إسلام ويب

نعمة العقلللشيخ : سعد البريك

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ما أنزل الله من دين إلا وجعل فيه ما يحفظ على الناس مالهم وأعراضهم، وأعظم من هذا عقولهم التي بها مناط تكليفهم؛ لذا كان من حكمته أن حرم الخمر في ديننا. وإن كان للخمر في القديم ضرر مقصور على البعض، فإن له في زماننا أضراراً وأضراراً، خصوصاً وقد ظهرت ألوان من المسكرات، والمخدرات..

    1.   

    اهتمام الشرع بمصالح المسلمين

    الحمد لله القائل في محكم كتابه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [المائدة:90-91] والصلاة والسلام على رسول الله القائل: (اجتنبوا الخمر فإنها أم الخبائث، وهي مفتاح كل شر) رواه الحاكم وقال صحيح الإسناد، والقائل صلى الله عليه وعلى أزواجه وآله وسلم تسليماً كثيراً: (إن الله لعن الخمر وعاصرها ومعتصرها، وبائعها ومبتاعها، وشاربها وآكل ثمنها، وحاملها والمحمولة إليه، وساقيها ومستقيها).

    عباد الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، فهي وصية الله للأولين والآخرين: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    واعلموا يا معاشر المؤمنين أن الله جل وعلا ما شرع للعباد شيئاً إلا لأنه يحقق مصالحهم، فما أمر بشيء إلا لمنفعتهم فيه، وما حرم شيئاً إلا لضررهم أو حصول ما يضرهم بفعله، وهذه الشريعة الغراء، والكتاب المنزل والسنة المحمدية كلها وحي يوحى، وكل دقيق وجليل فيها يشهد أنها دين حق من عند الله جل وعلا: وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [النساء:82].

    أيها الأحبة! شرع الإسلام مصالح العباد وما يحفظها، فشرع ضروريات تدور كثير من الأحكام عليها، أولها حفظ الدين، ولأجل ذلك كان الشرك أعظم فتنة، والفتنة أكبر من القتل، وشرع القتال والجهاد لدفع الشرك: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ [الأنفال:39] وكما قال صلى الله عليه وسلم: (من بدل دينه فاقتلوه) كل ذلك لأجل الحفاظ على ضرورة الدين وأهميتها وعظم منزلتها وحاجة البشر إليها؛ إذ بدون الدين يعيش الناس همجاً رعاعاً، بل بهائم، بل البهائم أهدى منهم سبيلاً.

    وشرع في هذا الدين حفظ العرض؛ ولأجل ذا حرم الزنا وحرم كل سبب يفضي إليه قال تعالى: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً [الإسراء:32] وأمر الناس بغض الأبصار وحفظ الجوارح ونهوا عن إشاعة الفاحشة.

    وشرع في هذا الدين حفظ المال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً [النساء:29] وقال جل وعلا: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا [المائدة:38] حفظاً على أموال العباد ومقتنياتهم وثرواتهم.

    وشرع في هذا الدين حفظ النفوس فشرع القتل للقاتل، والقصاص من المعتدي؛ لأجل ذا لا يجد الناس سعادة ولا طمأنينة يأمنون فيها على أموالهم وأعراضهم وأديانهم وحقوقهم إلا في ظل هذا الدين.

    1.   

    تحريم الشرع للخمر

    وشرع أيضاً في هذا الدين العظيم الذي لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً حفظ العقل؛ لأجل ذا حرمت الخمرة، وحرم كل مسكر، وكان وعيداً من الله لمن شربها وأزال هذا العقل وأذهبه باختياره أن يعذبه بعصارة أهل النار كما في الحديث: (من شرب الخمرة كان حقاً على الله أن يسقيه من ردغة الخبال. قيل: وما ردغة الخبال؟ قال: عصارة أهل النار وما يسيل من قيحهم وصديدهم وفروجهم).

    أيها الأحبة في الله! هذا الدين عظيم، وكل تشريع فيه يزيدنا إيماناً وعظمة وثقة وحباً في التضحية والفداء لأجله، هذا الدين عظيم، وما قيمة الحياة بدونه.

    إذا الإيمان ضاع فلا أمان     ولا دنيا لمن لم يحي دينا

    ومن رضي الحياة بغير دين     فقد جعل الفناء له قرينا

    سبب تحريم الخمر

    أيها الأحبة! حرمت الخمر لأنها تذهب العقل، والعقل مناط التكليف، إن الشارع لم يسقط التكليف عن المعوق أو عن المشلول أو عن الأعمى أو الأعرج أو الأصم أو الأبكم، لكن زائل العقل حتى ولو اكتملت قواه وجوارحه دون عقله سقط عنه التكليف، وما ذاك إلا لأن مناط التكليف العقل، ولأن ارتباط العبادة بالعقل، فكيف يكون مصير عبد يعمد باختياره إلى إزالة مناط التكليف وإزالة محل العبادة فيه.

    ولهذا كان جواب أهل النار أنهم أضاعوا عقولهم: وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ [الملك:10] لهم عقول لا يفقهون بها، ولهم أعين لا يبصرون بها، ولهم آذان لا يسمعون بها، عطلوا العقول فكان مآل ذلك إلى النار وساءت مصيراً.

    أيها الأحبة في الله! دعاء ونداء إلى من تعرفونه قد عاقرها سراً، وأرخى الستر، وأسدل الحجب، ودعا الندامى، وأدار الكأس..

    اهجر الخمرة إن كنت فتـى     كيف يسعى في جنون من عقل

    كيف يعمد عاقل كرمه الله بهذا العقل أن يزيل هذه الكرامة بعمده واختياره، يحرم نفسه خمراً في الجنة، وكما في الحديث: (من شربها ولم يتب منها لم يشرب خمر الجنة أبداً) مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ [محمد:15] وخمر الجنة لا تذهب بالعقول لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنْزِفُونَ [الواقعة:19].

    أضرار الخمر على الأمة وشبابها

    أيها الأحبة! ماذا يفوت الأمة؟ وماذا يحصل من الشر العظيم والوباء العميم بالتساهل بهذا الداء العضال والتهاون في وجوده وعقوبة متعاطيه ومعاقريه؟ كم تكسب الأمة من إنتاج أبنائها وحصاد عقولهم لو سلمت من هذا الوباء وذاك المنحدر الآسن؟! أليس في الخمرة هدر طاقات الشباب في هذه المحرمات؟ أليست تفوت اغتنام واستغلال القوة في البناء والدفاع والتعليم والأمن والدعوة؟ أليست تضيف أعباءً جساماً على أجهزة الأمن والقضاء والعدالة؟

    يقول أحد الفضلاء: زرت سجناً من السجون فتوجهت إلى عنبر أهل الخمور والمخدرات والمسكرات فوجدت كوكبة ليست بالقليلة فقلت: يا سبحان الله! أولئك لو كانوا طليعة في جهاد، أو سرية في دعوة، أو جيشاً في نشر عقيدة، أو دعاة في محاربة بدعة، أو قادة، أو معلمين، أو بنائين، أو صناع، أو أي مهنة من المهن.. كم يكون نفعهم في الأمة، وكم يكون نفع الأمة منهم؟ ولكن بقطرات تتلوها قطرات.

    وكأس شربت على لذة     وأخرى تداويت منها بها

    فلا يفيق صاحبها منها، قطرات تلو قطرات يسكر صاحبها فيرى أنه يدبر البيت الأبيض، ويأمر ويزمجر في الكرملين، وينهى ويبطش في الشانزلزيه، وكما قال البدوي الأول:

    وإذا سكرت فإنني     رب الخورنق والسدير

    وإذا صحوت فإننـي     رب الشويهة والبعير

    يسكر على خيال من العظمة وجنونها ويفيق على هوان من الذلة بألوانها!

    وحسبكم أن شارب الخمر يفوته أعظم مصلحة وهي انقطاعه عن ذكر الله وعن التفكر في مخلوقات الله والتسبيح والتحميد والتكبير لله جل وعلا.

    وإن الذي دعا إلى الحديث عنها أنها دبت وسرت سريان النار في الهشيم في بعض المجتمعات وبعض البيوت، حتى إن بعض من ينسبون أنفسهم إلى صنف معين أو فئة معينة يرونها من كمال الحسب ومدارج الرتب، وما هي إلا دركات تفضي إلى النار ولا حول ولا قوة إلا بالله.

    1.   

    أضرار الخمر وحكم الشرع فيها وفي أمثالها

    لقد تكلم السلف والخلف في هذا فذكر ابن القيم والذهبي رحمهما الله، الأول في حادي الأرواح، والآخر في كتاب الكبائر ما فيها من الضرر الواقع فعلاً والصريح والمستنبط فيه:

    فأولها: اغتيالها للعقل، وكثرة اللغو على شاربها، وإسراف المال، وبذل المال في غير محله، وهي رجس من عمل الشيطان، موقعة للعداوة والبغضاء بين الناس، بل تجعل صاحبها يرتكب ما هو أعظم من ذلك، وقد قلت وأعيد: أن شاباً شرب الخمرة فجاء وزنا بأمه بعد إكراهها وإجبارها على ذلك..! يحدثني بهذا قاض من القضاة الذين حكموا بقتل هذا الواقع فيها وشربها (ومن وقع على ذات محرم فاقتلوه) نسأل الله لنا ولكم السلامة في الدنيا والآخرة. ثم إنها داعية إلى الزنا، وربما دعت -كما قلت- إلى الوقوع على المحارم من بنات وأخوات.

    أما ذهاب الغيرة عن صاحبها فلا تسل، وسبيل الديوثية إلى داره ميسر يوم أن يقع فيها ويدمنها، ناهيك عن ما تورثه من الخزي والندامة والعار والفضيحة مع أنها تكسوه أقبح الأسماء والصفات، وتسلبه أجمال الأوصاف والنعوت.

    أما هتكها للأستار فعجيب! وقد كذب ذلك الشاعر الذي قال:

    وللسر مني موضع لا يناله     جليس ولا يفضي إليه شراب

    فكم ظهرت الفضائح، وهتكت الأستار، وشاعت الأسرار؛ بسبب كأس تلاها ثمالة.

    أيها الأحبة! وحسبكم أنها أم الخبائث، والعجب في أقوام يجادلون في أنواع جديدة ومشتقات طارئة ويرون أن الخمر ليست إلا من العنب فحسب، فتجد بعض المعاندين الذين يعلمون علم اليقين حرمة ما يعاقرونه ويتعاطونه، وجحدوا بحرمته واستيقنت ذلك أنفسهم ظلماً وعلواً، ويلحق بهذا أولئك الذين يصرون على تعاطي المخدرات وما وافقها وأفضى إلى ما أفضت إليه، أو من يتعاطون القات وما شابهه في أحكامه، ولقد أجاد الشيخ/ حافظ بن أحمد الحكمي لما سئل عن القات والمخدرات والمسكرات والدخان أيضاً، فقال مجيباً بأبيات جميلة رقيقة لأولئك المتشككين في حكمها وبيان حقيقتها:

    يا باحثاً عن عفون القات ملتمساً     تبيانه مع إيجاز العبارات

    كله لما شئت من وهن ومن سلس     ومن فتور وأسقام وآفات

    كله لما شئت من لهو الحديث ومن     إهلاك مال ومن تضييع أوقات

    لقد عجبت لقوم مولعين بـه     وهم مقرون منه بالمضرات

    في الدين والمال والأبدان بل شهدوا          بسكرهم منه في جل المقامات

    إني أقول لشاريه وبائعه     إن لم يتوبوا لقد باءوا بزلات

    كذا الدخان بأنواع له كثرت     وغير ذلك من نوع الدنيئات

    داء عضال ووهن في القوى ولها     ريح كريه مخل بالمروءات

    أليس في آية الأعراف مزدجـر     لطالب الحق عن كل الخبيثات

    والنهي جاء عن التبذير متضحاً     وعن إضاعة مال في البطالات

    دع ما يريبك يا ذا اللب عنك إلى     ما لا يريبك في كل المهمات

    أيها الأحبة! آفاتها عجيبة، ولقد ذكر الشيخ البيحاني من علماء اليمن رحمه الله رحمة واسعة: أنها تخدر المراكز العصبية العليا، فيصاب شاربها بالجنون وضيق النفس والقلق الذي لا ينقطع، فيتداوى منها بها فيدخل دائرة الإدمان حتى يموت على ذلك، إلا أن يتداركه الله برحمة وتوبة.

    ثم إنها تنبه القلب تنبيهاً شديداً يعقبه الضعف والهبوط المفاجئ، وتضعف مناعة الإنسان، وتعرضه للعدوى بكل مرض من الأمراض، ومدمن الخمر معرض للإصابة بالسل أكثر من غيره، ونسبة نجاح العمليات الجراحية في مدمني الخمر قليلة جداً، وقد أجري فحص دقيق في مستشفيات عدة للأمراض العقلية في أنحاء مختلفة من العالم، وقد أسفر الفحص أن ما يقرب من (50%) من نزلاء تلك المستشفيات من أهل الخمور وسلالة المتعاطين لها.

    ثم إنها تتلف الكبد والكلى، وتسبب الضعف العقلي والجسمي والعصبي والجنسي أيضاً.

    أرقام تثبت أضرار الخمر

    أيها الأحبة! لا أريد أن أطيل في ذكر أضرارها فائذنوا للأرقام أن تتحدث، وللإحصائيات أن تفصح؛ لأنني لا أظن كثيراً من الذين يتعاطونها خاصة في مجتمعنا يشكون في حرمتها، ولكن يزين لهم الشيطان الخلوة بها، أو ظنهم أن بعض جيرانهم لا يعلمون بها، ولقد علمت وعلم كثير من المحبين لإخوانهم وجيرانهم أن هناك من يظن أن ستره بها يعينه على التمادي والإدمان لها، وقد جهل المسكين أنه ربما خرج ذات يوم باختياره فأفصح عن نفسه وأبان عن ذاته وهتك الستر تحت الإدمان.

    يقول الدكتور " هاينت " من منظمة الصحة العالمية: إن عدد الذين تقضي عليهم الخمر أكثر بملايين من عدد الذين يموتون من المجاعة في حزام الجفاف بـأفريقيا .

    ويقول الدكتور " كيف بول ": إن بريطانيا خسرت مليون إنسان منذ نهاية الحرب العالمية الثانية بسبب تدخين السجائر. وأضيف نداءً إلى المدمنين على الدخان الذين يقعون في هذا بفتوى: إنها مكروهة.

    سئل أحد علماء الشام من قبل رجل من العامة قيل له: يا شيخ! ما حكم الدخان؟

    فقال: أريدك أن تذهب إلى الأطباء، النطاسيين الحكماء، واسألهم: هل فيها نوع نفع أم هي ضرر قاطبة؟ فإذا أخبروك بضررها قلت لك: إن الله قال في وصف نبيه: وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ [الأعراف:157] وقلت لك قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا ضرر ولا ضرار) قاعدة كلية في كل شيء ترِد حتى على مسائل التدخين، أن ما ضر فهو ممنوع ومنهي عنه ومحرم، ولعلماء نجد وعلماء الجزيرة قاطبة فتاوى ورسائل وكلمات مهمات في أحكام هذا.

    أعود إلى الإحصائيات لنسمع ما تقول: أعلن وكيل وزارة الصحة الأمريكي: أن عدد الذين يموتون في الولايات المتحدة بسبب التدخين سنوياً يقدرون بنحو (350) ألف شخص، وقدرت زيادة أيام العطالة والبطالة عن العمل وملازمة الفرش للمرض بسبب التدخين بـ(77) مليون يوم عمل و(88) مليون يوم في ملازمة الفراش، و(306) ملايين يوم من العمل المحدود، أي من عدم التوظيف الكامل للقوة، أي من عدم العطاء الكامل بسبب التدخين والخمور والمخدرات.

    وفي بعض الدول الأوروبية سرير واحد من كل ثلاثة أسرة في المستشفيات العامة يحتله ويرقد عليه مصاب بأمراض تسببها الخمور، أما الاضطرابات النفسية نسبتها بين أولاد المدمنين ثلاثة أضعاف نسبتها بين أولاد الأولياء الأسوياء، وتقول إحصائيات طب الأطفال الأمريكية في العدد الخاص عن المخدرات والخمر والجنس ما يلي:

    (93%) من الشباب بين الثانية عشرة إلى السابعة عشرة من العمر في هذه السن شربوا الخمر، وبلغ عددهم (21.4) مليون فتى وفتاة، منهم (1.2) مليون يتعاطون الخمر يومياً.

    (13) مليون من الشباب من سن الثانية عشرة إلى السابعة عشرة يتعاطون المريوانا، منهم (1.2) مليون يتعاطونها يومياً، (8) ملايين مراهق يتعاطون أقراص الإمنتمين ومشتقاته بالفم وأحياناً بالحقن والوريد، يبلغ عدد الحالات المسجلة في الدوائر الطبية رسمياً لمرضى السيلان مليون حالة سنوياً، بينما تذكر مصادر أخرى أن العدد الحقيقي (3) ملايين من الشباب (ربع هذا العدد الإجمالي).

    زيادة نسبة (800%) في الحالات المشتبهة لسرطان عنق الرحم للفتيات البالغ أعمارهن ما بين الخامسة عشر إلى الثانية والعشرين عاماً، وذلك فقط في الأعوام ما بين (1970م) إلى (1994م) خلال أربع سنوات (800%) الاشتباه بحالات سرطان عنق الرحم.

    في عام (1983م) بلغت حالات الاعتداء على الأطفال جنسياً مليون طفل، لدرجة أن هذا أصبح تجارة منظمة يبلغ دخلها ما بين (500) إلى (1000) مليون دولار سنوياً، ويعمل في هذه المهمة والوظيفة الدنيئة آلاف المصورين والكتاب والمؤلفين والأطباء وبعض القسس والرهبان أيضاً وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً [طه:124].

    وأستأذنكم أن أخرج قليلاً فأقول: ترقبوا سقوط المجتمعات الغربية مجتمعاً تلو الآخر، إن هذه الأنظمة ليس في حقيقتها وصلبها ما يدعو إلى البقاء، ولكل شيء نهاية، لقد عاشت هذه الأنظمة بعضها مائتين عام، وإن العد التنازلي قادم، لا تظنوا أن العد التنازلي واقع، ولا تظنوا أن البلاء بتسلط الأعداء على المسلمين، بل إن البلاء بين الكافرين أنفسهم ناهيك عن حقيقة ما هم فيه من الضيق والضنك والانتحار والقلق.

    ما يعانيه الغرب من الخمر والمخدرات

    والله لو أن العالم الغربي صورته أجهزة التلفزة وأقلام الصحفيين، وكتب المؤلفين، وأفلام السينما وقصص الروائيين لو صورت هذا المجتمع على حقيقته لقوم لا يؤمنون إلا بالشاشة والإذاعة لرأيتم أن الغرب بجميع دوله أحقر من النجاسات والعذرات، ولكن الغرب لا يظهر في الشاشات إلا الصور المصطنعة المفتعلة من البشاشة المزورة؛ من التكافلات المختلطة من الاتصال، وحقيقة ما هم فيه على النقيض من ذلك أيضاً.

    وحدثني بعض من له اطلاع إعلامي أن فيلماً أنتج بعنوان "أمريكا الوجه الآخر" صور لك ذلك المجتمع الآسن بما يدل على زواله وقرب انقسامه وفنائه وتدهوره، ولكن ما هو الحل؟ أين الطريق؟ أين المخرج؟ هل من سفينة تبحر بأولئك المبتلين إلى بر النجاة وشاطئ الأمان؟ لا حاجة إلى اجتهاد:

    عطايانا سحائب مرسلات     ولكن ما وجدنا السائلينا

    وكل طريقنا نور ونور     ولكن ما رأينا السالكينا

    الطريق إلى الجنة هو النجاة من هذا، لكن الجنة باتت عند كثير من الخلق رخيصة، وكما قال ابن القيم:

    يا سلعة الرحمن سوقك كاسد     فلقد عرضت بأيسر الأثمان

    يا سلعة الرحمن سوقك كاسد     بين الأراذل سفلة الحيوان

    يا سلعة الرحمن ليس ينالها     في الألف إلا واحد لا اثنان

    1.   

    علاج الإسلام للمسكرات والمخدرات

    أيها الأحبة! العلاج في الإسلام، ولقد سعت كثير من الدول بأبحاثها ومختبراتها وكتابها ومؤسساتها التربوية والإعلامية إلى محاربة هذه المخدرات، فجوبهت بالجرائم والدفاع المستميت عن هذا المشروب المخدر والمسكر، في ولاية من الولايات الأمريكية قبل قرابة ستين عاماً أراد حاكم الولاية بقانون أن يمنع الخمر، فكثرت حالات التهريب والترويج وتحدي أجهزة الأمن والمطاردات والقتل والاغتيالات؛ فعاد راغماً إلى إصدار قانون آخر يبيح الخمر للناس من جديد بعد زيادة أعداد من يتعاطونها.

    والسبب واضح: لأن النفوس ما لم يكن فيها شرطي في الباطن، وجندي في الضمير، ورقيب عتيد يخشى الله ويستحي من الله كما قالت تلك البنية بعد أن أصدر عمر بن الخطاب مرسوماً يمنع فيه خلط اللبن بالماء، وقد تعود الناس هذا ليبيعوا ويكسبوا، فامتنعت تلك البنية بعد صدور قرار ولي الأمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقالت أمها: لم لا تمذقين اللبن بالماء يا بنية؟ قالت: أما علمت أن أمير المؤمنين أمر ألا يمذق اللبن بالماء؟ فقالت: وأين أنت من عمر ؟! إن عمر لا يراك ولا يرانا.

    وكان عمر رضي الله عنه يتفقد أحوال رعيته، وكان في تلك اللحظات التي دار فيها ذلك الحوار الإيماني العجيب عند باب تلك الفتاة وأمها، فسمع البنية تقول: إن كان عمر لا يرانا فإن رب عمر يرانا.

    بهذه النفس التي تراقب الله في السر والعلن، ما احتاج الناس إلى جواسيس أو رقابة أو شرط أو تفتيش في منع الخمر وتحريمها، كلمة فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [المائدة:91] فكان الذي رفعها إلى فيه يردها، وكان الذي أودعها فمه يمجها، وهم يقولون: انتهينا ربنا .. انتهينا.

    ذلك الإيمان به يعلى الجهاد، وبه يقوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبه تحفظ الحقوق وتصان الأعراض، وتسعد النفوس، وتطمئن البشرية، وبغير هذا الدين، بغير هذا الإيمان فإن الناس لن ينـزجروا عن كثير وكثير من المخالفات والجرائم ومن بينها المسكرات والمخدرات.

    أيها الأحبة! يقول أعداؤنا: إن العلاج عندكم أنتم يا معاشر المسلمين، فهذا كاتب غربي ومستشرق أمريكي اسمه أفران فوجان يقول مخاطباً المسلمين: أرجو أن تنجحوا في الاستفادة من دينكم وقوانين شريعتكم، وليس هذا من أجلكم فحسب بل من أجل الإنسانية، إن لديكم مبادئ أصيلة من دينكم فبإمكانكم أن تنجحوا.

    ويقول آخر وهو " جيمس بولدوين": إن المعجزة التي حصلت: ذلك أن المدمنين الذين أثقلتهم الكحول والمخدرات يتغيرون فجأة عندما يعتنقون الإسلام، كما أصبحنا نرى الذين لم يسمعوا قبلها برسالة الإسلام يتعرفون عليها ويؤمنون بها ويتغيرون، لقد استطاع الإسلام تحقيق ما فشلت فيه أجيال من متخصصي العمل الاجتماعي، واللجان، والقرارات، والتقارير، ومشاريع الإسكان، ومراكز الترفيه، ألا وهو شفاء وإنقاذ السكارى والمتشردين وكسب الذين غادروا السجون وإبقاؤهم خارجها، إنه الإسلام الذي جعل الرجال أطهاراً والنساء فاضلات، وأعطى الرجال والنساء الاعتزاز والرصانة اللذين يحيطانهم كالنور الدائم!

    يقول هذا كافر من الكفرة، والحق ما شهدت به الأعداء.

    أيها الأحبة! إن ذلك من ما يدعونا أن نتشبث بديننا، وأن نتمسك بديننا، وأن نعلم أنا أمة إن أردنا أن ننافس الناس بأعدادنا فقد هلكنا؛ لأن الكفار والمشركين والمجوس والهندوس والوثنيين أضعاف المسلمين، إنا لا نقاوم الناس بكثرة عدد، وإن أردنا أن نتفوق أو أن نحفظ أنفسنا بسلاح فما أظن أحداً يحفظ نفسه بسلاح يصنعه عدوه، ولكن إن حفظنا أنفسنا بدين، بحفظ الله (احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك) نحفظ أنفسنا بهذا الدين، نحفظ أنفسنا بهذه الشريعة، بكل ما جاءت به من تشريع اقتصادي وسياسي واجتماعي وإعلامي وتربوي وكل جانب من جوانب الحياة.

    وإن الذين لا يزالون يرددون النظريات الغربية أو يرونها أطروحة تحل مشكلاتنا؛ أولئك يمثلون وقد هدم المسرح، ويصفقون وقد خرج الجمهور، ويعيدون رواية قومية فاشلة، وعلمانية ساقطة، وبعثية زنيمة، فلا خلاص إلا في الإسلام ولا نجاة إلا بالإسلام أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا [محمد:24].

    بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    سريان الداء في المجتمع ونتيجته

    الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    أيها الأحبة في الله! اتقوا الله تعالى حق التقوى، تمسكوا بالإسلام وتعلقوا بالإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، اعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله مع الجماعة ومن شذ شذ في النار عياذاً بالله من ذلك.

    أيها الأحبة! أتعلمون إلى أي حد قادت المخدرات أتباعها وأذنابها ومتعاطيها ومروجيها؟

    لقد بلغ بأحدهم أن يبقى حارساً عند الباب والمروجون يفعلون بزوجته..!! لقد قادت المخدرات أناساً استدرجوا بناتهم الصغيرات لتفعل بهن الفواحش..! لقد قادت المخدرات أناساً أن يُفعل بهم اللواط عياذاً بالله من ذلك ولا حول ولا قوة إلا بالله..!

    اللهم احفظنا بحفظك، ولا تكلنا إلى أنفسنا، الحمد لله الذي عافانا مما ابتلى به كثيراً من خلقه، وفضلنا على كثير ممن خلق تفضيلاً.

    لقد قادت المخدرات شباباً إلى سرقة متاع وأثاث بيوت أهليهم من أجل حقنة أو حفنة أو سيجارة من حشيش أو هروين أو غير ذلك..!

    لقد سرى ذلك الداء العضال والسم الزعاف حتى إلى الفتيات، وأصبح بعضهن يغري بعضاً، ويدعو بعضاً بعد أن اجتاحت أعداداً كبيرة من الشباب.

    1.   

    واجبنا تجاه هذا الداء العضال

    إنني من هذا المكان أقول: إن الإعلام لا يزال مقصراً في إعطاء هذا الجانب المكان الكافي والوقت المناسب لمحاربته وتحذير الناس صغاراً وكباراً من شره.

    إن الإعلام يدخل كل دار بلا استئذان، وعليه أن يجعل أوقات الذروة والساعات الذهبية لمكافحة هذا الداء العضال، لمكافحة هذا المرض والسم الزعاف الذي انتشر سراً بين كثير من الناس وأصبحت تفجع وتفاجأ بأن بيت بني فلان فيه الأطهار والأبرار يقع فيه فتى أو فتاة في أضرار وأسر هذه المخدرات..!

    أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى     فصادف قلباً خالياً فتمكنا

    وقعوا فيها قبل أن يحذروا منها، قبل أن يعرفوا عنها، استدرجوا إليها، استنزلوا من عصم مواقعهم إلى أوحالها ودركاتها فوقعوا فيها وهم لا يعلمون، ولما علموا دخلوا دائرة الإدمان، ولا سبيل إلا بالتوبة، ولا سبيل إلا بالرجوع والإنابة إلى الله جل وعلا.

    وأنتم يا معاشر المصلين! خير من يملك حِبالاً ترمون بها إلى الذين يصارعون الموج غرقى يوشك أن ينحدروا إلى قاع أبحر المسكرات والمخدرات، الدعوة إلى الله من أهم الأسباب التي تبين للناس أخطار هذا الداء العضال، الشريط الإسلامي والكتاب والنشرة الموثقة من الأسباب المهمة التي ينبغي أن نقوم جميعاً يداً واحدة لنشرها بين الناس، وإن الواقع يحتاج إلى إصلاح في القاعدة كما يحتاج إلى إصلاح في درجات أخرى، والقاعدة: هم الناس، هم العامة، هم أبنائي وأبناؤك، أخواتي وأخواتك، أقاربي وأقاربك. لابد أن نسعى إلى إصلاح هذا الواقع لا أن نتفاخر بدش يجر عشرين قناة أو أربعين محطة:

    يقضى على المرء في أيام محنـته     حتى يرى حسناً ما ليس بالحسن

    تصوروا لو أن الأفلام المتحركة أو ما يسمى بالكرتون الذي يستغرق من البث الإعلامي قرابة الساعة أو أكثر من الساعة يومياً أعطي مثله أو محله أنشودة في التحذير من المخدرات، وقصة في التحذير من المخدرات، ورواية في سوء عاقبة أهل المخدرات، وأحكام وأحاديث وندوات في الأوقات الذهبية، أقول: في الأوقات الذهبية؛ لأن الحديث أثناء خروج الناس من بيوتهم لا يراه إلا نزر يسير، والشاشة جمهورها عريض فلا حاجة أن يخاطبوا عبرها يوم أن يجتمعوا حولها.. هذا من النصح والتناصح، لا خير فينا إن لم نتناصح، بل نكون خونة، وأقول هذا لكم أنتم لتتقدموا ببرامجكم الإعلامية إلى كل كاتب وروائي ومحدث وواعظ ومتكلم وطالب علم، عليك السعي أن توجد ساعة أو بضع ساعة ليكون لك صوت في نداء الناس وتحذيرهم من هذا الشر الذي ابتلي به الناس.

    ثم أيضاً نحتاج أن نخاطب الذين يستهدفون بالمخدرات في مواقع تجمعاتهم، لا أن نقيم ندوة يحضرها من الأساتذة والمربين والأفاضل فنقول لهم: هذه أضرار المخدرات، أولئك يعلمون عنها علماً أكثر مما يتكلمه المتكلم، بعبارة أوضح: أين يجتمع الشباب؟ على مدرجات الملاعب الرياضية، فليرحل فريق من الدعاة إلى الملاعب الرياضية، وليأخذوا ما استطاعوا ولو بين الشوطين ليقولوا للشباب: هذا سم زعاف تستهدفون به، وليقولوا للشباب: احذروا قبل أن تقعوا، فدرهم وقاية خير من قناطير العلاج، نحدث الشباب في كل مكان يجتمعون فيه، أما أن تكون ندوة المخدرات أمام خمسة أئمة، وعشرة مؤذنين، وأربعة أساتذة، وثلاثة موجهين كل هؤلاء ما وقعوا ولن يقعوا بإذن الله فيها، الحديث لمن وقع أو في الطريق إلى الوقوع.. ذلك أمر مهم يجب أن نعلمه أيها الأحبة.

    وختاماً: فإن مستشفيات الأمل تدعو كل ذي غيرة، وكل ذي كلمة، وكل ذي قلب رحيم، وكل ذي محبة لإخوانه أن يزورهم ويهديهم الكتاب، والشريط، والنشرة الموثقة، والكلمة الطيبة، والدعوة الصادقة.

    ما أكثر الملتزمين! ما أكثر المتدينين! ما أكثر الصالحين في مجتمعنا! ولكن أخشى أن نكون كما في صحيح البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما (الناس كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة).

    والله لو أن كل عشرة من الشباب المتدين جعلوا لهم برنامجاً في سجون الأمل وفي الإصلاحيات، وجعلوا لهم أصدقاء من أهل السجن... لماذا لا نشكل جمعية أصدقاء السجناء، نتعهدهم بالزيارة، بالكلمة، بالشريط، بالدعوة، بالحديث، لماذا لا ينظم الشباب حفلات ترفيهية هادفة واعظة نافعة مرحة تجر أولئك إلى الالتزام والاستقامة؟ لماذا لا ينظم الشباب المتدين برامج العناية والرعاية اللاحقة أول ما يفرج عن سجين المخدرات يتولاه أولئك الأخيار حتى لا يعود من جديد إلى قافلة السكر والمخدرات.

    إن المصيبة أن تجد كثيراً من النزلاء قد حل السجن قبل هذه المرة الأخيرة سبع مرات أو خمس مرات أو ثلاث مرات.. هنا مشكلة، هنا حلقة مفقودة، هنا قضية ينبغي تحديد السؤال عنها، وتشخيص العلاج لها: الرعاية اللاحقة.

    أيها الأحبة! من السهولة أن نقول: تلك مسئولية الإعلام وحده، أو مسئولية الداخلية وحدها، أو مسئولية الجهات التربوية وحدها، علينا أيضاً مسئولية وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ [التوبة:71].

    وختاماً: هذه نصيحة من رجل بيننا وبينه قرون، أبعثها بالنيابة عنه، هو ابن رجب الحنبلي ، من علماء المسلمين، يقول رحمه الله: يا شارب الخمر لا تغفل، يكفيك سكر جهلك، لا تجمع بين خطيئتين، يا من باشر هذه النجاسة بفمه اغتسل منها بالإنابة، وقد زال الدرن، طهروا درن القلوب بدمع العيون، فما يجلوها إلا التوبة، يا من درن قلبه بوسخ الذنوب.. لو اغتسلت بماء الإنابة لتطهرت، لو شربت من شراب التوبة لوجدته شراباً طهوراً، يا أوساخ الذنوب، يا أدران العيوب.. هذا مغتسل بارد وشراب، مجالس الذكر للمذنبين، شراب المواعظ، شراب المحبين، ترياق المفرطين قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ [البقرة:60] قد أدرنا عليكم شراب التشويق ممزوجاً بماء التخويف فبالله لا يبقى أحد منهم إلا وقد أناب إلى الكريم الوهاب، أليس من أهل الشراب من يبكي؟ أليس منهم من يضحك؟ أليس منهم من يطرب؟ أليس منهم من يتملق الناس ويتعلق بهم؟ أليس منهم من تثور نفسه فلا يرضى إلا بأن يطلق أو يضرب بالسيف ومنهم من ينام؟

    فهكذا شراب المواعظ يعمل في السامعين: فمنهم من يبكي على ذنوبه، ومنهم بعد توبته من يضحك ويعجب من سالف عهده، ومنهم من يفرح لمحبيه وأحبابه، ومنهم من يتشبث بأذيال التائبين الواصلين لعله يعلق خطام راحلته على قطارهم، ومنهم من لا يرضى حتى يبت طلاق الدنيا ثلاثاً، أو يقتل هوى نفسه بسيف العزم، ومنهم من لا يدرى:

    أيقظان أنت اليوم أم أنت نائم     وكيف يطيق النوم حيران هائم

    فلو كنت يقظان الفوائد حرقت     محاجر عينيك الدموع السواجم

    بل أصبحت في النوم الطويل وقد دنت     إليك أمور مفظعات عظائم

    تسر بما يفني وتفرح بالمنى     كما سر باللذات في النوم حالم

    نهارك يا مغرور سهو وغفلة     وليلك نوم والردى لك لازم

    وتدأب في ما سوف تكره غبه     كذلك في الدنيا تعيش البهائم

    أيها الأحبة! فلنكن عناصر فاعلة، ورموزاً نافعة في معادلة إصلاح المجتمع، علينا أن نقوم بدورنا تجاه هذه الأمة التي بليت بفتن تشق صفوفها في داخلها، وتفرق اجتماعها، وبليت بمنافقين يتربصون بنا الدوائر وينصبون الفخاخ ويفرقون الشمل، وبليت بأعداء إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا [آل عمران:120]

    فيا أحبابنا.. انفعوا، اعملوا، اسعوا، ابذلوا، ادعوا، ناصحوا، أعينوا، ادعوا الله، فإن لم تستطيعوا أن تفعلوا من ذلك شيئاً فلا تكونوا أعواناً للباطل على أهل الحق، ولا تكونوا دعاة للباطل من حيث لا تشعرون (ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت).

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم دمر أعداء الدين، اللهم جنبنا الخمر وأسبابها، اللهم جنبنا المخدرات وسبيلها، اللهم اشف المدمنين، اللهم اهد المروجين، اللهم عاف المتعاطين، اللهم سلمهم من دائها وبلائها، وتب علينا وعليهم يا رب العالمين، اللهم أعن رجال الأمن على مزيد من الحيطة والحذر والتفتيش الدقيق الذي لا يحابي أحداً في التفتيش والمحاسبة على كل ما يرد عبر أي حد أو مرفأ أو ميناء أو مدخل، اللهم ارزقهم الغيرة على دينهم وعلمائهم وولاة أمرهم وعامتهم والمسلمين أجمعين.

    اللهم انصر المجاهدين في كل مكان، اللهم انصر المسلمين في البوسنة والهرسك، اللهم انصر المسلمين في الفليبين، اللهم اجمع شمل المجاهدين في أفغانستان، اللهم أصلح حال المجاهدين في أفغانستان، اللهم آمنا في دورنا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم اجمع شملنا، ولا تفرح علينا عدواً، ولا تشمت بنا حاسداً، ربنا أعنا وثبتنا ولا تفتنا.

    اللهم لا تدع لنا ذنباً إلا غفرته يا واسع المغفرة، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا عقيماً إلا ذرية صالحة وهبته، ولا غائباً إلا رددته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا حاجة هي لك رضاً ولنا فيها صلاح إلا قضيتها يا رب العالمين.

    اللهم صلِّ على محمد، اللهم صلِّ على الحبيب، اللهم صلِّ على صاحب الوجه الأنور والجبين الأزهر، اللهم صلِّ على من بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة وجاهد فيك حق جهاده، اللهم صلِّ عليه وسلم تسليماً كثيراً ما تتابع الليل والنهار، وما ذكره الذاكرون الأبرار والأخيار، اللهم ارض عن خلفائه الراشدين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ومنك وكرمك يا أرحم الراحمين.

    وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ [العنكبوت:45]ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.