إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ محمد حسن عبد الغفار
  3. شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - ذكر الوحي - الرسالة - النبوة - الفرق بين الرسول والنبي

شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - ذكر الوحي - الرسالة - النبوة - الفرق بين الرسول والنبيللشيخ : محمد حسن عبد الغفار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الرسالة أو النبوة شرف لا يدانيه شرف، وما هي إلا اصطفاء واجتباء من الله لمن شاء من خلقه، لا كما تدعيه المبتدعة من أنه يمكن للإنسان أن يصل إليها بزهده وخلواته بربه، وقد ميز الله رسله وأنبياءه بميزات على سائر الخلق، وأيدهم بمعجزات ظاهرة باهرة؛ لتزداد ثقة الناس بهم، وليصدقهم أعداؤهم أو تقام الحجة عليهم، وقد حبا الله نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم بمعجزات لم يعطها نبياً قبله، لكونه خاتمهم، وشريعته إلى الخلق كلهم، عربهم وعجمهم، أسودهم وأبيضهم، وكثير منها نراه اليوم بين أظهرنا واضحة للعيان.

    1.   

    بيان ما يتضمنه باب بدء الوحي

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    إخوتي الكرام! ندخل في باب جديد في كتاب (شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة) هذا الباب هو: بدء الوحي، وتوطئة لهذا الباب، نبدأ بالكلام على الرسالة والنبوة، والفرق بين الرسول والنبي، وأقوال أهل العلم في ذلك، ثم بعد ذلك نبين أن الله جل وعلا إذا اختار نبياً اختاره عن حكمة وعلم، واختاره بفضيلة كانت فيه وهبه الله إياها، ونبين عطب كلام الفلاسفة الذين قالوا: إن النبوة مكتسبة، ثم نختم بكيفية الوحي، ومجيء الوحي، أو إرهاصات ومقدمات في تهيئة الناس لمبعث النبي صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    معنى النبي والرسول

    النبي: مشتق من النبأ وهو الخبر، والنبي مُخبَر ومخبِر، مخبَر من قبل الله، أخبره الله بشيء سيخبره، قال الله تعالى حاكياً عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم: قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا [التحريم:3] أي: من أخبرك؟

    وهو مخبِر، أي: مخبِر عن الله جل وعلا بما أخبره به، قال الله تعالى: نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الحجر:49] فمعنى: (نبئ) أي: أخبر.

    إذاً: فالنبي مخبِر عن الله جل وعلا، ومخبَر من قبل الله جل وعلا.

    وقيل: هو مشتق من النبوة، وهو الشيء المرتفع (العلامة)، وهو حق في حق الأنبياء؛ لأنهم أرفع الناس مقاماً، وهم العلامة على الهدى.

    أما الرسول: فهو الموجه بأمر ليبلغه، وهو مشتق من قول الله تعالى حاكياً عن ملكة سبأ : وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ [النمل:35]، وأيضاً كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوجه رسله إلى ملوك فارس والروم، ونحوهم، فمنها: قوله: (باسم الله، من محمد رسول الله! السلام على من اتبع الهدى، أسلم تسلم وإلا فعليك إثم الأريسيين) يعني: الفلاحين.

    1.   

    أقوال أهل العلم في الفرق بين الرسول والنبي

    اختلف أهل العلم في مسألة الفرق بين الرسول وبين النبي على ثلاثة أقوال:

    القول الأول: لا فرق بين الرسول والنبي، وهذا القول أضعف الأقوال الثلاثة؛ لأن الله جل وعلا قد غاير بين الرسول والنبي، والرسول صلى الله عليه وسلم قد غاير بين النبي والرسول، فقال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ [الحج:52]، فوجه الشاهد قوله: مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ والأصل في العطف المغايرة، فيكون الرسول غير النبي.

    أيضاً: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن عدد الأنبياء فجعل لهم عدداً خاصاً بهم، وسئل عن عدد الرسل فجعل لهم عدداً خاصاً بهم، كما في الحديث: (سئل عن عدة الأنبياء، فقال: أربعة وعشرون ومائة ألف، وسئل عن عدة الرسل، فقال: ثلاثمائة وبضعة عشر رسولاً)، فهذا فيه دلالة على المغايرة بين الرسول والنبي، وهذا رد قاطع على هذا القول فيكون ضعيفاً.

    القول الثاني: قول جمهرة من أهل العلم، وهو أن الرسول أعم من النبي، وبينهما أمر مخصوص، فكل رسول نبي ولا عكس، وقالوا: الرسول: هو من أوحي إليه بشيء وأمر بتبليغه، والنبي: هو من أوحي إليه بشيء ولم يؤمر بالتبليغ.

    يعني: الرسول والنبي يتفقان في الوحي، ويختلفان في التبليغ، فالرسول أُمر بالتبليغ، والنبي لم يؤمر بالتبليغ، واستدلوا على قولهم بأن كل آيات القرآن: إذا ذكرت الرسول قرنت معه البلاغ، وأما الأنبياء إذا ذكروا فلم يقرن معهم البلاغ، من ذلك قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ [المائدة:67].

    القول الثالث: -وهو من القوة بمكان وقاله قال بعض أهل العلم-: وهو أن هناك فرق بين الرسول والنبي، لكن الرسول هو الذي أوحي إليه بشرع جديد ناسخ للشرع الذي قبله، أو ناسخ لبعض الشرع الذي قبله، وأمر بتبليغ هذا الشرع.

    أما النبي فهو الذي يأتي بعد رسول ولم يأتِ بشرع جديد، وإنما جاء بنفس الشرع الذي سبقه به الرسول الذي قبله؛ ليجدده للأمة، وأصحاب هذا القول استدلوا على ذلك بعدة أدلة قوية جداً:

    منها: أن بني إسرائيل كانت تسوسهم الأنبياء، يأتي النبي ليحكم بشريعة الرسول الذي سبقه.

    وأيضاً استدلوا بقول الله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ ، قالوا: والإرسال لازمه البلاغ.

    ونستدل لهم بآية أقوى من هذه في الدلالة، وهي قول الله تعالى: كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ [البقرة:213]، ولم يقل: الرسل، والبشارة والنذارة للرسول، وجعلها أيضاً صفة النبي، لكن ليس هذا القول براجح.

    والذي يتبين لي أن الراجح هو القول الثاني، أي: أن كل رسول نبي ولا عكس؛ لأن التعريف في القول الثالث يعترض عليه بآدم عليه السلام، ففي صحيح ابن حبان سئل النبي صلى الله عليه وسلم: (أآدم نبي؟ قال: نعم)، فخبرونا من الرسول الذي جاء قبل آدم بشرع وجاء آدم ليجدد هذا الشرع؟!

    إذاً: فهذا التعريف غير مطرد ولا يسلم من معارض.

    وأما الرد على استدلالهم بالآية الأقوى دلالة وهي قول الله تعالى: كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ [البقرة:213]، فنقول في الرد عليهم: ما من نبي ذكر في القرآن مبلغاً إلا وكان رسولاً، والدليل على ذلك قوله تعالى: وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ [النساء:164]، يعني: كل من قصصنا عليك في القرآن هم رسل مبلغون، ولا ينكر علينا إن قلنا: إنه نبي ورسول؛ لأن كل رسول نبي ولا عكس، فإذا ذكرتم أن الرسول نبي يصح من باب أولى.

    إذاً: كل من قصصنا عليك في القرآن فهو رسول حتى ولو ذكرناه بلقب أنه نبي، وبهذا يكون الرسول أعم من النبي، إذاً: فكل رسول نبي ولا عكس، والرسول: هو من أوحي إليه بشرع وأمر بالتبليغ، والنبي: هو من أوحي إليه ولم يؤمر بالتبليغ، ولو بلغ لا ينكر عليه، لكنه لم يؤمر لزاماً بالتبليغ.

    1.   

    الأقوال في مسألة النبوة والرسالة

    النبوة غير مكتسبة، لكن الفلاسفة زعمت بأن النبوة مكتسبة، أي: يمكن للإنسان أن يتزهد وأن يصوم النهار ويقوم الليل، ثم يخلو بربه الساعات الطوال ويترك الدنيا وما فيها وما عليها، وبذلك يأتيه جبريل فيوحي إليه بوحي على زعم الفلاسفة في كون النبوة مكتسبة.

    وهذا كلام باطل، بل هو أقرب إلى الكفر منه إلى الإيمان، بل النبوة منة ومحض فضل ورحمة من الله جل وعلا، قال عز وجل: اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ [الحج:75] وقال الله تعالى: وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ [يوسف:6] ولما قالوا: لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ [الأنعام:124]، ردّ الله عليهم: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ [الأنعام:124]، وقال الله تعالى: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ [مريم:58].

    يعني: النبوة هي محض رحمة ونعمة من الله جل وعلا، قال عز وجل: وَمَا كُنتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ [القصص:86] أي: هي رحمة من الله جل وعلا، لا مكتسبة.

    وإذا كانت النبوة محض فضل، فهل يمكن أن يضعها الله في أي أحد؟ حاشا لله، بل هي نابعة عن علم وحكمة، فقد اختار الله إبراهيم ليكون أبا الأنبياء على حكمة وعلم، واختار الله جل وعلا النبي محمداً صلى الله عليه وسلم أيضاً بحكمة وبعلم.

    1.   

    ميزات الرسل على سائر الناس

    هناك مميزات ميز الله بها الرسول أو النبي على البشر، منها: أن الله جل وعلا وصف الأنبياء والرسل بصفات تفوق صفات البشر، فهم أشرف نسباً، وأعظم الناس خَلقاً وخُلقاً، فقد هيأهم الله جل وعلا لأمر عظيم وهو أمر الرسالة والدعوة.

    نسب النبي صلى الله عليه وسلم

    نحن بصدد الكلام على رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم، وبما حباه الله جل وعلا حتى صار سيد ولد آدم، وهو أعظم الخلق على الإطلاق، وأشرف الناس نسباً على الإطلاق، وهو أجملهم وجهاً وأحسنهم خُلقاً على الإطلاق، انظروا إلى نسب النبي صلى الله عليه وسلم، ففي البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (اصطفى الله من ولد إسماعيل كنانة، ثم اصطفى قريشاً منهم، واصطفى بني هاشم من قريش، واصطفاني من بني هاشم)، هذه السلسلة هي أفضل سلسلة على الإطلاق، فالعرب هم أفضل الناس، وأفضل الناس من ولد إسماعيل كنانة، وأفضل ولد هؤلاء قريش، وأفضل قريش هم بنو هاشم، وأفضل إنسان في بني هاشم هو رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (اختارنا الله جل وعلا من خير القرون، من لدن آدم إلى القرن الذي كنت فيه)، فكان النبي صلى الله عليه وسلم في خير القرون.

    وأيضاً في الترمذي قال: (أنا خير الناس بيتاً، وأشرف الناس نسباً).

    صفات النبي صلى الله عليه وسلم الخلقية

    أما خَلقاً فحدث وابتهج، وليبتهج قلبك بأن الله جل وعلا حبا رسوله صلى الله عليه وسلم بالقبول، فقد كان إذا رآه أحد أحبه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم أجمل من القمر، وأجمل من الشمس، قال جابر بن سمرة رضي الله عنه وأرضاه كما في الترمذي : (نظرت إلى وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونظرت إلى القمر ليلة البدر، فو الله لوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم أجمل من القمر ليلة البدر).

    وفي مسلم : (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سر -يعني: ابتهج- استنار وجهه كأنه قطعة من القمر).

    وكانوا يعرفون فرح النبي صلى الله عليه وسلم باستنارة وجهه، وفي رواية أخرى قال: (كان وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم كالشمس أو كالقمر مستديراً).

    وفي البخاري أو في غيره: (كان النبي صلى الله عليه وسلم كثّ اللحية تعلوه الحمرة -يعني: بياض مشروب بحمرة- وكان وجهه مستديراً، وكان له جمة إلى شحمة أذنه) يعني: كان شعره ينزل إلى الأذن صلى الله عليه وسلم.

    ووصفه بعض الواصفين، فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عريض المنكبين، ضخم الرأس والأطراف والرجل، أوتي قوة أربعين رجلاً صلى الله عليه وسلم، ما رآه أحد إلا وأحبه، ما مس يده أحد إلا ولان قلبه قبل أن تلين يده، كما في الصحيحين عن أنس رضي الله عنه وأرضاه: (والله ما مست يدي ديباجاً ولا حريراً ألين من يد رسول الله صلى الله عليه وسلم)، وكان التابعون يشتاقون إلى رؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي وجهه أجمل وأحلى من القمر، بل هو أجمل من يوسف عليه السلام؛ لأننا كما سنبين في المعجزات التي كانت للنبي صلى الله عليه وسلم، فقد جمعت له كل خصال الخير.

    كان الواحد من التابعين يقف أمام ابن مسعود ويقول: (كنتم تجلسون مع رسول الله، والله لو كان رسول الله بيننا ما جعلناه يمشي على الأرض، ولحملناه على أكتافنا! فقال له ابن مسعود : رويدك يا بني، لعلك لم تكن مؤمناً لو رأيته، فقد رأت قريشُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ورأوا الأعاجيب، انشقاق القمر، ورأوه عياناً ولم يؤمنوا به صلى الله عليه وسلم.

    إذاً: فكان التابعون يتمنون رؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو باعوا أنفسهم وأموالهم، ولذلك علماء الجرح والتعديل فضلوا الصحابة على غيرهم، وقالوا: ساعة واحدة فيها رؤية النبي صلى الله عليه وسلم خير من التابعين كلهم، بل بالأمة بعده، ولما قارنوا بين معاوية بن أبي سفيان وبين عمر بن عبد العزيز الذين سطروا له في التاريخ أنه خامس الخلفاء، قالوا: والله! لساعة من معاوية جلس فيها بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم يتأمل وجهه الكريم، خير من عمر بن عبد العزيز وأهل بيته.

    فرؤية الرسول صلى الله عليه وسلم كانت عبادة، وبركة.

    أخلاقه صلى الله عليه وسلم

    أما عن الخلُق، فهو الأسوة والقدوة، وقد ضيعنا هذه الأسوة! فنستغفره الله على ذلك.

    كان النبي صلى الله عليه وسلم: أعظم الناس وأرفعهم خُلقاً؛ لما وصفه الله جل وعلا ومدحه، مدحه بأعظم الصفات والسمات، فقال عز وجل: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4]. وفي الحديث: (سئلت عائشة رضي الله عنها وأرضاها: عن خلقه صلى الله عليه وسلم، فقالت: كان خلقه القرآن).

    وأيضاً في الصحيحين عن أنس قال: (ما مست يدي ديباجاً ولا حريراً ألين من يد رسول الله صلى الله عليه وسلم) وقال: (لا والله ما قال لي لشيء أنا فعلته: لم فعلته؟ ولا لشيء لم أفعله: لِمَ لمْ تفعله)، وهذا من أدب وخلق النبي صلى الله عليه وسلم، فقد كان يطرح المعاتبة؛ لأن المعاتبة تجعل في القلوب شيئاً، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعقب ويقول: (لو قدر له لفعل) وهذا من حسن خلق النبي صلى الله عليه وسلم فقد كان يحيل الأمر على قدر الله جل وعلا.

    وكان يحث على حسن الأخلاق فيقول: (أقربكم مني منزلة يوم القيامة وأحبكم إليّ أحاسنكم أخلاقاً، وأبعدكم مني منزلة يوم القيامة وأبغضكم إليَّ أسوؤكم أخلاقاً).

    وكان يقول: (خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي).

    وكان النبي صلى الله عليه وسلم أعظم الناس وأحسنهم خُلُقاً، كان رفيقاً شفيقاً رحيماً بعباد الله جل وعلا، كانوا يقولون: (يا رسول الله! ألا تدعو على المشركين؟ فيقول: إنما بعثت رحمة ولم أبعث لعاناً).

    وكانت صفته في التوراة: (أنه ليس بصخاب في الأسواق، وليس بفاحش ولا بذيء ولا لعان) حتى إنه أنكر على عائشة عندما دخل بعض اليهود فقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (السام عليك!) والسام بمعنى الموت، فقالت عائشة رضي الله عنها وأرضاها: (وعليكم الموت يا أحفاد القردة والخنازير، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا يا عائشة يكفيك أن تقولي: وعليكم، إن الله تعالى لا يحب الفاحش البذيء)، فهو يعلم عائشة التأدب ويقول: (كان يكفيك أن تقولي: وعليكم، إن الله لا يحب الفاحش البذيء).

    وكان النبي صلى الله عليه وسلم رحيماً بعباد الله، قال الله تعالى: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ [آل عمران:159].

    وفي الصحيح: (جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فجبذه جبذة شديدة، حتى أثرت في صفحة عنق النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: أعطني من مال الله، ليس مالك ولا مال أبيك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أعطوه من المال، أو أمر له بعطاء)

    وجاء يهودي كان قد أقرض النبي صلى الله عليه وسلم قرضاً، فأغلظ على النبي صلى الله عليه وسلم في الطلب، فقام عمر يريد أن يضرب عنق هذا الكافر، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم معلماً له : (أو غير ذلك، إن لصاحب الحق مقالاً، كان عليك أن تأمره بحسن الطلب، وتأمرني بحسن الأداء).

    وفي الصحيح عن عائشة رضي الله عنها وأرضاها أنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله رفيق يحب كل رفيق، ويجازي على الرفق ما لا يجازي على غيره)، وأيضاً في المسند عن الإمام أحمد عن عائشة رضي الله عنها وأرضاها: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما كان الرفق في شيء إلا زانه وما نزع من شيء إلا شانه).

    وكان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود من الريح المرسلة، وهذا أيضاً من حسن الخلق، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، فقد جاءه رجل فتألفه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك بأن رأى الرجل ينظر إلى وادي من الغنم، فقال له صلى الله عليه وسلم: (هذا لك! قال: هذا لي! أتستهزئ بي؟ قال: هذا لك! فلما علم صدق النبي صلى الله عليه وسلم رجع إلى قومه، فقال: يا قوم! أسلموا فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخشى الفقر).

    وفي الصحيحين: (مر الرسول صلى الله عليه وسلم مع أبي موسى الأشعري عند جبل أحد فقال صلى الله عليه وسلم: تمنيت أن يكون لي مثل هذا ذهباً فأنفقه حتى لا يبقى منه إلا ثلاثة دنانير) وكان النبي صلى الله عليه وسلم -مع جوده وكرمه- أزهد الناس في الدنيا، وكان يزهد أصحابه في الدنيا، فكان يقول: (الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما ولاه، وعالماً أو متعلماً)، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (ما لي ولدنيا، ما أنا إلا كراكب قال تحت شجرة -من القيلولة- ثم تركها وراح).

    ولما آلى من نسائه كما في الحديث الطويل الذي في البخاري دخل عليه عمر فوجد الحصير، قد أثر في جنبه صلى الله عليه وسلم فحزن لهذا، وقال: (يا رسول الله! أنت رسول الله والحصير قد أثر في جنبك، وكسرى وقيصر على الكفر يتنعمون في الحرير، وينامون على الفراش الوفير، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أما ترضى يا عمر أن يكون لهم الدنيا ولنا الآخرة).

    وكانت عائشة رضي الله عنها تصفه وتقول: (ما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه قط).

    فمن منا يفعل ذلك؟ لو أن الواحد منا جاهد نفسه وعمل بمقتضى الآيات التي تحض على العفو والصفح لما عاداه أحد، ومن هذه الآيات قوله تعالى: فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [الشورى:40]، والثانية قول الله تعالى: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ [فصلت:34]، أي: من كان بينك وبينه عداوة شديدة، فتحسن إليه كأن تأتيه بهدية أو تكلمه بلين الكلام فإنه يصبح أحب الناس إليك، وقبل ذلك كله تنال الأجر من الله سبحانه وتعالى.

    وكان صلى الله عليه وسلم محبوباً بين كل أصحابه، لدرجة أنه كان إذا تنخم فوقعت النخامة في يد أحدهم يدلك بها وجهه، وكانوا يعظمونه تعظيماً شديداً، ولذلك لما رأى عروة بن مسعود الثقفي هذا الذي يفعل بالنبي صلى الله عليه وسلم من أصحابه، رجع إلى قريش وقال: (والله لقد دخلت على كسرى وقيصر، ودخلت على ملوك الدنيا فما رأيت أحداً يعظم ملكه مثل ما يعظم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم محمداً صلى الله عليه وسلم) لِم؟ لهذه الأخلاقيات.

    وأيضاً كان صلى الله عليه وسلم كامل الالتزام ملتزماً بالشرع، قالت عائشة رضي الله عنها: (وما مست يده الشريفة امرأة قط).

    إرهاصات ومعجزات النبي قبل ولادته وقبل بعثته

    لقد اختار الله محمداً صلى الله عليه وسلم ليكون نبياً وهيأه لذلك، فهو أشرف الناس نسباً وأعظمهم خَلقاً وخُلُقاً صلى الله عليه وسلم.

    قبل البعثة وقبل ظهور الأمر العظيم الذي سيشرق على هذه الدنيا، هيأ الله الدنيا لمخرج هذا الرجل العظيم، فهو أعظم رجل في العالم، وهو سيد الأولين والآخرين، وهو صاحب أعظم رسالة، وهو خاتم الأنبياء، فقبل ولادته ظهرت إرهاصات ومقدمات؛ حتى تتهيأ البشرية لمقدم الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.

    وفي سنة ولادة النبي صلى الله عليه وسلم حدثت معجزة من أكبر المعجزات، وكانت توطئة ليعلم الناس أنهم سيستقبلون أمراً عظيماً، ألا وهي أن أبرهة جاء ومعه الفيل ومعه جنوده لهدم الكعبة، وهذه المعجزة قصها الله سبحانه وتعالى علينا في القرآن، فقال الله عز وجل: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ [الفيل:1-2]، ثم جاءت المعجزة الكبيرة: وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ [الفيل:3-4]، حتى إن عبد المطلب لما ذهب إلى أبرهة يطلب منه أن يرد عليه إبله، قال أبرهة : كنت عظيماً في عيني قبل اليوم، يعني: بما أنك عظيم قريش، وقريش الكعبة، فالأصل أن تتكلم عن الكعبة لا عن الإبل، فرد عليه عبد المطلب بقوله: أنا رب إبلي وللبيت رب يحميه، فتناثر الناس يميناً ويساراً وتركوا الكعبة لأبرهة، فلما دخل أبرهة مكة أنزل الله هذه المعجزة العظيمة:وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ، تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ، فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ ، فكانت إرهاصة وكالمقدمة والتوطئة لمبعث رجل عظيم.

    أيضاً من المعجزات: أن أمه حين ولدت به رأت نوراً خرج من فرجها قد أضاء له قصور الشام.

    فهذه كانت إرهاصات وتوطئة لمقدم النبي صلى الله عليه وسلم، ولما بلغ صلى الله عليه وسلم الرابعة من عمره، جاء ملكان فشقا بطن الرسول صلى الله عليه وسلم فاستخرجا قلبه وشقاه، فأخرجا منه علقة سوداء فقالا: هذا حظ الشيطان من الرسول صلى الله عليه وسلم، وأهل الاعتزال والبدع يردون هذا الحديث، ويقولون: كيف يشق الملك بطن النبي صلى الله عليه وسلم، ويخرج قلبه، ويخرج حظ الشيطان منه؟!

    نقول: أنتم في العصور المادية الآن، فلو قام طبيب من الأطباء وعمل في البطن عمليات، فهل تصدقون ذلك؟ ستصدقون، وهذا ملك نزل من السماء إلى الأرض، وعلمه الحكيم العليم سبحانه وتعالى، فشق بطن النبي صلى الله عليه وسلم، فلماذا لا تصدقون؟! ويقال: إنه حدث هذا الأمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات:

    المرة الأولى: وهو ابن أربع سنوات، والمرة الثانية: وهو ابن عشر سنين، والمرة الثالثة: ليلة المعراج، حين نزل جبريل ففتح صدر النبي صلى الله عليه وسلم وملأه حكمة وعلماً؛ توطئة لأمر المعراج، وهذه كانت من المقدمات لمبعث النبي صلى الله عليه وسلم.

    أيضاً لما كان صغيراً وكان يحمل الحجر لبناء الكعبة، قال له العباس آمراً إياه: (يا بني! خذ إزارك وضعه على كتفك، فظهرت عورته فغشي عليه، فلم يرَ النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك عرياناً قط).

    أيضاً: حفظ الله عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم، وصانه من اعتقادات أهل الجهل ومن أخلاقياتهم، فكان يبغض الأوثان، ويبغض أخلاقيات أهل الجاهلية من شرب الخمر أو النظر إلى النساء، وكان يخلو بربه في غار حراء يتحنث فيه الليالي ذوات العدد، ثم يأتيه الملك.

    1.   

    الوحي تعريفه ومراتبه

    الوحي لغةً: هو الإلهام بخفاء، أو الإعلام بسرعة وصدق، والوحي يمكن أن يشترك فيه بعض الأولياء مع الأنبياء والرسل، ويمكن أن يوحى إلى بعض الأولياء وذلك بالإلهام.

    وسنبين أن الإلهام وحي، وذلك كما في قول الله تعالى: وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ [المائدة:111]، فقال: (أوحيت) باللفظ الصريح، وقوله تعالى: وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي [القصص:7]، وهذا الوحي يسمى: إلهاماً، ويمكن أن يأتي الوحي بمعنى الإشارة قال تعالى: فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا [مريم:11].

    وأيضاً يشترك الأنبياء في هذا الوصف، ولكن بالنسبة للأنبياء هو نفث في الروح، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نفث في روعي الروح الأمين: أنه لن تموت نفس حتى تستوفي أجلها ورزقها).

    فالوحي مراتب: أولها: الرؤيا الصالحة، فالرؤيا من مقامات ومراتب الوحي، ورؤيا الأنبياء حق لا بد أن تبلغ فهي شرع، قال الله تعالى -مبيناً ذلك عن إبراهيم عليه السلام أنه قال-: يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ [الصافات:102] فهذه رؤيا وهي وحي وشرع؛ لأنه أخذ ابنه وتله للجبين يريد أن يذبحه، إذاً: فهذا وحي وهو أمر لا بد أن يعمل به.

    وجاء في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان بدء الوحي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يرى الرؤيا فتكون كفلق الصبح) يعني: تتحقق كفلق الصبح، وكانت هذه بداية الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ثانيها: أن يكلمه الله بصوت مسموع، وهل الله جل وعلا يتكلم بصوت؟

    نعم يتكلم الله بصوت مسموع، ودليل ذلك قوله تعالى: وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى [الشعراء:10].

    ووجه الدلالة: أن النداء لا بد أن يكون بحرف وصوت، فالله جل وعلا يتكلم مع الرسول البشري من وراء حجاب، والرسول البشري يسمع صوت الله جل وعلا، ولذلك قال الله تعالى: وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ [الأعراف:143].

    وأيضاً: رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمه الله وحياً من وراء حجاب، وذلك لما عرج به، عندما كان النبي صلى الله عليه وسلم يترد بين الله عز وجل وبين موسى عليه السلام، فيقول: (فرض الله عليّ خمسين صلاة، فقال موسى عليه السلام: أمتك لن تستطيع، فارجع إلى ربك فليخفف عنك، فيرجع إلى ربه، فيكلمه، فيسمع من الله جل وعلا، حتى وصل إلى أن الله جل وعلا قال: هي خمس في العمل وخمسون في الأجر، لا يبدل القول لدي).

    ثالثها: أن يرسل الله الرسول الملكي جبريل عليه السلام إلى الرسول البشري فيوحي إليه، وكانت هذه مع النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً على مراتب:

    الأولى: أن يأتيه وهو في غار حراء فكان النبي صلى الله عليه وسلم يسمع صوتاً ويرى ضوءاً، وذلك توطئة للرسول صلى الله عليه وسلم لكي يتهيأ للوحي.

    الثانية: لأت يأتيه على صورة بشر، وهذه أسهل المراتب في الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يأتي على صورة دحية الكلبي ؛ لأنه كان من أجمل الناس وجهاً، وعندنا حديث ظاهر جداً أن الملك يأتي على صورة البشر ألا وهو حديث الإيمان، وهو عن عمر بن الخطاب أنه قال : (دخل رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، ثم أسند ركبتيه إلى ركبتيه .....) ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم في آخر الحديث: (فهذا جبريل جاء يعلمكم أمر دينكم)، إذاً: فأتاه على صورة بشر.

    الثالثة: أن يسمع النبي صلى الله عليه وسلم صوتاً كصلصلة الجرس، وهذه شديدة عليه، فقد كان يتصبب عرقاً في اليوم الشاتي، وهو يسمع حتى يعي ما يقال له، ثم يبلغ.

    الرابعة: أن يرى الملك على صورته، والنبي صلى الله عله وسلم لم ير الملك على صورته إلا مرتين:

    المرة الأولى: مرة عندما كان في الغار، فرأى ملكاً بين السماء والأرض رجله إلى الأرض، وهو جالس على كرسي في السماء، فلما نظر إليه وقد سد الأفق خاف النبي صلى الله عليه وسلم وذعر، وذهب إلى أهله فقال: (زملوني زملوني)، لأنه رأى منظراً لا يمكن أن يتحمله أحد، فالنبي صلى الله عليه وسلم الذي هو سيد البشر، وهو المرتفع المرتقي عند ربه وهو الشفيع، لما رأى هذا الملك خاف وذعر، وقال: (زملوني زملوني) فكيف يفعل المرء عندما يرى الملكين في القبر حين يأتيان يسألانه، والنبي صلى الله عليه وسلم عندما وصفهما: أنهما أسودان أزرقان اشتد ذلك على الصحابة، فالنبي صلى الله عليه وسلم فزع من الملك مع أنه أتاه بالخير وبالرحمة، فما بالك من ملك لا بد أن يفتنك في قبرك، وأنت عندما تراه تذهل، وهو يقول لك: (من ربك؟ ما دينك؟ ماذا تقول في هذا الرسول الذي بعث فيكم؟) نسأل الله أن يثبتنا في القبر وفي الآخرة، وأن يرفعنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في الفردوس الأعلى.

    والمرة الثانية: رآه جبريل على صورته عند سدرة المنتهى.

    المعجزات التي حبا الله جل وعلا النبي صلى الله عليه وسلم بها، توطئة لرسالته صلى الله عليه وسلم هي معجزات حسية ومعنوية، وهي أكثر من أن تحصر، وهذه المعجزات فاقت معجزات موسى وعيسى ونوح، بل وإبراهيم عليه السلام، فمعجزة إبراهيم عليه السلام الكبرى التي حدثت له حدثت لأحد أمة محمد صلى الله عليه وسلم من التابعين وليس من الصحابة، فمعجزة إبراهيم عليه السلام الكبرى هي أنه ألقي في النار ونجاه الله، فكانت الحبال تحترق وهو لم يمسه شيء، فلما قال: حسبي الله ونعم الوكيل: قال الله تعالى: يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا [الأنبياء:69]، وهذا أبو مسلم الخولاني رحمه الله رحمة واسعة، أسره الأسود العنسي فقال المقربون لهذا الكذاب: إن بقي هذا الرجل سيفتن من عندك، لكن ألقه في النار، وكانت الفتنة أعظم وأعظم فألقاه في النار، فقال الله للنار: كوني برداً وسلاماً على هذا الرجل، فلما علم عمر بن الخطاب بهذه الحادثة بكى وقال: ليتني أرى من فعل الله به ما فعل بأبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام.

    فهذه المعجزة الكبرى كانت مع آحاد أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فكيف بمحمد صلى الله عليه وسلم الذي قد جمع الله له كل المعجزات التي أوتيها الرسل، كل ذلك سنبينه في الدرس القادم إن شاء الله تعالى.

    سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.