إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ محمد حسن عبد الغفار
  3. شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - كبائر الذنوب

شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - كبائر الذنوبللشيخ : محمد حسن عبد الغفار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الذنوب تنقسم إلى: صغائر وكبائر، ومن رحمة الله بعباده أن جعل الحسنات يذهبن السيئات، وبما أن الإنسان معرض للذنوب فحري به أن يكثر من فعل الطاعات؛ حتى تكفر عنه المعاصي والسيئات، وقد حذر الشرع من الوقوع في الذنوب وخاصة الكبائر منها، وأعظم الذنوب وأكبرها الشرك بالله، فعلى المرء أن يجتنب الذنوب صغيرها وكبيرها.

    1.   

    حقيقة الذنوب وتفاوتها وأقسامها

    إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد:

    من بديع نسق المصنف رحمه الله أنه تكلم عن الذنوب ليلمح بذلك إلى مذهب المعتزلة والخوارج وحكم مرتكب الكبيرة الذي فصلنا فيه القول سابقاً.

    أقول مستعيناً بالله اختلف العلماء في الذنوب على قولين.

    القول الأول: أن الذنوب صنف واحد كلها كبائر، وهؤلاء يلحظون عظمة الله جل وعلا، كما قال بعض السلف، لا تنظر إلى صغر المعصية، ولكن انظر إلى عظمة من عصيت.

    القول الثاني: قول الجمهور وهو الحق، ويقولون: إن الذنوب تنقسم إلى قسمين: كبائر، وصغائر، وقول الجمهور صحيح؛ لأن الأثر والنظر يدلان على ذلك.

    أما الأثر: فقد صرح الله جل وعلا في كتابه فقال: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ [النساء:31]، وهذا تنصيص يفهم منه: أن هناك ذنوباً دون الكبائر وهي الصغائر.

    وأيضاً قال الله تعالى: الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ [النجم:32]، وقال أبو هريرة: (اللمم) القبلة وهي فوق النظرة، فإذا الكبائر فوق والقبلة؛ لأن أبا هريرة رضي الله عنه وأرضاه أعد القبلة من الصغائر.

    وأيضاً حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ وفي رواية: ألا أنبئكم بالكبائر؟ الإشراك بالله، وعقوق الوالدين)، فهذا تنصيص من النبي صلى الله عليه وسلم على الكبائر، فدل ذلك على أن هناك ما هو دون الكبائر.

    أما النظر: فمعروف أن هناك تخصيصاً بين الكبائر وبين الصغائر؛ لأن الشريعة السمحاء، لم تفرق بين المتماثلين ولكنها فرقت بين المختلفين.

    قال الله تعالى: أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ [ص:28]، فالله جل وعلا يفرق بين المفترقين، وهنا لم تسور الشريعة بين الذي قبل أو فاخذ وبين الذي وطأ وزني، فالزنا فيه الحد وليس في التقبيل والمفاخذة الحد؛ لأنه جاء في الحديث: (أن رجلاً قبل امرأة، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! أقم علي الحد فسكت النبي صلى الله عليه وسلم ساعة حتى أقيمت الصلاة وصلى معه، ثم قال: أين السائل؟ فقال: أنا يا رسول الله! قال: أصليت معنا؟ قال: نعم، قال: قد غفر الله لك، ثم قرأ قول الله تعالى: وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفِيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ [هود:114]) فالرسول صلى الله عليه وسلم لم يقم الحد على هذا الرجل الذي قبل؛ لأن القبلة لا تساوي الوطء، بل السب لا يساوي الغيبة والنميمة، كذلك إن رضي في أهله بعض الخبث دون الزنا لا يكون كالديوث؛ لأن الديوث لا يدخل الجنة.

    فهذه دلالة بالنظر على أن الفريقين المختلفين لا يستويان، فهذا من النظر الذي يدل على تفصيل الذنوب وتقسيمها إلى كبائر وصغائر.

    بعض الأحاديث التي ذكر فيها أمهات الكبائر

    لقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم وأمهات الكبائر في خمسة أو ستة أحاديث منها: ما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: يا رسول الله! وما هن؟ فقال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات)، فهذه سبع من الموبقات المهلكات كما سنبينها إن شاء الله بالتفصيل.

    ومنها: ما في الصحيحين أيضاً عن ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه، قال: (سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الذنب أعظم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن تجعل لله نداً وهو خلقك، قلت: ثم أي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك، قلت: ثم أي؟ فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: أن تزاني بحليلة جارك).

    ومنها أيضاً: ما في الصحيح عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ألا أنبئكم بالكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين) ومنها أيضاً: ما في الصحيحين: (أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل أو ذكر عنده الكبائر، فقال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وكان متكئاً فجلس ثم قال: ألا وقول الزور ألا وشهادة الزور، فقال الصحابي: ما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت).

    فهذه مجموعة من الأحاديث جمعت أمهات الكبائر.

    أقوال العلماء في حد الكبائر وضبطها وعددها

    لقد اختلف العلماء في حد الكبائر وضبطها وكم هي، فقال ابن مسعود هي أربع، وسنده الحديث الذي رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (قلت: أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله نداً وهو خلقك).

    وسئل ابن عمر عن الكبائر فقال: هي سبع، وسنده في ذلك الحديث الذي رواه أبو هريرة : (اجتنبوا السبع الموبقات) فلما روي إلى حبر الأمة ابن عباس: أن ابن عمر قال: هي سبع قال: هي إلى السبعين أقرب منها إلى السبع، فبين أنها كثيرة.

    ونقول: الحد الذي حده ابن عباس كان حداً واضحاً فقال: كل ما أوجب الله على عمل من نار فهو كبير، وهذا حد قاطع، يعني: كل شيء أوجب الله النار على من فعله فهو من الكبائر.

    وقال سعيد بن جبير : من حد على عمل فهو من الكبائر.

    ثم إن شيخ الإسلام جمع هذه الأقوال وقال: كل لعن في عمل فهو من الكبيرة، وكل ما أوجب حداً فهو كبيرة، وكل ما جاء النص بالويل والثبور والعذاب في الآخرة فهو من الكبائر. يعني: إذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: لعن الله كذا، فهذا الفعل من الكبائر، ويدخل في ذلك أمر يستخف به الناس، وهو الاستنزاه من البول، فعدم الاستنزاه أو عدم الاستتار من البول من الكبائر، فقد جاء في الحديث عن ابن عباس (أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقبرين يعذبان، فقال: إنهما يعذبان وما يعذبان في كبير ثم قال: بلى بل هو كبير، أما الأول فكان لا يستنزه من بوله)، فويل لمن لا يحسن الاستنجاء ويل له؛ لأنه قد فعل كبيرة، وفي رواية أخرى قال: (لا يستتر من بوله)، فويل ثم ويل لمن يتكشف ولا يستر عورته؛ فإن كشف العورات فيها العذاب في القبر، بل عامة عذاب القبر من عدم الاستنزاه من البول.

    وأيضاً: الغيبة والنميمة هما من الكبائر.

    وأيضاً: التخلي في الطرق في الأماكن، أو المثمرة -أي: التي فيها شجر أو هي ظل للناس- ببول أو غائط من الكبائر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اتقوا اللعانين، قالوا: يا رسول الله! ما اللاعنان؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: الذي يتخلى في طريق الناس، أو ظلهم).

    الغرض المقصود: أن ما فيه لعن أو أوجب حداً أو كان فيه عذاب في الآخرة، فهو كبيرة من الكبائر. س

    تفسير النبي صلى الله عليه وسلم لأكبر الكبائر

    إن أكبر الكبائر هو الشرك بالله، والشرك أولى التفسير به ما فسره النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال فيه: (أن تجعل لله نداً وهو خلقك)، أي: تجعل لله نداً في الأسماء والصفات، وتجعل له نداًُ في الربوبية، وتجعل له نداً في الإلهية كما سنبين.

    1.   

    أقسام الشرك

    والشرك قسمان: شرك أكبر، وشرك أصغر.

    حقيقة الشرك الأصغر ومعناه

    الشرك الأصغر: هو شرك الإرادات والنيات، كأن يقوم المرء يريد أن يصلي فيرى نظر الناس إليه فيحسن من صلاته، فيطيل في القيام وفي الركوع وفي السجود؛ لنظر الناس أو لمقامهم منه، فهذا شرك النيات والإرادات.

    وقد ورد عن بعض السلف: أن رجلاً دخل المسجد يصلي فأطال القيام وأحسن الركوع والسجود، فكان الناس ينظرون إليه ويتعجبون ويقولون: ما أحسن صلاة هذا الرجل، لكنه كان مرائياً في صلاته؛ ولذلك فإنه بعدما جاء إليهم قال: وأنا كذلك صائم، فهذا يبين أنه كان يرائي في عمله، ولا يفعل ذلك لله جل وعلا، فهذا يحبط عمله، وهذا من الشرك الأصغر.

    قال ابن القيم : يسير الرياء شرك أصغر، ومفهوم المخالفة: أن كثير الرياء شرك أكبر، يعني: الرياء الذي يتمكن في القلب ويتولد عنه النفاق.

    من صور الشرك الأصغر

    من صور الشرك الأصغر: المراءاة، فيتصدق ليقال: متصدق، ويعلم ليقال: معلم، ويجاهد ليقال: مجاهد، وهذا جزاؤه في الدنيا من جنس عمله، وفي الآخرة له الثبور والنار، إلا أن يغفر الله له.

    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصحيح: (من راءى راءى الله به، ومن سمع سمع الله به)، نعوذ بالله من ذلك، وهذا الشرك خاف منه النبي صلى الله عليه وسلم على أمته حيث قال: (أخوف ما أخاف عليكم الشرك الخفي، قالوا: يا رسول الله! وما الشرك الخفي؟ قال: الرياء)، فهو أخف من دبيب النمل.

    حقيقة الشرك الأكبر وحكم مرتكبه في الدنيا والآخرة

    الشرك الأكبر هو أظلم الظلم، وأعظم الذنوب، وأكبر الكبائر، وما ذلك إلا لأن عقوبته في الدنيا وخيمة، وفي الآخرة أشد وأنكى.

    أما في الدنيا: فإن الذي يشرك بالله جل وعلا فهو حلال الدم، إن كان مسلماً فهو مرتد بذلك، فيستتاب ثلاثة أيام، وبعض العلماء يقولون: يقتل في وقتها دون استتابة؛ لظاهر حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (من بدل دينه فاقتلوه)، فهو حلال الدم في الدنيا.

    وإن كان مشركاً فهو مخير بين ثلاث: إما أن يسلم، وإما أن تضرب عليه الجزية ذليلاً صاغراً، وإما أن يقتل فيكون حلال الدم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله) فهو مخذول في الدنيا.

    أما المشرك في الآخرة فلا يغفر له، وإنما يخلد في نار جهنم، قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48].

    وأيضاً: فإنه حرام عليه الجنة، فلا يمكن أن يشم رائحتها، ولا يدخلها بحال من الأحوال، كما قال الله تعالى: إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ [المائدة:72]، إذاً: فله عقوبة في الدنيا وعقوبة في الآخرة، وكذا من وقع في الشرك الأكبر، الذي هو أعظم الذنوب وأكبر الكبائر.

    1.   

    أنواع الشرك

    أنواع الشرك: شرك في الأسماء والصفات، وشرك في الربوبية، وشرك في الإلهية.

    الشرك في الربوبية وذكر بعض صوره

    الشرك في الربوبية: أن تجعل لله نداً وهو خلقك، ومعنى الرب: الخالق الرازق المدبر الآمر الناهي السيد المطاع، فهذه من لوازم الربوبية، فلا بد أن تعتقدها اعتقاداً جازماً، ولو خلا القلب من هذا الاعتقاد لوقع المرء في الشرك، فلا بد أن تعتقد بأن الله جل وعلا هو الذي يدبر الكون كله، قال تعالى: يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ [السجدة:5]، وتعتقد أن الله جل وعلا هو الخالق، قال تعالى: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [الزمر:62]، أن الله جل وعلا هو الرازق، قال تعالى: مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات:57-58]، وأن الله جل وعلا هو الآمر الناهي المشرع، قال الله تعالى: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ [الأعراف:54]، وهناك فرق بين الخلق فالأمر: هو التشريع من الله جل وعلا.

    فمن صور الشرك التي دبت في هذه الأمة في الربوبية أن يصرف هذا الاعتقاد الذي هو لله جل وعلا لغيره سبحانه.

    ومن صور الشرك في الربوبية: أن تعتقد بأن هناك خالقاً غير الله جل وعلا، كما اعتقدت الثنوية والمنوية أن للكون خالقين: خالقاً للظلمة، وخالقاً للنور، وهذا شرك في ربوبية الله جل وعلا، قال الله تعالى: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [الرعد:16]، وقال عز وجل: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [لقمان:25]، فهذه صورة من صور الشرك الربوبية.

    ومن صور شرك الربوبية: ما يحدث من غلاة الصوفية، من اعتقادهم: أن في هذا الكون أقطاباً وأبدلاً يتحكمون فيه من دون الله جل وعلا، حيث يعتقدون أن هناك من يحرك الكون أو يجعل المطر ينزل من دون الله جل وعلا، وهذا شرك في الربوبية.

    ومن صور شرك الربوبية أيضاً عند غلاة الصوفية: الاعتقاد في الأولياء، أي: بأنهم ينفعون أو يضرون، فتراهم يذهبون إلى البدوي أو عبد القادر الجيلاني أو الحسيني ويعتقدون فيه أنه ينفع ويضر، وأعظم من ذلك أنهم يعتقدون في رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه ينفع ويضر، وأنه لم يمت حقيقة، مما جعلهم يقولون: إن في هذه الدنيا من يرى عياناً الرسول صلى الله عليه وسلم، وكأن لازم قولهم: أن الصحبة لا تنتهي إلى يوم القيامة، وهذا كلام بعيد جداً، لا يصدر إلا من لا علم له، بل فكره فكر المعتزلة المحضة، وسنبين ذلك مفصلاً.

    الغرض المقصود: أنهم يعتقدون في غير الله ما لا يكون إلا لله وحده جل وعلا.

    ومن صور الشرك في الربوبية أيضاً: الاعتقاد في النجوم السيارة أنها تتحكم في المطر أو في الأرزاق،

    وأن هذه النجوم تضر وتنفع أو تنزل المطر، فالاعتقاد المستلزم لهذا الطلب هو شرك في الربوبية.

    ومن صور شرك الربوبية أيضاً: ما كان في المشركين الذين يتخذون الأحبار والرهبان أرباباً من دون الله، أي: من صور شرك الربوبية: أن يأمر أحداً وينهى خلاف أمر الله ونهيه، فيقدم هذا الأمر أو النهي على أمر الله أو نهيه فهذا شرك في الربوبية؛ لأن السيد المشرع والآمر والناهي هو الله جل وعلا.

    جاء في الحديث: (دخل عدي بن حاتم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ [التوبة:31]، فقام عدي منتفضاً فقال: يا رسول الله ما عبدناهم من دون الله -أي: ما سجدنا لهم ولا قربنا القرابين لهم- فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: أما حرموا عليكم الحلال فحرمتموه، وأحلوا لكم الحرام فأحللتموه؟ قال: نعم يا رسول الله، قال: تلك عبادتكم إياهم)، يعني: أن هؤلاء أحلوا الحرام وحرموا الحلال من دون الله، ونصبوا أنفسهم أرباباًً من دون الله، فتابعتموهم في ذلك، ومن اعتقد في غير الله أن له التشريع أو الأمر والنهي فقد وقع في شرك الربوبية.

    الشرك في الأسماء والصفات وذكر بعض صوره

    كلنا يعلم أن الأسماء الحسنى والصفات العلى والكمال المطلق والجلال المطلق هو لله جل وعلا.

    فالشرك في الأسماء والصفات ضابطه: أن تشبه صفات الخالق بصفات المخلوق، هذا هو الضابط، وقال نعيم بن حماد من شبه الخالق بالمخلوق فقد كفر، فضابط ذلك: أن يشبه الاسم بالاسم أو الصفة بالصفة، كما قالت المشبهة: إن الله ينزل، إلى السماء الدنيا كما ينزل أحدنا من سريره إلى الأرض، أو ينزل أحدنا من الأعلى إلى الأسفل، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً، فهذا شرك في أسماء الله جل وعلا، وشرك في صفاته جل وعلا.

    كذلك يقولون: الله يضحك، وضحك الله كضحك البشر، فهذا شرك في صفات الله جل وعلا؛ لأنهم شبهوا صفات الله بصفات المخلوق.

    كذلك يثبتون الله يداً لكن، يقولون: يد الله كيد المخلوق، لها أصابع، أنامل، وكذا، فيشبهون يد الخالق بيد المخلوق، وهذا شرك في صفات الله جل وعلا، وظاهره الكفر؛ لأنهم شبهوا الخالق بالمخلوق.

    ومن الشرك في الأسماء أيضاً: أن يشتق للآلهة الباطلة أسماء من أسماء الله جل وعلا، كالذين اشتقوا اللات من اسم الله، أو الإله، واشتقوا العزى من اسم العزيز، واشتقوا مناة من المنان، فهذه من صور الشرك في أسماء الله جل وعلا.

    ومن الشرك في أسماء الله وصفاته: التعطيل الكامل، أو التعطيل الجزئي، أما التعطيل الكامل: فهو نفي الاسم والصفة، وأما التعطيل الجزئي: فهو نفي الصفة دون الاسم، والتعطيل الكامل هو مذهب غلاة الجهمية الذين قالوا: لا سميع ولا سمع، ولا بصير ولا بصر، فهؤلاء شبهوا الله بالعدم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية : المعطل يبعد عدماً والمشبه يعبد صنماً.

    وأما المعتزلة فقد نفوا الصفة لكن أثبتوا الاسم، وهذا نوع من الشرك في أسماء الله الحسنى وصفاته العلى.

    الشرك في الإلهية وذكر بعض صوره

    إن الشرك في الإلهية هو الذي أنزل الله من أجله الكتب، وأرسل من أجله الرسل، وهو الذي دب في الأمة، فكثير من المسلمين الآن مكتوب على بطاقته: مسلم، ولكنه مشرك بالله، ولا يدري أنه مشرك، وقد أشرك بالله في كثير من العبادات.

    وضابط شرك الإلهية: أن كل عبادة ثبتت بالكتاب والسنة أنها لله، فصرفها لغير الله شرك.

    من صور هذا الشرك المتفشي في الناس: السجود لغير الله جل وعلا، كسجود الأعاجم فارس والروم لملوكهم،وعظمائهم، ولذلك جاء في بعض الأحاديث: (أن معاذ بن جبل لما قدم من الشام ودخل على النبي صلى الله عليه وسلم سجد له، فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال معاذ : رأيت فارس والروم يفعلون ذلك بملوكهم، وأنت أحق بالسجود منهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها) لعظم حق الزوج.

    فالغرض المقصود أن السجود لغير الله، كالسجود للصنم أو السجود للمعظمين كما تفعل فارس والروم، من صور الشرك في العبادة، أو الشرك في الإلهية.

    ومن صور الشرك في الإلهية: الطواف، بالقبور، فالطواف بقبر البدوي شرك أشهر من نار على علم، فهناك ممن ينتسب إلى الإسلام يطوفون بالقبور حقاً ليس خيالاً، ومنهم الذين يحجون إلى البدوي ؛ لأنهم يعتقدون أن الحج إلى البدوي أولى بكثير من الحج إلى الكعبة، بستين حجة أو أكثر، فالطواف عبادة لله جل وعلا، والدليل على أنه عبادة قوله تعالى: ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ [الحج:29]، والأمر، ظاهر الوجوب.

    إذاً: فهذا الطواف عبادة، فصرفه لغير الله شرك.

    وجاء أن الطواف من ذكر الله، وإذا كان الطواف من الذكر فهو عبادة، فإذا كان لغير الله كالطواف بقبر فهو من صور الشرك في الإلهية.

    وهناك صورة من صور الشرك في الإلهية وهي منتشرة بين الناس: وهي المعالجة من مس الجن، فبسبب الجهل وقع المعالج والمعالج في الشرك، أما الذين يعالجون الناس فيقعون في الشرك وذلك بالاستعانة بالجن والاستعانة بغير الله شرك، وهذا يقع من المعالج.

    أما المريض فيقع فيه الشرك؛ لأن كثيراً من المعالجين يقول له: الجني يأمرك أن تذبح فرخة حمراء في بيضاء في سوداء، طولها كذا، فهذا المريض يقوم بالذبح لغير الله تعالى، وهذا شرك؛ لأن الذبح لا يكون إلا لله جل وعلا، والذبح عبادة لله جل وعلا، والدليل قوله تعالى: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ [الأنعام:162]، والنسك: هو الذبح، ويدل على ذلك قوله تعالى: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ [الكوثر:2].

    إذاً: فالذبح عبادة وصرفها لغير الله شرك.

    هذا هو النوع الثالث من أنواع الشرك، أي: الشرك في الإلهية، وهو أكبر الكبائر، وهو لا يغفر في الآخرة، وحكم مرتكبه: الدخول في نار جهنم خالداً مخلداً فيها.

    1.   

    حكم عقوق الوالدين وذكر بعض صور العقوق

    ٍلقد ثنى النبي صلى الله عليه وسلم بأعظم الكبائر بعد الشرك، ألا وهو عقوق الوالدين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (الإشراك بالله، وعقوق الوالدين).

    فالله جل وعلا لعظم حق الوالدين قرن برهما وطاعتهما بتوحيده سبحانه، فقال: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [الإسراء:23]، وقال عز وجل: وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا [الأحقاف:15]، وكذلك قال سبحانه: وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا [لقمان:15]، وكما في الحديث الحسن الذي رواه الترمذي قال النبي صلى الله عليه وسلم: (رضا الله في رضا الوالدين، وسخط الله في سخط الوالدين).

    فالغرض المقصود: أن بر الوالدين واجب شرعاً، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن أوسط أبواب الجنة هما الوالدان، وبين أن الجنة تحت أقدام الأمهات، فلن يصل عبد إلى ربه أبداً إلا ببر الوالدين.

    ومن صور عقوق الوالدين وهو أخف العقوق: التأفف، كما قال الله تعالى: فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا [الإسراء:23]، ومن باب أولى عدم السب والشتم والإيذاء لهما والاستكبار عليهما، وعدم الائتمار بأمرهما، فإذا كان الوالد مثلاً: يرى في زوجتك خصلة من الخصال التي تبعد عن الإيمان، أو رأى ملحظاً شرعياً في أهلك فأمرك أن تطلق أهلك، فإنك إن عصيته فأنت عاق؛ لأنه قد لحظ على امرأتك ملحظاً شرعياً، وهو ما فعل ذلك إلا خوفاً عليك، وإن استدل مستدل بأن إبراهيم عندما جاء إلى زيارة إسماعيل فلم يجده، وإنما وجد زوجته فسألها عن حالها مع إسماعيل، فاشتكت من ظنك العيش، فقال لها: إذا جاء إسماعيل فقولي له: جاء شخص صفته كذا؛ ويقرأ عليك السلام ويقول غير عتبة بابك، قال إسماعيل: ذاك أبي وقد أمرني أن أفارقك فالحقي بأهلك، وطلقها سمعاً وطاعة لأبيه، فإننا لا نقول في ذلك: إن كان أبوك مثل إبراهيم فافعل مثل ما فعل إسماعيل، ولا نقول: إن كان أبوك مثل عمر فافعل مثل ما فعل ابن عمر؛ لأن إبراهيم عليه السلام رأى ملحظاً شرعياً على امرأة إسماعيل، أما ابن عمر فلم يكن يرى ملحظاً شرعياً، بل كان يحب امرأته وأبى أن يطلق لما أمره عمر ، لكن عمر الملهم الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (لو كان نبياً بعدي لكان عمر) وقال فيه النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً: (إن يكن في أمتي محدث فإنه عمر) رضي الله عنه وأرضاه، والذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً: (لو سلك عمر فجاً لسلك الشيطان فجاً غير هذا الفج)، وهذه المناقب فيها دلالة كبيرة جداً على أن عمر له فراسة فائقة، ولا نظن في عمر رضي الله عنه وأرضاه أن يكون بهواه رأى أن يطلق ابنه امرأته، ولكن لعله لحظ فيها ملحظاً شرعياً فأمر ابن عمر ابنه بتطليق امرأته، مع أن ابنه لم ير ذلك؛ لأن الحب والعاطفة تجعل الرجل لا يبصر خطأ امرأته، فلم ير ما رآه عمر فقال النبي صلى الله عليه وسلم لـعبد الله بن عمر : (أطع أباك).

    فنقول: إذا كان الأب يرى ملحظاًً شرعياً فلا تعقه وائتمر بأمره إن كان يريد لك الخير، ويلحظ الملحظ الشرعي؟! أما إن كان خلاف الملحظ الشرعي فلا سمع ولا طاعة للأب في ذلك؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

    وهناك آباء كثيرون يتضايقون من شدة التزام زوجة الابن فتجد بعض الأمهات تقول: لماذا لا تسلم على ابني الآخر؟ ولماذا لا تجلس وتأكل معه؟ فتقول: لابنها: طلقها؛ فهذه تهجرنا وتجافينا، نقول: طاعة الأم هنا معصية؛ لأنها ما أرادت طلاقها إلا عن هوى ومضادة ومحادة لله ورسوله؛ لأنه ما أرادت ذلك إلا لأنها تتمسك بدين الله جل وعلا، فالغرض المقصود أن هذا يسمع لها ويطيع إن كان الأمر فيه ملحظاً شرعياً وإن لم يكن فلا يسمع ولا يطع.

    أيضاً من صور العقوق للوالدين:

    الخروج إلى الجهاد في سبيل الله؛ جهاد لطلب لا جهاد الدفع بدون إذنهما، فهذا عقوق، ولذلك عقاب هذا الرجل أن يقف بين الجنة والنار، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لرجل خرج ليجاهد دون إذن والديه:: (ارجع فأضحكهما كما أبكيتهما).

    إذاً: فعقوق الوالدين كبيرة بعد كبيرة الشرك.

    1.   

    عظم قتل النفس التي حرم الله وحكم توبة القاتل

    يقول: النبي صلى الله عليه وسلم في عدد الكبائر: (وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق).

    قتل النفس من الكبائر؛ لأنه فساد عريض في الأرض، ودم المسلم عند الله أشرف من الكعبة، وأعظم وأشرف من السماوات والأرض، ولذلك فإن ابن عباس رضي الله عنه وأرضاه طاف بالكعبة فقال: أنت الكعبة شرفك الله وعظمك، وحرمة دم المسلم عند الله جل وعلا أعظم منك وأشرف.

    وجاء في الحديث الذي رواه الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لو اجتمع أهل السماوت والأرض على قتل مسلم لأكبهم الله في النار ولا يبالي) وذلك لأن دم المسلم شريف عزيز عظيم عند الله جل وعلا، ونحن نرى الآن أن دم المسلم صار رخيصاً بين أيدي الكفار؛ لأننا هجرنا دين الله، فنسأل الله جل وعلا ألا نسقط من عينه، وأن يردنا إليه رداً جميلاً؛ لكن لو تمسكنا بديننا وتمسكنا بكتاب ربنا وسنة نبينا لرفع الله عنا هذه الذلة المهانة.

    إن من الأدلة التي تثبت أن قتل النفس من الكبائر: اختلاف العلماء في توبة القاتل، فـابن عباس رضي الله عنهما يقول: إن القاتل لا توبة له، واستدل على ذلك بقول الله تعالى: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا [النساء:93].

    وجاء في السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما زال المرء في سعة حتى يصب دماً حراماً، فإذا أصاب دماً حراماً...)، أي: انتهى أمره ورق دينه إن فعل ذلك؛ لأنه تعدى حدود الله جل وعلا، والجمهور على أن للقاتل توبة، وهذا هو الصحيح، والذي يفصل النزاع ويقطعه قول الله تعالى: إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [الفرقان:70]، فهذا من الأثر.

    أما من النظر: فقياس الأولى، وذلك أنه قد اتفق العلماء على أن للمشرك الذي أشرك بالله توبة، وأنه إذا تاب من شركه ودخل الإسلام قبل الله توبته، والإسلام يجب ما قبله، فمن باب أولى القاتل أن يكون له توبة.

    1.   

    كبيرة أكل الربا وخطرها على الأمة

    الكبيرة الرابعة التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم في تعداد الكبائر: أكل الربا، فالربا أعظم خطر على الأمة، وما والفقر والضيق الذي تعيشه الأمم إلا بسبب الربا؛ لأن الربا موعود صاحبه وآكله بالعذاب والنكال والويل والثبور في الآخرة، وفي الدنيا بالحرب، بل يقول ابن عباس : هي حرب في الدنيا وحرب في الآخرة، وفسر قول الله تعالى: فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [البقرة:279]، قال: يقال لهم في عرصات يوم القيامة: على آكلي الربا أن يسلوا سيوفهم أو يرفعوا رماحهم؛ فهي الحرب مع الله جل وعلا، وهل أحد يحارب الله جل وعلا؟! وهل أحد يستطيع أن يواجه قوة الله جل وعلا؟! فالحرب في الدنيا وأيضاً في الآخرة.

    قال النبي صلى الله عليه وسلم -منفراً عن أكل الربا ومبيناً أنه من الكبائر-: (لعن الله آكل الربا -اللعن معناه: الطرد من رحمة الله- وموكله وكاتبه وشاهديه)، فملعون في الربا أربعة، وفي الخمر عشرة، لكن آكل الربا عذابه شديد، فقد رآه النبي صلى الله عليه وسلم وهو يسبح في نهر من الدم ويلقم حجراً، كلما وصل إلى حافة النهر ألقمه الملك الحجر، ثم يرجع إلى آخر النهر فهو يسبح في نهر من الدم جزاءً وفاقاً، فآكل الربا أيضاً فاعل لكبيرة لا بد أن يتوب منها.

    1.   

    مآل آكل مال اليتيم

    الكبيرة الخامسة: أكل مال اليتيم، الأصل فيه -أي: ما اليتيم- أن ولي اليتيم يرعى به اليتيم، فالولي أمين على مال اليتيم، بل يعمل فيه بما ينفع اليتيم، فإن كان الذي اؤتمن آكلاً له، فقد وقع في إثم كبير، قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا [النساء:10]، فهذه دلالة على أن آكل مال اليتيم فاعل لكبيرة، لا بد له أن يتوب منها.

    1.   

    حكم التولي يوم الزحف

    الكبيرة السادسة: التولي يوم الزحف، إذا اصطف الجيشان: جيش المسلمين، وجيش الكفار، فلا يجوز للمسلم أن يفر من العدو؛ فإنه سيفت في الصف المسلم، وسيخذل فيه، وهذا من أكبر الكبائر؛ ولذلك شدد الله جل وعلا على المؤمنين، وحذرهم من أن يتولوا أمام الكفار، فقال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ * وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [الأنفال:15-16]، فقوله: وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ [الأنفال:16]، دلالة على أن هذا من الكبائر.

    أيضاً من علامات الساعة: (أنه ستحدث مقتلة عظيمة بين الروم وبين المسلمين، وقبل ذلك يشترك مع الروم، فسقة المسلمين، فيقاتلون عدواً للروم وعدواً لهؤلاء المسلمين الفسقة الذين اتحدوا معهم ووالوهم، فيقتلون ويغنمون، ثم يقوم رجل من الروم فيرفع الصليب، ويقول: انتصر الصليب، فقام رجل مسلم فقتله انتصاراً للدين)، فهذه دلالة واضحة على أن من فعل كبيرة مثل هذا الذي والى غير المسلمين وقاتل معهم، أنه لا يكفر، لأن الإيمان تحرك في قلبه وقتل هذا الكافر.

    ثم قال: (ثم انحاز المسلمون عن الروم فذهبوا إلى الفئة المؤمنة الظاهرة على الحق، التي لم يضرها من خالفها ولا خذلها، فلما انحازوا لهم جاء الروم تحت ثمانين راية، تحت كل راية اثنا عشر ألفاً فيقولون: خلوا بيننا وبين الذين سبوا منا نقاتلهم، فيقول المسلمون: لا والله لا نأتيكم بإخواننا، فيشترطون شرطة تقاتل إما النصر وإما الشهادة، فينهزم ثلث: لا يتوب الله عليهم أبداً، ويقتل ثلث، هم أفضل الشهداء عند الله، ويفتتح الثلث، ولا يفتنون أبداً).

    وذلك لأن هؤلاء تولوا يوم الزحف وهؤلاء من أسوأ الطائفة المسلمة؛ لأنها خذلت هذه الطائفة المؤمنة.

    1.   

    حكم قذف المحصنات وعظم ذلك عند الله

    الكبيرة السابعة: قذف المحصنات،جاءت الشريعة بحفظ الضروريات الخمس وهي: الدين، والنفس، والعقل، والمال، والعرض.

    فقد جعل الله جل وعلا لحفظ الأعراض، سياجاً قوياً؛ ولذلك قال عن الذين يقذفون المحصنات: فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ [النور:13] أي: إن لم يأتوا بأربعة شهداء، وقال شيخ الإسلام : ما أقيم حد الرجم أو حد الجلد في الزنا بشهود أربعة من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عصري، ونحن نقول: إلى عصرنا هذا لم يقم حد الزنا على أحد بأربعة شهود؛ لأنه لا بد لكل واحد من هؤلاء الشهود الأربعة أن يقول: رأيت رجلاً على امرأة ورأيت ذكره في فرجها، ولذلك عندما اتهم المغيرة بن شعبة بالزنا قال أبو بكرة : رأيت رجلاً على امرأة ورأيت الفرج في الفرج، فـعمر نظر إلى أن صحابياً من الصحابة سيرجم، وينتشر أمره أمام التابعين، وكان عمر مخلصاً لله جل وعلا، فطيب الله قلبه بالستر على بعض الصحابة؛ ثم قال: وجاء رجل آخر مع أبا بكرة وقال: رأيت رجلاً على امرأة وفرجه في فرجها، ثم قال الثالث نفس القول، ثم جاء الرابع قال: رأيت رجلاً على امرأة وسمعت صوتاً، قيل له: هل رأيت الفرج في الفرج؟ قال: ما رأيت الفرج في الفرج، فقال عمر للثلاثة: قوموا لأجلدكم، فجلدهم الحد، ثم قال: الحمد لله الذي ستر على صحابي من صحابة رسول الله، فلما جلد أبا بكرة وصاحبيه، قال عمر لـأبي بكرة : تب لأقبل شهادتك، قال: والله لا أرجع عن قولي، فلم تقبل شهادة أبي بكرة ، لكن قبلت روايته؛ لأن هناك فارق بين الرواية وبين الشهادة.

    فإذاً المقصود أن قذف المحصنات من الكبائر، ولذلك جعل الله للأعراض سياجاً عظيماً جداً، وكان أشد ما وقع في القذف على المحصنات ما وقع في حادثة الإفك، فبرأ الله عائشة رضي الله عنها وأرضاها من فوق سبع سماوات.

    هذه أمهات الكبائر التي تكلم عنها وساقها في روايته، وبيناها وشرحناها.

    1.   

    أقوال العلماء في كون الكبائر تكفر بالحسنات والطاعات

    هناك سؤال يطرح نفسه ألا وهو: هل الكبائر كفارة؟

    أقول: لقد اتفق العلماء على أن للصغائر كفارة لكن النزاع في الذي فعل الكبيرة ثم لم يتب، فهل فعل الحسنات يكفر الكبيرة، كما جاء في سنن الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لـمعاذ : (اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها)، يعني: أن كل سيئة إذا أتبعتها بحسنة فإنها تمحها، لكن هل الكبائر تدخل في هذا الباب؟ وهل الحديث على إطلاقه أم هو مقيد بالصغائر؟ هذا هو محل النزاع.

    أقول: هذه المسألة فيها قولان:

    القول الأول: أن الكبائر لها مكفرات، من صلاة، ووضوء، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، والحج، بعد الحج والعمرة بعد العمرة، ورمضان إلى رمضان؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم (الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن).

    هذه الرواية جاءت مطلقة، لكن هناك رواية أخرى جاءت مقيدة، حيث قال فيها صلى الله عليه وسلم: (ما اجتنبت الكبائر).

    وعمدة أدلة أصحاب هذا القول -وهو من أقوى ما يكون-: ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان مع أصحابه في مجلس التعليم، ويضرب لهم الأمثال حتى يقرب المعلومة إلى الأذهان، فقال لهم: (أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات، فهل يبقى من درنه شيء؟ قالوا: لا يبقى من درنه شيء)أي: لا يبقى من درنه شيء من صغائر وكبائر ثم قال: (كذلك الصلوات الخمس يمحو الله بها الخطايا)، أي: أن الصلوات الخمس مثل النهر تنزل على معاصي المرء فتبيدها، بحيث لا يبقى من الكبائر ولا من الصغائر شيء، لكن ليست تلك الصلوات التي نصليها هي التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم أنها تكفر الكبائر والصغائر؛ لأن هذه الصلاة التي نصليها فيها نقص، ونرجوا من الله أن يتقبل منها الربع فقط لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا حزبه الأمر دخل في الصلاة، ويتدبر كلام الله تعالى، ويتدبر التسبيح في الركوع والسجود، ويتمهما.

    وهذا عروة بن الزبير رحمه الله لما دب السرطان في رجله، قالوا له: لا بد أن تشرب الخمر حتى نقطع رجلك؛ لأنك لا تحتمل، فقال: لا، إن شرب الخمر حرام، مع أنه ضرورة من الضرورات التي تبيح المحظورات، لكن كان الرجل قلبه منشغلاً بربه، فقال: لا، لكن إذا دخلت في الصلاة فاقطعوها، فلما كبر وبدأ في القراءة قطعوا رجله، قالوا: فما شعر بها إلا بعدما حسمت وأغمي عليه، رحمه الله تعالى.

    فهذه هي الصلاة التي تكفر الكبيرة.

    وهذا أخوه عبد الله بن الزبير بن العوام رضي الله عنه وأرضاه كان إذا قام فصلى أمام الكعبة طرح كل شيء خلفه، ذكر ابن كثير -كما في البداية والنهاية-: أنه صلى أمام الكعبة حين حاصره الحجاج عليه من الله ما يستحق، وهو في صلاته، فقذفه بالمنجنيق وكان مشتعلاً ناراً، فتدحرج النار على رجله، ولم ينتفض ولم يتحرك، بل أعظم من ذلك أنه صلى مرة قيام الليل وكان له ولد صغير عنده، فجاءت حية فالتفت على الولد وصرخ أهله وصرخ الجيران والتف الجيران من كل مكان من أجل أن الحية التفت على ولده، وهو في صلاته لم يعلم شيئاًً مما يحدث، فتركت الحية الولد، مصداقاً لقول الله تعالى: وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا [الكهف:82]، فصلاح الأب يحفظ الأولاد.

    نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا من الصالحين.

    إذاً: فهذه الصلاة هي التي تكفر الذنوب، وهي التي لا تبقي شيئاً من درن العبد، واستدلوا أيضاً بحديث الحج، الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (من حج ولم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه).

    قالوا: فهذا فيه دلالة على أن الحسنات تكفر الكبائر والصغائر.

    القول الثاني: قول الجمهور: وهو أن الكبائر لا تكفر إلا بالتوبة الخاصة، واستدلوا على ذلك بأن كل الروايات التي أتت مطلقة قيدت بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (الصلاة إلى الصلاة، ورمضان إلى رمضان، والجمعة إلى الجمعة مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر)، فهذا التقييد من النبي صلى الله عليه وسلم فيه دلالة على أن الكبائر لا تكفر بالحسنات.

    وأما حديث الحج: فتلك مسألة خاصة، فليس كل من ذهب إلى الحج يرجع كيوم ولدته أمه، بل لا بد من صفات تتوافر في هذا الحاج، وهي أنه لم يرفث ولم يفسق، حتى يرجع كيوم ولدته أمه.

    لكن نحسن الظن بالله جل وعلا ونميل إلى أصحاب القول الأول، أي: بأن الصلوات والجمعة إلى الجمعة والحج تكفر الكبائر والصغائر؛ فإنا لا نقدر على عذاب الله جل وعلا ولا نقوى على سخط الله.

    رفعنا الله وإياكم إلى الفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً.