، وأقرب الناس إلى هذه الفتن هم الشيعة الرافضة عليهم من الله ما يستحقون، فهم الذين أسقطوا الخلافة العباسية، وما من طامة كبرى نزلت على المسلمين إلا بسبب الشيعة، فأي خراب وأي دمار وأي هزيمة نكراء لا تأتي إلا من قبل الشيعة، حتى قام قائمهم يضرب حجر الكعبة ويأخذه ويقول: أين الحجارة من سجيل؟ أين الطير الأبابيل؟ متجاسراً على ربه جل وعلا. فالشيعة الباطنية أكفر ما يكونون، حتى المعتدلون منهم يقولون: ما عليك أن تأخذ اللقطة من سني أو من كافر، وإذا كانوا يعملون في الدوائر الحكومية فإذا خرج المسلمون نهبوا المكان، فهم يستحلون هذا المال غنيمة عندهم؛ لأن هؤلاء كفرة، فأهل السنة والجماعة أكفر أهل الأرض عند الشيعة، وهم الذين أشعلوا مع عبد الله بن سبأ الخبيث الفتنة، وألقوا بالشبهة الأولى الشخصية على عثمان فقالوا: إن عثمان ليس له فضل، فهو لم يشهد بدراً، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: افعلوا ما شئتم فقد غفرت لكم).

    الشبهة الثانية في شخصية عثمان رضي الله عنه وأرضاه: أنه فر يوم أحد، ولم يقف في المعركة.

    الثالثة: إنه لم يحضر بيعة الرضوان، والله جل وعلا أنزل تعديله لأهل بيعة الرضوان، ولأهل بدر فلم يحضر بدر، ولا بيعة الرضوان، وفر يوم أحد، وكفى بهذا. وقد كفانا مئونة الرد عبد الله بن عمر رضي الله عنه وأرضاه لما دخل عليه المصري عليه من الله ما يستحق يتنطع ويقول: يا ابن عمر ! أما رأيت أن عثمان فر يوم أحد؟ قال: اللهم نعم. قال: أما تقر أنه لم يحضر؟ قال: اللهم نعم. قال: أما رأيت أنه لم يحضر بيعة الرضوان؟ قال: اللهم نعم. فقال الخبيث: الله أكبر، فقام عبد الله بن عمر وقال: مهلاً! أما بدر فإن عثمان بن عفان قام يمرض بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وضرب له النبي صلى الله عليه وسلم سهماً في غزوة بدر فكان أفضل ممن حضر بدراً؛ لأنه قام بأمرين: قام بأمر رسول الله أن يمكث مع بنته، وقام بالأمر الثاني يمرض بنت رسول الله حتى دفنها، وضرب النبي صلى الله عليه وسلم له بسهم في غزوة بدر.

    أما قولك: قد فر في أحد، فقد أنزل الله عدالته ومغفرته له من السماء السابعة حيث قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ [آل عمران:155]، ووجه الشاهد قوله تعالى: وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ فهذا تنصيص بأن الله عفا عمن فر يوم أحد، وقد فر كثير من الأفاضل والأكارم كـسعد بن معاذ وغيره في هذه، وكان له تأويل إذ إنه أبيح لهم أن يفر المسلم من عشرة، وهم كانوا كثيراً، والله جل وعلا أنزل غفرانه لهم في كتابه فقال: وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ .

    أما الثالثة فهي لـعثمان وليست عليه، قال له: أما إن النبي صلى الله عليه وسلم قد اختاره سفيراً له، ثم جاء في بيعة الرضوان قال: وهذه يدي اليمنى واليمنى أفضل من اليسرى، هذه يد عثمان فطبق بها وبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم له، وكأن اليد اليمنى يد عثمان رضي الله عنه وأرضاه، قال ابن عمر: خذها وارحل. فكفانا مئونة الرد على هذه الشبهة المتهافتة، وكلها شبه متهاوية ضعيفة جداً.

    أما الشبه الثانية فهي شبه دينية، قالوا: قد أحدث في الدين ما لم يفعله أبو بكر وعمر. فأول ذلك الأذان فقد جعل أذانين، وفي عهد النبي صلى الله عليه وسلم أذان واحد في الجمعة، وكذا فعل أبو بكر وعمر، فهو جعل أذانين، والأذان من العبادات التي لا يجوز الزيادة والنقص فيها.

    والشبهة الثانية الدينية قالوا: أتم في منى، وقد قصر النبي صلى الله عليه وسلم في منى وأبو بكر وعمر، وعثمان صدراً من خلافاته، ثم أتم.

    قالوا: الثالثة أنه أحرق المصاحف كلها وجمعها على مصحف واحد.

    والجواب عن الشبهة: أنه قد كثر الناس في عهد عمر بن الخطاب ، وكثرت الفتوحات في عصر عمر ، وأيضاً لا يشكل علينا أن عمر لم يفعله إذ إن هذا اجتهاد، وعثمان كان يرى أن الناس ضيعوا شريعة النبي صلى الله عليه وسلم، فكان هذا من المصلحة، وقد تفرق الصحابة في الأمصار والعلم ينحصر في الصحابة، والناس ضيعوا قول الله تعالى: إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ [الجمعة:9]، ولذلك الخلاف مشهور بين الفقهاء هل البيع صحيح إذا وقع بعد الأذان الثاني أم غير صحيح؟ مع الاتفاق على أن البائع والمشتري آثمان إذا عرفا الحكم، فقال: نجعل مؤذناً في الزوراء يدعوهم ويبين لهم أن الوقت قد اقترب فكل بائع وكل تاجر يترك تجارته ويجهز نفسه حتى يذهب إلى الصلاة، وهو تعلم من إنكار عمر عليه؛ لأنه كان في السوق ذات مرة يبيع ويشتري فسمع الأذان فذهب فتوضأ ودخل إلى المسجد وعمر لا يسكت عن أمر يتخلف عنه فاضل كـعثمان بن عفان وهو في الخطبة، فقطع الخطبة ثم قال: ما بال أقوام يأتوننا بعد قيام الخطيب أو بعد الأذان؟ فقال عثمان: والله! يا أمير المؤمنين! ما زدت على أن توضأت وجئت. يعني: سمعت الأذان في السوق فما هو إلا أن توضأت وجئت. قال: والوضوء أيضاً! يعني الوضوء فقط وأنت تعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم يبين أن الغسل أفضل فتترك هذه الفضيلة أيضاً، وهذا الذي احتج به العلماء على أن غسل الجمعة سنة؛ لأنه لو كان فرضاً ما تركه عمر ، فـعمر أنكر عليه في الفضيلة فألا ينكر عليه في الواجب؟ فلما علم ذلك عثمان وتعلم الدرس جعل مؤذناً يذكر الناس بأن يتركوا الصفق والبيع والشراء في الأسواق ويأتون إلى صلاة الجمعة.

    والإجابة الثانية: أن هذه تقيد شرعاً أنها من المصالح المرسلة.

    والإجابة الثالثة: أنها سنة متبعة؛ لأن عثمان له سنة مستقلة، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ) . وهذه سنة متبعة وليست بدعة.

    أما الشبهة الثانية وهي مسألة الإتمام في منى فقد كفانا الرد علي بن أبي طالب لما سألوه عن ذلك فقال: كان عثمان قد تأهل بمكة يعني عنده أهل في مكة، وأيضاً عنده بيوت هناك، فقال: كان عثمان قد تأهل في مكة فأراد أن يتم لأنه تأهل، لأن عنده القصر يكون للسفر لا للنسك، فهو غير مسافر الآن، وهو من أهل مكة فعليه أن يتم، وهذا الذي اعتذر به ابن القيم وغيره لـعثمان ؛ لأنه لم يتم، حتى إن ابن مسعود وافقه في هذا. وإن قلنا: إنه خالف أبا بكر وخالف عمر فقد ترك الأولى أو ترك السنة لكنه غير مبتدع؛ لأن للمسافر أن يتم وأن يقصر، والقصر أولى، لكن إن أتم فلا إنكار عليه.

    أما الثالثة في جمع القرآن فنقول: هي فضيلة له، فهو لم يبتدع فقد جمع أبو بكر ، وجمع عمر ، وجمع هو القرآن على كتاب واحد.

    تبقى مسألة الشبهات التي أوردوها عليه في التعامل مع أفاضل الصحابة مع ابن مسعود ، ومع أبي ذر ، ومع عمار بن ياسر .

    أما أبو ذر رضي الله عنه وأرضاه فقد كان له منهج فيه تشديد يمكن أن يحتمله الصحابة لكن بعض الصحابة يمكن ألا يحتمل هذا، فكان أبو ذر -وهو من أزهد الناس وأصدقهم لهجة- مذهبه أن أي مال اكتنزه المرء زائداً عن النصاب لا يجوز أن يحتفظ به، بل لا بد أن يتصدق به، فمثلاً لو أن رجلاً عنده أربعة آلاف وزكى حين بلغ النصاب فلو بقي معه مال زائد عن حاجته في يومه ذلك وجب عليه إخراجه وإن لم يخرجه أثم بذلك! فشق ذلك على بعض الصحابة وبعض التابعين فراجعوا عثمان فراجع عثمان أبا ذر فلم يرجع أبو ذر وقال: هذا هو الصحيح فنفاه رضي الله عنه وأرضاه أو أمره أن يرحل إلى الربذة ومات بها، فاشتدوا عليه في ذلك.

    وأيضاً تعامله مع ابن مسعود فقد حدث بينهما كلام في مسألة جمع القرآن، فقد حمل عثمان زيد بن ثابت على ذلك وإن كان عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه من أفضل الصحابة، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم فيه: (من أراد أن يأخذ القرآن غضاً طرياً فعليه بـابن أم عبد) . فهو أفضل الناس فقهاً وعلماً بالقرآن، لكن لا ينكر عليه ذلك، فـزيد من أولى الناس أيضاً وهذه الأمور قد فعلها أبو بكر ولذلك قال عثمان : لا ينكر عليه هذا وقد فعلها قبلي أبو بكر وعمر رضي الله عنهم أجمعين.

    أما الشبهة التي أخذوها عليه في السياسة فهي أنه كان يعطي من ماله الوفير لأقربائه ويولي أقرباءه، أما ماله الذي يعطيه فالإجابة عن ذلك أنه كان ثرياً، وكان زاهداً في الدنيا يستعمل المال لرضا الله، فكان ينفق ماله في أقربائه عملاً بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (الأقربون أولى بالمعروف وأدناك ثم أدناك).

    أما التولية فكان يولي من يراه قائداً محسناً، له من سمات الشخصية ما تجعله يولى في هذا المكان، حتى إنه لما ولى الوليد بن عقبة كان ابن مسعود معه، فـالوليد بن عقبة شرب الخمر وصلى بهم الفجر أربعاً ثم استدار فقال: أزيدكم؟! فقال ابن مسعود : ما زلنا معك في الزيادة. فذهبوا إلى عثمان وقالوا له ذلك، وأثبتوا أنه شرب الخمر، فقام عثمان فقال لـعلي : اجلد ابن أخيك. فقام علي فقال للحسن : اجلده أنت. وقام الحسن فقال: يتولى مرها من ذاق حلوها. يعني: الذي تولى الخلافة وذاق حلوها يتولى مرها، فهو الذي يجلده فأمر فجلد الحد، وأيضاً أزاحه عن الولاية وعزله.

    ومن الشبه التي أوردت فيه أنه أتى بـالحكم بن العاص إلى المدينة، والنبي صلى الله عليه وسلم قد نفاه، فأخذ عليه هذا، والرد عليهم من وجهين:

    الوجه الأول: أن عثمان قد شفع له عند النبي صلى الله عليه وسلم فوافق النبي صلى الله عليه وسلم بشفاعة عثمان لكن أتت المنية رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ينفذ له الشفاعة، لكنه رضي بشفاعة عثمان ولم يردها. فأتى به عثمان ؛ لأنه شفع عند النبي صلى الله عليه وسلم له.

    الوجه الثاني: نقول: لم يشفع وأتى به عثمان فقد اجتهد فأخطأ فله أجر، ولا يقال: إن عثمان فعل ذلك جحوداً بشرع الله جل وعلا واستخفافاً بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما بقي لهم أي شيء يأخذونه على عثمان رضي الله عنه وأرضاه إلا الحقد والحسد على هذه الأمة وإلا النفاق، وهؤلاء المغرضون المنافقون المفتونون دائماً يأخذون أهل الصلاح الضعفاء ويقدمونهم بين يدي أغراضهم، فذهبوا والتفوا حولهم، وأثاروا الفتنة، وجاءوا من مصر والشام إلى المدينة فقام علي رضي الله عنه وأرضاه وسيطاً، فبين لهم أن كل المطالب التي طلبتموها سيبدأ عثمان ينظر فيها ويبعث خيار الصحابة ينفذون لكم ما طلبتم، فرجعوا ثم قالوا: لا والله! لا نرجع إلا بإحدى ثلاث. خيروه بين ثلاث: إما أن يعطينا مروان بن الحكم وكان ابن عمه، وإما أن ينخلع عن الخلافة، وإما القتل. فرجعوا مرة ثانية فأحاط أبناء صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن والحسين وعبد الله بن الزبير بـعثمان وكلهم يتقلدون السيوف، فقام عثمان الذي سارّه له النبي صلى الله عليه وسلم بكيفية التعامل في هذه الفتنة، وأن يكون صابراً محتسباً، وألا تراق الدماء بسببه فقال: عزمت عليكم ألا يراق دم بسببي، ثم أمر الحسن والحسين وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير أن يرحلوا من مكانه، فأحاط هؤلاء المفتونون ببيت عثمان رضي الله عنه وأرضاه فقام عثمان يتجادل معهم ويتناظر، بعد أن حاصروه ومنعوا عنه الماء وهو الذي حفر بئر رومة للمسلمين، فلم يراعوا قول الله: هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ [الرحمن:60]. فهو يحفر بئر رومة ويشتريها وقفاً للمسلمين وهم يمنعونه الماء، فحاصروه ثم قام في الناس فقال: أفيكم علي ؟ قالوا: اللهم نعم. قال: أفيكم الزبير ؟ قالوا: اللهم نعم. أفيكم طلحة وعدد الصحابة الذين يعرفون فضله. قال: أشهدكم بالله أما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من يشتري بئر رومة وله الجنة؟) . قالوا: اللهم نعم. قال: فقام عثمان فاشتراها وقفاً لله ولرسوله؟ فقالوا: اللهم نعم. قال: أفيكم كذا وكذا وكذا، أما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم) على الأموال التي أنفقها لجيش العسرة؟ قالوا: اللهم نعم. ثم بعد ذلك عدد فضائله وبشارة النبي صلى الله عليه وسلم له بالجنة حتى يناظر هؤلاء ويكون الحق معه، ولكن أبوا عليه -عليهم من الله ما يستحقون-.

    1.   

    مقتل عثمان

    قتل عثمان صابراً محتسباً، وكان قد نام ليلة طيبة هنيئة، فرأى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: يا عثمان ! تفطر عندنا اليوم. فعلم أنه مقتول رضي الله عنه وأرضاه، فقام صائماً وما أفطر، ثم أخذ كتاب الله بين يديه يتلوه، فتسور هؤلاء الأوغاد بيتاً بجانب بيت عثمان رضي الله عنه وأرضاه ثم دخلوا عليه، فلما دخلوا عليه رأوه يقرأ كتاب الله فدخل عليه محمد بن أبي بكر أولاً، وقال بعض الرواة: إنه دخل فأخذ بلحيته. فقال عثمان: لو كان أبوك حياً ما رضي بهذا المقعد مني، يعني ما رضي هو نفسه أن يقعد هذا المقعد مني، فارتجف قلب محمد بن أبي بكر وقام يحجز عنه ويدافع عنه وينافح وما استطاع إلى ذلك سبيلاً.

    وفي رواية: لما دخل على عثمان فرآه فقال: ارجع فلست بصاحبي. فرق قلبه لهذا الكلام وخرج من وقته، ثم دخل هؤلاء الأوغاد، والمصري الخبيث هو الذي قتله، ويقال: إن عبد الله بن سبأ هو الذي قتله، وممن قال هذا محب الدين الخطيب فلعله ينافح عن المصريين فهو قال: ما قتله إلا عبد الله بن سبأ الأسود الخبيث.

    وبعض الروايات قالت: المصري الخبيث هو الذي قتل عثمان ، فدخل عليه وهو يقرأ الكتاب ويمسك المصحف بيده فقطع يده، فسال الدم على المصحف فقال: كم كتبت هذه اليد كلام الله جل وعلا؛ لأنه كان كاتب وحي رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم تركوه ينزف حتى قتل رضي الله عنه وأرضاه.

    ودخلت زوجته فقطعوا يدها، ثم نظر هذا الخبيث إلى جسدها فقال: ما أجمل هذا الجسد! قالت: خسئت والله! ما جئت لله. يعني لو جئت لله ما قلت هذا، وتنظر إلى عورة أمير المؤمنين.

    ثم تركوه حتى مات رضي الله عنه وأرضاه صابراً محتسباً، ودفن بالبقيع، وذهب تصديقاً للرسول صلى الله عليه وسلم يفطر مع رسول الله.

    ونسأل الله جل وعلا أن نراه مع النبي صلى الله عليه وسلم في الفردوس الأعلى، ويحشرنا معه وجزاه عنا وعن المسلمين خير الجزاء.

    1.   

    الأسئلة

    بيان بطلان دعاوى ظلم عثمان لرعيته

    السؤال: هل هناك علامات تدل على أن عثمان قتل ظلماً؟

    الجواب: نعم، فهناك حديث مهم جداً في البخاري وهو حديث حذيفة لما جلس بجانب عمر فقال عمر بن الخطاب : (أيكم يحفظ حديث الفتن؟ قال: أنا يا أمير المؤمنين! قال: إنك لجريء، ثم قال له: هاته. فقال له: فتنة الرجل في أهله وماله يكفرها الصلاة ... إلخ، قال: لست عن هذا أسأل. قال: عم تسأل؟ قال: عن الفتن التي تموج كموج البحر. قال: مالك ولها يا أمير المؤمنين؟! بينك وبينها باب -انظروا إلى الفقه- قال: يا حذيفة ! يفتح الباب أم يكسر؟ قال: يكسر. قال: إذاً لا يغلق بعد اليوم). وحقاً ورب العزة! لم يغلق حتى الآن. فقالوا لـحذيفة: أكان يعلم عمر من الباب؟ قال: كان يعلمه كما كان يعلم أن غداً دون الليل. يعني يقيناً يعلمه، ولذلك ورد عن أنس وعن أبي هريرة وأم سليم وغيرهم لما جاءهم مقتل عثمان قالوا: قتل عثمان مظلوماً، فقرروا هذا، ثم بينوا للأمة القرينة والإشارة التي تبين أن قتله كان ظلماً فقالوا: والله! لو كان قتله حقاً لتحلبن الأمة بعده لبناً. يعني: أن هذا باطل أزاحوه للحق فتأتيهم الدنيا بالخير. وإن كان قتله ظلماً لتحلبن الأمة بعده دماً، ولم يرقأ دم الأمة حتى الآن، فحتى الآن تحلب الأمة دماً بسبب مقتل عثمان ظلماً رضي الله عنه وأرضاه. فما إن تولى علي بن أبي طالب إلا وعملت السيوف في المسلمين، ثم بعده في الخلافة الأموية، ثم في الخلافة العباسية.

    بيان حقيقة الأرض التي أعطاها عثمان لمروان بن الحكم

    السؤال: هل أخذ على عثمان أنه أعطى مروان أرضاً؟

    الجواب: نعم، هو أعطى هذه الأرض لابن عمه، فهو أخذ عليه أيضاً أنه أعطاها لـمروان ، وهو ما أعطاها لـمروان ، بل مروان أخذ سهمه، واشترى مروان باقي الغنائم وبقي عليه في ذمته مال، فلما جاءه وبشره بحصار المسلمين على الروم قال: هي هبة لك. فوهبه الباقي له من ماله الخاص، فقد كان ثرياً غنياً رضي الله عنه وأرضاه.

    وأيضاً هذه الأرض كانت مواتاً فله أن يحيي ما شاء، فليست بشبهة أيضاً، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أحيا مواتاً فهي له) وله أن يحيي أي أرض للمسلمين وإن كان مروان يعمل عليها؛ لأنه كان كاتباً له.

    بيان منهج أبي ذر في الأموال

    السؤال: ما هو منهج أبي ذر في الأموال الذي نفاه عثمان من أجله؟

    الجواب: أن أبا ذر كان يرى من منهجه أن أي مال زائد عن الحاجة فهذا كنز لا بد من التخلص منه، والتصدق به وجوباً، يعني أنت الآن تقر بأن لك ألف زيادة مثلاً، فـأبو ذر من منهجه أنه يأمرك وجوباً أن تخرجه، واستدل بإطلاق الآية: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ [التوبة:34]، وهذا مما اشتد وشق على المسلمين فراجعه عثمان فلم يرجع عن قوله فنفاه إلى الربذة.

    براءة محمد بن أبي بكر من دم عثمان

    السؤال: هل كان لـمحمد بن أبي بكر يد في مقتل عثمان ؟

    الجواب: الله جل وعلا طهر يده من دم عثمان فهو بريء من دم عثمان كما برئ الذئب من دم ابن يعقوب عليه السلام.

    الأدلة التي تبرئ محمد بن أبي بكر من دم عثمان

    السؤال: هل هناك أدلة تثبت أن محمد بن أبي بكر لم يشترك في قتل عثمان ؟

    الجواب: نعم، نحن عندنا مخارج كثيرة تثبت أن محمد بن أبي بكر لم يفعل ذلك ولم يشترك فيه، فـعائشة أولاً خرجت في خلافة علي ولم تبايع علياً بل خرجت تطالب بدم عثمان ولو كان محمد مشتركاً في دم عثمان لكانت طلبت بدم أخيها، ولما قتلوا أخاها بكت، بل قنتت شهراً على من قتل محمداً رضي الله عنه وأرضاه، وإن كان قتل محمد من أجل دم عثمان كان قتلاً حقاً فكيف تقنت هي شهراً على من قتله؟ فالراجح أنه لم يشترك رضي الله عنه وأرضاه، بل حفظه الله وحفظ يده من أن تتلوث بدم عثمان رضي الله عنه وأرضاه.