إسلام ويب

شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - صفة العلمللشيخ : محمد حسن عبد الغفار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • صفة العلم من الصفات الذاتية الثبوتية التي لا تنفك عن الله عز وجل، وهي صفة أبدية أزلية، فهو سبحانه يعلم ما كان وما سيكون وما لم يكن لو كان كيف سيكون. وقد اختص الله نفسه بعلم الغيب المطلق، ووهب لعباده شيئاً من علم الشهادة، إلا أن هناك بعض الاستثناءات التي خص الله بها بعض أنبيائه فأطلعهم على شيء من علم الغيب تأييداً ونصرة لهم.

    1.   

    ثبوت صفة العلم لله في الكتاب والسنة والعقل

    ثبوت صفة العلم في الكتاب

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    إخوتي الكرام! ما زلنا مع سياق ما دل من كتاب الله جل وعلا وما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في أن الله عالم بعلم، وأن علمه غير مخلوق، فقولنا: الله عالم بعلم نرد بذلك على المعتزلة الذين قالوا: إن الله عالم بذاته، وقولنا: علمه غير مخلوق، نرد على ما قاله بعض المبتدعة.

    وعلم الله جل وعلا ثابت بالكتاب والسنة والعقل.

    قال الله عز وجل: فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ [الأعراف:7]، وقال جل وعلا: وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ [الشورى:25]، استدل بالفعل وهو يعلم، وقال: وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ [البقرة:255]، وتنوعت الدلالات لسعة علم الله جل وعلا، كقوله: فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ [هود:14]، وقال تعالى: وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ [فاطر:11]، وعلم الله صفة من صفات الله جل وعلا الثابتة بالكتاب والسنة والعقل، وهي صفة أزلية أبدية ثبوتية ذاتية.

    فصفة العلم ثابتة في الكتاب على تنوع الدلالات.

    ومن الأدلة كذلك: قول الله جل وعلا: بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ [النساء:166]، وقال جل وعلا: فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ [هود:14]، والأسماء الحسنى تدل على علم الله جل وعلا، قال الله تعالى في سورة يوسف: إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [يوسف:6]، فقرن بين العلم والحكمة.

    ومن مقتضيات الأسماء التي تثبت علم الله جل وعلا: الخبير الذي علم بدقائق الأمور، واللطيف الذي علم بما خفي ودق، وأيضاً الشهيد، فإن الله جل وعلا لا يغيب عنه شيء ولا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض.

    ومن الدلالات المتنوعة التي تثبت علم الله جلا وعلا واتساع علم الله جل وعلا قوله تعالى: وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ [يونس:61].

    ثبوت صفة العلم في السنة

    ثبوت صفة العلم بالعقل

    دلالة هذه الصفة بالعقل من وجهين:

    الوجه الأول: النظر إلى الكون الشاسع المتقن المحكم الذي فيه كل هذا الإتقان، فإذا أردت أن تنظر هل فيه خلل رجع إليك البصر خاسئاً وهو حسير، قال الله تعالى: تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا * وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا [الفرقان:61-62]، فمن تدبر هذا الكون المحكم المتقن من قبل الله جل وعلا، علم أن هذا الإحكام وهذا الإتقان نابع عن إرادة، يعني: أراد الله أن يخلق هذا الكون بهذا الشكل وهذا الإحكام وهذا الإتقان، وهذه الإرادة تستلزم العلم بالمراد، فلا يمكن لأحد يريد شيئاً إلا وهو يعلم هذا الشيء الذي يريده، فالإرادة تستلزم العلم بالمراد.

    الوجه الآخر من أوجه الدلالة بالعقل على علم الله: أن الله جل وعلا شرف بعض عباده بهذا العلم، وبين أنه بالنسبة لهم صفة كمال؛ كما قال الله تعالى: كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ [يوسف:76]، فعلم يوسف عليه السلام كيف يكيد ليأخذ أخاه، وهذه من صفات الكمال ليوسف، ووصف الله عز وجل يعقوب بأنه عليم فقال: وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [يوسف:68]، فهذه صفة كمال في العبد، والقاعدة بين الرب وبين العبد قياس الأولى، فإن اتصف العبد بالكمال فمن باب أولى أن يتصف الخالق بالكمال؛ لأن الخالق هو الذي أوزع وأودع في المخلوق هذه الصفة، فصفة العلم ثابتة لله جل وعلا بالكتاب والسنة وبالعقل، وأقوال الصحابة كما سنقرؤها من هذا الكتاب.

    1.   

    علم الله محيط بكل شيء

    علم الله جل وعلا واسع شاسع، يحيط بكل شيء علماً، وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا [طه:110]، يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ [آل عمران:29] ما دق وما خفي، يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ [غافر:19]، يعلم جل وعلا كل شيء ولا يخفى عليه أي شيء: دق أو جل، عظم أو صغر؛ لأن الله جل وعلا أحاط بكل شيء علماً، قال الله تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا [الطلاق:12]، وعلم الله الواسع جل وعلا يتمثل في أنه عَلِمَ ما كان، وعلم ما يكون، وعلم ما لم يكن لو كان كيف سيكون. علم ما كان: فالله جل وعلا يعلم ما سبق، وقد قص علينا بعلمه ما كان من قصص، وأيد نبيه صلى الله عليه وسلم بهذه المعجزة وهي: أن يقص على أهل الكفر وأهل قريش ومن يدعوهم إلى الإسلام القصص السابقة، وهي وحي من الله جل وعلا يدل على علم الله السابق، فقص الله علينا خلق آدم، وأول الخلق، وأنه أمر الملائكة بالسجود له، وأنه أمر إبليس ولكنه أبى: أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ [البقرة:34]، فأنزل إبليس من الجنة وأنزل آدم منها أيضاً.

    وقص علينا من قصة نوح عليه السلام عندما أوحى إليه أن يعمل السفينة أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا.. [المؤمنون:27] ..وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ [المؤمنون:27]، وأيضاً قص علينا أنه أنجاه ومن معه في الفلك وأغرق الباقين.

    وقص الله علينا جل وعلا خبر ضيف إبراهيم المكرمين، وأن إبراهيم بشر بغلام حليم، وبشر بعده بغلام آخر عليم، وقص الله علينا قصص كل من سبق، فهذه دلالة على علم الله بما كان، والله جل وعلا قصها على النبي وجعلها عبرة ليعتبر بها، وهدى ليهتدي بها، ومعجزة وآية له حتى يبين أنه ما أتى بهذا الكلام من عنده وأنه ليس أساطير الأولين، بل هو وحي من الله جل وعلا.

    وعلم ما يكون مستقبلاً، فالله جل وعلا علم ما يكون وقصه وأوحاه إلى نبيه، ومنه ما تحقق بعدما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم في عصره، ومنه ما تحقق في عصرنا هذا، ومنه ما ننتظر أن يتحقق.

    أما النوع الأول وهو ما تحقق: قال الله تعالى: سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا [الفتح:11] وحدث ذلك وتحقق، وكذلك وهم في مكة في أشد ما يكونون، أنزل على نبيه صلى الله عليه وسلم ما يكون: الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ [الروم:1-3]، وتحقق وحدث كما قال الله تعالى، أيضاً أوحى الله إليه أنه سيدخل المسجد الحرام، وأنه سيدخل فاتحاً مكة، وتحقق قال تعالى: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ [الفتح:27].

    وأوحى إليه أشياء لم تحدث في عصره وحدثت بعد ذلك مثل النار التي بين أنها من أمارات الساعة وخرجت كما قال الإمام النووي ، قص علينا من الأمارات ما نراها عياناً كما في مسند الإمام أحمد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (بين يدي الساعة سنون خداعة، يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن الخائن ويخون الأمين، وينطق الرويبضة، قالوا: يا رسول الله! وما الرويبضة؟ قال: الفاسق أو قال: الفويسق يتكلم في أمر العامة)، وقد تحقق ذلك، (وجاء أعرابي فأخذ بخطام الناقة فقال: يا رسول الله! متى الساعة فسكت، ثم قال: من السائل عن الساعة؟ قال: أنا، قال: إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة)، وقد تحققت أشياء كثيرة أخبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم مستقبلاً وهذه متعلقة بحكم ما يكون.

    والذي لم يتحقق وننتظر تحققه وهو على مشارف التحقيق قول النبي صلى الله عليه وسلم: (ستصالحون الروم صلحاً آمنا) الروم أهل الكفر أهل الكتاب النصارى، (ستصالحون الروم صلحاً آمناً فيغدرون، سيأتونكم تحت ثمانين راية، تحت كل راية اثنا عشر ألفاً)، هذه من الأخبار التي في علم الله فيما يكون مستقبلاً قد أخبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم ونحن الآن ننتظر أن تتحقق أو نحن على مشارف أن تتحقق، وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [يوسف:21].

    أيضاً: ننتظر ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم: (ينطق الشجر والحجر، فيقول: يا مسلم يا عبد الله! تعال خلفي يهودي فاقتله)، وهذا أيضاً من علم الله بما يكون مستقبلاً وأخبر به، ففيه ما تحقق وفيه الذي لم يتحقق حتى الآن ونحن ننتظر أن يتحقق، وكل ذلك مكتوب وقد فرغ منه، وعلم ما لم يكن لو كان كيف سيكون من الممكنات أو من المستحيلات، من الممكنات كقول الله تعالى مثلاً في أهل الكفر الذين يستمعون الآيات ويستمعون الذكر ويعرضون: إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ [الأنفال:22-23] هذا لم يحدث، فلو حدث كيف سيكون؟ لا أحد يعلم إلا الله، فقال الله تعالى مبيناً لنا بأنه يعلم ما لم يكن لو كان كيف سيكون قال: وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ [الأنفال:23].

    ومن ذلك أيضاً: خروج الصف المنافق مع الصف المسلم، فإنه يغري بالصف المسلم ويخذل الصف المسلم، قال الله تعالى: وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ * لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ [التوبة:46-47] فعلم الله ذلك، فهم لم يخرجوا، والله جلا وعلا يبين لنا أنه علم ما لم يكن لو كان كيف سيكون، فلو خرجوا ماذا سيكون؟ وكيف التصور؟ وماذا يفعلون في الصف المسلم؟ بين ذلك في قوله: لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ [التوبة:47]، هذه من الممكنات.

    أيضاً من الممكنات في عرصات يوم القيامة: عندما يقف أهل الكفر على النار، قال الله تعالى: وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ [الأنعام:27-28]، فلو أعادهم الله إلى الدنيا لن يفعلوا ما قالوا، الله الذي يعلم هذا قد بين لنا ذلك، قال تعالى: وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [الأنعام:28].

    أما المستحيلات التي يعلمها الله جل وعلا لو حدثت مثل قوله تعالى: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا [الأنبياء:22]، فمستحيل أن يكون في الكون أكثر من إله، لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا لفسد الكون، وفساد الكون أيضاً الله جل وعلا صوره لنا، فهو يعلم ما لم يكن لو كان كيف سيكون، قال الله تعالى: مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ [المؤمنون:91] فهو يعلم ما لم يكن لو كان كيف سيكون، وهذه دلالة على سعة علم الله جل وعلا، فمن سعة علم الله أنه أحاط بكل شيء علماً، علم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف سيكون.

    معنى قوله تعالى: (ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم ...)

    يوجد إشكال لابد من الإجابة عنه: قال الله تعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ [محمد:31]، (حتى نعلم)، حتى في هذه الآية للغاية، فالله جل وعلا يبتلى الناس ليميز بين المجاهد والصابر وبين المنافق، وقال الله تعالى: وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا [آل عمران:167]، وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ [آل عمران:166] وقال الله تعالى: الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ [العنكبوت:1-2]، ثم قال: فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ [العنكبوت:3] وقد ذكرنا أن الله يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف سيكون، وأحاط بكل شيء علماً، فكيف يقول الله في كتابه الكريم: فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ، ويقول: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ [محمد:31].. وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا [آل عمران:167]؟

    الإجابة عن هذا الإشكال هو أن الله جل وعلا علم ذلك وكتبه في اللوح المحفوظ، لكن لابد أن يخرجه لأرض الواقع، ولابد أن يقطع دابر حجة الظالمين-، وتقدير الكلام: حتى نعلم علماً نحاسبكم عليه؛ لأن الله لو جاء بالعبد فحاسبه على علمه السابق دون أن ينزله إلى أرض البسيطة وقال للعبد: أنا علمت سابقاً أنك ستعمل كذا وكذا وكذا.. وسأحاسبك عليه اليوم، فهو سيقول: لا يا رب! لو أنزلتني إلى الأرض لسمعت وأطعت الرسل، فكيف تحاسبني على علمك السابق لي؟!

    إذاً: الإشكال يجاب عنه بجواب هين جداً ألا وهو: أن الله جل وعلا لما علم سابقاً أخرج هذا العلم على أرض الواقع ليحاسب الناس ويقطع حجتهم.

    أقول: علم الله سابق لأفعال العباد، وقد كتب ذلك، وقد فرغ ربكم من العباد، فأصحاب الجنة في الجنة وأصحاب النار في النار، أما قول الله تعالى: حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ [محمد:31]، فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ [العنكبوت:3]، فهذا العلم ليس علماً مستجداً لله جل وعلا، لكن العلم فيه بالنظر إلى العباد، وهذا العلم يسمى علم محاسبة، وعلم إخراج إلى أرض الواقع؛ حتى يقطع دابر الحجة التي يحتج بها العبد على الله جل وعلا، ولذلك الله جل وعلا في سورة طه قال: وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى [طه:134]، فلا حجة للعباد أمام الله جل وعلا؛ ولذلك الله جل وعلا قال في الرسل: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء:165].

    1.   

    أقسام العلم

    علم الشهادة

    العلم علمان: علم شهادة وعلم غيب، أما علم الشهادة فكله بجزئياته وكلياته يعلمه الله جل وعلا، وقد فرق الله بعض العباد بعلم الشهادة ممن اصطفاهم على البشر وعلى الناس، اصطفى ملائكة فعلمهم، واصطفى من البشر هم الأنبياء ثم الأولياء والعلماء الذين هم ورثة الأنبياء، فكفى بهم شرفاً أن يعلمهم الله من علم الشهادة، وذلك أن الله قد وسم ووصف بعض عباده بالعلم، قال جل وعلا مادحاً ليوسف عليه السلام: نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ [يوسف:76]، وقال عن أبيه: وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [يوسف:68]، والنبي صلى الله عليه وسلم بين شرف العلم وشرف العلماء فقال: (العلماء ورثة الأنبياء، والأنبياء لم يورثوا درهماً ولا ديناراً، ولكن ورثوا العلم، فمن أخذه فقد أخذ بحظ وافر)، فهذا يبين أن علم الشهادة يمكن للعبد أن يتعلمه. والله يصطفي من رسله من يشاء ليعلمهم، كما في الصحيح في قصة موسى والخضر عليهما السلام، لما جاء موسى إلى الخضر، وقال له: أنت على علم علمكه الله لم يعلمنيه، وأنا على علم علمنيه الله جل وعلا لم يعلمك إياه، ثم نظر إلى عصفور نقر في البحر، فقال: ما علمي وعلمك إلى علم الله جل وعلا إلا كما نقر هذا العصفور من البحر. فعلم الشهادة يشترط العباد بما علمهم الله جل وعلا: وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنِ اللَّهِ [النحل:53] أفضل النعم على الإطلاق بعد الإيمان والتقوى هي العلم، بل العلم أفضل من الشهادة، وورد في بعض الآثار وإن احتاجت إلى تحقيق السند: مداد العلماء أفضل من دماء الشهداء، نقول هذا دم، فطلب العلم أفضل الأعمال على الإطلاق، والعالم شهيد وزيادة، فالعلماء هم الذين فضلهم الله بعلم الشهادة.

    علم الغيب

    القسم الثاني من العلم: علم الغيب، وعلم الغيب أيضاً على قسمين: غيب مطلق، وغيب نسبي.

    الغيب المطلق: هو صفة من صفات الله الذاتية التي لا ينازع فيها الله جل وعلا إلا كافر، لا ينازع أحد الله جل وعلا في علم الغيب إلا كافر، قال الله تعالى: قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ [النمل:65]، وهذا أسلوب حصر، يعني: كل علم الغيب لله جل وعلا، فمن نازع الله جل وعلا في هذه الصفة فقد كفر؛ لأنه كذَّب القرآن، ونازع الله في صفة يختص بها الله جل وعلا دون غيره، فالغيب المطلق يعلمه الله وحده، قال النبي صلى الله عليه وسلم لـأبي بكر : (أنت منهم يا أبا بكر)، لما ذكر المصطفى أبواب الجنة: باب الريان.. باب الصدقة.. فقال أبو بكر : يا رسول الله! هل تفتح هذه الأبواب لواحد من عباد الله؟ فقال عليه الصلاة والسلام: (نعم وأنت منهم) فهذا علم غيب، وكلما غاب عن الإنسان فهو غيب.

    الغيب النسبي: يكون غيب بالنسبة لأحد، وشهادة بالنسبة للآخرين، فما يحدث مثلاً في أمريكا الآن هو غيب عنا، لكن عن أهل أمريكا ليس بغيب وإنما هو شهادة، فهذا هو الذي يسمى غيباً نسبياً، فالغيب المطلق: هو ما غاب كلية عن البشر.

    الغيب المطلق لله جل وعلا، والله جل وعلا يقول: قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ [النمل:65]، وقال جل وعلا: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ [آل عمران:179]، إذاً: أو كل علم الغيب لله تعالى، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم بشر العشرة بالجنة على وجه الخصوص، فهذا من الغيب، ومنه الآخرة، وما بعد عرصات يوم القيامة، وما بعد المحاسبة، هذا غيب مطلق كيف يعرفه النبي صلى الله عليه وسلم والله جل وعلا يقول: قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ ، فكيف يكون الجمع بين هذه الآية وأن النبي علم علماً أخروياً؟

    الجمع يكون بأن الغيب المطلق يعلمه الله جل وعلا واستثنى الله استثناءات محدودة جداً من هذا الغيب أطلع الله جل وعلا النبي صلى الله عليه وسلم عليها ولحكمة بليغة ألا وهي: تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم بمعجزة ربانية ليثبت للناس أنه يوحى إليه من قبل الله جل وعلا؛ ولذلك لما جاء جبريل يسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن موعد الساعة، قال: (ما المسئول عنها بأعلم من السائل)، فالغيب المطلق لله ولا يعلمه إلا الله جل وعلا، ومن نازع الله في هذه الصفة فقد كفر؛ لأنه كذب بالقرآن ونازع صفة لله يختص بها الله جل وعلا، واستثنى الله من علم الغيب المطلق بعض أنبيائه فخصهم باستثناء محدود وعلم محدود عن الغيب المطلق تأييداً لهم.

    علم الغيب النسبي

    بعض الناس يذهبون إلى الكهنة ويقولون: قد أخبرونا مستقبلاً بأشياء وقد وقعت وقد حدثت ورأيت كثيراً من الناس ذهبوا إلى الكهنة والعرافين فأخبروهم بأمور مستقبلة وحدثت فوقعت وهذا من الغيب، فكيف عرف الكهنة هذا الغيب والله جل وعلا ينفي علم الغيب عن أي أحد إلا هو؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: (يركب بعضهم فوق بعض -هكذا- فيسترق مسترق السمع فيأتيه الشهاب فإما يأتيه الشهاب قبل أن يصل بالكلمة وإما يصل بالكلمة ثم يأتيه الشهاب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فيقرقرها في أذن الكاهن فيكذب معها مائة كذبة)، والذي يدل على ذلك الحديث الصحيح في خبر ابن صياد وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يعلم الغيب، فكان يشك في ابن صياد هل هو الدجال أم لا، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يختبئ له بين الأشجار، وكان نائماً وهو يزمزم يقول: زم زم، فرأت النبي صلى الله عليه وسلم أمه فقالت: يا صائد ! هذا محمد صلى الله عليه وسلم، فجاءه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (ما ترى؟ قال: أرى عرشاً على الماء قال: ما يأتيك؟ فقال: يأتيني كاذب وصادق، قال النبي صلى الله عليه وسلم لـعمر : خُلط عليه الأمر، ثم قال: إني خبأت لك خبيئة)، والنبي صلى الله عليه وسلم يسأله مختبراً، ولذلك قلنا: لا يسأل الجن أبداً مسترشداً، حتى وإن استدل بكلام شيخ الإسلام ابن تيمية أنه يجوز الاستعانة بالجني المسلم على قضاء حوائج المسلمين، فهذا الكلام غير صحيح، واستدل شيخ الإسلام ابن تيمية على ذلك بفعل أبي موسى الأشعري رضي الله عنه وأرضاه حين غاب عنهم عمر ، فذهب إلى امرأة لها رئي -يعني جني- وقال: سلي رئيك أين عمر ؟ فسألته، وقالت: هو في المكان الفلاني، فذهبوا فوجدوه. وهذا الأثر يحتاج إلى إثبات السند، وهو واقعة عين، وعندنا الأدلة التي تثبت عدم جواز الاستعانة بهم بحال من الأحوال؛ لأن هذا غائب، ونحن اشترطنا شروطاً عظيمة جداً في الاستعانة وهي: حي حاضر قادر، والجن لا نراه، فهو غائب، فانتقض بذلك شرط من شروط الاستعانة، فالجن غائب عنا فلا يجوز الاستعانة به، لكنه قال: خبأت لك خبيئة ليرى كذب هذا الرجل وما الذي يحدث له، فقال: الدخ، حتى ما قال: الدخان، يعني: الجن سمعوا الدخ، قبل أن يقولوا: الدخان، والشهاب أتاه فقتله، فنزلت على أذنه يقرقرها في أذنه، فقال: الدخ وما أكمل الدخان، فقال النبي صلى الله عليه وسلم وهو يعلم أنه كاذب: (اخسأ فلن تعدو قدرك)، فالكهنة يعرفون الكلمة من المسترق فيكذبون عليها مائة كذبة، ولا يعلمون الغيب، والصحيح الراجح أن الغيب المطلق لا يعلمه إلا الله جل وعلا، ومن نازع في هذه الصفة فقد كفر، فحكم الكهنة الذين يخبرون بالأمور المستقبلة حتى ولو تحققت أنهم كفار، فالفعل فعل كفري.

    والغيب النسبي يحل لنا إشكالاً كبيراً جداً وهو إشكال المنديل، وهو أن أناساً عندنا في مصر يذهبوا إلى العراف فيضرب الورق، فيقول له: من الذي سرق البضاعة هذه؟ فيقول له: فلان بن فلان سرقها الساعة الفلانية، ويذهبون فيجدونه، فيضربوه ضرباً شديداً، فيعترف اعترافاً صحيحاً: نعم سرقتها في الوقت الفلاني وفي نفس المكان، وهذا ليس إخباراً بالغيب؛ لأن الغيب هنا غيب نسبي، فهو لبعض المخلوقين شهادة، فالقرين مع هذا السارق رآه كيف يسرق ومتى سرق فأخبر الكاهن هذا الذي يضرب الودع أو يكلم الجن، ومثله التنويم المغناطيسي، فهو يكلم قرين النائم، فقرين الكاهن يذهب إلى القرين الثاني فيسأله فيجيب ويقول له: سرقها في الوقت الفلاني، وهو مختبئ الآن في المكان الفلاني، فالإشكال حُلَّ، فالغيب النسبي هو ما غاب عني وهو شهادة بالنسبة للآخرين، فيغيب عن بعض الناس ويكون شهادة لبعض الناس، وهذا يعلمه البعض ويخفى عن البعض.

    1.   

    الطوائف التي أنكرت علم الله جل وعلا

    إن الله علم عالم ويرد بهذا على المعتزلة الذين يقولون: عالم بذاته، وهذا أصل أصلوه، قالوا: عالم بذاته، ونفوا صفة العلم نفسها، وأثبتوا الاسم، ونحن قلنا في قاعدة الأسماء: كل اسم من الأسماء الحسنى يتضمن صفة كمال، قال تعالى: إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [يوسف:6]، عليم اسم من أسماء الله يتضمن صفة العلم، فهم يفرغون الاسم من الصفة؛ ولذلك يقولون: عالم بذاته لا بعلمه. فالطائفة الأولى الذين نفوا علم الله هم اليهود عليهم لعنة الله أولاً وآخراً بحراً وجواً فوقاً وتحتاً، ونسأل الله جل وعلا أن يقر أعيننا بهلاك اليهود في الدنيا قبل عرصات يوم القيامة، فهم نفوا علم الله جل وعلا، بل تجرءوا على الله وقالوا: الله لا يعلم ما يكون، ويستفيد الله جل وعلا من التجارب، ولذلك في التوراة المزعومة قالوا: لما خلق الله الخلق نظر إلى الفساد العارم الذي أحدثه الخلق فندم وبكى فأرمد؛ فعين الله غامضة؛ لأنه لا يعلم ما سيحدث من بني آدم، فاستفاد من التجارب وكأن الله جل وعلا لن يخلق خلقاً ثانياً حاشا لله.

    وأفراخ اليهود من هذه الأمة هم: القدرية الذين نفوا القدر، فهم ينفون علم الله جل وعلا، وهم لا ينفون العلم السابق، ولكن ينفون اللاحق، ينفون علم الله جل وعلا بما يكون، ويقولون: الله جل وعلا لا يعلم أفعال العباد حتى يفعلها العباد، والرد عليهم بالآيات التي تثبت علم الله بما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف سيكون.

    الطائفة الثالثة من الطوائف المبتدعة الذين نفوا علم الله: الفلاسفة، وهم لا يصرحون بالنفي، كما قالوا في القرآن: هو من وحي محمد، فمحمد هو صاحب النفس الزكية أتاه القلب فتخيل بياضاً اسمه جبريل، ثم سمع منه وحياً يسمى القرآن! وكأن القرآن من عند محمد، لكن لم يقولوها صراحة، فالفلاسفة قالوا: إن الله لا يعلم الجزئيات وإنما يعلم الكليات فقط، أما الأشياء الخفية والدقيقة فلا يعلمها، وهذه تستلزم أنه يخفى عنه الجزئيات ولا يعلم الكليات؛ لأن كل جزء بجانب جزء يعطي الكل، فمن نفى الجزء فقد نفى الكل.

    والرد عليهم بأن الله جل وعلا أثبت في كتابه أنه علم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف سيكون.

    1.   

    علم المخلوق ناقص ومحدود

    أختم هذه الدرس عن علم الله جل وعلا بأن هذه الصفة وإن كانت مطلقة الله جل وعلا فيمكن للعبد أن يتصف بها، فيعقوب عليه السلام عليم، ويوسف عليه السلام عليم، وأقول: الله عليم، لكن يبقى سؤال هنا: إذا قلنا: إن الإنسان قد وصف بالعلم والله جل وعلا موصوف بالعلم فهل التساوي في الاسم يستلزم التساوي في المسمى؟

    الجواب: صفة الله على كماله وجلاله، وصفة العبد على نقصه وتقصيره.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم وجزاكم الله خيراً.

    1.   

    الأسئلة

    بيان الفرق بين مطلق الشيء والشيء المطلق

    السؤال: ما الفرق بين مطلق الشيء والشيء المطلق؟

    الجواب: مطلق الشيء معناه أصل الشيء، والشيء المطلق يعني: كل شيء، فإذا قلت: مطلق العلم فهو يعني: أصل العلم عند العبد، ولا يمكن أن يبقى، ولو قلت: إن العلم المطلق عند العبد فهذا كلام لا يصح، فالأصح أن تقول: هو على علم علمه الله هذا العلم، ورزقه الله علماً، قال تعالى: وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنِ اللَّهِ [النحل:53]، بل الأصل في العبد الجهل والظلم قال تعالى: وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ [النحل:78]، فهذا إثبات أن الأصل في العبد الجهل، أي: أن هذه الصفة مكتسبة .

    فالكمال المطلق لله جل وعلا، فلو أتيت إلى أخ طيب كريم وقلت له: يا سيد! أعطني كذا، ووقعت في محظور أو في نهي عن أن تقول للعبد: يا سيد؛ لأن في المسألة نهي، كما في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من قال للمنافق: يا سيد فقد أغضب الله) والحديث صحيح، وأصل الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قيل له: يا سيد قال: (قولوا بقولكم أو ببعض قولكم ولا يستهوينكم الشيطان) وفي رواية أخرى قال: (إنما السيد الله).

    والفرق بينهما أن الإطلاق بالألف ولام التعريف، كما تقول: رب البيت رب الدار، وهذه تقول: الرب في البيت؛ لأن لفظ الرب مطلقاً يكون لله جل وعلا.

    ومثال ذلك قوله: وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ [لقمان:34] هذا مطلق لله جل وعلا، فإن الله يعلم ما في الأرحام، يعلم الله جل وعلا أولاً من التقاء الحيوان المنوي مع البويضة والتخصيب، ما أحد يعلم بحال من الأحوال هذا الأمر، هل الحيوان المنوي يخصب البويضة أم لا؟ هذه مطلقة يعلمها الله، والله يعلم ما في الأرحام.

    الثاني: عند التكوين بعد الالتقاء حين تكون مضغة وعلقة إلى آخر الأطوار، فهذه لا يعلمها إلا الله جل وعلا، ذكر أم أنثى لا يعلمه إلا الله جل وعلا، حاله في الحياة لا يعلمه إلا الله جل وعلا، رزقه لا يعلمه إلا الله، أيختم عليه بخير أم بشر لا يعلمه إلا الله، أما بالنسبة لعلم الأطباء فهو مثل واحد زائد واحد يساوي اثنين، من أين أتيت بهذا؟ أثبت الجواب من مقدمة ونتيجة، فممكن أن النظرية هذه تصيب وممكن أن تخطئ، والنظريات تخطئ، فعلم هؤلاء البشر يكون بمقدمات، فيستنتجون من المقدمات هذه النتائج، فيقولون: لو حدث كذا فسيحصل كذا، فيقولون مثلاً: الأمطار ستنزل غداً إن شاء الله؛ لأن هناك سحابة ينتظر منها المطر، فممكن يخطئ هذا الظن وممكن يصيب، ونفس الأمر: كثير من النساء يذهبن يفحصن نوع الجنين فيقال لإحداهن: أنت ستأتي بذكر، فتأتي ببنتين وليس بذكر! وهذا يحدث حقاً، فهي مسألة مقدمات ومسائل يعلمها من يتقنها وعلمهم لما في الأرحام هو بعد التكوين، لكن قبل التكوين لا يعلم إلا الله.