إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ محمد حسن عبد الغفار
  3. شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - سياق في أن السحر له حقيقة

شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - سياق في أن السحر له حقيقةللشيخ : محمد حسن عبد الغفار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد كرم الله الإنسان ورفعه، ودفع عنه كل ما يضره ويمس دينه أو عرضه أو عقله وغير ذلك؛ ولذلك حرم الله السحر. وللسحر حقيقة وتأثير، وهو ناتج عن استعانة الساحر بالشياطين، ولا يتم له ذلك حتى يتقرب لهم بشتى القرب والعبادات، وحتى يكفر بالله رب العالمين، وحكم الساحر القتل ردة؛ لأنه كافر برب العالمين، ويقوم بذلك ولي الأمر أو نائبه.

    1.   

    معنى السحر لغةً وشرعاً

    إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد:

    افتتح المصنف الكتاب الثامن فقال: سياق ما روي في أن السحر له حقيقة.

    وهذا تصنيف بديع؛ فبعدما تكلم عن علم الغيب تكلم على ما يشتبه بين الغيب وغيره، وتكلم عن السحر، ثم ثنى بالكلام عن إبليس وجنود إبليس والصرع واللبس؛ لأن كثيراً من الذين يتنطعون الآن ويتملقون يقولون: ليس هناك شيء اسمه تلبس ولا صرع، فلا يدخل الجان في الإنسان.

    السحر، لغة: كل ما لطف سببه وخفي ودق، فمادة السحر مشتقة من كل ما دق وخفي سببه؛ ولذلك سمي السحر سحراً؛ لأن فيه خفاء، فلا يأتي السحر إلا في آخر الليل.

    وأما شرعاً: فهو الرقى والتمائم والعزائم والعقد التي يتأثر بها المسحور، ويؤثر بها الساحر بالاستعانة بالشياطين، قال الله تعالى: وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ [البقرة:102].

    1.   

    حكم السحر في الشرع

    السحر محرم شرعاً، وهو كبيرة من الكبائر، بل هو من أكبر الكبائر، وقد يصل إلى الشرك الأكبر، وقد يكون شركاً أصغر، قال الله تعالى: وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ [البقرة:102]، سواء كفر أكبر أو كفر أصغر، وأيضاً في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اجتنبوا السبع الموبقات) أي المهلكات، وذكر من هذه السبع: السحر، فالسحر من المهلكات، وهو محرم شرعاً ونظراً، والنظر أن السحر فيه ضرر على الآخرين، فإذا أضر الرجل غيره من البشر فقد وقع في المحظور؛ إذ لا ضرر ولا ضرار.

    1.   

    أقسام السحر

    السحر سحران كما قسمه العلماء، سحر حقيقي، وقد اختلف العلماء فيه اختلافاً كثيراً، وأنكره المعتزلة كما سنبين في مسألة سحر النبي صلى الله عليه وسلم، وسحر تخييلي، والسحر الحقيقي لا يقلب الأشياء على الصحيح، فقد اختلف العلماء هل هذا السحر يقلب الأعيان أولا، يعني: هل يقلب الإنسان إلى قرد، أو القرد إلى إنسان، فهذا اختلف فيه أهل السنة والجماعة، والغالب المقصود هو هذا النوع وهو السحر الحقيقي، وهذا السحر لا يمكن للإنسان أن يصل إليه وأن يتمرس فيه حتى يؤدي القرابين إلى من يعلمه ذلك وهم الشياطين، فلا يمكن للإنسان أن يقرع باب السحر المؤثر حقيقة بإذن الله الكوني إلا أن يقدم القرابين للشياطين كما سنبين كيفية تعليم السحر.

    والنوع الثاني من السحر: السحر التخييلي، والسحر التخييلي ليس له تأثير أبداً، وإنما تأثير يكون على الرؤية فقط، فهو خداع وتلبيس وتضليل، فيسحر أعين الناس، كما هو حال سحرة فرعون، قال الله عنهم لما قال لهم موسى: قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ [الأعراف:116]، فعظم الله هذا الفعل من التدليس والتلبيس على الناس وقلب الحقائق في أعينهم، فقد رموا بالحبال المطلية بالزئبق والمواد الكيماوية التي يستعملونها والعقاقير، فتحركت فتخيل الناس أنها حيات وثعابين، والحق أنها حبال لا روح فيها؛ ولذلك لما ألقى موسى عصاه فتلقفت كل هذه الحيات آمن السحرة؛ لأنهم علموا أن هذا حق وأن هذه الروح من عند الذي خلقها سبحانه وتعالى.

    ومثل هذا ما يفعله الآن بعض السحرة الذي بخفة يده يضحك على الناس، فيخرج الدرهم من يد أحدهم أو يلعب بالبيضة يخرجها من أذن الرجل أو من جيب الرجل، فكل هذه من أنواع السحر التخييلي، وهذا لا يصل إلى الكفر كما سنبين.

    1.   

    تعلم السحر من الشياطين

    وأما كيفية تعلم السحر، فأما خفة اليد فتسألون عنها هؤلاء الذين يسرقون أعين الناس ويسترهبونهم.

    وأما بالنسبة لكيفية تعلم السحر الحقيقي الذي يؤثر فإن ذلك يكون عن طريق الشياطين، فالشيطان يعلم المرء كيف يطير في الهواء أمام الناس، أو يمشي على الماء، أو يأتي بخوارق العادات كما يفعله كثير من الكهنة والمشعوذين والدجاجلة، وآخر هؤلاء الدجاجلة وأكبرهم هو المسيح الدجال كما سنبينه، فالغرض المقصود أن الشيطان هو الذي يعلم المرء كيف يأتي بهذا المؤثر حقيقة بإذن الله الكوني، وقد ورد في بعض الروايات كما أوردها المصنف عن عائشة رضي الله عنها وأرضاها: (أنها جاءت امرأة إلى عائشة بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: أتتني امرأة عجوز ومعها كلبان أسودان، فقالت لي: اركبي هذا الكلب -وهو من الجن- قالت: فركبت هذا الكلب وركبت العجوز الكلب الآخر، قالت: فسار بي فأسرع فوجدت نفسي عند بابل، وهناك رجلان معلقان فقالا لي: اذهبي إلى التنور، فبولي فيه، قالت: فارتبت فتراجعت، فقالا لي: ارجعي ولا تكفري، ثم رجعت لهم مرة ثانية، فقالا لي: اذهبي إلى التنور فبولي، قالت: فارتبت فرجعت، فقالا لي: ارجعي ولا تكفري)؛ لأن الله جل وعلا قال: وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ [البقرة:102]، (قالت: فارتبت فرجعت، ثم رجعت مرة ثانية فقالا لي: اذهبي فبولي عند التنور، قالت: فذهبت فبلت عند التنور فخرج مني فارس صنديد فصعد إلى السماء، فرجعت إليهما فقالا لي: ماذا رأيتي؟ قالت: رأيت فارساً خرج مني صعد إلى السماء، قالا: صدقت، هذا إيمانك قد خرج منك).

    ورواه أيضاً ابن جرير الطبري في تفسيره بسند صحيح إلى عائشة رضي الله عنها وأرضاها، فهذه دلالة واضحة على أن الذي يتعلم من الشيطان السحر يكفر، وهي ذهبت تستفتي الصحابة فكل الصحابة يتورع عن الإجابة ويقول لها: لا أفتي في شيء لا أعلمه! وهذا تعليم لنا أن نقف عند حد ما تعلمناه.

    فالمقصود أنها تعلمت السحر من هنا، فكل ساحر عاتٍ مشعوذ دجال لا يمكن أن يأتي بالسحر الذي تراه أنت إلا وقد قدم القرابين للشياطين، وهذه القرابين إما أن يسجد للشيطان، أو أن يمتهن المصحف ويدخل به الحمام، أو يتوضأ بالبول، ويفعل أشياء تأمره بها الشياطين، فيأتي بها حتى يمتعه الشيطان، وهذا تصديق لقول الله تعالى: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا [الأنعام:128]، فاستمتاع الجني بالإنسي أن الجني يقدم له العبادة التي لا تصح إلا لله جل وعلا، فيمتعه بهذا الكفر، وهو سيكون قريناً معه في النار؛ لأنه أخذ عزماً على نفسه إلى يوم الدين: أنه لابد أن يكفر بني آدم، فهذا يسجد له، أو يكفر بالله جل وعلا، أو يمتهن المصحف، أو يفعل ذلك أمام الناس، فهذه متعة الجن والعياذ بالله.

    أما متعة الإنسي فإنه يأتي الناس فيحدثهم بالمغيبات، والجن يسترقون السمع كما بين النبي صلى الله عليه وسلم أنه يركب بعضهم بعضاً حتى يصل المارد إلى السماء فيسترق السمع، فمنهم من يسمع صريف الأقلام فيسمع كلمة، فقبل أن يأتيه الشهاب -وهو ميت لا محالة- يقرقرها في أذن من تحته من الجن حتى تصل إلى أذن الكاهن، فيكذب عليها مائة كذبة، كما وصف النبي صلى الله عليه وسلم.

    فهذه متعة للبشر: أن يقول للناس ويخبرهم بأمور مغيبات حقاً، أو يخبرهم على مغيب نسبي وليس مطلقاً، كالمسروقات، فالجني هذا يحدث الجني الآخر فيقول: هي في المكان الفلاني، أو يقول: هذه سرقها فلان بن فلان، فيحدث به ويخبر به، أو يمتعه أكثر بأنه يفعل له خوارق العادات أمام الناس، كأن يكون في الإمارات يوم عرفة، فيراه الناس الذين في الحج في عرفة، فيسلم على الناس وهو في الإمارات وفي نفس اليوم يأخذه الجني ويطير به إلى عرفة، فالجني يقوى على هذا، فالله جل وعلا أعطاهم هذه الخفة، فيطير به إلى أن يقف في عرفة يوم عرفة فيحج مع الناس، والناس تنظر في ذلك وتنبهر به، وقد يألهونه من غير الله جل وعلا، فالجهال الأغمار يفعلون ذلك، فهذه متعة أيضاً يمتع بها الجن الإنس.

    فهذه هي المتعة التي يقدمها الجن للإنس، وأما المتعة التي يقدمها الإنس للجن فهي أن يسجد له أو يكفر بالله العظيم.

    1.   

    أقوال العلماء في حكم السحر

    وأما حكم السحر فقد قلنا: إن السحر نوعان: نوع حقيقي ونوع تخييلي، فاتفق الجمهور من المالكية والحنابلة والأحناف على أن السحر كله كفر بنوعيه، واحتجوا على ذلك بعمومات الأدلة كقول الله تعالى: وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ [البقرة:102]، ولحديث النبي صلى الله عليه وسلم: (من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر).

    وأما الشافعية ففصلوا القول في السحر، وهذا هو الراجح الصحيح الذي تدل عليه الآثار، والواقع أن السحر سحران: سحر هو كفر، وسحر هو معصية وكبيرة، والسحر الذي هو كفر هو السحر الذي يستخدم فيه الساحر الشياطين، فيقدم لهم القرابين، فيكفر بذلك.

    والسحر التخييلي معصية وكبيرة وموبقة من الموبقات والمهلكات، وهو ذريعة إلى الكفر الأكبر، وهو التخييل والتلبيس والتدليس الذي يستخدم فيه العقاقير أو يستخدم فيه المواد الكيماوية؛ لأن فيه كذباً وضرراً يقع على الآخرين، وهذا هو الراجح الصحيح.

    1.   

    الفرق بين السحر والكرامة والمعجزة

    هذه الثلاث: السحر والكرامة والمعجزة تتفق في خرق العادات، فالسحر فيه خرق للعادات، فصاحبه يمشي على الماء، ويطير في الهواء، ويفعل الأعاجيب بخرق العادات، والكرامة هي ما يظهره الله على يد ولي من أوليائه؛ إظهاراً لشرفه وكرامته وعلو مكانته عنده، فهذه كرامة من الله جل وعلا بدون مقدمات، فلا يقدم الولي شيئاً حتى تظهر على يديه الكرامة، بل الله يمنحه هذا بدون مقدمات، ولا شك أن المقدمات الأولى هي الطاعات، وأما الساحر فلابد أن يقدم للشيطان حتى يصنع له خوارق العادات.

    وأما المعجزة فهي خارقة للعادة والفارق بينها وبين السحر والكرامة أن المعجزة هي خرق للعادة مع التحدي؛ ولذلك سميت معجزة، فالله جل وعلا يعطي النبي المعجزة يتحدى بها البشر أن يأتوا بمثلها، كما أعطى نبيه معجزة القرآن وقال: وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [البقرة:23] إلى آخر الآيات: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا [البقرة:24] وهذا إعجاز، وهل هناك أشد أعجازاً من هذه الآية الكريمة: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ [المسد:1]، فلم يقم أبو لهب وسط الناس ويقول: هو قال: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وأنا سأؤمن بمحمد الآن، لم يفعل ذلك وهذا أكبر إعجاز، فهذا هو الإعجاز المعنوي.

    وأما الإعجاز المادي فكقوله: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ [القمر:1]، فقد رأوا القمر شقين: شقاً على اليمين والشق الآخر على اليسار والجبل يفصل بين الشقين، فهذه معجزة تحدى الله عباده أن يأتوا بمثلها، وأما الكرامة فلا يمكن للولي أن يتحدى بها أحداً وإلا فقد كذب على الله، والله يخذله كما يحدث من الساحر، فـالمسيح الدجال ساحر يستعمل الشياطين حتى إن الرجل يأتي إليه ويقول له: إن أردتني أن أؤمن بك فأخرج لي أبي وأمي، فيقول: أين قبراهما؟ فيأتيهما فيقول لأمه: اخرجي، ويقول لأبيه: اخرج، فيخرج أبوه ويخرج أمه، والذي خرج من القبرين حقيقة هما شيطانان يستعملهما، فهو يستعمل الجان؛ ولذلك إذا تحدى وأظهر الإعجاز فإن الله يخذله، فإنه يقول للخربة: أخرجي كنوزك، فتخرج كنوزها، ويقول للسماء: أمطري فتمطر، ويشق الرجل نصفين ثم ينادي به فيأتيه متهللاً فرحاً، فيقول له: أنت الدجال، فإنه يدعي النبوة، ثم بعد ذلك يرتقي فيدعي الربوبية؛ فإذا ادعى الربوبية والإلهية بعد النبوة فإن الله يخذله، فلا يستطيع أن يفعل ما منحه الله من الإعجازات مرة ثانية؛ لأن التحدي لا يكون إلا لنبي من أنبياء الله تعالى.

    فهذا هو الفارق بين السحر والكرامة والمعجزة.

    1.   

    التفصيل في حكم الساحر

    حكم الساحر إذا كان مسلماً ثم تعلم السحر

    اتفق العلماء على أن الساحر الذي يستخدم في سحره الشياطين، ويستخدم الكفر فإنه يكفر بالسحر، فإذا كان يسجد للشيطان، ويستعمل الشيطان في العقد والنفث، فهذا حكمه بالاتفاق القتل، فتضرب عنقه.

    واختلفوا في الذي يأتي بسحر التلبيس والتدليس، أو يأتي بأشياء يسرق بها أعين الناس، فالجمهور على أنه أيضاً يقتل، وستأتي أدلتهم، وقال الشافعية: لا يقتل بل يعزر، واستدلوا على ذلك بحديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها أنها كانت لها جارية سحرتها فلم تقتلها، وباعتها، فـعائشة رضي الله عنها وأرضاها الفقيهة أم المؤمنين لم تقتل الساحرة، وهذا دليل على أن الساحر الذي يأتي بسحر التخييل -وإن كان فيه بعض الإيذاء للناس- لا يقتل.

    والصحيح الراجح في ذلك قول الجمهور: أنه يقتل، لكن ضابط المسألة: أن الذي يأتي بالسحر الذي هو كفري فإنه يقتل ردة لا حداً؛ لأنه كافر خارج من الملة، فيخلد في نار جهنم، وأما الساحر الذي يأتي بالسحر الآخر فهذا حده أيضاً الضرب بالسيف؛ للعمومات التي سأذكرها، فيضرب بالسيف حداً لا ردة.

    والفرق بين الحد والردة أن الذي يقتل حداً ما زال مسلماً، فهذا الحد يطهره، ولا يسأل عن فعله ذلك يوم القيامة، وأما الردة فصاحبها خالد مخلد في نار جهنم، والأدلة على ذلك كثيرة منها:

    أولاً: حديث جندب رضي الله عنه وأرضاه أنه قال: حد الساحر ضربة بالسيف، وقد رواها جندب قولاً ثم فعلها فعلاً، فقد جلس أحد الأمراء وهو الوليد وبين يديه رجل ساحر يستخدم الجن، والناس ينظرون، فيقطع الساحر رقبته فتتدحرج على الأرض، فيأخذها ثم يردها مكانها مرة ثانية، ويضحك الوليد ويضحك الناس أمامه، فجاء جندب رضي الله عنه وأرضاه الفقيه الصحابي الجليل من بعيد فرأى الرأس تتدحرج ثم ترجع مكانها، فعلم أن هذا من فعل الشياطين ومن سحر الجان، فاستل سيفه فذهب إلى الساحر فأطاح برأسه وقال له: أعد رأسك الآن، فغضب الوليد من فعله فحبسه، فلما ذكر هذا أمام سلمان رضي الله عنه وأرضاه قال سلمان رضي الله عنه وأرضاه: أخطأ الوليد ؛ لأنه لا يصح له أن يحبس الصحابي، فكل التابعين في ميزان هذا الصحابي، وما وصل الدين إلا عن طريق هؤلاء الصحابة، ثم الوليد أخطأ عندما جعل الساحر يلبس على الناس بسحره.

    قال: وأخطأ جندب لأنه افتأت على ولي الأمر، إذ إن إقامة الحدود لا تكون إلا لولي الأمر والوكيل عنه، فلما فعل ذلك جندب من غير استئذان ولي الأمر كان هذا خطأ منه، ولكن لا يمكن أن يحبس هذا الصحابي ولا أن يعزر، بل ينصح في ذلك.

    فهذا دليل قوي جداً على ضرب الساحر دون استفتاء، وأقر سلمان ذلك.

    ثانياً: جاء في مسلم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه قال: اقتلوا كل ساحر وساحرة، وسنده صحيح، فقاموا وقتلوا ثلاث سواحر.

    ثالثاً: عن حفصة رضي الله عنها وأرضاها أنها كانت لها جارية سحرتها، فأمرت بقتلها فقتلت، وهذا دليل ثالث يدل على أن الساحر يقتل، وهذا بعمومه يدخل فيه النوع الأول والنوع الثاني.

    الدليل الرابع: استنباطاً ونظراً، قال الله تعالى: إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [المائدة:33] إلى آخر الآية، والذي يستخدم السحر ويستخدم الشياطين، أو الذي يؤذي الناس بسحره، فهذا من المفسدين في الأرض، فيدخل تحت عموم الآية: يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا [المائدة:33] إلى آخر الآية؛ لأنه سعى في الأرض فساداً.

    وهذه الأدلة الأربعة تدل دلالة واضحة على أن حد الساحر القتل.

    واستدل الشافعي على قوله بأن عائشة رضي الله عنها سحرتها امرأة فلم تقتلها بل باعتها.

    فنقول: إن الحجة في قول النبي صلى الله عليه وسلم وفعله لا في قول الصحابي وفعله؛ فقول الصحابي وفعله حجة إذا لم يخالفه أحد من الصحابة فكيف إذا خالفت عائشة النبي صلى الله عليه وسلم؟ فالحجة في قول النبي صلى الله عليه وسلم وفعله، وإن لم يأت حديث النبي صلى الله عليه وسلم فإن عائشة قد خالفها بعض الصحابة كـحفصة وعمر وجندب رضي الله عنهم وأرضاهم، وإذا اختلف الصحابة فلا حجة في قول أحدهم على الآخر، فالصحيح أن حد الساحر ضربة بالسيف، فيقتل إن كان السحر من النوع الثاني حداً، وإن كان من النوع الأول فإنه يقتل ردة.

    حكم الساحرة

    هل تقتل المرأة الساحرة أو لا؟

    اختلف العلماء فيها على قولين: فالجمهور على أنها تقتل، والأحناف على أنها لا تقتل، فأما الأحناف فاستدلوا بالأحاديث التي فيها نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء، إذ إن النبي صلى الله عليه وسلم في بعض الحروب مر على امرأة قتلت فقال: (ما كانت هذه لتقاتل!)، فنهى عن قتل النساء ونهى عن قتل الأطفال، وهذا عام في الساحرة وفي غيرها، فإذا كان هذا وهي كافرة خارجة عن الملة، فما بالكم إن كان عندها أصل الإسلام، فلا تقتل من باب أولى، والجمهور على أنها تقتل وهذا الراجح الصحيح؛ لعمومات الأدلة.

    وأما نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن قتلها فهو لعلة، وهي المبينة في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (ما كانت هذه لتقاتل).

    والثاني: هذه مسألة خاصة بالسحر؛ لأن السحر أضر بكثير من النساء، ويعضد ذلك قوله: (ما كانت هذه لتقاتل) يعني: لو قاتلت ستضر بالمسلمين فتقتل، فمن باب أولى إذا أضرتهم بالسحر فتقتل.

    حكم الساحر الذمي

    المسألة الأخيرة: هل يقام الحد على الساحر الذمي؟

    صورتها أن يأتي رجل من أمريكا أو من بلاد الأدغال إلى بلادنا مثلاً بتأشيرة أعطاه إياها ولي الأمر، فهذا دخل بأمان، فإن كان ساحراً فسحر الناس هل هذا يقام عليه الحد أو لا؟ الجمهور على أن الذمي لا يقام عليه الحد، واستدلوا على ذلك بحديث طويل في الصحيحين وفيه: (أن لبيد بن الأعصم سحر النبي صلى الله عليه وسلم فلم يقتله رسول الله صلى الله عليه وسلم)، وهو من اليهود من أهل الذمة، وهذا فيه دلالة واضحة على أنه لا يقتل.

    وقالت الأحناف: بل يقتل، والراجح في الأثر والنظر مع الأحناف أنه يقتل؛ إذ إننا لو نظرنا إلى الكافر على الإطلاق لوجدناه على نوعين:

    الأول: كافر حربي وهذا يقتل ويهدر دمه أصالة من غير أن يسحر أحداً.

    الثاني: كافر ذمي لنا معه عهد وأمان وذمة، فعليه دفع الجزية، فنأخذ منه الجزية، وإذا أضر بالمسلمين فقد نقض العهد؛ لأن شرط أخذ الجزية عليهم أنهم لا يضرون بالمسلمين، فإذا آذوا المسلمين فقد خالفوا عقد الذمة بيننا وبينهم، وينتقض عهد الذمة، فيقتل ساحرهم، ويرجع إلى أصله من كونه حربياً، فيقتل لأنه حربي أو لأنه ساحر، وهذا الراجح الصحيح.

    وأما الرد على حديث لبيد فنقول: لدينا قاعدة قعدها النبي صلى الله عليه وسلم وطبقها ليعلمها الناس قولاً وفعلاً، فأما قولاً: فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لـعائشة -كما في الصحيحين-: (لولا أن قومك حديثو عهد بالكفر -أو بالجاهلية- لهدمت الكعبة)؛ لأنها لم تقم على قواعد إبراهيم، (ولبنيتها على قواعد إبراهيم، ولجعلت لها باباً يدخل منه الناس وباباً يخرج منه الناس)، فقريش جعلت الباب عالياً من أجل أن يدخل الشرفاء فقط، ولو دخل غيرهم دفعوه فلا يدخل، وحتى الآن لا يدخلها أي أحد، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يتمنى أن يجعلها على قواعد إبراهيم، ويجعل لها بابين: باباً يدخل منه كل الناس، وباباً يخرج منه الناس، والذي منع النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك أنه قال: (لولا أن قومك حديثو عهد بكفر)، فقعد قاعدة مهمة جداً وهي: أن درء المفاسد أولى من جلب المصالح، فالمصلحة أن يبني الكعبة كما بناها إبراهيم عليه السلام، لكن المفسدة أعظم وهي أن قريشاً لم يسلموا إلا حديثاً فقد يقولون: لماذا يهدم الكعبة التي عظمناها وشرفناها وعظمها الله، فقد يؤدي بهم ذلك على الكفر والردة، فالنبي صلى الله عليه وسلم درء هذه المفسدة لجلب المصلحة الكبرى وهي: أن يبقوا على الإسلام.

    وأيضاً النبي صلى الله عليه وسلم سبه عبد الله بن أبي بن سلول ، وسبه كثير من المنافقين فلم يقتلهم النبي صلى الله عليه وسلم، وقد استأذن عمر بن الخطاب وخالد بن الوليد النبي صلى الله عليه وسلم في ضرب أعناق هؤلاء، ففي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وأرضاه قال: (بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قسم قسماً، فأتاه ذو الخويصرة -رجل من بني تميم- فقال: يا رسول الله! اعدل!)، وفي رواية أخرى قال: (هذه القسمة ما أريد بها وجه الله)، (فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ويلك! ومن يعدل إذ لم أعدل أنا؟! فقام عمر فقال: يا رسول الله! ائذن لي أن أضرب عنقه، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: دعه فإن له أصحاباً يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم، يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين -يعني: يخرجون- كما يمرق السهم من الرمية)، فانظروا الفارق بين العلم والجهل، والعالم والجاهل، فالرجل يتعبد ليلاً ونهاراً: صياماً وقياماً ولا يزن عند الله بعوضة، فالشاهد من الحديث أن عمر قال: (ائذن لي أضرب عنقه)، فأبى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، وفي رواية قال: (لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه)، فدرأ هذه المفسدة لجلب مصلحة أكبر؛ حتى يثبت الناس على الإسلام ولا يتحدث أحد أن محمداً صلى الله عليه وسلم يقتل أصحابه.

    فالإجابة عن هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقتل لبيد بن الأعصم حتى لا يؤلب عليه اليهود؛ إذ إن العرب قد رمته عن قوس واحدة، فكل العرب قاطبة اتفقوا عليه، ولما قالت عائشة : (ألا تنتصر؟ قال: لا أنتصر؛ قد شفاني الله جل وعلا)، فهذا هو الجواب عن هذا الحديث.

    فالقاعدة إذاً: درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة، وأما الآن: لو وجدنا ساحراً يسحر الناس ويؤذيهم ويستعمل الشياطين، فلا بد من رفع أمره إلى ولي الأمر حتى يقيم عليه الحد، أو يحبسه كما يرى إن كان المسألة فيها تعزير دون الحد.

    وهذا ختام لباب السحر، ويبقى لنا جزء واحد في باب السحر وهو: سحر النبي صلى الله عليه وسلم، وقول المعتزلة الذين ردوا الحديث الذي في الصحيحين، فهل سحر النبي صلى الله عليه وسلم أم لم يسحر؟ وهل أثر ذلك على نبوته ورسالته أم لم يؤثر؟ فسنرد على المتنطعين الذين ردوا الحديث الذي في البخاري ومسلم ، ثم نثني بالكلام عن الجن واللبس والصرع، وكيفية علاج ذلك، ثم بعدها ندخل في الكلام عن الصحابة.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

    1.   

    أسئلة

    حكم استتابة من أتى بالسحر على سبيل التدليس

    السؤال: هل يستتاب الذي يأتي بالسحر على سبيل التدليس والتلبيس أم لا يستتاب؟

    الجواب: يستتاب في النوعين على الراجح، والجمهور على أنه لا يستتاب بل تضرب عنقه، ويستدلون على ذلك بقصة المرأة التي ارتدت، أو الرجل الذي ارتد، وبحديث النبي صلى الله عليه وسلم: (من بدل دينه فاقتلوه)، الفاء للتعقيب، والصحيح الراجح أنه يستتاب؛ إذ الشرع متشوف لإسلام الكافر فما بالكم بالذي أسلم وتذوق حلاوة الإيمان أولاً؟

    فالصحيح الراجح أنه يستتاب، فإن لم يتب تضرب عنقه.

    حال قصة المرأة التي ذهبت إلى بابل لتعلم السحر

    السؤال: ما حال إسناد قصة المرأة التي ذهبت إلى بابل لتعلم السحر؟

    الجواب: القصة رواها اللالكائي بسند صحيح، وفي ابن جرير الطبري أيضاً بسند صحيح إلى عائشة لكن هشام بن عروة لم يصرح بالتحديث عن عائشة ، وهشام بن عروة اتهمه بعض العلماء بالتدليس لكن الكلام هنا هل تدليسه يحتمل في هذه الرواية أو لا يحتمل؟ عندنا بعض الروايات التي عضدت هذا الأمر، وهي مذكورة عند تفسير قول الله تعالى: وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ [البقرة:102].

    ففي قصة المرأة أنها كفرت، وابن عباس قال ذلك في تفسير هذه الآية: وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ [البقرة:102]، قال ابن عباس : بتعليم السحر، فالمرأة التي ذهبت إلى بابل كفرت بتعلمها السحر.

    حكم التبرك بالأولياء

    السؤال: ما حكم التبرك بالأولياء؟

    الجواب: التبرك بالولي فيه تفصيل، وهو: أنه يجوز التبرك بدعائه لا بذاته، فلا يجوز أن أجلس يجانب الولي كي أحتك بجسده وأتبرك به، أو آتي به إلى بيتي فأطعمه ظناً مني أن البيت سيمتلئ بركة، لكن التبرك بالولي إنما يكون بدعائه فقط، ولذلك بينا أن التوسل على ثلاثة أنواع ومنها هذا، وأما ذات الولي فلا يتبرك بها حياً ولا ميتاً.

    ويمكن للناس أن يعرفوا الولي بصلاحه، فقد جاء في البخاري ومسلم : (مرت جنازة بالنبي صلى الله عليه وسلم فأثنوا عليها خيراً -أي: أنه من الصالحين- فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وجبت، ثم مرت جنازة أخرى فأثنوا عليها شراً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وجبت، فقال عمر : يا رسول الله! مرت جنازة فقلت: وجبت، ومرت الثانية فقلت: وجبت! قال: أما الأولى فقد أثنيتم عليها خيراً فوجبت لها الجنة، وأما الثانية فأثنيتم عليها شراً فوجبت لها النار، أنتم شهداء الله في الأرض).

    وطلب الدعاء لا يكون من كل أحد، وإنما يكون من الصالحين، فأنت إذا حسبت رجلاً من الصالحين ورأيته يتقي الله ويتورع ولا يتكلم إلا بقول الله وقول الرسول، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فهذا يمكن أن تقول له: ادع الله لي.

    فيمكن أن تتوسم الصلاح في أحد وتحكم على ظاهره فقط، أما الباطن فأمره إلى الله تعالى.

    حكم الهجرة من البلدة التي لا تحكم بشرع الله تعالى

    السؤال: ما حكم الهجرة من البلاد التي لا تحكم بالشريعة الإسلامية؟

    الجواب: هذا فيه تفصيل، فإذا كانت هذه البلد يعلوها الكفر لا الإسلام فهي دار كفر، ولا يجوز للمسلم أن يجلس فيها، بل عليه أن يهاجر وجوباً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أنا بريء ممن جلس بين أظهر المشركين)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (برئت الذمة ممن أقام بين أظهر المشركين)، فلا يجوز له الجلوس هناك إلا إذا كان يدعو إلى الله جل وعلا وينتشل الكافرين إلى الإسلام، فإن كان يفعل ذلك ويمكن له أن يعلو بدينه فله ذلك، فإن لم يفعل وجبت عليه الهجرة، فإن كان ببلده وقد طغى وهجم عليها الكفار، فهذا يجب عليه الجهاد ليطرد هؤلاء من بلده، وإذا استطاع أن يقيم الحد على الذين تعدوا حدود الله جل وعلا فليقم؛ لأنه هو الحاكم الصحيح لهذه البلدة.

    النظريات العلمية تقبل إذا أيدت ما أثبته الشرع وترده إذا ناقضته

    السؤال: ما دام أن النظريات العلمية ليست دليلاً على ما أثبته الشرع فهل نردها مطلقاً؟

    الجواب: أقول الإعجاز العلمي موجود، لكن الخطأ في الذين يفسرون القرآن بالإعجاز العلمي ويأتون لبعض النصوص فيلوون عنقها من أجل أن توافق نظرية علمية معينة، وهذا خطأ منهم، قالشيخ الإسلام تفسير القرآن له قواعد، وهي: تفسير القرآن بالقرآن، وهو أولى التفاسير وأصدقها وأصحها، ثم تفسير القرآن بالسنة، ثم تفسير القرآن بأقوال الصحابة، ثم تفسير القرآن باللغة.

    وما بعد ذلك فخذ منه ودع، وطبعاً التفسير باللغة مع أنه يأتي في المرتبة الأخيرة إلا أنه يشترط فيه ألا يكون إلا من عالم لغة فصيح قوي العارضة، لكن أن نأتي إلى النصوص فنلوي أعناقها من أجل أن نقول: هذا إعجاز علمي، فهذا لا يصح.

    فمثلاً أثبت العلماء بنظرياتهم العلمية أن الأرض كروية وبعد ذلك جاءت نظرية تثبت أنها بيضاوية فقالوا: عندنا في القرآن دليل على أنها بيضاوية، وهو قوله تعالى: وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا [النازعات:30].

    وممن طوع القرآن على حسب الاكتشافات العلمية محمد عبده رحمه الله وغفر زلاته، فجاء إلى قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ [الفيل:1-3] قال: ليس هناك طير أبابيل، إنما المقصود به: الجدري! ويفسر القرآن بهذه الطريقة من أجل أن تستوعبه عقول الناس، فلا يجوز أن نراعي عقول الناس ونطوع الآيات من أجل هذا الإعجاز، لكن الصواب أن ننظر في هذه النظريات فإن وافقت الشرع قبلناها، وإلا رددناها غير مأسوف عليها.

    سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أستغفرك اللهم وأتوب إليك.