إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ محمد حسن عبد الغفار
  3. شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - تنزيه الله عن نسبة الشر إليه - أهل الفترة وحكمهم

شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - تنزيه الله عن نسبة الشر إليه - أهل الفترة وحكمهمللشيخ : محمد حسن عبد الغفار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • العقول تعجز عن الإحاطة بكمال الله وجلاله، كما تقف حائرة عن معرفة كل الحكم الإلهية وراء خلق المصائب والشرور، فما يتراءى للعقل من شر في بعض خلق الله، فإنه يكمن خلفه خير أراده الله تعالى، فلا ينسب إلى الله خلق الشر المحض؛ لأن كل أسمائه وصفاته وأفعاله حسنى، ومن ذلك حكمه تعالى في أهل الفترة، فقد أرسل الله الرسل وأقام الحجة على الناس، وكل من لم تبلغه دعوة الله بأي وجه فإنه يمتحن يوم القيامة على الراجح عند أهل العلم.

    1.   

    مقدمة بين يدي الدرس

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم, وشر الأمور محدثاتها, وكل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة, وكل ضلالة في النار.

    ثم أما بعد:

    ما زلنا مع أبواب القدر، وهنا نتكلم عن مبحثين هامين وهما: تنزيه الإله جل وعلا عن أن ينسب له الشر، مع أنه خلق كل شيء في الكون.

    والمبحث الثاني: أهل الفترة هل هم من أهل النيران، أم من أهل الجنان، أم أنهم يمتحنون يوم القيامة؟

    1.   

    تنزيه الله تعالى عن نسبة الشر إليه

    المسألة الأولى: تنزيه الله جل وعلا عن نسبة الشر، وهذه المسألة من أهم المسائل التي تضبط للمرء مسائل القدر, وحتى ندخل في غمار هذه المسألة الوعرة لابد من تأصيل ثلاث قضايا، وهذه القضايا توضح للمرء مسألة القدر.

    التأصيل الأول: أن الله جل وعلا له الكمال المطلق, وله الجلال المطلق, كما له الأسماء الحسنى والصفات العلى, فأسماؤه كلها حسنى وكاملة، وصفاته كلها عليا وكاملة، وأفعاله كلها حسنى وكاملة.

    إذًا: فكل اسم أو صفة أو فعل لله تعالى، ففيه الكمال المطلق، ولا يمكن أن ينسب إلى الله جل وعلا النقص، أو ننفي عنه الكمال المطلق.

    التأصيل الثاني: أنه إذا كان الله جل وعلا له الكمال المطلق، فما من فعل يفعله إلا وله حكمة نابعة من اسم الله جل وعلا الحكيم، فهذا الاسم من أسماء الله الحسنى يتضمن صفة كمال وهي صفة الحكمة، فهو سبحانه لم يفعل فعلاً، ولم يخلق خلقاً إلا وله في ذلك حكمة عظيمة.

    أنواع الشر

    التأصيل الثالث: أن الشر الذي نراه، ويستقبحه العقل، ويستنكره الشرع، ويأباه القلب، عندما خلقه الله جل وعلا، فليس شراً محضاً عارِ عن الحكمة، إنما هو شر نسبي إضافي؛ لأن الشر نوعان:

    شر محض لا خير فيه من أي وجه من الوجوه.

    وشر نسبي إضافي جزئي, فهو شر ومن وجه، ولكنه خير من وجه آخر.

    بل قد يكون شراً من وجه واحد، ولكنه خير من وجوه، ومثال ذلك: خلق الله جل وعلا المصائب والبلايا، فإنها في حد ذاتها شر بالنسبة إلى من نزلت عليه وحلت به، لكنها خير من وجوه أخر، منها: أن هذه المصيبة التي نزلت على المرء مكفرة لذنوبه وسيئاته، ومنها: أن الله جل وعلا أصاب المرء بهذه المصبية؛ ليعتبر غيره ويحمد الله على العافية، فيقول: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلى به غيري، ثم يدعو له فيؤجر على ذلك، والملك يقول: آمين ولك مثل ذلك، ومنها: أن المصيبة تنزل على المرء؛ ليرتفع درجة عند الله جل وعلا، وتكون تلك المصيبة إشارة على أن الله يحب هذا العبد؛ لأن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فعليه السخط.

    الكمال والجلال المطلقان لله تعالى في تقدير الابتلاء

    إن الله جل وعلا له الكمال والجلال المطلق, لم يخلق شراً محضاً، ولكنه شر نسبي إضافي، وما خلق الله جل وعلا شيئاً إلا وله حكمة، كما قال الله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [البقرة:216].

    وقال الله تعالى: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ [البقرة:30]، فالله جل وعلا لما فعل ما فعل كان ذلك الفعل نابعاً عن علم وعن حكمة بالغة كما سنبين.

    قال الله تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا [الذاريات:56] لعلة بليغة وهي: إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56].

    فالشرور التي خلقها الله جل وعلا إذا نسبناها لله تعالى فهل ننسبها له إطلاقاً أم نقيدها؟

    والجواب: أن الشر إما أن يكون شراً محضاً أو شراً نسبياً إضافياً، فينظر في ذلك.

    ومن الأمثلة على ذلك: فلسطين وما يحدث فيها من قتل وتشريد وهجوم ضار من هؤلاء الخنازير الذين يقتلون الطفل والشيخ والمرأة، ويهدمون كل شيء أمامهم، فإن الله هو الذي خلقهم وخلق فعلهم، وهو الذي قضى كوناً أن يحدث هذا لأهل فلسطين, فهل هذا شر محض أو شر إضافي؟

    تفصيل الجواب: أن يقال: إن قلنا بأنه شر محض، فقد نسبنا النقص لله جل وعلا، ونحن قد اعتقدنا في قلوبنا أن الله له الكمال المطلق، إذًا: فالشر الذي يقع على هؤلاء الفلسطينيين شر نسبي وفيه وجوه من الخير، وإذا دققنا النظر واعتقدنا اعتقاداً كاملاً أن الله له الكمال المطلق، فيجب أن نعلم أن الله جل وعلا ابتلى هذه الأمة بما يحدث فيها من شر؛ وذلك لتحقيق خير عظيم بعد هذا الشر، أو لخير تابع لهذا الشر, ونحن نذكر هنا الحكم التي ظهرت لنا فقط، وهناك حكم أبلغ من هذه قد أخفاها الله جل وعلا عنا، فمن هذه الحكم: أن الله تعالى يتخذ من هؤلاء من يرفعهم عنده شهداء، قال تعالى: وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ [آل عمران:140]، فالله جل وعلا ابتلى هؤلاء بالقتل، ليتخذ منهم شهداء، وليصطفي منهم من يكون ولياً عنده جل وعلا.

    ومنها: أن الله جل وعلا ابتلى هذه الأمة بما يحدث فيها؛ ليميز الخبيث من الطيب، وليفصل بين الصفين، فإن الله حكم عدل يفرق بين المفترقين، ويساوي بين المتماثلين، قال تعالى: لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ [الأنفال:37]، وقال: أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ [الصافات:153-154].

    فهو بهذا يظهر المنافق الذي باع نفسه وقومه وشعبه؛ ليرضي أهل الكفر دون أهل الإسلام، ويظهر الله المؤمن الصادق الذي باع نفسه بدنه ومهجته لله جل وعلا، وكل ذلك منه حكمة عظيمة باهرة.

    فكثيراً من العملاء ظهروا في هذه البلية، وظهر أنهم باعوا آخرتهم بدنيا غيرهم، وباعوا أنفسهم ودينهم بثمن بخس دراهم معدودة، وباعوا أنفسهم لا لله جل وعلا بل لأهل الكفر، وقد فضحهم الله بهذا البلايا.

    ومن الحكم العظيمة مما يحدث في فلسطين: أن الله جل وعلا ابتلى هذه الأمة بهؤلاء الأنجاس؛ ليتحد الصف الإسلامي، فإن وحدة الصف لا تأتي إلا بعد التفرق، وبعد أن يأتي الهجوم الضاري من الأعداء.

    وانظروا إلى الشعوب الإسلامية وإن اختلفت أجناسهم وألسنتهم، فقلوبهم كلها قد توحدت على شيء واحد، وهو بغض بني إسرائيل، ونصرة هؤلاء المستضعفين من المسلمين, فإن الله جل وعلا هو الذي يؤلف بين القلوب، وله ما يشاء فيما يفعل.

    وأيضاً من الحكم البليغة في هذا البلاء، أن الله جل وعلا يبتلي الأمم التي عصت، وظهرت رعونتها وخرجت عن إطار شريعة الله جل وعلا، فيبتليها لترجع ولتتذلل ولتستغفر ولتتوب إلى الله جل وعلا: وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ [الأعراف:94] والله جل وعلا لا ينزل بلاء إلا بذنب، ولا يرفعه إلا بتوبة.

    وأيضاً لقد ابتلى الله بهذه الأمة؛ ليبين لهم أن هؤلاء الأعداء لا عهد لهم ولا ميثاق فإنهم قد عاهدوا الله وخانوا عهده جل وعلا، وعاهدوا الرسل وخانوه، فالذين يتمسكون بهم تمسك الحية بفريستها ويقولون: لابد من سلام شامل عادل، أو نحن دعاة سلام، فإن الله جل وعلا يظهر لهم خطأ فهمهم، وخطأ منهجهم، ويبين أن هؤلاء لا يريدون سلاماً ولا أماناً، بل كلما تهيأت لهم الظروف انقضوا على فريستهم، كما نراهم اليوم مع الفلسطينيين, فيبين الله جل وعلا أن هؤلاء الأنجاس مغضوب عليهم، وأنهم ينقضون العهود، ولا يرقبون في مؤمن إلاً ولا ذمة؛ ليضع الأمر عياناً أمام الناس جميعاً حتى لا يلبس أحد على أحد، وهاهم اليوم يقولون: نحن نريد سلام ولا نريد خراباً، ولا إزهاقاً للأرواح، فبين الله أن الذين يمدون أيديهم إليهم من أجل السلام، أنهم يرفضونها، بل يبترونها ويقطعونها، فهذه من الحكم البليغة من هذا الابتلاء.

    إذاً: فالله جل وعلا لم يخلق شراً محضاً، بل خلق شراً نسبياً إضافياً.

    الحكمة من خلق إبليس

    إن من الشرور التي تنسب إلى الله جل وعلا خلق إبليس, وإبليس هو من هو في الغواية والوسوسة وإضلال البشر، فإنه شر كله، ولكن إذا نظرت في الحكمة من خلقه، فإنك ستوقن بأن الله جل وعلا ما خلق إبليس إلا لحكمة عالية بليغة تابعة لهذا الشر، فالله حكم عدل لا يساوي بين المفترقين، ولا يجعل صف الكفار مع صف المسلمين، قال تعالى: أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ [الصافات:153-154].

    ويوضح ذلك أن الله جل وعلا جعل إبليس يوسوس لهذا ويغوي هذا، حتى يميز بين المؤمن المخلص الذي باع نفسه لله جل وعلا، والذي لا يستجيب لهذه الغواية، وبين الذي يتبع نفسه شهواتها، ويتبع إبليس فيما يوسوس له.

    الحكمة من خلق الكفر

    إن الله لا يحب الكفر ولا يريده، ولكنه شاءه كوناً لحكمة عالية بليغة، وهي: أن يتحقق علم الله جل وعلا في أن الخلق منهم المؤمن ومنهم الكافر, وهذا الشر الذي خلقه الله جل وعلا لم يكن شراً محضاً، ولكنه شر نسبي إضافي، أي: بالنسبة للشخص الذي نزل عليه هذا البلاء، أو نزل عليه هذا الشر, فهو شر بالنسبة له، أما لغيره فهو خير.

    الحكمة من تشريع الحدود

    إن لله تعالى في تشريع الحدود حكم عظيمة، فالقصاص مثلاً هو: أن يقتل القاتل بالمقتول، وهذا القصاص شر بالنسبة للقاتل الذي سيقتل، وهو شر لأهله.

    كذلك إذ أنهم سيحزنون على ميتهم، ولكن هذا القصاص بالنسبة لولي الدم، الذي يريد أن يقتص من قاتل أخيه، أو قاتل ابنه هو خير له، كما هو خير لباقي الناس، فإنك إذا قتلت القاتل ارتعد الناس واتعظوا بغيرهم، فيمتنعون عن القتل، ولذلك قال الله تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ [البقرة:179]، مع أننا نعلم أن القصاص قتل، فكيف يكون فيه حياة كما في الآية؟

    الجواب: لأنه يمنع الاقتتال.

    وكذلك حد السرقة، أو حد الرجم للزاني المحصن، أو حد الجلد للزاني البكر، فهذه الحدود هي شر بالنسبة للمقطوع، أو المرجوم، لكنها خير لباقي البشر, فإذا رأى الرجل أن هذا تقطع يده في دراهم معدودة، خاف على يده وامتنع عن السرقة, وإذا رأى غيره يجلد ويفضح أمام البشر على الزنا، فإنه سيمتنع عن أن يهتك أعراض المسلمين, فظهر من هذا أن الله جل وعلا لم يخلق شراً محضاً، ولكنه خلق شراً نسبياً إضافياً.

    نسبة الشر إلى الله تعالى

    إن هذه الشرور هي خلق الله جل وعلا، ولكن هل ننسب هذه الشرور إلى لله جل وعلا؟

    الجواب: لابد لنا من التفصيل فيه، فقد قلنا بوجود شر لا شك فيه، ولكن هذا الشر ليس موجوداً في فعل الله، وإنما هو أثر عن فعل الله؛ لأن أفعال الله كلها كمال، فلا ينسب إليه نقص في حال من الأحوال، ولذلك: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سجد كثيراً ما يقول: سبوح قدوس) يعني: أنزه الله جل وعلا عن كل نقص, فالله جل وعلا هو السلام الذي سلم من كل عيب ونقص، والقدوس: هو الذي تقدس عن كل نقص، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا تعجب من شيء قال: (سبحان الله).

    فأفعال الله كلها منزهة عن النقص، والشر نقص، فلا ينسب إلى فعل الله جل وعلا، إن كان أثراً عن فعل الله، أي: أن الشرور تنسب إلى مفعولات الله، ففعل الله تعالى كله خير وكمال، ومفعول الله جل وعلا قد يكون فيه شر، فإذا قلنا: إن الشر ينسب لمفعولات الله، ولا ينسب لفعل الله جل وعلا، نكون بذلك قد سلكنا طريق الأدب مع الله جل وعلا.

    الأدب مع الله في عدم نسبة الشر إليه

    وطريق الأدب هذه قد استنبطت من فعل الأنبياء، فخليل الرحمن عندما تكلم عن الشر نسبه لنفسه وهذا من الأدب في نسبه الشر للمخلوق لا للخالق، قال تعالى حاكياً قول إبراهيم: الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ [الشعراء:78-80] فنسب المرض لنفسه، مع أن الله جل وعلا هو الخالق للمرض، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (والخير كله بيديك، والشر ليس إليك) يعني: لا ينسب إليك الشر.

    وهذا الأدب نجده كذلك عند مؤمني الجني إذ قالوا: وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا * وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا [الجن:9-10]، فنسبوا الرشد لله جل وعلا، والشر بنو الفاعل فيه للمجهول؛ تأدباً مع الله جل وعلا.

    وكذلك قصة الخضر يظهر فيها التأدب مع الله كما في قوله تعالى حاكياً عن الخضر جوابه على أسئلة موسى عليه السلام: وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا * فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً [الكهف:80-81]، وقال عن الغلامين: فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا [الكهف:82].

    فنسب إرادة بلوغ الغلامين أشدهما إلى الله تعالى؛ لأنه خير، ولكنه في خرق السفينة قال: فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا [الكهف:79] فنسب إرادة العيب لنفسه؛ تأدباً مع الله تعالى.

    وقد علمنا الله جل وعلا الأدب معه في مسألة الشرور، وأنه لا ينبغي أن ننسبها له، بل ننسبها للمخلوق نفسه، فإن النقص صفة لازمة للمخلوق، فقال تعالى: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ [الفلق:1-2] يعني: من شر هذه المخلوقات، فالشر يكون في المفعولات، لا في فعل الله تعالى:

    وكذلك قال الله تعالى: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ [الناس:1-4]، فالشر صفة لازمة للشيطان اللعين.

    ولقد علمنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نتأدب أيضاً بهذه الآداب، فقال: (اللهم إني أعوذ بك من شر نفسي، ومن شر الشيطان وشِرْكه وشَرَكِه)، فنسب للشيطان الشر والشرك، مع أن الله جل وعلا هو الخالق لكل شيء.

    ومن الأدب مع الله في نسبة الشر أن ندخله في مطلقات وعمومات الخلق، ولا نفرده، كما قال الله تعالى: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [الرعد:16] والشر شيء، فهو داخل في هذا العموم.

    فالآداب التي لابد أن يتأدب بها المرء في نسبة الشر إلى الله جل وعلا هي ما يلي:

    إما أن يبني الفاعل للمجهول: كقوله تعالى: أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ [الجن:10]، أو ينسب الشر لنفسه كما قال تعالى: وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ [الشعراء:80]، أو ينسب الشر لخلقه، كقوله تعالى: مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ [الفلق:2]، وقوله: مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ [الناس:4]، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (أعوذ بالله من شر الشيطان وشِركه وشَركه).

    وإما أن يدخله في العموم كقوله تعالى: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [الرعد:16].

    فإذا سأل سائل وقال: هل خلق الله الشر؟

    فإنك إذا أنكرت أثبت خالقاً غير الله جل وعلا، وإذا أثبت أسأت الأدب مع الله، فالجواب السديد أن تثبت، ولكن بقيد، وهو أن الله خلق الشر في مفعولاته، وأما فعل الله فكله كمال وخير.

    1.   

    أهل الفترة وحكمهم

    المسألة الثانية: مسألة أهل الفترة: هل هم من أهل الجنة، أم من أهل النار؟

    وهذه المسألة مستفادة من حديث رواه اللالكائي في (شرح أصول أهل السنة)، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: (أربعة يحتجون على الله يوم القيامة: المجنون، وفي رواية: الأحمق، والثاني: الرجل الهرم، والثالث: الأصم, الرابع: أهل الفترة).

    ضابط أهل الفترة

    أهل الفترة هم الذين انقطع عنهم الوحي، وهذا ضابط أول لمعرفة أهل الفترة، الضابط الثاني -وهو مهم جداً-: أنهم الذين لم تبلغهم دعوة نبي, فهؤلاء هم أهل الفترة.

    القول بنجاة أهل الفترة

    وقد اختلف العلماء في مصير أهل الفترة يوم القيامة على أقوال نجملها فيما يلي:

    القول الأول: إنهم معذورون في الدنيا وفي الآخرة، واستدلوا على ذلك بأدلة من الكتاب ومن السنة:

    أما من الكتاب، فقول الله تعالى: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء:15]، وقوله جل وعلا: كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى [الملك:8-9] ووجه الدلالة: العموم في الآية، وهو أن كل من يدخلون النار يقولون: نعم جاءنا نذير، وما من فوج إلا وجاءهم نذير، وأهل الفترة لم يأتهم نذير، إذاً: فهم ليسوا من أهل النار.

    كما استدل القائلون بهذا القول بعدة آيات تشبه هذا المعنى.

    واستدلوا كذلك بما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (والذي نفسي بيده ما سمع بي من هذه الأمة -أي أمة الدعوة- يهودي ولا نصراني، ثم لم يؤمن بالذي جئت به إلا كان من أصحاب النار)، ووجه الدلالة: مفهوم المخالفة أي: أنه إذا سمع به وآمن دخل الجنة، وإذا سمع ولم يؤمن دخل النار، وإذا لم يسمع فليس له نفس الحكم، بل حكمه يخالف ذلك، فيدخل الجنة.

    القول بأن أهل الفترة في النار

    القول الثاني وعليه جماعة من أهل العلم، وهو ترجيح النووي : أن أهل الفترة من أهل النار ومخلدون فيها، واستدل أصحاب هذا القول على ذلك بأدلة من الكتاب والسنة:

    أما من الكتاب، فقول الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48]، ووجه الدلالة العموم، أي: أن كل من لم يؤمن فإنه يدخل في هذا العموم، فلا يغفر له، بل يكون مشركاً، وكذلك قول الله تعالى: وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [النساء:18] فالآية هذه عامة، وما خصت كافراً دون كافر، والآيات الدالة على ذلك كثيرة.

    وقد يستدل لهم أيضاً بحديث في صحيح مسلم (أنه جاء رجل للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله! أين أبي؟ قال: أبوك في النار، فولى الرجل حزيناً، فناداه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: إن أبي وأباك في النار)، فلما كان أبو النبي وأبو الرجل في النار، وهما ممن لم يأتي لهما نبي، فهما من أهل الفترة، فيكون حكمهما هو حكم أهل الفترة.

    وقد حاول السيوطي رد هذا القول بحديث موضوع وهو: (إن الله جل وعلا أحيا أم النبي، وأحيا أبا النبي صلى الله عليه وسلم فدعاهما إلى الإسلام فأسلما)، فهما في الجنة، بل من الناس من قال: إن أبا طالب من أهل الجنة، ويرد هذا حديث: (إن أبي وأباك في النار) وأيضاً ما ومرد في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي، ثم استأذنته أن أزور قبرها فأذن لي) فلما لم يأذن الله جل وعلا للنبي صلى الله عليه وسلم أن يستغفر لأمه، دل ذلك على أنها كافرة في النار؛ لأن جل وعلا قال: مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ [التوبة:113].

    وهذا القول رجحه النووي وجماعة من أهل العلم، وادعى بعضهم الإجماع على ذلك، وأن أهل الفترة معذبون مخلدون في نار جهم.

    ولا يوجد الآن أحد من أهل فترة أبداً؛ لأن الإنترنت قد غزى كل مكان، فوصلت أخبار الإسلام والدعوة إلى كل إنسان، وخاصة أنه بعد أحداث سبتمبر لا يوجد أحد لم يسمع بالإسلام، حتى من أدغال أفريقيا الذين لا يعرفون أحداً غير الأسود أو القرود قد وصلهم خبر الإسلام.

    القول بالتفصيل ورجحانه

    القول الثالث: التفصيل في ذلك -وهو الحق الذي لابد أن يظهر- وهو أن أهل الفترة معذورون في الدنيا ممتحنون أو مكلفون في الآخرة، والدليل على ذلك حديث النبي صلى الله عليه وسلم في مسند أحمد وغيره: (أربع يحتجون على الله جل وعلا يوم القيامة: أصم يقول: رب: أتاني رسولك ولم أسمع شيئاً, وأحمق -يعني مجنون- يقول: رب! أتاني رسولك وكنت لا أعقل شيئاً، والأطفال يحذفونني بالعبر, وهرم يأتي يوم القيامة فيقول: رب! أتاني رسولك وما كنت أعقل شيئاً, والرابع: أهل الفترة -وهم فتر عنهم الوحي- وهؤلاء يحتجون أمام الله جل وعلا فيقولون: لم يأتنا رسول، ولم تأتنا دعوة، فيمتحنهم الله جل وعلا فيأمرهم بدخول النار) ومحل الشاهد: فيمتحنهم الله جل وعلا بدخولهم النار، وهنا يأتي القدر، فالذين قد كتب الله في سابق علمه أنهم يسمعون ويطيعون يأمرهم الله جل وعلا أن ينزلوا إلى النار, فإذا نزلوا إلى النار كانت برداً وسلاماً, والذين علم الله أنهم لا يطيعون بل يعصون الله لا ينزلون النار، فيعاقبهم الله بإدخالهم جهنم، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الله أعلم بما كانوا عاملين), فالله يعلم بهم سابقاً هل سيطيعون أم سيعصون؟ والذين في علم الله السابق أنهم يعصون يقولون: نحن نفر من النار أفندخلها؟ فيلقون فيها؛ لأنهم عصوا أمر الله جل وعلا. فهذا الحديث قاطع للنزاع في أن هؤلاء يمتحنون يوم القيامة.

    الاعتراضات على القول بالتفصيل

    اعترض أصحاب القول الأول والثاني على هذا القول بثلاثة اعتراضات:

    الأول: الأحاديث الدالة على أن أهل الفترة يكلفون يوم القيامة ضعيفة.

    الثاني: كيف تقولون بالتكليف في دار الجزاء، ودار الجزاء لا عمل فيها ولا تكليف؟

    الثالث: أن الله جل وعلا يقول: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286] وليس في وسع الإنسان أن يدخل نار جهنم، فيكون الله قد كلفهم ما لا يطيقون، وهذا مخالف لأصل التشريع، وهو أن الله جل وعلا لا يكلف عبداً إلا ما يطيق.

    الرد على هذه الاعتراضات

    والرد على هذه الاعتراضات أن يقال:

    أولاً: قولهم: إن هذه أحاديث ضعيفة، قول ضعيف؛ لأن هذه الأحاديث جاءت من طرق صحيحة لذاتها، وطرق حسنة، وجاءت أيضاً من طرق أخرى تقويها حتى ترتقي إلى الصحيح لغيره، كما جاءت من طرق ضعيفة تتقوى بطرق أخرى، فالقول بأن هذه الأحاديث ضعيفة قول مطروح.

    ثانياً: وأما الاعتراض الثاني وهو كيف يكلفون في الآخرة، والآخرة دار جزاء لا دار تكليف؟ فيرد عليه بأننا معكم، فالآخرة دار الجزاء، وهي دار الاستقرار إما في الجنة وإما في النار، ولكن لا يمنع ذلك أن يكون على العرصات تكليف، فقد ورد الشرع بذلك، قال الله تعالى: وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ [القلم:42]، وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن المؤمنين والمنافقين معاً يقفون ينتظرون الله، فيأتي الله جل وعلا ويقول: أنا ربكم، بعد أن يأمر الله جل وعلا كل من عبد شيئاً أن يذهب خلفه، فيكورون كلهم في النار، ثم قال -وهذا والشاهد من الحديث-: ويأتيهم الله جل وعلا بالعلامة التي يعرفونها، فيكشف عن ساقه، فينزل كل مؤمن كان يسجد سجوداً مخلصاً فيه لله جل وعلا فيسجد لله, والمنافق يرجع ظهره طبقة ولا يستطيع السجود) فهذا يكون في عرصات القيامة، وهو تكليف.

    ثالثاً: وأما الاعتراض الثالث وهو: أنهم كلفوا ما لا يطيقون، فالجواب عليه أن تكليف الله لهم بالنزول إلى النار تكليف من حكيم عليم، وقد قال سبحانه: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا [الطلاق:7] فهذا دليل على أن ما في الحديث ليس تكليفاً بما لا يطاق، ولذلك نظائر في الشرع، منها: فتنة الدجال , فالنبي صلى الله عليه وسلم لما وصفه قال: (معه نار وجنة) وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (على المؤمن أن يدخل النار)، فهو هنا يأمره بدخول النار التي مع الدجال، وهذا الأمر والإنسان في الدنيا، فلو قلنا بقولكم لكان هذا أيضاً تكليف بما لا يطاق, إذ قال عليه الصلاة والسلام: (لا تدخلوا جنته، فإن جنته نار)، فيغمض المؤمن عينه ويدخل ناره، فيجدها برداً وسلاماً.

    وكذلك: فإن الله جل وعلا يأمر الناس يوم القيامة في العرصات أن يمروا على متن الصراط، والصراط قد وصفه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (أحد من السيف، وأدق من الشعرة)، والمرور عليه مما لا يطاق، وهم يمرون عليه كالبرق وهو على متن جهنم.

    إذاً: فلا حجة للقول بأن امتحان أهل الفترة تكليف بما لا يطاق المرء، فإن له نظائر من الشرع في الدنيا، كأمر النبي صلى الله عليه وسلم المؤمن أن يدخل نار الدجال ؛ لأنها ستكون عليه برداً وسلاماً, وفي الآخرة كأمر الله العباد أن يمروا على الصراط، وهو أحد من السيف وأدق من الشعرة، وهو أيضاً على متن جهنم.

    ولهذا فإن الصحيح الراجح أن أهل الفترة غير معذبين في الآخرة، بل هم ممتحنون فيها، معذورون في الدنيا.

    استشكال وجوابه

    وقد يرد إشكال في قول النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم : (إن أبي وأباك في النار)، وقوله: (واستأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي) وهو أن عبد الله أبا النبي صلى الله عليه وسلم من أهل الفترة -لم يأته نبي- وكذلك أمه صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك فالنبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنهما في النار.

    الجواب: أن الضابط في معرفة أهل الفترة أنهم من لم يأتهم رسول، وكذلك: من لم تبلغهم الدعوة، فلو أن رجلاً قال: لن أفعل شيئاً، لأنه لم يأتني رسول، والله يقول: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء:15]، ويقول: وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ [النور:54]، فيقال له: سنقيم عليك الحجة بأنه قد جاءك رسول، فالله جل وعلا يقول: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء:165] والحجة التي تقام عليك هي رسالات الله جل وعلا, والتي بلغها لك الرسل أو ورثتهم، وهم العلماء، ففي الحديث: (العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا درهماً ولا ديناراً، وإنما ورثوا العلم).

    فأبوا النبي صلى الله عليه وسلم قد بلغتهما دعوة إبراهيم، وإن لم نقل بأن دعوة إبراهيم قد بلغتهما، فدعوة عيسى عليه السلام، بدلالة أن في ذلك الزمان من تنصر، وهو ورقة بن نوفل ، وأيضاً فإن النبي صلى الله عليه وسلم سألته عائشة كما في الصحيح قالت: (يا رسول الله! علي بن زيد بن جدعان كان يصل الرحم، ويكرم الضيف أله في هذا الفعل من أجر؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا، إنه ما قال يوماً: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين) وقد عرف رسول الله أن ابن جدعان سيعذب؛ لأنه قد بلغته دعوة موسى أو عيسى أو إبراهيم عليهم السلام.

    إذاً: فهؤلاء ليسوا بأهل فترة، وإن تخلف عنهم الرسل فقد وصلتهم دعوة الرسل، فهذا رد على استدلال النووي بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: (إن أبي وأباك في النار)، وحديث: (إن النبي صلى الله عليه وسلم استأذن ربه أن يستغفر لأمه فأبى عليه) على أن أهل الفترة في النار.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.