إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ محمد حسن عبد الغفار
  3. شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - مقدمة المؤلف - فضائل الصحابة - حكم من طعن فيهم

شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة - مقدمة المؤلف - فضائل الصحابة - حكم من طعن فيهمللشيخ : محمد حسن عبد الغفار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • سنة الله في الخلق أنهم يتفاوتون، فلا يستوي هذا وذاك، فلكل فضله ومنزلته عند ربه، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وقد حظيت هذه الأمة بنبي هو أفضل الأنبياء، واختار له ربه أفضل الناس في زمانه لصحبته، فكان الصديق أبا بكر ثم الفاروق عمر ثم الحيي عثمان ثم ابن عمه علي، ومن صاحبهم ومن سار على نهجهم، ومن الجرم الشنيع أن يسب هؤلاء أو يطعن في دينهم.

    1.   

    فضائل الصحابة

    إن الحمد لله، نحمده ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    ثم أما بعد:

    فهذا كتاب شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، وهو أثري محض، يتكلم عن آثار بالأسانيد الصحيحة عن اعتقاد أفضل الأمة على الإطلاق وهم الصحابة رضوان الله عليهم، واعتقاد الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المتبعة، وقبل أن نبدأ بالكتاب لا بد أن نُعرِّف بالصحابة وعقيدتنا في الصحابة، وما يهمنا من ناحية الصحابة، وهل من يسب الصحابة يكفر أم لا يكفر.

    أفضل الأمة بعد نبيها الصحابة

    الصحابة الكرام هم أفضل الأمة على الإطلاق، بل هم خير البشرية بعد النبيين والمرسلين على الإطلاق، بنص كلام الله جل وعلا وبنص كلام الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد أنزل الله عدالتهم في كتابه، وبين النبي صلى الله عليه وسلم توثيقهم في نص حديثه، فهم الذين نصروا الله فنصرهم، وأعزوا الدين فأعزهم الله جل وعلا، ورفعوا راية لا إله إلا الله فرفعهم الله على الناس أجمعين، وحسبهم أنهم جابوا الأرض شرقاً وغرباً رفعاً لراية لا إله إلا الله.

    وقد بين الله عِظَمَ قدر الصحابة في كتابه بقوله جل وعلا: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا [الفتح:29].

    وقال الله عنهم أيضاً: لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الحشر:8-9].

    فبين الله جل وعلا أن هؤلاء هم أفضل البشر، وأنهم يستحقون كلمة لا إله إلا الله، وهذا تعديل ليس بعده تعديل، ولذلك قال كل المحدثين على الإطلاق: الصحابة عدول، فأي حديث جاء عن صحابي ولم يرفعه للنبي صلى الله عليه وسلم فهو حديث صحيح لأنه مرسل، ومراسيل الصحابة مراسيل صحيحة؛ لأن كل الصحابة عدول بنص كلام الله تعالى حيث قال: وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى [الفتح:26]، أي كلمة لا إله إلا الله، ثم قال: وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا [الفتح:26]، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن هؤلاء هم خيرة البشر على الإطلاق، ولذلك كان محتم علينا أن نحترمهم، وأن نعرف قدرهم وأن نجلهم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أصحابي! الله الله في أصحابي! من أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن أبغضني أبغضه الله، ومن أبغض الله فقد آذى الله، ومن آذى الله أوشك أن يأخذه الله) أي: أن علامة حب المسلم لرسول الله صلى الله عليه وسلم حبه لأصحاب رسول الله، وعلامة بغضه لرسول الله صلى الله عليه وسلم بغض الصحابة الكرام ولو ادعى وزعم أنه يحب رسول الله، فليسمع من لعنات الله جل وعلا تنزل عليهم تترى، ممن يسب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ليل نهار.

    جاء في الصحيحين أن مشاجرة حدثت بين خالد بن الوليد وهو متأخر الإسلام وبين عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه وأرضاه وهو من المتقدمين في الإسلام، فسب خالد عبد الرحمن بن عوف، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم ينزل الناس منازلهم ويعلم أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى وهم خيار الأمة إلا أن درجاتهم في الفضل متفاوتة، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم زاجراً لـخالد بن الوليد : (لا تسبوا أصحابي، والذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)، ومع إن خالداً صحابي ولكنه لا يستوي في الفضل مع عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه وأرضاه فكان قول النبي صلى الله عليه سلم هذا تعظيماً لقدر أصحابه.

    وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً أنه قال: (النجوم أمنة السماء، فإذا ذهبت النجوم ذهبت الدنيا وذهبت السماء، وأنا أمنة لأصحابي فإذا قبضت -يعني: ذهب الرسول صلى الله عليه وسلم- أتى أصحابي ما يوعدون وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا قبض أصحابي أتى الأمة ما توعد).

    وهذا مصداق لحديث أنس رضي الله عنه وأرضاه حيث قال: (ما يأتي زمان إلا والذي بعده أشر منه)، وما زلنا نتنزل في الشر، فكان كل زمان يذهب ببعض الخير ويبقى الشر، إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم ساق بشرى لطائفة من متأخري هذه الأمة فقال: (أمتي كالمطر لا يدرى الخير في أولها أم في آخرها)، ومما سبق تبين أن أفضل الأمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم هم الصحابة الكرام.

    أفضل الصحابة أبو بكر

    ليعلم أن أفضل الصحابة على الإطلاق بل أفضل البشر على الإطلاق من غير النبيين والمرسلين هو أبو بكر الصديق ، فقد نزلت عدالته من فوق سبع سماوات، وبين النبي صلى الله عليه وسلم أن خير الأمة على الإطلاق هو أبو بكر .

    أما في الكتاب فقد مدح أبو بكر الصديق بأعظم ما يكون من مدحه مدح به شخص، فقد نزلت فيه آية عظيمة جليلة تبين قدر أبي بكر عند الله، قال تعالى: وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ [النور:22] فعظم الله وهو العظيم أبا بكر فنعته بأنه صاحب فضل، فهنيئاً لـأبي بكر على هذه الدرجة التي نالها عند ربه جل وعلا.

    وقد أجمع المفسرون على أن المقصود بالآية هو أبو بكر، فقد نزلت بعد أن أقسم أبو بكر أن لا ينفق على مسطح فقال الله: وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ [النور:22].

    وقال الله تعالى أيضاً في حق أبي بكر : وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى [الليل:17-21] فنص في الكتاب على أنه أخلص الأمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم، مع أن الإخلاص خفي لا يعلمه أحد قط لا نبي مرسل ولا ملك مقرب، ومع ذلك أفصح الله جل وعلا في القرآن الكريم على أن أخلص الأمة بعد نبيها هو أبو بكر حيث نعته بالأتقى.

    السنة تثني على أبي بكر

    جاءت الأحاديث الصحيحة تبين شمائله الكريمة ففي الصحيحين أن أبا بكر رضي الله عنه وأرضاه غضب يوماً فاشتد على عمر رضي الله عنه وأرضاه، ثم استسمحه فلم يسمح له عمر فقال: والله لأشكونك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما قص القصة على الرسول قال: والله لقد استسمحته، فلم يسمح لي، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم وهو أفضل من عمر وأفضل الأمة على الإطلاق: (يغفر الله لك يا أبا بكر ، يغفر الله لك يـا أبا بكر يغفر الله لك يا أبا بكر) فكرر ذلك تأكيداً، فلما بلغ ذلك عمر ندم على ما فعل وذهب إلى بيت أبي بكر فقال: أثمَّ أبو بكر فقالوا: لا. فذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فلما نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى عمر احمر وجهه، وتمعر واشتد غضبه صلى الله عليه وسلم، فعلم أبو بكر أنه حبيب النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لو كنت متخذاً من البشر خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً)، وهو يعلم ما بداخل النبي صلى الله عليه وسلم، فلما نظر ذلك علم أن النبي صلى الله عليه وسلم سيشتد على عمر فقال: يا رسول الله! إني كنت والله أظلم, وجثا على ركبتيه، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسمع له، فلما دخل عمر اشتد النبي صلى الله عليه وسلم غضباً عليه وقال: (هلا تركتم لي صاحبي، قد جئتكم فقلتم: كذبت، وقال لي: صدقت، وواساني بماله وأهله) فلم يؤذ أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه بعدها.

    ومما يبين قدر أبي بكر ما روي أنه رضي الله عنه تخاصم مع رجل آخر من الصحابة واشتد عليه، ثم قال له: اقتص مني، قال: لا والله لا أقتص منك، أنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: اقتص مني وإلا استعديت عليك رسول الله! فاستغرب الصحابة من صنيعه، إذ كيف يخطئ على رجل ويقول: أستعدي عليك رسول الله، فقالوا: والله لنذهبن معك إلى رسول الله، ونشهد عنده أنه المخطئ في حقك، فقال الرجل: اسكتوا حتى لا يسمع أبو بكر ما تقولون فيغضب، ثم يغضب رسول الله لغضب صاحبه، ثم يغضب الله لغضب نبيه، فيهلك صاحبكم، فكان الصحابة على معرفة بقدر أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه؛ ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (سدوا كل خوخه إلا خوخة أبي بكر) رضي الله عنه وأرضاه.

    ثبوت الإمامة لأبي بكر بالنص والإشارة والإجماع

    لقد كان أبو بكر ذلك الرجل البديع الكريم حبيباً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذا لابد أن يعلم أن من طعن في دينه فهو كافر خارج من الملة قد ارتكب ما يجعله خالداً في نار جهنم، ومن أنكر إمامته أوشك على الكفر؛ إذ إن إمامته ثابتة بالنص والإشارة.

    أما إمامته بالنص فقد ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها وأرضاها أنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ادع لي أبا بكر لأكتب له كتاباً حتى لا يطمع في هذا الأمر طامع -يعني: في هذه الإمامة والخلافة- فلم يأت أبو بكر ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يأبى الله ويأبى المؤمنون -يعني: في هذا الأمر- إلا أبا بكر).

    فكان ذلك نصاً على أبي بكر ، كما أن النبي صلى الله عليه وسلم قد استخلف أبا بكر على الصلاة، فقاس الناس قياس أولى ويسميه الأصوليون القياس الجلي، فقالوا: إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد جعل أبا بكر يحافظ على الدين، وأمنه على ديننا، فمن باب أولى أن يلي أمور الدنيا التي هي دنيئة تنتهي.

    وقد أجمع الصحابة على خلافة أبي بكر في سقيفة بني ساعدة، إذ قام عمر خطيباً في الناس وقال: يـأبا بكر أنت أفضلنا، وأقربنا، وأحبنا لرسول الله فابسط يدك لنبايعك، فبسط يده وبايعه جل الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.

    أبو بكر أحب الناس لرسول الله صلى الله عليه وسلم

    من المآثر التي تفيد علو مكانة أبي بكر ما حدث في غزوة السلاسل، كما في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث عمرو بن العاص أميراً على سرية غزوة السلاسل، وكان عمرو بن العاص رجلاً داهية لا يحب أن يدخل في حرب إلا وقد احتاط بما يمكنه من الانتصار فيها، فبعث للنبي صلى الله عليه وسلم يطلب المدد، فبعث له النبي صلى الله عليه وسلم مدداً، وفيهم ثلاثة هم خيار الأمة: أبو عبيدة بن الجراح وهو أميرهم، وفي القوم أبو بكر وعمر، ومنه استنبط العلماء أنه يجوز للمفضول أن يترأس على الفاضل، ثم دخلوا على عمرو بن العاص، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد نصح أبا عبيدة فقال له: (لا تنازعوا) أي: إياك والنزاع حتى لو قال لك عمرو: الإمارة لي فدعها له، وكان ما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم إذ تشبث عمرو بن العاص بالإمارة، فقال له أبو عبيدة : هي لك، وفي الغزوة صلى عمرو بالناس جنباً، والحديث محفوظ، والشاهد في الحديث أن عمرو بن العاص قال في نفسه: ما دام أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أتاني بـأبي عبيدة وعمر وأبي بكر وأنا متأخر الإسلام، فأنا أحب إلى رسول الله من هؤلاء، مع أنهم سبقوني في الإسلام، فذهب وهو يشتم رائحة القرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (يا رسول الله من أحب الناس إليك؟ قال: عائشة -وهو لا يريد هذه- فقال: ليس عن هذا أسأل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبوها، قال: ثم من؟ قال: عمر ، قال: ثم من؟ قال عثمان) فقال في نفسه لو عددت لعد رجالاً وكنت أنا في المتأخرين فسكت على ذلك، وفي هذا دليل على أن أبا بكر كان أحب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فمن طعن في إمامة أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه، فإنه على وشك الفسق، ومن طعن في دينه فهو كافر خارج من الملة.

    عمر الفاروق أفضل الأمة بعد نبيها وأبي بكر

    يلي أبا بكر في الفضل عمر بن الخطاب فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنه ما غربت الشمس ولا طلعت من بعد النبيين والمرسلين على أفضل من أبي بكر ، وقد رآه هو وعمر فقال لـعلي : (هذان سيدا كهول أهل الجنة).

    إن لـعمر فضائل كثيرة يصعب جداً على الباحث أن يحصيها، ويكفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إيه يا عمر! لو سلكت فجاً لسلك الشيطان فجاً غير الفج الذي سلكت)، وكان رجلاً شديداً في نصرة الإسلام، قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه وهو يتحدث عن أمير المؤمنين عمر : كنا أذلة حتى أسلم عمر فأعزنا الله بـعمر.

    ومما ورد في فضل عمر رضي الله عنه أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن عمر رضي الله عنه وأرضاه يتمثل الإسلام يوم القيامة فيأخذ بيده ويذهب إلى الله فيحتج فيقول: أعززتني بهذا الرجل فيدخل الجنة بدون حساب)، ومع ذلك يقول عمر رضي الله عنه: يا ليتني شعرة في صدر أبي بكر .

    النص على خلافة عمر

    وكما نص على خلافة أبي بكر فقد نص أيضاً على خلافة عمر ولا يطعن فيها إلا فاسق فاجر، فإن أبا بكر رضي الله عنه وأرضاه في مرض موته جاءه عثمان فقال له: أرأيت من تستخلف؟ فتنفس الصعداء وكاد يتكلم فأغمي عليه فخشي عثمان موت أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه فكتب الخلافة للناس فأفاق أبو بكر فقال له عثمان : ما تملي علي؟ قال أبو بكر : من كتبت؟ قال عثمان : كتبت عمر، قال: والله لو كتبت نفسك لكنت أهلاً لها، اكتب عمر فأقر كتابته، وقوله ذاك ليس تفضيلاً من أبي بكر لـعثمان على عمر بل غاية ما يفهم منه أن عثمان أهل لها، ثم جاء الناس إلى أبي بكر فقالوا: كيف تولي علينا هذا الشديد الغليظ؟ كيف تجيب ربك وأنت تعلم شدة عمر ؟ فقال: والله لو سألني ربي: لم وليت هذا عليهم؟ لقلت وليت عليهم أفضلهم وخيارهم.

    ومن شدة عمر أنه كان إذا أراد أن يقرر البشر على حكم نزل عليه، واجتمع عليه الصحابة كان أول شيء يفعله: أن يقفل الباب على أهله، وهم في الدار جميعهم الصغير والكبير، ثم يقول: إني آمر الناس غداً بشيء والله لو وجدت منكم أحداً تجرأ علي لجلدته أمام الناس أجمعين، فكان عمر أشد الناس على أهله أولاً ثم على البشر، وهذا الذي جعل عائشة رضي الله عنها وأرضاها ترفض سيدنا عمر رضي الله عنه وأرضاه زوجاً لأختها بعد أن تقدم يريد الزواج من أختها، ولما سُئلت عائشة: لماذا رفضته؟ بينت العلة وقالت: عمر شديد، والبنت صغيرة.

    وممن أقر أبا بكر على اختياره لـعمر خليفة بعده ابن مسعود رضي الله عنه فقد أُثر عنه أنه قال: أشد الناس فراسة ثلاثة: بنت الرجل الصالح شعيب لما قالت: يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ [القصص:26] فألمحت أنها تريده، وقالت: إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ [القصص:26] فتزوجت نبي الله موسى وهو أفضل البشر على الإطلاق في وقته.

    وعزيز مصر لما قال : عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا [يوسف:21] يوصي امرأته أن تكرم يوسف عليه السلام .

    وأبو بكر رضي الله عنه وأرضاه لما تصرف في خلافة عمر .

    من فضائل عمر

    مما ورد في فضل عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عنه في الرؤيا التي رآها: (وينزع نزعاً ما رأيت عبقرياً مثل عمر يفري فرياً) على أن عمر هو من خطط تخطيطاً دقيقاً لحركة الفتوحات والغزوات التي أسهمت في نشر الدين، وكانت سبباً في جمع الأموال الطائلة التي جاءت للمسلمين عن طريق خلافته رضي الله عنه وأرضاه.

    وأختم الكلام على عمر بما قاله علي لما دخل عليه وهو في النزع الأخير حيث قال: أرجو الله أن يحشرك مع صاحبيك، فإني قد سمعت كثيراً رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ذهبت أنا وأبو بكر وعمر، وجئت أنا وأبو بكر وعمر ، وكنت أنا وأبو بكر وعمر حشرك الله مع صاحبيك)، وكانت هذه فراسة من علي صدقتها عائشة رضي الله عنها وأرضاها وتركت المكان لـعمر، ودفن عمر بجوار صاحبيه، وما زلنا حتى الآن نسلم على النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد النبوي ثم على أبي بكر وعمر رضي الله عن الشيخين، ولعن الله من يسبهما، وطرد الله من يسبهما من رحمته، وأنزل عليهم العذاب الأليم الشديد، الذين يقولون: العنوا صنمي قريش، فنسأل الله أن يجازيهم بما يستحقون، فهم الذين حرفوا في دين الله جل وعلا، وهم أضر علينا من اليهود والنصارى، لما يحملونه من خبث دفين إذ لو قيل ليهود: من أفضل الناس فيكم؟ لقالوا: أفضل الناس فينا هم صحابة موسى عليه السلام، ولو قيل للنصارى: من أفضل الناس فيكم؟ لقالوا: أفضل الناس فينا هم حواريو عيسى عليه السلام، ثم قيل للشيعة: من أشر الناس عندكم؟ قالوا: صحابة رسول الله والعياذ بالله، ومن منكرات أعمالهم ما يصنعون في الأعياد حيث يجعلون صنماً كبيراً من الحلوى، ويشربونه العسل، ثم يقولون: هذا صنم أبي بكر وهذا لـعمر، ويزعمون أنهم يشربون من دم أبي بكر ودم عمر أسقاهم الله من الصديد في نار جهنم.

    من مناقب ذي النورين عثمان بن عفان رضي الله عنه

    ويلي الشيخين في الفضل عثمان رضي الله عنه وأرضاه وإن كان فيه خلاف إلا أن الأمة أجمعت عليه بعد ذلك الخلاف، فقد كان رأي أبي حنيفة والثوري ومن المتأخرين الشوكاني تقديم علي على عثمان رضي الله عنه وأرضاه، والخلاف هذا معتبر، لكن الصحيح الراجح أن عثمان يقدم على علي بالنص أيضاً إذ إن عثمان هو الخليفة الثالث، وخلافته جاءت صحيحة بإجماع المهاجرين والأنصار، لأن عمر رضي الله عنه وأرضاه قال: إن كنت سأستخلف، فقد استخلف من هو خير مني -يريد أبا بكر -، وإن كنت لا أستخلف أي: لا أنص كتابة، فما استخلف من هو خير مني يريد أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكتب لـأبي بكر لكنه أشار إليه كما تقدم، ثم قال: هي في هؤلاء الستة الذين مات الرسول صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض، وعدهم: عبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله رضي الله عنهم أجمعين، قال العلماء: أما عبد الله بن عمر رضي الله عنه وأرضاه وإن كان لا يقل فضلاً عن هؤلاء، إلا أن أعباء الخلافة جعلت عمر رضي الله عنه وأرضاه ينحيه عنها حيث قال: له المشورة وليس له من الأمر شيء.

    فترك الزبير صوته لـعلي وترك طلحة صوته لـعثمان، وتنحى عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه وأرضاه وسعد بن أبي وقاص عن الأمر، فحصر الأمر في علي وعثمان ، قال عبد الرحمن بن عوف : والله لقد درت على النساء في خدورهن فما عدلوا بـعثمان أحداً، وهذه دلالة على أن المهاجرين والأنصار بالنظر الثاقب قدموا عثمان .

    ومما يؤثر عن ابن عمر رضي الله عنه وأرضاه أنه قال: (كنا في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم نقول: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان).

    وقد خطب علي رضي الله عنه في الناس وقال: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ومن قدمني على أبي بكر وعمر جلدته ثمانين جلدة حد المفتري، ثم قال: والله أعلم بمن أفضل بعد ذلك، فلم يخير عثمان عليه.

    وهنا يجدر بمن يقدم علي على الشيخين إن كان يحب علياً أن يستمع لكلامه، ورد في الأثر أن محمد بن الحنفية قال لـعلي: من أفضل الأمة بعد النبي؟ قال: أبو بكر ، قال: ثم من؟ قال: عمر قال: فاستحييت أن أقول له: ثم من؟ فيقدم عثمان عليه، مع أن في قرارة نفسه أن عثمان أفضل من علي رضي الله عنه وأرضاه.

    وبذلك علم فضل عثمان رضي الله عنه.

    وأشهر فضائل عثمان أنه ختن رسول الله صلى الله عليه وسلم على بنتيه، وورد في الآثار أنه قال: (لو كانت الثالثة لأنكحتك إياها).

    حياء النبي صلى الله عليه وسلم من عثمان

    من أعظم الفضائل لـعثمان أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستحيي منه ويقول : (ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة)، وفي الحديث دلالة على أن الفخذ ليس بعورة، والأحوط تغطيته، وإذا رأى أحدكم شخصاً يكشفه فالأولى أن ينكر عليه ويقول له: الفخذ عورة، وإن كان حديث: (الفخذ عورة) حديث ضعيف لكن هذا من باب المروءات، أما الشاهد من الحديث الذي يفيد بأن الفخذ ليس بعورة ما ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان متكئاً وفخذه مكشوف، فدخل أبو بكر فلم يهش ولم يبال، ثم دخل عمر فلم يهش ولم يبال، فلما استأذن عثمان قام واستوى وغطى فخذه، فقالت عائشة منكرة: (يا رسول دخل عليك أبو بكر فلم تهش ولم تبال، ودخل عليك عمر فلم تهش ولم تبال، ولما دخل عليك عثمان -رضي الله عنه وأرضاه- استويت قال: ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة).

    وورد في استحياء عثمان رضي الله عنه وأرضاه -وأيضاً عمر - أنه ما كان يغتسل عارياً قط، بل كان إذا دخل الخلاء يستأذن الملك، وكان يدخل فيظلم كل المكان حتى لا يرى عورته، وهذا من حياء عثمان رضي الله عنه وأرضاه، ربنا يرزقنا الحياء، والحياء رفعة وإيمان.

    الخليفة الشهيد علي بن أبي طالب

    يلي عثمان رضي الله عنه في الفضل والمكانة علي بن أبي طالب، وفضائله غير خفية على من له أدنى اطلاع، وقد نوزع علي في الخلافة مما يجعل البعض يسأل عن خلافته هل كانت صحيحة؟ وهل خلافته ملك عضوض أم خلافة على منهاج النبوة؟ فالصحيح أنها خلافة صحيحة لحديث: (الخلافة بعدي ثلاثون عاماً)، ومعلوم أن خلافة علي كانت في الثلاثين التي أخبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم، ثم بعد ذلك كانت خلافة معاوية التي قال النبي صلى الله عليه وسلم عنها: (ثم يؤتي الله ملكه من يشاء)، فخرجت من الخلافة وأصبحت ملكاً وتحقق كلام النبي صلى الله عليه وسلم فقد أصبحت تتوارث. وقد كان الحق مع علي في الخلاف الذي دار بينه وبين معاوية وكان علي هو أفضل على الإطلاق، وكان هو المستحق للخلافة، ولذلك لما حدثت المشاحنة بين الزبير وطلحة وبين علي وبين عائشة رضي الله عنهم أجمعين، ولم يكن سببها الخلاف بينهم كما يصور البعض، وإنما كان الموتورون داخل الصف هم الذين يحرشون بينهم ويشحنون القلوب بدعوى أنه كان لا بد قبل أن يبايع علي أن يقتص لهذا المظلوم المقتول عثمان، وهذا الكلام غير صحيح، والمهم أن نعلم أن عائشة رضي الله عنها وأرضاها خرجت وخرج الزبير وخرج طلحة لقتال علي ، والله جل وعلا يظهر الحق حتى لو خفي على كل البشر، فـابن عمر أفضل الصحابة وأتقنهم علماً خفي عليه أن الحق مع علي ؛ ولذلك بكى بكاءً شديداً عند موته وقال: يا ليتني قاتلت مع علي والله إن الحق مع علي ، ومما دار بينهم أن علياً جاء إلى الزبير وقال له: أما تذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بي وبك فقال: (تحبه؟ قال: ومالي لا أحبه؟! فقال له: تقاتله وأنت ظالم له)، وقد تحقق هذا، وفيه علامة من علامات نبوة النبي صلى الله عليه وسلم، فانتبه الزبير قال: والله كأني لم أسمع الحديث إلا اليوم، فاستدار بفرسه فنزل فقتلوه، وطلحة بن عبيد الله رضي الله عنه وأرضاه لما علم ذلك أيضاً قتل، ثم تلت ذلك المعركة الشديدة التي كان فيها الدماء بسبب عائشة رضي الله عنها وأرضاها، فقد كان من حولها يحرسون الجمل ولذلك سميت معركة الجمل، وقد قتل خلق كثير حول الجمل إلى أن أمر علي بضرب ساقي الجمل فانتهت المعركة، وبعد ما انتهى القتال ذهب علي فقال: يا أمه -وهذا من فقهه فهي أم المؤمنين- تريدين شيئاً؟ قالت: لا، فقال للجيش: صفوا لأمكم ثم ارجعوا بها إلى المدينة، فرجعوا بها إلى المدينة معززة مكرمة.

    وبعد ذلك حدث نزاع في صفوف علي حتى قال قائلهم: كيف تقول: إننا نقاتلهم ولا نسبي نساءهم؟ فأجابهم: من أراد أن يضرب بسهم لنفسه فليأخذ أم المؤمنين غنيمة عنده! فسكت القوم، وعلموا أن القتال قتال بغي وليس قتال كفر، ولا يصح السبي ولا الغنائم.

    وبعد أن رجعت عائشة إلى المدينة سمعت بقتال الخوارج وأن علياً قتل ذا الثدية فقالت: والله إن الحق مع علي، وما كان بيني وبينه إلا ما بين الأحناء بعضهم لبعض، وكان في صدرها شيء من علي، وهو أنه لما استشاره النبي صلى الله عليه وسلم في حادثة الإفك قال علي : النساء غيرها كثير، وكان علي محق ولم يقصد الطعن في عائشة رضي الله عنها وأرضاها، وإنما أراد أن أعباء النبوة أقوى من أن تفكر في هذا الأمر؛ لأن الأمة بل الدنيا بأسرها تنتظر شمس النبوة، فكان محقاً فيما نظر فيه اجتهاداً، ولا يمكن أن يتصور في علي أن يطعن في الصديقة بنت الصديق رضي الله عنها وأرضاها.

    وأما بالنسبة لـمعاوية فالحق كل الحق مع علي بنص كلام النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: (عمار تقتله الفئة الباغية)، وقتلته فئة معاوية وقال: (عمار أينما كان فالحق معه)، لكن معاوية رد على هذا وقال: إن قلتم: الفئة الباغية التي تقتل عمار فقد قتله من خرج به، وذلك أنه دخل وعند معاوية عمرو بن العاص فقال الرجل: أبشر يا أمير المؤمنين! يريد معاوية فقال: مه؟ قال: أبشر فقد قتلت عماراً ، فقام عبد الله بن عمرو بن العاص متهللاً: وقال: أبشر بنار جهنم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (بشر قاتل عمار بالنار)، فلما سمع الناس ذلك انسل الجيش من معاوية وذهب إلى علي فقال معاوية لـعمرو بن العاص : نح عنا مجنونك هذا، وذلك لكي لا يدب الأمر في الجيش، فقال معاوية رضي الله عنه وأرضاه حينها: إذاً قتله من خرج به!

    والرد على هذا أنه إذا كان كذلك فمعناه أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي قتل حمزة ؛ لأنه هو الذي أخرجه للقتال! وليس كذلك، فالنبي صلى الله عليه وسلم بكى عليه وقال: (هو أسد الله).

    ولما قتل علي الخوارج علم الناس أن الحق معه.

    خلاف علي ومعاوية خلاف بين طائفتين من المسلمين

    ينبغي أن ندرك أن خلاف علي ومعاوية لا يبنى عليه كفر وإسلام فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم وهو يشير إلى الحسن : (إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين)، فسماهم مسلمين، ونسمع أن بعض الناس مع أن الله حباه ببعض علم الحديث يسب معاوية ، بل قد وصل به الحد أن يسب عائشة ، لكن ليعلم هو ومن على شاكلته أنه لن يسلم من يطعن في الصحابة، ولذلك قال ابن كثير في البداية والنهاية: دماء عصم الله أيدينا منهم، فنسأل الله أن يعصم ألسنتنا منهم، فنحن نكف عن هذا، ونترضى عليهم ونقول: ليسوا بمعصومين وإن أخطئوا فالله يغفر لهم، كفى حاطب بن أبي بلتعه قول النبي فيه: (دعه فلعل الله اطلع على أهل بدر فقال: افعلوا ما شئتم فقد غفرت لكم).

    العشرة المبشرون بالجنة

    العشرة الذين بشرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة هم الخلفاء الأربعة ثم طلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد وأبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه وأرضاه، وهؤلاء هم أفضل الصحابة، وهم مع ذلك يتفاوتون فيما بينهم الأعلم فالأعلم، نسأل الله جل وعلا أن نحفظ حقهم ونحفظ قدرهم.

    هل يكفر من طعن في الصحابة أم لا؟

    لا شك أن من طعن في دين الصحابة فقد كفر، فمن طعن في دين أبي بكر فقد كفر، ومن طعن في دين علي أو عثمان أو عمر فقد كفر؛ لأنه كذب القرآن، وقد أنزل الله عدالتهم وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها، ومن سبهم أجمعين على أنهم قد كفروا وخرجوا من الملة فهذا يكفر أيضاً، أما ما عداه فهو فسق وفجور.

    ومن قال عن عائشة: إنها لم تبرأ وفعلت الفاحشة فقد كفر؛ لأنه كذب الله الذي برأها من فوق سبع سماوات .

    والسب سبان: سب بكلام قبيح، وطعن في الدين، فالسب في عائشة رضي الله عنها وأرضاها إذا كان قدحاً في دينها أو طعناً في شرفها وعفتها فهو كفر، ويقتل من قال به ردة؛ لأنه كذب القرآن وكذب الله الذي برأها من فوق سبع سماوات، ومعلوم أن من كذب الله فقد كفر وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا [النساء:122].. وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا [النساء:87].

    ومن أكثر من يقع في الصحابة الشيعة وهم أتباع عبد الله بن سبأ اليهودي الذي دخل ليدمر الدين، كما دخل بولس ودمر الإنجيل؛ فقد كان يهودياً ثم دخل النصرانية على أنه قبطي ودمر الإنجيل وحرفه على الناس، وعبد الله بن سبأ ادعى الإسلام وانتهى في النهاية إلى أن علياً هو الإله، ولما حرق من قالوا بذلك افترى عليهم وقال: لا يحرق بالنار إلا خالقها، لحديث ابن عباس ..، إذاً فهو خالقها. وقد كان عبد الله بن سبأ هو رأس الشيعة، ثم تشعبوا بعد ذلك فمنهم من هم أقرب إلى أهل السنة والجماعة مثل: محمد الباقر وجعفر الصادق رضي الله عنهم وأرضاهم، وإن كانوا يفضلون علياً على أبي بكر وعمر فهم يقولون: خلافة أبي بكر صحيحة، وخلافة عمر صحيحة بإجماع المسلمين، لكن علي أفضل منهم، وغلاة الشيعة كفار أما العوام الذين لا يعرفون شيئاً فليسوا كفاراً، أما الذين يسبون علناً ويطعنون في دين أبي بكر ويطعنون في دين عمر ، ويطعنون في دين عائشة ويئولون القرآن: فقوله تعالى: (اذبحوا بقرة) قالوا: هي عائشة رضي الله عنها وأرضاها؛ فهؤلاء وأشباههم على الكفر لأنهم كذبوا القرآن.