إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ محمد حسن عبد الغفار
  3. شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - القضاء الشرعي والقضاء الكوني

شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - القضاء الشرعي والقضاء الكونيللشيخ : محمد حسن عبد الغفار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الله عز وجل لما خلق الكون خلقه بقدر، فقدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكل شيء سيكون كما قدره الله سبحانه، والإيمان بالقضاء والقدر من أركان الإيمان، فلا يكون المرء مؤمناً إذا لم يؤمن بهما، وليس معنى إيمان العبد بالقدر أن يترك العمل، ويقول: قدر الله علي ذلك، فالله لم يجبره بهذا القدر، إنما علم أن هذا العبد من أهل الجنة فيسر له عمل أهل الجنة، وعلم أن ذاك من أهل النار فيسر له عمل أهل النار، وهكذا فكل ميسر لما خلق له.

    1.   

    القضاء الكوني والقضاء الشرعي وضابط كل نوع

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70، 71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    ثم أما بعد:

    فإن الناس يدورون في هذه الدنيا على أمرين: قدري كوني، وأمر شرعي. والمرء في كل واقعة وفي كل نازلة له عينان ينظر بهما، عين الشرع وعين القدر. وإن المصائب التي تنزل وتطرأ على الناس وعلى الأخوة المسلمين في كل مكان تحتاج إلى أن ندقق النظر فيها بعين القدر فنعلم أن الله جل وعلا قد قضى وقدر وكتب ذلك قبل أن يخلق الخلق بخمسين ألف عام، وننظر إلى ما حدث من بني إسرائيل للأنبياء وللمرسلين، وما حدث ويحدث لهؤلاء الفلسطينيين على عين الله جل وعلا، ونعتقد أن الله هو الذي كتب ذلك وقدره، فنؤمن بالله ونسلم ونقول: قدر الله وما شاء فعل، وهذا هو الإيمان بالقدر الكوني.

    وأما العين الثانية: وهي عين الشرع، أي: النظر الشرعي، وهو أن تعلم أنك مأمور شرعاً أن تهتم بأمر المسلمين، وتحزن لحزنهم، وتفرح لفرحهم، وتتألم لآلمهم، فالمؤمن الحق عند الله جل وعلا من أحب في الله وأبغض في الله وأعطى في الله ومنع في الله، ووالى في الله وتبرأ في الله جل وعلا.

    والقضاء قضاءان: قضاء كوني، وقضاء شرعي، وللقضاء الكوني ضابطان: الضابط الأول: أن القضاء الكوني لا بد أن يقع حتماً، والثاني: أن القضاء الكوني يكون فيما يحبه الله وما لا يحبه، فالقتل والتشريد والإبعاد والذبح الذي يحدث في فلسطين هذا يبغضه الله، ولا يمكن أن يكون شرعاً، وإنما هو كوناً.

    وللقضاء الشرعي: ضابطان: الأول: أنه قد يقع وقد لا يقع، كما في قوله تعالى: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء:23] فمنهم من عبد ومنهم من كفر.

    والثاني: أنه لا يقع إلا في ما يحبه الله جل وعلا وكذلك الإذن والإرادة.

    أمثلة تطبيقية على القضاء الكوني والشرعي

    قال الله تعالى: فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الأَرْضِ [سبأ:14].

    هذا قضاء كوني، والضابط الأول فيه هو أنه لا بد أن يقع حتماً، وكذلك الضابط الثاني وهو أنه يقع في ما يحب وما لا يحب.

    وهل الله يحب موت سليمان أو لا يحبه؟ في المسألة نظران نظر الرب، ونظر العبد، ويوضح ذلك حديثان، الحديث الأول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من أحب لقاء الله أحب الله لقائه، فقالت عائشة: أينا يحب الموت؟ فقال: ليس بذلك يا ابنة الصديق) ثم بين لها أن العبد عندما يصل إلى الأجل يبشر أو ينذر، فالمؤمن عندما يبشر يحب لقاء الله في هذا الوقت فيحب الله لقاءه. إذاً: فحديث: (من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه)، ليس على الإطلاق، والحديث الثاني هو الذي يوضح لنا المسألة جلية، قال الله تعالى في الحديث القدسي: (وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض نفس المؤمن يكره الموت، وأكره إساءته) والجمع بين الحديثين: أن المؤمن يكره الموت، وما من أحد إلا ويكره الموت، ولكن عندما يبشر تتحول هذه الكراهية إلى حب؛ لأنه سيحب لقاء الله، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (اللهم الرفيق الأعلى، اللهم الرفيق الأعلى)، وهنا يحب الله لقائه.

    وأما كراهية الموت فقبل أن يبشر؛ لصعوبة الموت، فلما يبشر يقول: اللهم الرفيق الأعلى، اللهم الرفيق الأعلى. ولذلك عندما قالت عائشة منكرة: أينا يحب الموت؟ قال صلى الله عليه وسلم: لا يا ابنة الصديق، فبين لها أنه عندما يبشر المرء يحب لقاء الله، وكان من كرامات الشهداء في أفغانستان وفي أماكن أخرى أن الرجل عندما يقذف بالقذيفة ويرونه يقفز فيأولونه على أنه رأى الحور العين، أو رأى الجنة، فقبل أن تنتهي حياته يبشره الله جل وعلا كرامة له.

    وأما قبل فلا يحب الموت لصعوبته؛ لأنه ما من أحد إلا ويجد صعوبة للموت، وصعوبته تحت القبر، لأن كل أحد سيضم عليه القبر.

    وأما قول الله جل وعلا: (ما ترددت بشيء أنا فاعله ترددي في قبض نفس المؤمن)، فهو يكره الموت بسبب الإساءة والصعوبة التي فيه، وقوله: (وأكره أساءته)، وهذه الصعوبة في القدر،ولها أثرها المترتب عليها وهو الجنة، فلا يمكن أن يدخل الجنة حتى يموت، فلابد أن يموت للحاجة التي هي أعظم.

    وقال تعالى: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء:23].

    هذا قضاء شرعي؛ لوجود الضابط الأول فيه، وهو أنه فيما يحبه الله؛ لأن الله جل وعلا يحب أن يعبده العبد، وأن يوحده في الأرض. والضابط الثاني: وهو أنه قد يقع وقد لا يقع، وأكثر الناس ضلوا وكفروا.

    وقال تعالى: قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ [الأنبياء:112].

    يقول ابن رشد رحمة الله عليه: ليس طالب العلم من يحفظ المسائل، وإنما طالب العلم من يضبط المسائل.

    فقوله: قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ [الأنبياء:112] كوني؛ لأن الله إذا حكم فلا يحكم إلا بالحق، وإذا حكم وقع الحكم لا محالة، ولا أحد يمكن أن يرد على الله حكمه.

    وقال تعالى: ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ [الممتحنة:10]، إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ [المائدة:1] يعني: فاقبلوه واعملوا به، أو لا تعملوا فحكم الله في الذبيحة أن تسموا الله عليها، وألا تأكلوا منها إلا إذا ذكر اسم الله عليها، وحكم الله أن الرجل إذا طلق امرأته ثلاثاً فلا ينكحها حتى تنكح زوجاً غيره. ولما طلق الملك امرأته ثلاثاً في عهد يحيى عليه السلام، وأراد أن يتزوجها استفتى يحيى، فقال له يحيى: لا تحل لك حتى تنكح زوجاً غيرك. فما زالت هذه المرأة اللعينة بالرجل حتى قالت: اقتله، وأرحنا منه، فقال: إنه نبي! فقالت: اقتله. فما زالت خلفه حتى قتل يحيى، فأخذ رأسه على طبق وأهداه لهذه البغي. ولم يقف بنو إسرائيل عند ذلك، بل ذهبوا إلى زكريا وقتلوه، فقد اختبئ منهم في شجرة انشقت له، وقالت: اختبئ فيّ، فدخل فيها واختبئ ولم يسكت بنو إسرائيل عن ذلك، بل ذهبوا خلفه وكان معهم الشيطان، وهو رئيسهم، فقال: هو هنا مختبئ في هذه الشجرة، وقد كان طرف ثوبه ظاهراً في شق الشجرة، فأخذوا المنشار وشقوا الشجرة، فشقوا زكريا عليه السلام نصفين.

    فإذا كانوا قد فعلوا ذلك مع أنبياء الله، بل ارتقوا واتهموا لوطاً بالزنا، وارتقوا أكثر واتهموا الله جل وعلا بالفقر وبالبخل، وأنه يبكي، وأنه ما كان يعلم ما يحدث في الأرض، فلا يستغرب الإنسان من هؤلاء أن يفعلوا ذلك مع آحاد الناس، والغرض المقصود أن هذا هو حكم الله، فمن شاء عمل به، ومن شاء تركه.

    وقال الله تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [البقرة:185]، بقضاء شرعي؛ فهناك أناس في السجن، وهناك أناس لا يجدون ما يأكلون، فهؤلاء في عسر مع أن الله يحب لهم اليسر.

    وقال الله تعالى: وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ [النساء:27]، وهذا قضاء شرعي؛ لإنه يمكن أن يتوب أناس، ولا يتوب آخرون.

    وقال الله تعالى: فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ [البروج:16]، وهذا قضاء كوني، وقال تعالى: (كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي [المجادلة:21]، وهذا كوني كذلك.

    يعني أنه لابد أن يقع، ولا بد أن يكون النصر للمؤمنين، وإنشاء الله النصر للمؤمنين، ولو علت أصوات الكفار والمنافقين، فالله جل وعلا وعد المؤمنين بأن العاقبة لهم. فهي لهم هنا قضاء كونياً، وهو قول الله جل وعلا: (كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي [المجادلة:21]، فالغلبة لله ولرسوله وللمؤمنين، الذين ساروا على نهج رسوله صلى الله عليه وسلم.

    وقال الله تعالى: وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ [الأنبياء:105]، بقضاء كوني.

    فالأرض سيرثها المؤمنون إنشاء الله، ويكثرون من السبايا من الأمريكان وغيرهم بإذن الله.

    وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة:183]، بقضاء شرعي.

    وقال الله تعالى: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس:82]، بقضاء كوني.

    وقال تعالى: (وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا [الأحزاب:38]، وهذا قضاء كوني.

    وقال تعالى: (وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا [مريم:21]، بقضاء كوني.

    وقال الله تعالى: وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا [الإسراء:16]، وهذا قضاء كوني شرعي.

    فعندما يكون شرعياً يكون المعنى: أمرنا مترفيها بفعل الخيرات والطاعات، فمنهم من يفسق فيستحق العقاب، فهذا شرعي.

    ولو قلنا: إنه كوني، فعلى قراءة أخرى وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَّرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا بتشديد الميم في (أمرنا).

    وقال الله تعالى: (وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ [البقرة:102] والإذن هنا قضاء كوني.

    وقال الله تعالى: مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ [الحشر:5]، وهذا قضاء شرعي.

    فالله يريد أن تحرق وتكسر وتقطع إذا كان في ذلك مصلحة للمسلمين، أو كان المشركون يستعينون بها على قتل المسلمين، فللمسلمين أن يفعلوا ذلك، ولهم أن يتركوه إذا لم يكن فيه مصلحة لهم، فلا يجوز أن يقتلوا وليداً ولا امرأة ولا شيخاً، ولا يقطعوا شجرة، فالأمر برضاء الله جل وعلا في القطع وفي غير القطع.

    وقال الله تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ [يونس:59]، وهذا قضاء شرعي.

    أي: هل الله أذن لكم بذلك في كتابه؟

    وقال الله تعالى: أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ [الشورى:21]، وهذا شرعي.

    وقال الله تعالى: إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ * وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا [يس:8-9] فالجعل الأول والجعل الثاني كوني؛ لأن المقصود بأن المتكلم يمر بهم وهم لا يرونه.

    وقال تعالى: وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ [يونس:100]، وهذا قضاء كوني؛ لأنه لا يحب أن يجعل الرجس على أحد، ولا يرضى لعباده الكفر، ولكن قدر ذلك كوناً.

    وقال الله تعالى: جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ [المائدة:97]، وهذا شرعي فمن الناس من يقوم ومنهم من لا يقوم، وقال الله سبحانه: كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [يونس:33]، وهذا قضاء كوني؛ لأنه وقع فيما لا يحب الله جل وعلا، وقد يقع فيما يحبه الله كقوله تعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا [الأعراف:137].

    وقال تعالى: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ [التوبة:6] ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: واستحللتم فروجهن بكلمة الله.

    وقال الله تعالى: وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ [التحريم:12].

    فالكلام هنا بقضاء شرعي.

    1.   

    كل ميسر لما خلق له

    إن المرء إذا اعتقد بربه أنه قدر وكتب كل شيء قبل أن يخلق الخلق بخمسين ألف سنة، فإنه يكون له في ذلك عينان، عين ينظر بها للقدر، وعين ينظر بها للشرع، وهما متلازمتان، فإن عين القدر إيمان بربوبية الله جل وعلا، وعين الشرع إيمان بإلهية الله جل وعلا، فالمرء دائر بين القدر الكوني وبين الأمر الشرعي.

    السؤال هنا: هل إذا علمت أن الله قد كتبك أو قدر عليك أنك من أهل الجنة أو من أهل النار قبل أن يخلق الخلق بخمسين ألف سنة، هل هذا يجعل المرء يتقاعس عن عبادة الله جل وعلا، أم يجعل المرء يشتد ويجتهد في عبادته سبحانه؟

    والجواب أنه قد دار ذلك في رأس أحد الصحابة، وذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وسأله: هل أمر انتهى وكتب أم أمر مستقبل؟ فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: (أمر قد انتهى فقال: ففيم العمل)، فأوجز النبي صلى الله عليه وسلم له بكلمات من أجمع الكلمات وأوسعها في باب القدر، و(اعملوا فكل ميسر لما خلق له) قد انتهى الأمر، وكتب الله أهل الجنة وكتب أهل النار، وفي الحديث أنه: (مسح على ظهر آدم، فأخذ بكفيه أو أخذ ذريته فقلبهما في كفيه، وقال هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي، وهؤلاء إلى النار ولا أبالي).

    ففي هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قام، وخرج على الناس بكتابين، وقال: (فرغ ربكم من العباد، هذا كتاب بأهل الجنة بأسمائهم وأسماء أبائهم وذرياتهم، ثم أجمل لا يزاد فيه ولا ينقص، وهذا كتاب بأهل النار بأسمائهم وأسماء آبائهم وذرياتهم، وأجمل عليه، لا يزاد فيه ولا ينقص، فرغ ربكم من العباد. فقال رجل: يا رسول الله ففيم العمل؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اعملوا فكل ميسر لما خلق له).

    وهذه فيها بشارة ونذارة وإجمال، وفيها النظر بعين القدر وعين الشرع بكلمات وجيزة، منه صلى الله عليه وسلم حيث بين أنه لا يتعارض قدر كوني مع أمر شرعي فالإيمان بالقدر إيمان بربوبية الله؛ لأن القدر هو قدرة الله جل وعلا، وهو صفة من صفات الربوبية، والإيمان بالأمر والنهي والمسارعة في الأمر إيمان بتوحيد الإلهية، ولا يستقيم توحيد المؤمن لله جل وعلا إلا بتوحيد الربوبية والإيمان بالقدر، وتوحيد الإلهية.

    وفي هذا الحديث بشر النبي صلى الله عليه وسلم أهل الخير الذين يسارعون في الخيرات بالخير، كالذين وسع الله جل وعلا عليهم في المال فهم ليل نهار يسلطونه على هلكته في الحق فهؤلاء يستبشرون خيراً؛ لأن الله تعالى بالظن الغالب قد يسرهم لما خلقهم له، فخلقهم ليكونوا عباداً متصدقين منفقين لله جل وعلا، ويسر للبعض الجلوس في مجالس العلم، فيتعلمون ويعملون حتى يرتقوا عنده سبحانه (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين).

    فاعلم أن الله جل وعلا اصطفاك له، وكتبك قبل أن يخلق الخلق بخمسين ألف سنة ممن يسارع في الخيرات، فاستبشر خيراً، وإذا وجدت نفسك قد فتح لك باب من أبواب الجهاد أو من أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وكنت في كل ساعات حياتك تعيش في ذكر الله أو استغفار أو أمر بمعروف أو نهي عن منكر فإنك ممن قال النبي صلى الله عليه وسلم: (كل ميسر لما خلق له)، أي أنك خلقت لهذا العمل، وخلقت للدين، كما قيل في شيخ الإسلام ابن تيمية : خلق الله هذا الرجل لدينه، فلا يعرف شيئاً إلا الدين، ولا يعرف شيئاً إلا لله جل وعلا، وكما قال الله لموسى: وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي [طه:41]، أي: اصطفاه الله جل وعلا، واصطنعه لنفسه ولدينه فقط.

    وفي هذا الحديث أيضًا إنذار لأهل الفساد والغي والضلال، فالعبد الذي تغلق عليه أبواب الخير ولا تفتح له إلا أبواب الغي والضلال والزنا والفاحشة والكذب والغيبة والنميمة والبخل فهذا إنذار من النبي صلى الله عليه وسلم يقول له: (كل ميسر لما خلق له)، فلعله ما خلق إلا للنار والعياذ بالله.

    والناس في ذلك أصناف

    والناس في ذلك على ثلاثة أصناف: الصنف الأول: مؤمنون خلص: وهؤلاء هم الذين لهم البشارة، وهم الذين يستبشرون بأعمالهم الخيرة، وبأن الله جل وعلا اصطفاهم له، وهم الذين من نعومة أظفارهم قد نشئوا في عبادة الله جل وعلا، وهؤلاء هم الذين يصدق فيهم قول النبي صلى الله عليه وسلم: (سبعة يضلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله -ومنهم-: شاب نشأ في عبادة الله) فهو عبد أول ما فتحت عيناه فتحت على نور الإسلام، فعمل به، فهو ليل نهار يتعبد الله جل وعلا، فهذا هو الذي ينطبق عليه قول الله تعالى: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ [الأنعام:125]. وهو الذي انغمس في طلب العلم، أو في الجهاد في سبيل الله، أو في النفقة والصدقة، وهذا الذي يقال فيه: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين) هذا الصنف الأول من الذين يسروا لما خلقوا له أي: للجنة.

    الصنف الثاني مقابل الصنف الأول: وهم الذين خلقهم الله للنار، والذين فتح الله لهم أبواب الغي والضلال على مصراعيه، وهؤلاء ينطبق عليهم قول الله تعالى وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ [الأنعام:125] فالعبد الذي كلما أمر بالمعروف أو نهي عن المنكر أو دعي إلى الإسلام استهزأ ولم يقبل فهو ميسر لما خلق له من النار، قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [البقرة:6]، خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ [البقرة:7]، أي: طبع الله على قلوبهم، وأغلق عليهم أبواب الخير، وفتح لهم أبواب الشرور.

    والصنف الثالث: صنف مخلط بين الصنفين المتقابلين، وهو الذي خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً، وهذا لا يقال فيه خلق لما يسر له بالتصريح، وإنما يقال: إن علم الله في قلبه الخير ختم له بالخير، وأن علم الله في قلبه الشر ختم له بالشر. وهذا ينطبق عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينها وبينه إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها -فالأعمال بخواتيهما- وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع)، ويكون قد سبق في علم الله جل وعلا وعلم من قلبه الطهارة والصدق وإرادة الله جل وعلا، ولكن غلبته شهوته، فما يكون بينه وبين النار إلا ذراع، (فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها)، أي: يختم له بعمل أهل الجنة.

    1.   

    الإيمان بالقدر باعث على العبادة

    إن الإيمان بالقدر لا يستدعي من الإنسان أن يترك العبادة أبداً، بل لا بد أن يجتهد في العبادة. ولذلك كان من فقهاء الصحابة من يقول: والله ما اجتهدت اجتهادي إلا بعدما عرفت القدر، ولما رأى النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر وعمر يمشيان فقال لـعلي : (هذان سيدا كهول أهل الجنة. فقال علي متهللاً: أفلا أبشرهما يا رسول الله؟ قال: لا) إنهما إذا بشرا بأنهما سيدا كهول أهل الجنة فلن يملا من عبادة الله جل وعلا، بل سيجتهدان حتى تتقطع أوصالهما من أجل شكر الله جل وعلا، فيجتهدان بعدما يعرفان القدر في طاعة الله جل وعلا.

    1.   

    أنواع الأقدار النازلة بالإنسان

    الأقدار التي تنزل على الإنسان على قسمين: أقدار لا اختيار له فيها ولا إرادة، وهذه الأقدار مثل البلايا التي تنزل على الناس كالتقتيل والتشريد، وهجوم الكفرة على المسلمين، وعلو غيرهم عليهم، فكل هذه من الأقدار التي لا اختيار للعبد فيها، ولا يستطيع العبد أن يفعل معها شيئاً، بل إنها تنزل عليه فلا يستطيع ردها، فهذه يتعامل معها بالتسليم قال الله تعالى: الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ *أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ [البقرة:156-157] وقال تعالى: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ [التغابن:11] فيستسلم ويقول: هذه من عند الله، كتبت قبل أن أخلق بخمسين ألف سنة يَهْدِ قَلْبَهُ [التغابن:11] أي: يهد قلبه للإيمان، ويعمق الإيمان في قلبه، فيرضى بقدر الله جل وعلا، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فعليه السخط) هذه النوع الأول.

    النوع الثاني من القدر: قدر شرعي ليس كونياً وهو البلايا والأقدار التي يستطيع المرء أن يدافعها، فإن لم يدافعها فهو آثم، مثاله: أن يدافع أسباب الموت بأسباب الحياة، فإذا جاءك رجل ليقتلك فإنك تدفع قدر الموت وأسبابه بقدر الحياة. والجوع المميت تدفعه بالأكل من الميتة نفسها، وإن كانت محرمة، لإنك تدفع قدر الموت بالحياة. والعطش تدفعه بالشراب، وهذا جاء من فعل النبي وقوله، وهو القدوة لنا.

    فمن ذلك: قوله صلى الله عليه وسلم: (الحرب خدعة)، وقوله لمن سأله: من أي القوم أنتم؟ بعدما أخبروه بما يريد فقال: (نحن من ماء) .

    وقد خرج أبو بكر وعمر يدفعان قدر الجوع بمن يطعمهما، والنبي صلى الله عليه وسلم قد دافع وأخذ بالأسباب عندما سار في الصحراء حتى وصل المدينة؛ لأنه أخذ رجلاً عالماً بالطريق، حتى لا يضيع نفسه، ومن مدافعته قوله صلى الله عليه وسلم: (تداووا عباد الله، ولا تتداووا بحرام، فإن الله ما أنزل داء إلا وأنزل له دواء)، أيضًا قوله صلى الله عليه وسلم: (فر من المجذوم فرارك من الأسد) ولما سحر النبي صلى الله عليه وسلم أخذ بالأسباب، وقد كانت هذه الأسباب شرعية.

    ومن ذلك أيضًا قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا سمع أحدكم بالطاعون في أرض فلا يدخل ولا يخرح منها)، وعمر بن الخطاب كان يفعل ذلك، فإنه لما سمع بالطاعون في أرض الشام ما أراد أن يدخلها فقال له أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه وأرضاه: يا أمير المؤمنين! أتفر من قدر الله؟ قال: أفر من قدر الله إلى قدر الله. وكذلك لما سرق الرجل، وقال: مهلاً يا أمير المؤمنين ما سرقت إلا بقدر الله. قال: مهلاً وأنا أقطع يدك بقدر الله جل وعلا. فهذه الأقدار لا بد أن يدفعها المرء بالوسائل الشرعية.

    نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا ممن يؤمن بالقدر، ويعمل به حق العمل، ويعتقده في قلبه.