إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ محمد حسن عبد الغفار
  3. شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - الرد على أهل البدع في مسائل السحر

شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - الرد على أهل البدع في مسائل السحرللشيخ : محمد حسن عبد الغفار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ثبت بالأدلة الصحيحة الصريحة وقوع السحر للكثير من الناس، بل إن النبي صلى الله عليه وسلم سحر، وتعاطى الأسباب لإبطال أثر هذا السحر مشرعاً لأمته من بعده، ومبيناً الوسائل المطلوبة والأسباب الشرعية التي يلزم اتباعها من أجل التداوي من السحر وآثاره.

    1.   

    إثبات أن النبي صلى الله عليه وسلم سُحِر

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    ثم أما بعد:

    فما زلنا مع هذا الكتاب العظيم شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، وتوقفنا فيه عند الكلام على السحر، وفرقنا بين السحر وبين المعجزة وبين الكرامة، وأثبتنا أن السحر نوعان، وبينا هذين النوعين.

    ونتكلم اليوم عن مسألة مهمة قد أنكرها كثير من أهل البدع، وردوا الأحاديث الصحيحة فيها، وهي مسألة أن النبي صلى الله عليه وسلم، سُحِر، فهل معهم حجة في ذلك أم لا؟

    أقول: قد سُحر النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه دلالة على بشرية النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أثبت الله أن للسحر تأثيراً، وأن هذا التأثير لا يكون إلا بإذن الله جل وعلا، قال الله تعالى: وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ [البقرة:102]، فأفاد هذا النص الكريم أن السحر يضر، وأن السحر يؤثر، وقد بينا أن السحر يؤثر في الظاهر وفي الجوارح، فيمكن أن يؤثر على القلوب بالهم والغم ويؤثر على العقول، لكن مع ذلك فإنه لا يقلب الحقائق.

    وقد ثبت خبر سحر رسول الله صلى الله عليه وسلم في البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها وأرضاها قالت: (سحر النبي صلى الله عليه وسلم حتى كان يخيل إليه أنه يأتي أهله وما يأتي أهله.

    وفي رواية: أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (استفتيت ربي فأفتاني، وجاءه ملكان ملك عند رأسه وملك عند رجله فقال أحدهما: ما بال الرجل؟ قال الآخر: مطبوب، قال: من طبه؟ -يعني: من سحره؟- قال: لبيد بن الأعصم) ثم استخرج السحر من المكان الذي وضع فيه وشفي النبي صلى الله عليه وسلم.

    ولم ينتصر النبي صلى الله عليه وسلم لنفسه من لبيد لحكمة بيناها فيما مضى.

    والمقصود: أنه قد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم سحر، وثبت أنه كان يخيل إليه أنه يأتي أهله وما يأتيهم، وقد ثبت هذا بالنص الصريح، والشرع من الله جل وعلا والوحي قال تعالى: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم:3-4].

    1.   

    الحكمة من وقوع السحر في النبي عليه الصلاة والسلام

    والله عز وجل لا يصنع شيئاً إلا وله حكم بليغة في هذا الصنيع، والله حكيم عليم، ومن دقق النظر في خبر سحر النبي صلى الله عليه وسلم ظهرت له وحكم بليغة جداً منها:

    ما وقع من سحر النبي صلى الله عليه وسلم دليل على بشريته

    أولاً: الرد القاطع على أهل التصوف الغالين في رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث يثبت الله جل وعلا للناس أن النبي صلى الله عليه وسلم ما هو إلا بشر مثلكم، ومن جلدتكم، ومن بني آدم، يتأثر بما تتأثرون به، ويأكل ويشرب ويمشي في الأسواق، ويأتي أهله، ويمرض، بل إنه يسحر كما تسحرون، وهذا رد قاطع على المتصوفة الذين يقولون: إن النبي صلى الله عليه وسلم فوق طبقة البشر، وإنما خلق من نور ولم يخلق من ماء وطين!

    فمن رحمة الله للعالمين أنه أرسل إليهم رسولاً منهم يدعوهم إلى الله جل وعلا.

    فأول هذه الحكم تقطع الغلو في الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم -ليحسم مادة الشرك وليحافظ على التوحيد-: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله)، إذ إن الذين غلوا في عيسى ما قالوا: إنه خلق من ماء وطين، بل قالوا: هو مشتق من الأقانيم الثلاثة، التي هي نور من الله جل وعلا، ونسبوا عيسى لله جل وعلا.

    وأهل التصوف شابهوا فعلهم هذا فقالوا: محمد لم يخلق من ماء وطين بل خلق من نور، ثم ارتقوا بعد ذلك إلى أن وسموه بالربوبية والإلهية، كما قال البوصيري في البردة:

    وإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم

    فما ترك لله شيئاً، فالدنيا والآخرة من وجود النبي صلى الله عليه وسلم، وعلم اللوح والقلم من علم النبي صلى الله عليه وسلم، فأين الله؟!

    ولذلك تعقب ابن رجب صاحب البردة فقال: هذا الرجل جن في عقله، فما ترك لله جل وعلا شيئاً، وإنما جعل كل شيء للنبي صلى الله عليه وسلم.

    فمن الحكم البليغة فيه إظهار بشرية النبي صلى الله عليه وسلم، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يتأثر كما يتأثر البشر، ويمرض كما يمرض البشر، وفي الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: (دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وكان مريضاً يتألم ويتوجع، فقلت: يا رسول الله! إني أراك توعك وعكاً شديداً، فقال: نعم. إني أوعك مثلما يوعك الرجلان منكم، قلت: ذلك أن لك أجرين؟ قال: نعم).

    والشاهد في هذا الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم يوعك كما يوعك البشر، بل إنه صلى الله عليه وسلم كسرت رباعيته في أحد وكاد يقتل صلوات ربي وسلامه عليه لولا أن الله جل وعلا أنزل في كتابه أمراً مقضياً: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة:67].

    فالله جل وعلا مكّن ليهودي كافر حاقد حاسد من إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم لبشريته صلى الله عليه وسلم.

    ما وقع من سحر النبي صلى الله عليه وسلم فيه تشريع للبشر من بعده

    ثانياً: في خبر سحر النبي صلى الله عليه وسلم تشريع للبشر، فالنبي صلى الله عليه وسلم بعدما شفي من السحر قال: (استفتيت ربي فأفتاني فجاء الملكان..) أي: بعدما أخرج السحر الذي عمل لرسول الله صلى الله عليه وسلم من البئر شفاه الله، لكنه لم يقتل لبيداً مع أن حد الساحر أن يضرب بالسيف، ويقتل إما ردة وإما حداً على التفصيل السابق، فلم يفعل رسول الله ذلك تشريعاً للأمة، وليبين أن المسألة وإن كان فيها أمر وإن كان فيها شرع، فالمرء يمكن أن يمتنع عن تطبيقه لعلة ولحكمة أبلغ.

    فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يقتل لبيداً حتى لا تتألب عليه الأمم، وحتى لا يقول اليهود: إن محمداً يقتل الناس بغير حق ولا إثبات، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يقتل لبيداً لهذا المقصد العظيم. وقد ثبت أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عطل بعض الحدود لعلل وحكم مقاصد، ففي عام الرمادة كان الناس يقتتلون على الطعام ولا طعام لهم ويمكن أن يسرق بعضهم من بيت مال المسلمين نفسه؛ ومع هذا لم تقم الحدود؛ لأن هذه شبه تدرأ بها الحدود.

    ما وقع من سحر النبي صلى الله عليه وسلم فيه بلاء واختبار لصدق أهل الإيمان

    ثالثاً: في سحر النبي صلى الله عليه وسلم بلاء واختبار وتمحيص لإظهار أهل الدين، هل يصدقون ربهم أم لا؟ وقلوبهم هل استقر فيها الإيمان بحق أم لا؟ إذ إن الله جل وعلا يختبر القلوب، وقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة:119]، والله جل وعلا ليختبر صدق المرء ينزل عليه البلايا والفتن تترى: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا [النساء:122].

    إن مما يتلى على الناس ليل نهار، قول الله تعالى: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم:3-4]، فعندما يسحر النبي صلى الله عليه وسلم تفتتن القلوب كما حدث للأغرار الأغمار من المعتزلة وأهل البدعة والذين ينفخون في أبواق المعتزلة في هذه العصور، يفتتنون بذلك ويقول قائلهم: رسول معصوم كيف يسحر؟ فنجيبهم: هو عبد لله جل وعلا ويسحر، فيفتن الله جل وعلا الناس ليغربلهم.

    ولذلك قال الله تعالى: وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً [الأنبياء:35] فهو فتنة، لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ [الأنفال:37]، فيرتقي الطيب عنده وينزل الخبيث في صفوف المنافقين في الدرك الأسفل من النار.

    فالثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سحر، وهذه بعض الحكم التي أدركناها. وما خفي كان أعظم وأعظم وأعظم، إذ إن حكم الله لا يكون لها عد، ولكل شيء فعله الله حكمة بليغة، لكن يوصل الله لها من يشاء من عباده.

    1.   

    إنكار أهل الأهواء والبدع لحادثة سحر النبي صلى الله عليه وسلم والرد عليهم

    فهذا الحدث الثابت ثبوت الجبال الرواسي في البخاري ومسلم أصح الكتب بعد كتاب الله أنكره بعض المبتدعة، شرذمة من أهل الأهواء يأتون إلى شرع الله فيختبرونه بعقولهم العطبة، ويأتون إلى أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم فيمررونها على العقول، فإن قبلتها عقولهم أخذوا بها، وإلا نحوها جانباً، فهم يقدمون العقل على النقل، فالمعتزلة وأذيال المعتزلة في وقتنا الحاضر من أهل الإسلام المستنير يأتون في الفضائيات وغير الفضائيات ويقولون: كيف يسحر النبي صلى الله عليه وسلم وهو معصوم؟ وإثبات هذه الحادثة إنما هو قدح في نبوته وفي رسالته وفي تبليغه، وهذه العلة التي يتمسكون بها أوهى من بيت العنكبوت، قالوا: إذا أثبتنا هذا الحدث العظيم، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم سحر فإنه يكون غير معصوم، وإن كان ليس بمعصوم إذاً لم يبلغ تمام البلاغ، وهذا قدح في النبوة، نعوذ بالله من ذلك.

    وكثير من المتكلمين في هذه العصور يردون على البخاري ومسلم روايتهما في إثبات حادثة سحر النبي صلى الله عليه وسلم بزعم أن هذا قدح في النبوة، وقدح في التبليغ والعصمة.

    إنكار وقوع السحر للنبي نفي لما أثبته الله جل وعلا

    ونرد على المنكرين لحادثة سحر النبي عليه الصلاة والسلام من جوه:

    الوجه الأول: نقول لهم: لم تنفون ما أثبته الله؟ ونحن متعبدون ومربوبون لله، فما أثبته الله فهو ثابت، وما أثبته رسوله فهو ثابت، لا يغيره شيء بحال من الأحوال.

    وقد ثبت بالدليل الصريح الصحيح وبالشرع الذي يقبله العقل، وهو من النقل الصحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم سحر، فإذا ثبت ذلك فليس لكم أن تنفوا ما أثبته الله جل وعلا، وإلا كان لازم هذا الفعل أن تقعوا تحت طائلة الآية: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا [النساء:122] .. وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا [النساء:87].

    فأنتم تخالفون مفهوم هذه الآية وقوة هذه الآية، إذ إن الله جل وعلا قد أثبت شيئاً فيلزمكم أن تصدقوه، فتثبتون ما أثبته الله جل وعلا، فأول واجب على المسلم أن يتمسك بالشرع، فالشرع قاصم لظهر أي مبتدع، ولذلك أنا أنصح أي طالب علم إذا جاء مبتدع ليجادله فلا ينبس ببنت شفة إلا بقال الله وقال الرسول فيحار في أمره، ولا يستطيع أن يواجه هذه الأدلة، فضوء الشرع ساطع يحرق كل مبتدع.

    فالله جل وعلا أثبت أن للسحر تأثيراً، حيث قال جل وعلا: وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ [البقرة:102]، ومفهوم هذه الآية ومعناها: أن السحر له تأثير بإذن الله جل وعلا، وقد أذن الله أن يتأثر رسوله صلى الله عليه وسلم لحكم بليغة سبق الكلام في بعض منها.

    كما أن هذا النص الصريح الصحيح لا مدخل للطعن في إسناده فأسانيده كالشمس وقد اتفق عليها البخاري ومسلم ، فأثبتت الأحاديث الصحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلم قد سحر وقد تأثر بالسحر صلى الله عليه وسلم، وهذا شيء أثبته الله وأثبته رسوله صلى الله عليه وسلم فوجب عليكم إذا أقررتم أنكم من عباد الله أن تسلموا لأمر الله بأن تثبتوا ما أثبته الله ورسوله، وليس لكم سبيل للخروج من هذا.

    وقوع السحر للنبي لا ينفي عصمته في الأمور الدينية

    الوجه الثاني: أن نقول: العصمة عصمتان: عصمة في التبليغ، وعصمة في الأمور الدنيوية -يعني: عصمة أخروية وعصمة دنيوية- والعصمة الأخروية أو العصمة الدينية هي المقصودة بقول الله تعالى: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة:67]، وليست العصمة الدنيوية، فالنبي صلى الله عليه وسلم ضرب وكسرت رباعيته، وكاد يقتل في أحد، والنبي صلى الله عليه وسلم وقع عن بعيره ودحست وركه، والنبي صلى الله عليه وسلم مرض، فإذا قلت بأن وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة:67] المقصود بها العصمة الدنيوية فإنك تكون قد كذبت بالآية، والصحيح أنك تقر بهذه الآية: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة:67]، وأن الله جل وعلا يعصمه في التبليغ، وقد ثبت في الحديث: (أن أعرابياً قام على رأس النبي صلى الله عليه وسلم والسيف في يده صلتاً وهو يقول: من يعصمك مني؟ قال: الله، فوقع السيف من يد الرجل، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم السيف وقال: من يعصمك مني؟ قال: كن خير آخذ) صلى الله عليه وسلم، فالله عز وجل قال لنبيه: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة:67]، فهذا الرجل لن يقتلك؛ لأن لك وقتاً ستبلغ فيه البلاغ التام حتى يتم هذا الدين.

    فقوله تعالى: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة:67] مفاده العصمة في مسألة التبليغ، أما الأمور الدنيوية فإن الله يبتلي بها نبيه صلى الله عليه وسلم، ولا غرو أن نقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم اشتد عليه المرض، حتى إن بعض العلماء قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم مات بتأثير السم الذي كان في كتف الشاة التي أهدته المرأة اليهودية، فلما نهش منها نهشة أخبرته أنها مسمومة، وكان أنس يقول: (ما زلت أرى ذلك في لهاة النبي صلى الله عليه وسلم)، ومات متأثراً بالسم، (وكان صلى الله عليه وسلم عند موته يضع يده في الماء، ويضعه على رأسه ويقول: لا إله إلا الله إن للموت لسكرات).

    فيكون المقصود بقوله: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة:67]، العصمة الأخروية وإن كانت عصمة دنيوية فإنما هي من أجل التبليغ، وأدلة ذلك متوافرة متضافرة كثيرة جداً لا تحصر في كتاب الله، قال الله تعالى: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم:3-4]، وقال جل وعلا: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ [المائدة:67]، وقال جل وعلا: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة:67].

    وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها وأرضاها قالت: ثلاثة من حدث بهن فقد كذب ، وفي رواية: فقد أعظم على الله الفرية، من قال: إن محمداً قد رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية، أو فقد كذب، ثم استدلت الأدلة التي تكلمنا عنها قبل ذلك، وقالت في الثانية وهو محل الشاهد: ومن قال لكم: إنه لم يبلغ، فقد أعظم على الله الفرية أو فقد كذب؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بالبلاغ، وقد بلغ صلى الله عليه وسلم تمام البلاغ، وقال في حجة الوداع: (ألا هل بلغت؟ فقالوا: نعم. قال: اللهم فاشهد، اللهم فاشهد).

    فالعصمة عصمتان: عصمة من أجل التبليغ، وعصمة دنيوية، وهذه غير مطلوبة، والنبي صلى الله عليه وسلم يقع عليه ما يقع على البشر، والعصمة الأخروية للتبليغ لا بد أن تكون للنبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن الله قضاها: وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا [الأحزاب:38] .. وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا [النساء:47].

    وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إنما أنا بشر أنسى كما تنسون)، فيقع عليه أمر النسيان، لكن فيما سوى التبليغ، إذاً: هو بشر يعتريه ما يعتري البشر من النسيان إلا في التبليغ، والدليل على ذلكم قوله تعالى: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنسَى [الأعلى:6].

    فالعصمة هي للبلاغ والتبليغ.

    تأثير السحر في العلاقة الزوجية للنبي صلى الله عليه وسلم

    الوجه الثالث: استدلوا بقول عائشة : (وكان يأتي أهله وما يأتي أهله)، فقالوا: في هذا الدليل أن الرسول صلى الله عليه وسلم يأتي أهله وما يأتي أهله.

    فنقول لهم: الرد على هذه الشبهة من وجهين:

    الوجه الأول: تفسير: (كان يأتي أهله وما يأتي أهله)، فيه إثبات وفيه نفي، ومعناه: أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يهم ويعزم ويشتهي أهله فيذهب ليجامع أهله فيربط عن ذلك وتخور العزائم وتفتر الهمم عن الجماع. وهذا واقع مشاهد عند كثير من الناس فإنهم إذا أرادوا الجماع يربطون عن أهليهم.

    الوجه الثاني: أن هذا من باب التخيل، وهو ما نسميه في الوقت الحاضر بأحلام اليقظة، حيث يجلس المرء يفكر في شيء فيسرح مع هذا الشيء وهو لم يكن قد وقع، والنبي صلى الله عليه وسلم يحصل له مثل هذا فهو لم يجامع أهله واقعاً، لكن يتخيل ذلك من أثر السحر، وهذا رد عليهم على هذه الشبهة.

    والصحيح الراجح كما بينا: أن النبي صلى الله عليه وسلم قد سحر، وهذا السحر وقع عليه، والله جل وعلا له في ذلك حكم.

    أما بالنسبة لحديث عائشة : (كان يأتي أهله وما يأتي أهله)، معناه: إذا أراد أن يأتي فلا يأتي، ودليل ذلك من اللغة قال الله تعالى: فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ [النحل:98]، ومعناه: إذا أردت أن تقرأ القرآن.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.