إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ محمد حسن عبد الغفار
  3. شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - هل محمد رأى ربه؟ الرد على أهل البدع في الرؤيا

شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - هل محمد رأى ربه؟ الرد على أهل البدع في الرؤياللشيخ : محمد حسن عبد الغفار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • رؤية الله والتمتع بالنظر إلى وجه الكريم نعمة من نعمه الجليلة التي أنعم بها على أهل كرامته؛ بل هي أفضل نعمة يسبغها الله على أهل جنته، وهي حقيقة ثابتة بالكتاب والسنة وبإجماع علماء سلف الأمة، ولا ينكرها إلا إنسان غلبت عليه شقوته وأضله هواه.

    1.   

    حكم من أنكر رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71]، أما بعد.

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، ثم أما بعد:

    فإن من جحد رؤية المؤمنين لربهم جل وعلا يوم القيامة، فقد جحد الدليل القطعي الذي ثبت في الكتاب والسنة، ووصل إلى حد التواتر، ولهذا يكون كافراً.

    وهذا الذي قرره شيخ الإسلام ابن تيمية نقلاً عن الإمام أحمد لما سئل عمن جحد رؤية الله جل وعلا يوم القيامة فقال: يكفر بذلك؛ لأنه جحد دليلاً قطعياً ثابتاً من طريق قطعي.

    1.   

    الدلالة على رؤية المؤمنين ربهم في قوله تعالى: (رب أرني أنظر إليك)

    ثبتت رؤية الله بالكتاب والسنة والعقل، وزيادة على ثبوت الرؤية بالعقل نقول: قال الله تعالى عندما سأله موسى: رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي [الأعراف:143]، وفي هذه الآية دلالة عقلية ثابتة أثبتها العلماء على أن المؤمنين يرون الله جل وعلا بدليل العقل، من وجوه:

    الوجه الأول: أن موسى عليه السلام في زمانه هو أعلم عباد الله بالله جل وعلا، فلا يمكن أن يتجرأ أو يتعدى حدوده مع الله جل وعلا فيسأله أمراً فيه تعدٍ أبداً، تأدباً مع الله جل وعلا، وإذا كان الأمر كذلك فسؤال الموتى لله أن يروه جل وعلا ليس فيه تعدٍ بل هو ممكن، ولو لم يكن ممكناً لما سأله موسى عليه السلام من ربه.

    الوجه الثاني: قد يقول قائل: إنه ليس بمتعدٍ على الله، وليس متعدٍ للأدب مع الله جل وعلا، لكنه لا يعلم أن هذا السؤال لا يسأل، أي: أنه سأله جهلاً منه، كما سأل نوح ربه إنقاذ ابنه فقد سأله جاهلاً، فيمكن لموسى أن يسأل الله جل وعلا رؤيته وهو جاهل بأن هذا تعدٍ وحرام، والرد عليهم سهل ويسير وهو: أن الله جل وعلا لا يقر على خطأ أبداً، فلو كان هذا تعدياً وخطأ وجهل من موسى عليه السلام لما أقره الله جل وعلا، ولأنكر عليه كما أنكر على نوح في قوله: قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ [هود:46] وفي قراءة: إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ [هود:46].

    الوجه الثالث: أن الله جل وعلا علق الرؤيا على ممكن، ولم يعلقها على مستحيل فقال: انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي [الأعراف:143] ولكن موسى لا يمكنهُ الرؤيا في الدنيا لضعف بصره عليه السلام وضعف قوته على تحمل تجلي الله جل وعلا له، وذلك بالنظر والقياس، فموسى عليه السلام نظر إلى الجبل الشامخ الراسخ وعندما تجلى الله له أصبح كثيباً مهيلا، فكيف بموسى الضعيف هل يستطيع أن يصبر على تجلي الله جل وعلا له، ولذلك فإن موسى استغفر وعلم أنه لا يستطيع ذلك.

    أما بصر الإنسان في الآخرة فيخبر الله عنه ويقول: فََبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ [ق:22] أي: له قوة يستطيع الإنسان أن ينظر بها إلى الله جل وعلا.

    1.   

    أقوال الناس في رؤية المؤمنين لربهم

    أقوال الناس في رؤية المؤمنين لله جل وعلا ثلاثة:

    القول الأول: الله جل وعلا يُرى في الدنيا وفي الآخرة، وهذا قول أهل الوجد والارتقاء والفناء من أهل التصوف الذين يجدون في أنفسهم أنهم يرون الله ويرون الرسول، وأن الأولياء خير من الأنبياء، ومنهم من يدعي أنه سلم على النبي صلى الله عليه وسلم.

    وإذا اعترض عليهم بأن موسى عليه السلام من الأنبياء الأصفياء، ومن أولي العزم من الرسل، بل هو ثاني أو ثالث مرتبة عند الله جل وعلا، سأل الله أن يراه فلم يره، ولم يعطه الله جل وعلا ذلك، ردوا بقولهم: إن الولي هو الذي يرى الله، والولي أعلى مرتبة من النبي، ألا ترى أن الخضر عليه الصلاة والسلام، -وهم يقولون: إنه ولي- جاءه موسى يسعى حثيثاً حتى يتعلم منه وهو ولي وموسى نبي؟ فالأولياء عندهم أفضل من الأنبياء، والولاية درجة أعلى من درجة النبوة، فللولي أن يرى الله جل وعلا دون النبي.

    وكذلك قالوا: إنه من الممكن للإنسان أن يرى الله، وهؤلاء هم أصحاب ابن عربي الذي يتبنى مذهب الحلول والاتحاد، ولذلك قالوا: لما طلب موسى من ربه أن يراه وتجلى الله جل وعلا رأى موسى نفسه فكأنما رأى الله جل وعلا! يعني: أن الله جل وعلا حل فيه، وهذا القول أشد من قول النصارى في عيسى عليه السلام، فمن الممكن عندهم للإنسان أن يرى الله؛ لأن الله حل في كل إنسان.

    وهذا قول الفريق الأول من الناس، وكلامهم لا يمر على جاهل فضلاً على طالب العلم، وهذا القول ضعيف ونحن في غنى عن أن نرد عليه.

    القول الثاني وهو على النقيض وهو قول أهل البدع من الجهمية وغيرهم، الذين قالوا: إن الله جل وعلا لا يرى في الدنيا ولا في الآخرة، فنفوا رؤية عن الله جل وعلا، وهؤلاء لنا معهم كلام آخر في النهاية.

    القول الوسط هو قول أهل السنة والجماعة، الذين قالوا: إن الله جل وعلا يرى في الآخرة دون الدنيا.

    1.   

    الاختلاف في رؤية محمد لربه في الدنيا

    اختلف أهل العلم هل رأى محمد ربه جل وعلا في الدنيا أم لا؟ وذلك على قولين:

    القول الأول: وهو قول جمهرة من السلف ومن الصحابة، وهو قول عائشة ، وابن مسعود ، وأبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، وكثير من السلف، حيث قالوا: إن محمداً صلى الله عليه وسلم لم ير الله جل وعلا في الدنيا بعينه ولكن رآه بقلبه، واستدلوا على ذلك بقول الله تعالى لموسى عندما سأل الله أن يراه قَالَ لَنْ تَرَانِي [الأعراف:143]، واستدلوا أيضاً بحديث في الصحيح وهو أنه لما عرج بالنبي صلى الله عليه وسلم فسأله أصحابه: (أرأيت ربك؟ قال: نور أنى أراه؟!)، وفي رواية أخرى : (أرأيت ربك؟ قال: رأيت نوراً) والأصح في هذا النور أنه الحجاب؛ لأن الله جل وعلا حجابه النور، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه وأرضاه: (إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يرفع القسط ويخفضه ..)، ثم قال: (حجابه النور إذا كشفه أحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه)، سبحانه وتعالى، فالنبي صلى الله عليه وسلم: رأى الحجاب عندما وصل إلى سدرة المنتهى.

    القول الثاني: وهو قول ابن عباس ، ورجحه الحافظ ابن حجر وبعض المتأخرين: أن محمداً صلى الله عليه وسلم رأى ربه بعينه في الدنيا، ويراه في الآخرة، واستدلوا على ذلك بقول الله تعالى: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى [النجم:13-14]، وفي الحديث: سئل النبي صلى الله عليه وسلم (هل رأيت ربك؟ قال: نور أنى أراه)، وفيه رواية قال: (نور إني أراه)، يعني: أرى الله جل وعلا، فلكل دليل ولكل وجهة هو موليها، والخلاف معتبر.

    الراجح أن النبي عليه الصلاة والسلام لم ير ربه

    الراجح والصحيح هو قول عائشة وجمهرة السلف وهو أن محمداً صلى الله عليه وسلم لم ير ربه في الدنيا؛ لقول الله: للآية: لَنْ تَرَانِي [الأعراف:143]، وللحديث: (نور أنى أراه)، فحجاب الله جل وعلا النور.

    والذي يعضد هذا القول هو قول الله تعالى في معرض المنة على رسوله صلى الله عليه وسلم في الإعجاز والمواساة ليلة المعراج قال تعالى: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ [الإسراء:1] ومواساة ومنة قال: لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا [الإسراء:1]، ومن آيات الله جل وعلا التي رآها: أنه رأى جبريل، ورأى آكل الربا، والزناة، وكل الآيات التي أخبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم.

    وأعظم آية أن يرى ربه، وإذا رأى محمد ربه كان أولى بالذكر في الآية من الآيات التي هي أدنى منها في العظمة والمرتبة.

    وقول الله تعالى: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى [النجم:13]، المقصود به جبريل عليه السلام كما في الصحيحين.

    الرد على القائلين بأن محمداً صلى الله عليه وسلم رأى ربه

    الرد على استدلالهم بقوله عليه الصلاة والسلام: (نور إني أراه)، أن هذا الحديث الصحيح فيه أنه انقلب على الراوي، وهو وهم منه، والصحيح في الروايات كلها: قوله: (نور أنى أراه؟)، أي: كيف أراه؟

    وأما ابن عباس وما ذهب إليه فقد وصلنا عنه قولان: القول الأول قال: محمد رأى ربه، بالإطلاق، ثم جاءت رواية بسند صحيح قال فيها: رأى محمد ربه مرتين بفؤاده.

    فقيد الرؤية بالقلب، فيحمل قول ابن عباس المطلق على المقيد، ونحن نوافقهم في ذلك، بل إن عائشة توافق في ذلك حيث قالت: إن محمداً رأى ربه، ولذلك لما قالوا لها: (رأى النبي صلى الله عليه وسلم ربه بعينه قالت: قف شعري مما تقول، من زعم أن محمداً رأى ربه فقد أعظم الفرية)، يعني: أخطأ خطأ فاحشاً أن يقول: إنه رأى ربه، ثم استدلت على ذلك بقول الله تعالى: لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ [الأنعام:103]، وهذا الاستدلال فيه نظر، ولكن ما ذهبت إليه هو الصحيح، وهو أن محمداً صلى الله عليه وسلم لم ير ربه في الدنيا، ويراه في الآخرة.

    أدلة القول بأن الله لا يرى في الدنيا ولا في الآخرة

    القول الثالث: وهو قول الجهمية والنفاة الذين قالوا: إن الله جل وعلا لا يرى في الدنيا ولا يرى في الآخرة.

    واستدلوا بقول الله تعالى عندما سأله موسى قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي [الأعراف:143]، فـ(لن) أصلها في اللغة للتأديب، والتأديب يتضمن عدم الرؤية في الدنيا وعدم الرؤية في الآخرة.

    واستدلوا كذلك بقول الله تعالى: لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ [الأنعام:103]، هذا الدليل السمعي، أما الدليل النظري فهو أنه لو أثبتم الرؤية فقد جسمتم؛ لأن المجسم هو الذي يرى، وإذاً زعمتم أن لله جسم، فقد شبهتم الخالق بالمخلوق.

    وردوا على الاستدلال بقول الله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة:22-23]، بأن المعنى: إلى ثواب ربها ناظرة، فينظرون إلى الأنهار وإلى الجنات وإلى حور العين وإلى الملائكة، ويتمتعون بنعم الله عليهم قد علموا بعذاب أهل النار.

    الرد على من قالوا بعدم الرؤية في الآخرة

    الرد الأول: أن (لن) ليست للتأبيد فالسياق في الآية يدلنا على المعنى المراد منها، قال الله تعالى: َلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي [الأعراف:143] فعلق الأمر على محتمل لا على مستحيل، وهذا يدل على أن (لن) ليست نافية، وإذا قلنا بأن (لن) للتأبيد فقول الله جل وعلا لموسى (إنك لن تراني) يكون في الدنيا فقط دون الآخرة، فلا ذكر للآخرة في الآية، فلا يصح أن نقول إنهم لا يرون الله جل وعلا في الآخرة.

    وإذا رجعنا إلى اللغة فسنجد أن (لن) في أصل اللغة ليست للتأبيد، وهذا الذي قرره ابن مالك فقال: إن (لن) لا تفيد التأييد إلا بقرائن.

    والدليل على ذلك قول الله تعالى عن أهل الكفر: قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ [البقرة:95]، ثم بين لنا أنهم في الآخرة سيتمنون الموت، قال الله تعالى: وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ [الزخرف:77]، فقال: لَنْ يَتَمَنَّوْهُ [البقرة:95] وتمنوه في الآخرة، فهذه دلالة قاطعة على أن (لن) لا تكون للتأبيد بحال من الأحوال، وإنما هي لمطلق النفي فقط.

    أما قولهم: كيف تقولون: إنكم سترون الله والله جل وعلا يقول: لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ [الأنعام:103] فالجواب عليه من وجهين:

    الوجه الأول: أن الإدراك غير الرؤية، فلم يقل الله جل وعلا لا تراه الأبصار وإنما قال: : لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ [الأنعام:103] والإدراك معناه الإحاطة، ودلالة ذلك أنه لما فر موسى بقومه من فرعون فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ [الشعراء:61-62] ففرعون يرى موسى ومن معه وهم يرون فرعون ومن معه، ومع ذلك فموسى عليه السلام نفى الإدراك ولم ينف الرؤية، فهم يرونهم ولكن ما أحاطوا بهم، وما أدركوهم.

    كذلك في قول الله تعالى: لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ أي: لا تحيط به جل وعلا، لكنها تراه، والكيفية لا يعلمها إلا الله جل وعلا، والرؤية أعم من الإدراك.

    أما دليلهم العقلي وهو قولهم: إنكم لو أثبتم رؤية الله فقد جسمتم الله، وأصبح الخالق كالمخلوق، وشبهتم الخالق بالمخلوق، فالرد عليهم بأن الذي أودى بكم إلى هذا هو التشبيه، فقد شبهتم الخالق بالمخلوق، ونحن نقول: نثبت كل صفات الله جل وعلا بدون تمثيل ولا تشبيه ولا تكييف، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11]ولا يستلزم من رؤية الله جل وعلا أن يكون جسماً، ولو كان لازم هذه الآية التي تدل على الرؤية أن يكون جسماً فليكن جسماً؛ لأن لازم الحق حق، ولكننا نتوقف في مثل هذا الكلام فلا ننفيه ولا نثبته.

    وأما قولهم في قول الله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة:22-23]، أن النظرة تكون إلى ثواب ربهم فقد قدروا بكلامهم هذا أمراً محجوباً، والرد عليهم من ثلاثة وجوه:

    الأول: أن هذا خلاف فهم النبي صلى الله عليه وسلم وخلاف ما بلغ به أمته؛ لأنكم لو قلتم: معنى هذه الآية: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ [القيامة:22] (إلى ثواب ربها ناظرة) فقد اتهمتم النبي أنه قصر في البلاغ، فهو يعلم أن الآية معناها: (إلى ثواب ربها ناظرة)، ولكنه قصر في التبليغ، وهذا اتهام صريح للنبي صلى الله عليه وسلم؛ والله جل وعلا أمره بالتبليغ في قوله: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ [المائدة:67]، وقال: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل:44].

    الثاني: خلاف فهم وإجماع السلف الصالح.

    الثالث: يلزم من رؤية الله جل وعلا رؤية ثواب الله؛ لأن رؤية الله هو أعلى نعيم ممكن يصل إليه المرء، فمن رأى الأعلى يلزم منه أن يرى الأدنى، والتقسيم دائماً في الدنيا أن النعيم نعيمان، نعيم مادي حسي، وهو نعيم البدن، كالأكل والشرب والنكاح والجماع، ونعيم روحي وهو نعيم القلب، فيستلزم من حصول النعيم الأعلى الروحي وهو النظر إلى الله جل وعلى حصول النعيم الأدنى وهو نعيم البدن، والله جل وعلا أعطى المؤمنين ما يشتهون، وألذ ما يتمنون وأعظم ما يتنعمون به وهو رؤية الله جل وعلا.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

    1.   

    إثبات رؤية من قال الله فيه (ونحشره يوم القيامة أعمى)

    وقد يرد إشكال في قول الله تعالى في وصف الكافرين: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى [طه:124]، وهو كيف يرى هذا الله جل وعلا وقد حشر أعمى البصر؟ ويعضد ذلك قول الله تعالى: وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وَجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا [الإسراء:97]

    والجواب على ذلك هو أن الراجح في تفسير هذه الآية ما ورد عن ابن عباس ومجاهد وعطاء حيث قالوا: معنى أعمى أي: عن حجته التي يدلي بها بين يدي الله جل وعلا، وأصم لا يسمع ما ينفعه، وأبكم لا يتكلم بما يكون حجة له، فالآيات التي جاءت في العمى مؤولة؛ لأن هناك أدلة أخرى تثبت أنهم يسمعون زفير النار، ويسمعون الحساب ويسمعون الله جل وعلا عندما يكلمهم، ويرون النار كما قال تعالى: وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا [الكهف:53]، ويرون الملائكة كما قال تعالى: يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا [الفرقان:22].

    والراجح أنهم يرون الله جل وعلا عند الحساب، وهذه الرؤية ليست رؤية رحمة، والله أعلم.