إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. محمد حسن عبد الغفار
  4. سلسلة أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة
  5. شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - الرد على أهل البدع في الاستواء

شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - الرد على أهل البدع في الاستواءللشيخ : محمد حسن عبد الغفار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من عقائد السلف إثبات علو الله المطلق والمقيد، وقد خالف هذه العقيدة طوائف من المتبدعة، فبعضهم أنكر العلو المطلق، وبعضهم أنكر العلو المقيد، وقد رد أهل السنة على شبهاتهم، وبينوا بطلانها.

    1.   

    الفرق التي أنكرت علو الله المطلق

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    تكلمنا عن علو الله جل وعلا، وقلنا: إن العلو علوان: علو مطلق وعلو مقيد، وتكلمنا بالتفصيل على هذه الصفة، وأثبتنا أن العلو المطلق هو صفة ذاتية من صفات الذات الجلية لا تنفك عن الله جل وعلا، والعلو المقيد هو العلو على العرش كما قال تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5].

    وأثبتنا بالكتاب والسنة والعقل والفطرة والإجماع هذه الصفة العظيمة الجليلة، ثم بعد ذلك تكلمنا عن آثار تعبد العبد بهذه الصفة، فلو علم العبد أن الله جل وعلا فوقه وفوق العباد كلهم، وهو قاهر جل وعلا، وكل العباد في قبضته، وكل الكون كحبة خردل في يد أحدكم، وهو إذا قال للشيء: كن فيكون، قال تعالى: وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [يوسف:21]، وبينا أنه لا تنافي بين علو الله جل وعلا وقربه من العبد، وأن معية الله جل وعلا معيتان: معية عامة ومعية خاصة، فالمعية الخاصة: هي التي تستجلب النصر، وتستجلب قدرة الله وإحاطته جل وعلا، ونصره وتأييده، قال تعالى: قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ [الشعراء:62]، فهذا قول موسى عليه السلام لما جاء فرعون بكل جنوده خلف موسى، وقال أتباع موسى كما قال تعالى: إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ [الشعراء:61-62]، كذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم عندما كان في أحلك اللحظات لما قال له أبو بكر : يا رسول الله! -صلى الله عليه وسلم- لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا! فطمأنه بقلب ثابت ويقين راسخ يعلم أن قوة الله ليس فوقها قوة، فقال صلى الله عليه وسلم: (يا أبا بكر ! ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ يا أبا بكر ! لا تحزن إن الله معنا) ، فأنزل الله سكينته على رسوله، وأيده بنصر وجنود من عنده، نسأل الله جل وعلا أن تتنزل علينا معيته الخاصة، ويجعلنا ممن يؤهل لأن يرفع عند ربه جل وعلا محاطاً بقدرة الله جل وعلا ورعايته ونصره.

    وتكلمنا عن أهل البدع الذين نفوا هذه الصفة، وهم طائفتان: طائفة: نفت العلو المطلق، وطائفة: نفت العلو المقيد، فالطائفتان اللتان نفتا العلو المطلق الصوفية والجهمية وهم الذين قالوا: إن الله في كل مكان، ونفوا علو الله جل وعلا، واستدلوا على ذلك بأدلة كثيرة منها قول الله تعالى: وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ [الزخرف:84]، قالوا: هو في السماء وفي الأرض، واستدلوا أيضاً بقول الله تعالى: وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ [الأنعام:3]، واستدلوا بقول الله تعالى: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [ق:16]، وقالوا: القرب هنا دلالة أنه ليس فوق العرش كما تقولون، واستدلوا أيضاً بالحديث القدسي: قال الله تعالى: (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب) ثم قال فيه: (وما زال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها).

    1.   

    الرد على شبهات المبتدعة التي أوردوها في نفي علو الله المطلق

    قوله تعالى: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [ق:16] القرب هنا لا ينافي العلو، فقد أثبت الله جل وعلا أنه فوق عرشه، بائن من خلقه، يعلم ما هم عليه، وهذا ثابت بالكتاب والسنة وإجماع الصحابة، فالقرب هنا له معنى آخر غير المعنى المفهوم عند الجهمية أو الصوفية، ألا وهو قرب العلم، وانظر إلى أول الآية وانظر إلى وسط الآية، قال تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ [ق:16]، فذكر العلم ليبين أنه محيط بهذا الإنسان، قال تعالى: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [ق:16]، ثم فسر القرب هنا: بالملائكة، قرب بالعلم والإحاطة والإحصاء وقرب بالملائكة، قال الله تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [ق:16]، ثم فسر الآية بعدها فقال تعالى: إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ [ق:17]، فالذي يتلقى هم الملائكة، وهم الذين ذكرهم الله جل وعلا وعناهم بقوله: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [ق:16]، نظير ذلك قول الله في سورة الواقعة: فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ [الواقعة:83-85]، فالقرب هنا ليس قرب ذات الله جل وعلا بل قرب إحاطته وإحصائه وملائكته، والقرينة التي أثبتت ذلك هي قول الله تعالى: فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لاَ تُبْصِرُوْنَ [الواقعة:83-85]، والشاهد قوله: وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ [الواقعة:85]، فلا يستطيع أحد أن يرى الله في الدنيا. والمراد بقوله تعالى: وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ [الواقعة:85] أي: الملائكة التي جاءت لقبض الروح، فالملائكة في هذه اللحظة هم الذين يقبضون الروح، ملك الموت ومن يعاونه من الملائكة.

    فإن قلنا: القرب هنا: قرب الملائكة، وقرب علمه وإحاطته جل وعلا، فالإشكال: أن الله نسب ذلك لنفسه، قال تعالى: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [ق:16]، وفي الآية الأخرى قال تعالى: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ [الواقعة:85]، فنقول: لا إشكال في ذلك، لأنك إذا قلت: بنى عمرو بن العاص الفسطاط، صح ذلك، ولكن إذا نظرنا إلى الواقع نجد أنه أمر الناس بالفعل، ونسب له، لأنه الآمر، فعندما تقول: بنى عمرو بن العاص مسجداً فليس هو الباني، ولكنه هو الآمر، فنسب له، لأنه الآمر. وفي القرآن ما يدل على ذلك، قال الله تعالى: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ [القيامة:16-18]، والذي يقرؤه بالاتفاق هو جبريل، ونسب إلى الله حل وعلا؛ لأن جبريل ما قرأ على النبي صلى الله عليه وسلم إلا بأمر من الله جل وعلا، فلا إشكال في أن ينسب الفعل إلى الله، قال تعالى: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [ق:16] أي: أمرنا الملائكة أن تكون معه، تحصي حسناته وحركاته وضحكاته، وتكتب كلامه كما قال تعالى: مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق:18]، وكذلك في قوله تعالى: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ [الواقعة:85]، فملك الموت هو الذي يسحب هذه الروح بأمر من الله جل وعلا.

    تبقى شبهة واحدة أوردوها في الحديث القدسي، قال الله تعالى: (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب) أي: من كان ولياً لله جل وعلا فنصرته من عند الله، ومن استطاع أن يحارب الله أو أطاق حرب الله فليحارب الله جل وعلا، فليرينا كيف ينتصر على ربه جل وعلا، فجندي الريح أو الذباب أو الناموس لو يسلطه الله على عباده أجمعين سيبيتون هلكى ولكن لا يفقهون، والمقصود من الحديث: (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضته عليه، وما زال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به) قالوا: هنا مخالطة، إذاً: الله جل وعلا في كل مكان، وهذا مدعاة للحلول الذي يحتجون به، ويقولون: الله في كل مكان، حاشا لله! والرد عليهم هين وسهل، فتفسير الحديث يكون بالحديث؛ لأن الرسول مبين كما قال تعالى: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل:44]، فانظر في هذا الحديث، وفي رواية أخرى أن الله تعالى قال: (كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به) ثم قال: (فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش) أي: بقدرتي وبإحاطتي ونصرتي وتأييدي، وهذه معية خاصة، وهذه المعية الخاصة هي معية النصرة والتأييد، أي: فبنصرتي ينتصر، فبقوتي يبطش، فبرضاي عليه لا يسمع إلا ما يرضي، فبحفظي لا ينظر إلا لما يرضي، فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش، فهذا هو الرد عليهم؛ لأن الحديث يفسره ما بعده، ومعنى قوله تعالى: (كنت سمعه) أي بقوتي وقدرتي ونصرتي وتأييدي يسمع ويبصر ويبطش.

    فهذه الطائفة نفت العلو المطلق، والطائفة الأخرى نفت العلو المقيد.

    1.   

    الفرق التي نفت العلو المقيد

    العلو المقيد هو: الاستواء على العرش، والذين نفوا هذا العلو: هم الأشاعرة، الذين يطلق عليهم متكلمي أهل السنة والجماعة، وهم محرفو الكلم عن موضعه فقد قالوا في قوله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5] أي: استولى، قالوا: وعندنا مسوغ، والأصل في اللفظ أن يكون على ظاهره، حتى تأتي قرينة تصرفه من الظاهر إلى المؤول، وإذا لم يوجد مسوغ أو قرينة فالتأويل باطل مردود.

    قالوا: عندنا المسوغ، وعندنا القرينة من لغة العرب، والشعر يدل على ذلك، قال الأخطل :

    قد استوى بشر على العراق من غير سيف أو دم مهراق

    فأول ما دخل دب الرعب في أهل العراق، فتركوا له المدينة دون إراقة دماء، فهذا هو المسوغ لهم، وقالوا: وأنتم أيها المجسمة! لو قلنا بقولكم أن استوى على العرش معناه: علا واستقر للزمنا لوازم، واللوازم التي ذكروها لوازم باطلة هي: اللازم الأول الباطل: أن هناك مماسة بين الله وبين العرش، والعرش محدود حتى ولو وسع السماوات والأرض فهو محدود، ولو قلتم بالمماسة فقد جعلتم لله حداً، وهذا تجسيم، فنفر من هذا، وهم يتهمونا باطلاً.

    واللازم الثاني الباطل قولهم: أيها المجسمة! -يقصدون أهل السنة والجماعة- : إننا لو قلنا: إن الله استوى على العرش بمعنى علا واستقر فالله يحتاج إلى هذا العرش، بمعنى: -ليقرب إلى الأذهان- أنا الآن جالس على هذا السرير فأنا أحتاج إليه، ولو سحب من تحتي لوقعت، فأنا أحتاج إليه لأنه يسندني، ولو قلتم بهذا القول: علا واستقر على العرش فيلزم من قولكم هذا أن الله جل وعلا الغني محتاج إلى العرش!

    1.   

    الرد على شبهات المبتدعة التي أوردوها في نفي علو الله المقيد

    نرد على شبهات الأشاعرة في نفيهم الاستواء بما يلي:

    الرد الأول: أن الله جل وعلا قد أثبت في كتابه، وفي سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وبالإجماع، وبالفطرة، وبالعقل أنه فوق العرش كما أسلفنا في الأدلة الكثيرة السابقة، قال تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5]، وقال الله تعالى: يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ [النحل:50]، وقال الله تعالى: وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ [الأنعام:18]، فأثبت الفوقية وأثبت الاستواء على العرش، فالاستواء على العرش معناه في اللغة: العلو، فإن كان بمعنى الاستيلاء فسيقوله الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن الرسول هو المبين عن الله، وإن لم نعرفه من الرسول صلى الله عليه وسلم فنعرفه ممن ينقل عن الرسول وهم الصحابة أو التابعون أو تابعو التابعين في القرون الخيرية الثلاثة، وهل ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5] أنه بمعنى: استولى؟ لم ينقل بحديث ضعيف ولا موضوع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك، ولم يقله الصحابة والتابعون الذين نزل القرآن بلغتهم، وفهمهم لكلام الله وحصافة ذهنهم معلومة، وهم إذا خاطبهم الله فهموا كلامه، قالت أم سلمة أم المؤمنين زوج النبي صلى الله عليه وسلم: الاستواء في اللغة معلوم، بمعنى: علا واستقر، ولذلك وهم بعض العلماء فرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن أم سلمة لم تأت به من عند نفسها، وهي ليلاً ونهاراً مع النبي صلى الله عليه وسلم، قالت: الاستواء معلوم، يعني: علا واستقر، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، فهي أصل هذا القول وليس الإمام مالك ، فقد فهمت قول الله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5] أنه بمعنى: علا واستقر، وأنتم لستم أفهم من رسول الله، ولا من أم سلمة ، ولا من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا من أم التابعين، ولا من تابعي التابعين، ولا من القرون الخيرية بالإجماع، كما قال الشافعي : أنا وأهل الحديث على الله فوق عرشه، وعلمه في كل مكان، وكما قال مالك وشيخه ربيعة : الاستواء معلوم -أي: علا واستقر- والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، فهذا هو الأصل في اللغة، وهذا هو الظاهر من الآية، وليس هناك قرائن تصرف هذا الظاهر، بل توجد قرائن من القرآن تعضد وتثبت هذا الظاهر، وهي آيات يثبت الله فيها أن الاستواء بمعنى العلو والاستقرار، قال الله تعالى: لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ [الزخرف:13]، فالاستواء بمعنى: العلو والاستقرار، وقال الله تعالى: وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ [هود:44]، واستوت أي: استقرت على الجبل، وهو الجودي، فهذه قرائن من القرآن تثبت لنا أن الاستواء معناه العلو والاستقرار، أثبت لنا ذلك أولاً: المعنى الظاهر وعضد الظاهر قرائن أخرى من القرآن تثبت هذا المعنى، وكذلك الصحابة الذين هم أفهم الناس عن الله وعن رسول الله، فعندهم أن الاستواء بمعنى: العلو والاستقرار، فباللغة وبالشرع وبالصحابة الكرام بفهمهم وحصافة ذهنهم علمنا أن الاستواء بمعنى: العلو والاستقرار، لا بمعنى الاستيلاء، هذا أولاً.

    ثانياً: نتنزل ونقول: إن الاستواء بمعنى الاستيلاء، فيلزم من هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك الأمة حائرة، وعصى ربه ولم يبين كما أمره، قال الله تعالى: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل:44]، فلم يبين للناس أن الاستواء بمعنى الاستيلاء، وترك أمته حائرة لا تفقه عن الله، ولا تعقل عن الله، ولا تتعبد بآثار أسمائه الحسنى وصفاته العلى، وهذا اللازم الأول الباطل: اتهام النبي صلى الله عليه وسلم بعدم التبيين عن الله جل وعلا؛ لأنه لو كان معنى الاستواء: الاستيلاء لقاله النبي صلى الله عليه وسلم، ولبينه، وما دام لم يبينه النبي صلى الله عليه وسلم فكفاكم ذلك، فلا تتكلموا فيه؛ لأنكم لستم بأفقه من رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الله جل وعلا.

    أذكر: أن أعرابياً مر فسمع رجلاً يقرأ قوله تعالى: أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ [التكاثر:1-2]، زرتم المقابر ليس معناه: الإقامة، بل يعني: أنك مت وقبرت، وهذه زيارة، فقال: والله إن الزائر ليس بمقيم! أعرابي فهم هذا بفطرته، وقال: والله! إن الزائر ليس بمقيم، ويعني كلامه: أنه ما دام أنه زائر فلا يمكن أن يقيم، وطالما هو زائر في القبر فلا بد أن يرجع، ولا يمكن أن يقيم، إذاً: سيخرج ويبعث، واستدل على البعث بهذا.

    وأيضاً: أعرابي سمع رجلاً يقرأ قوله تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا [المائدة:38]، إلى أن قال: وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المائدة:74]، قال: أعد علي هذه القراءة، فقرأها إلى أن قال: وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المائدة:74]، فقال الأعرابي: لو غفر ورحم ما قطع، قال: قل: وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [المائدة:38]؛ فلأنه عز وحكم فقطع، بعزة وبقوة، فهم بالسليقة، ولو كان الفهم أن الاستواء: القوة والاستيلاء، لأظهروا لنا ذلك، ولم يخفوه علينا وقد أمروا بالتبيين.

    اللازم الثاني: إذا تنزلنا وقلنا: الاستواء بمعنى: الاستيلاء، فهو باطل، وهو بمعنى: أن الله أخذ منه العرش، وبعد ما سلب منه العرش تقوى ثم غلب الذي غلبه وأخذ منه العرش، فهل هذا رب؟! وهل يستحق أن يكون رباً الذي يضعف في لحظات، ثم يستولي على ملكه، ثم بعد ذلك يهزم الغالب، ويأتي ويأخذ ملكه؟! فمن لازم قولكم الباطل اتهام الله جل وعلا بصفات النقص.

    اللازم الثالث الباطل: أنهم قالوا: أنتم تقولون: نحن نقول: إن استولى أي: غلب، يلزم منه أنه أخذ الملك ممن غلبه، ونحن لا نقصد ذلك، بل نقصد أن استولى بمعنى: مطلق التمليك، ومطلق الملك لله، نقول لهم: أيضاً هذا لازم باطل؛ لأن الأرض ملك لله، والجبال ملك لله، والبحر ملك لله، والسماء ملك لله، ولم يخص الله جل وعلا هذه الصفة بالعرش، فلم يقل: الرحمن على الجبل استوى؛ لأنه ملكه، وإذا قلتم بمطلق التمليك، فالكون كله ملك لله، فبدل أن يقول: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5]، فليقل: الرحمن على الجبل استوى، أو الرحمن على الأرض استوى، أو الرحمن على البحر استوى فخص الاستواء بالعرش؛ لأن هذا خاص به، وصفة من صفاته الفعلية، وليست بمعنى الملك.

    إذاً: الرد عليهم بأن أصل الشرع، وظاهر اللفظ واللغة، وقول الصحابة والإجماع على أن الاستواء بمعنى: العلو والاستقرار لا بمعنى الاستيلاء، وإذا قلنا تنزلاً معكم: الاستواء بمعنى: الاستيلاء يلزمنا لوازم باطلة، ولازم الباطل باطل، وفيه اتهام النبي صلى الله عليه وسلم بالتقصير في التبيين، واتهام الله جل وعلا بصفات النقص.

    الثالث: إذا قلتم بمطلق التمليك وأن الاستيلاء هذا استيلاء على ملكه الذي غاب عنه، فنقول: هو مالك للكون كله، ولم يخص صفة فعله هذه بالعرش إلا أن تكون مزية للعرش، وأنها حكمة من عند الله جل وعلا، وصفة من صفات الفعل إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل، هذه أدلتنا على أهل التحريف، ونرد على بدعهم بهذه الأدلة التي استدلوا بها.

    الرد على الأشاعرة في تأويلهم لآيات الاستواء

    الأصل في اللفظ أنيحمل على الظاهر حتى تأتي قرينة تؤوله من الظاهر إلى المؤول، قال الأشاعري: عندنا المؤول من اللغة، وهو بيت الشعر.

    قد استوى بشر على العراق من غير سيف أو دم مهراق

    فنقول: أولاً: هذا ليس ببيت عربي، وأهل اللغة قاطبة لا يعرفون هذا البيت، ولا يقرون به، بل هذا البيت لرجل نصراني، وليس بعربي أصيل، فأهوينا هذا الدليل.

    ثانياً: إذا تنزلنا معهم وقلنا: إن هذا البيت عربي أصيل، من عرب أقحاح، وإذا نظرنا فيه وجدنا أن هناك قرينة تجعلنا نقول بأن الاستواء في هذا البيت الاستيلاء، للقرائن المذكورة وهي: من غير سيف أو دم، مهراق.

    قد استوى بشر على العراق من غير سيف ولا دم مهراق

    فالسيف لأجل العلو والاستقرار أم لأجل القتال والاستيلاء؟ فلزاماً يأول الاستواء: بالاستيلاء، لقرينة السيف والدم المهراق، لأن هذه من لوازم الاستيلاء والمغالبة.

    إذاً: هذا ليس بيتاً عربياً أصيلاً فلا يؤخذ به، وإن تنزلنا وقلنا: هو بيت عربي، والأصل والظاهر أن استوى بمعنى العلو والاستقرار، وهناك قرينة من نفس البيت أولت العلو والاستقرار إلى الاستيلاء، هذه القرينة هي: ذكر السيف، وعدم إراقة الدماء، وقوله: استوى بشر على العراق، لا يعني: علا واستقر بغير سيف ودم مهراق؛ لأنه دخل بالغلبة والاستيلاء، وأدوات الحرب جعلتنا نؤول الاستواء بمعنى الاستيلاء، أما في قوله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5]، لا يوجد أي قرينة من الكتاب ولا من السنة ولا من لغة العرب تصرف المعنى إلى استولى، وفي هذا الكتاب أكثر من أثر فيه: لا نعرف في لغة العرب أن الاستواء بمعنى: الاستيلاء بل الاستواء في قوله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5]، بمعنى: علا واستقر.

    يبقى لنا من شبهاتهم اللوازم التي ألزمونا بها، وليست بلازمة، اللازم الأول أنهم قالوا: لو قلنا: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5] بمعنى: علا واستقر، حدثت المماسة، أي: مس الرحمن العرش، والمماسة تدل على الحد؛ لأن العرش محدود، فإذاً: جعلنا لله حداً، فنقول لهم: ننظر في هذا اللازم هل هو باطل أم حق حتى نعمل به، والحد كلمة واصطلاح من المتأخرين لا من المتقدمين، وقد قعدنا قاعدة عقيدية للإخوة الأفاضل في الكلمات المبهمة في العقيدة وكيف نتعامل معها فلا ننفيها ولا نثبتها، ولكن نسأل عن المقصود منها؛ لأننا لو نفيناها لعلها لله جل وعلا، فنكون نفينا شيئاً في حق الله أثبته الله جل وعلا لنفسه، ولو أثبتناها لربما كانت منفية عن الله جل وعلا لنفسه، وهذه لفظة مجملة لا بد أن نفصل فيها ونعلم مقصودكم من الحد، إن قصدتم بالحد التمييز، يعني الله جل وعلا عال على عرشه بائن من خلقه فهذا حق، فنحن نؤمن به ونقول به، ومعنى الحد هنا: التمييز، تمييز بين الخالق وبين المخلوق لا كما تقول الصوفية وابن سينا وابن عربي ، هؤلاء الكفرة الذين قالوا: لا فرق بين الخالق والمخلوق، فإن قصدوا في الحد أنه: التمييز وأن الله بائن من خلقه، فوق عرشه والخلق؛ فهذا صحيح -إن صح التعبير- فالله بائن من خلقه، والحد بمعنى: التمييز فهذا حق ونحن نقول به، وإن كنتم تقصدون أن الحد معناه: التجسيم، أي: أن الله جسم، فهذا لا نقبله، بل نرده عليكم، وما جركم إلى ذلك إلا أنكم شبهتم الخالق بالمخلوق، ونرد عليكم بثلاثة أمور:

    أولاً: أنتم قلتم: المماسة تكون بالحد، أي أن الله جل وعلا له حد، فكيفتم صفات الله جل وعلا، فنقول لكم: هل رأيتم الله لتكيفوا الصفة، وتبينوها لنا، وتقولوا: إن هذا حد؟ وهل رأيتم مثل الله؟ وهل أخبركم الثقة الصادق المصدوق أن الله جل وعلا إذا استوى على العرش كانت هذه مماسة وحداً؟ ستجيبون: بلا، إذاً: لا رأيتم الله، ولا رأيتم مثيله، ولا أخبركم الصادق المصدوق بهذا، فإذاً قد افتريتم وأتيتم ببهتان وزور، ولا يقبل كلامكم، وكيفتم ونحن لا نكيف، والصحابة أجمع لا يكيفون، وقد قالوا: الاستواء في اللغة معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.

    إذاً لو قلتم: إن هناك مماسة وحداً، فإن قصدتم بالحد التمييز، والله بائن من خلقه فنحن نقول بذلك، فنكون قد اتفقنا وما افترقنا، وإذا قصدتم بذلك تكييف الصفة، فنحن بقول: بأن الله علا على العرش واستقر وهو غير محتاج إلى العرش حاشا لله! قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ [فاطر:15]، فمن باب أولى أن يكون العرش محتاجاً إلى الله جل وعلا، والسماوات فقيرة إلى الله جل وعلا، والشمس والقمر فقيران إلى الله تعالى، وكل ما في الكون فقير إلى الله، والله هو الغني، فالله أثبت أنه الغني، فهو الغني وله الغنى المطلق، وكل الخلائق محتاجة إلى الله جل وعلا، فقيرة إليه.

    وإذا قلتم: إن الله علا واستقر فهو محتاج للعرش، فقد كيفتم استواء الله جل وعلا، وهذا التكييف مردود كما قلنا في سابقه، فالأشعرية أولوا الاستواء بالاستيلاء وليس لهم وجه في ذلك، حتى البيت الذي قالوا: هو مسوغ لنا، ليس بعربي أصيل، واللوازم الباطلة التي ألزمونا بها ليست بلازمة.

    1.   

    علم الله غير مخلوق

    قال المؤلف: (ما دل من كتاب الله جل وعلا وما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في أن الله عالم بعلم وأن علمه غير مخلوق) شرح هذه الجملة يبدأ بالإعراب وهو الذي سيجعلنا نفصل القاعدة التي أريدها، فعلم الله: علم مضاف، والمضاف إلى الله نوعان: أعيان قائمة بذاتها، ومعان فالعين القائمة بذاتها عندما تضاف إلى الله تكون إضافة تشريف، مثل: الكعبة، هي عين، فتقول: الكعبة بيت الله، فالكعبة عين قائمة بذاتها، وإضافتها إلى الله تشريف، وليست صفة من صفاته، وكذلك: عيسى روح الله، عيسى عين قائمة بذاتها، وهو مضاف إلى الله إضافة تشريف، فإضافة المعاني إضافة صفة إلى موصوف، وإضافة الأعيان إضافة تشريف، أما قولنا: عيسى روح الله، أي: روح من عند الله، كما قال الله تعالى: وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ [الجاثية:13] أي: من عنده للقرائن الدالة على ذلك، قائمة بذاته.

    1.   

    الأسئلة

    قال المؤلف: (ما دل من كتاب الله جل وعلا وما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في أن الله عالم بعلم وأن علمه غير مخلوق) شرح هذه الجملة يبدأ بالإعراب وهو الذي سيجعلنا نفصل القاعدة التي أريدها، فعلم الله: علم مضاف، والمضاف إلى الله نوعان: أعيان قائمة بذاتها، ومعان فالعين القائمة بذاتها عندما تضاف إلى الله تكون إضافة تشريف، مثل: الكعبة، هي عين، فتقول: الكعبة بيت الله، فالكعبة عين قائمة بذاتها، وإضافتها إلى الله تشريف، وليست صفة من صفاته، وكذلك: عيسى روح الله، عيسى عين قائمة بذاتها، وهو مضاف إلى الله إضافة تشريف، فإضافة المعاني إضافة صفة إلى موصوف، وإضافة الأعيان إضافة تشريف، أما قولنا: عيسى روح الله، أي: روح من عند الله، كما قال الله تعالى: وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ [الجاثية:13] أي: من عنده للقرائن الدالة على ذلك، قائمة بذاته.

    هدف الأشاعرة من إنكار الاستواء

    السؤال: ما هدف الأشاعرة من إنكار الإستواء؟

    الجواب: هدف الأشاعرة بقولهم الاستواء بمعنى: الاستيلاء أنه لا يوجد عرش، وكان قائدهم أبو المعالي الجويني يقول: كان الله ولا عرش، وهو الآن على ما كان عليه، يعني لا يوجد عرش، فهو يومئ إلى ذلك، فهم يريدون أن يصلوا إلى إنكار العرش أصالة، ولذلك قلنا لهم: نجعل الأمر على الظاهر، وقلتم: هو استيلاء للعرش.

    وصفة العرش نحن لا نعلمها، لكن نقول: هو استولى على العرش واستولى على الأرض والجبال، فلم خص ذكر الاستواء على العرش؟ وقولهم: لو قلنا بالعلو والاستقرار كما تقولون لكان لازم هذا القول: المماسة والحاجة للعرش، وهو لازم باطل، والقاعدة الأصولية تقول: لازم الباطل باطل، فهم قالوا: لو قلتم: علا واستقر، فقد مس، ولو مس فقد حد، ونحن نقول: أنتم هكذا كيفتم الصفة، ونحن لم نكيف الصفة، ولا نعرف كيف استوى، فأنتم شبهتم استواء الخالق باستواء المخلوق فنتج عندكم المماسة، فتكلمتم بها، ففرتم من التشبيه بالإنكار.

    فإن قيل: هل عندما ينزل الله جل وعلا إلى السماء الدنيا، يخلو منه العرش؟ قلنا: لا يخلو منه العرش.

    الجمع بين النزول والاستواء

    السؤال: كيف نجمع بين النزول وبين الاستواء؟

    الجواب: الجمع ظاهر جداً، فليس بلازم أنه إذا نزل إلى السماء الدنيا أن يخلو من العرش؛ لأننا لا نعرف كيفية الاستواء، والكيفية تليق بجلال الله وكماله جل وعلا، فهو مستو على عرشه وينزل إلى السماء الدنيا، والكون كله كحبة خردل في يد أحدكم، ونحن نؤمن بأن الله جل وعلا قادر على كل شيء، وقادر على أن ينزل إلى السماء الدنيا وهو على العرش، ولا يخلو منه العرش.

    حكم المنكرين للصفات

    السؤال: حكم المنكرين للصفات؟

    الجواب: الذين ينكرون صفات الله ينقسمون إلى قسمين: قسم غلاة ظهرت لهم الأدلة، وقسم توابع لهم، فالغلاة الذين ظهرت لهم الأدلة وعاندوا على ما هم عليه هم كفار، كفرهم شيخ الإسلام ابن تيمية ، فغلاة الجهمية والشيعة كفروا، أما التابعون الذين لا يفقهون شيئاً فلا يكفرون، وعذرهم الجهل، ونحن قد قعدنا قاعدة في الإيمان هي: القول قول كفر، والفعل فعل كفر، والقائل والفاعل ليس بكافر حتى تقام عليه الحجة، وتزال عنه شبه الكفر، أي تتوافر الشروط وتنتفي الموانع، وكفى بالجهل قبحاً أن يفر منه أهله، فـابن مسعود قال: كن عالماً، أو متعلماً، أو محباً لأهل العلم، ولا تكن الرابع فتهلك، فالأولى: أن تتشرف بنور العلم، والثانية: إن لم يستطع العلم، والله جل وعلا يقسم بين عباده فضله كيفما شاء، فنقول للعامي: آمن بكل صفة تسمعها، ويقول: الاستواء في اللغة معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، والنزول كذلك، يقول فيه: النزول في اللغة معلوم، والكيف مجهول والسؤال بدعة، والإيمان به واجب، وكل صفة فعلية تأتيه يقول فيها هذا الكلام.

    النووي وابن حجر ليسا من الأشاعرة

    السؤال: هل النووي وابن حجر من الأشاعرة؟

    الإمام النووي والإمام ابن حجر لا يصطفان لصف الأشاعرة، فهما متأثران بكلام الأشاعرة، وليسا بأشعريين، بل هما من أهل السنة والجماعة، لكنهما انغمسا في ذلك؛ لأن البلدة التي كانا فيها انتشر فيها منهج الأشاعرة، ولذلك الذي يقرأ صحيح مسلم أو يقرأ فتح الباري يجد أن شارح صحيح مسلم فيه تذبذب، لكنه قليل، فمرة يأتي بكلام أهل السنة والجماعة وكثيراً ما ينقل عن المازري وهو أشعري جلد، وكلامه تابع له، فهو ناقل مقلد دون أن يدري بهذا. أما الحافظ ابن حجر فهو متذبذب يذكر مذهب أهل السنة ثم يذكر الأشاعرة، ويكثر من النقل عن أهل السنة، ويقل من الكلام عن الأشاعرة، فهما حسبا أن هذا هو المنهج الصحيح، وعاشا على أن هذا هو المنهج الصحيح، ولم ينتشر عندهما المنهج الصحيح، والأشاعرة انتشروا بسرعة عجيبة؛ لوجود العقل عندهم، وكانت المعتزلة تضرب في أهل السنة والجماعة، فقالوا هؤلاء: إذا تكلمتم بالعقل نتكلم معكم بالعقل. فغروا الناس بعقولهم، ومن يتكلم بالمنطق يردون عليه به وشيخ الإسلام ابن تيمية ما زالت الأمم إلى الآن تحتج به، والصوفية غلبته وهو يحاجهم، وكادوا أن يقتلوا شيخ الإسلام ابن تيمية ؛ لأنهم قالوا:

    وليت الذي بيني وبينك عامر وبيني وبين العالميـن خراب

    إذا صح منك الود فالكل هين وكل الذي فوق التراب تراب

    قالوا: هذا الرجل ـ شيخ الإسلام ابن تيمية ـ لا يفهم شيئاً، يقول: الأصل والفصل والفرع، والصوفية هؤلاء هم أفضل ناس، الغر يقول بهذا الكلام.

    فالمنطق جعل سمعتهم عالية وانتصر مذهبهم، فحسب بعض العلماء مثل الإمام النووي والحافظ ابن حجر أن هذا هو المذهب الحق، وما أحد جاء يناظرهم ويبين لهم الحق، ونحن نربأ بهم أن يعاندوا الحق بحال من الأحوال، ولا يمكن لإنسان إلا متجرئ متنطع أن يجعل النووي أو يجعل الحافظ ابن حجر في صف الأشاعرة أبداً، جاهل متنطع من يجعل هؤلاء في صفهم، فأنا إذا جلست مع شيخ، وليس عندي غير هذا الشيخ، وما أسمع في هذه البلدة من شيخ يتكلم بعلم إلا بعلم هذا الرجل، وحتى لما رحلت ما وجدت أحداً يتكلم إلا بكلام هذا الرجل، وليس عندي ما يضاده، وليس عندي علم يخالفه، فلما تعلمت على شيخي تعلمت منه هذا الكلام، فالحافظ ابن حجر كان ينقل كثيراً دون أن يمحص النظر، فيغتفر له، وتجعل في بحر حسناته، وجهوده المباركة الشريفة.

    سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك، وجزاكم الله خيراً.