إسلام ويب

مسائل خالف فيها رسول الله أهل الجاهلية - التبرك [1]للشيخ : محمد حسن عبد الغفار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم أمته من الغلو في الصالحين والأولياء، ومن إطرئه إطراءً يرفعه فوق منزلة النبوة؛ وقد حصل ما حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الأمة، فعظموا الأولياء والأضرحة، وزعموا فيها البركة، فكانت سبباً في خروجهم من الدين والإشراك بالله، فدعوا غير الله، وطلبوا النفع والضر والخير والبركة في غير ما شرعه الله عز وجل.

    1.   

    وقوع الأمة فيما حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    ثم أما بعد:

    إخوتي الكرام! ما زلنا مع ظلمة الجاهلية، وشمس الإسلام التي تشرق على هذه الظلمة فتبددها، ومن هذه الظلمة التي كانت في العصر الجاهلي التبرك بآثار المعظمين عندهم، أو التبرك بما يعبدونه من دون الله جل في علاه.

    فقد كان أهل الجاهلية يتبركون بالمعظمين عندهم سواء كان شخصاً أو حجراً أو صنماً أو كانت داراً كدار الندوة أو غيرها، فكانوا يعظمونها ويتبركون بها، أي: يتعبدون لله بالتبرك بهذه الآثار، أو يسألونها من دون الله جل في علاه، فيصرفون لها العبادة من دون الله، وهذه المسألة شائكة ودقيقة جداً.

    فأهل الجاهلية كانوا يتبركون بالأصنام والأحجار والأشجار، ويسألون البركة والنفع وثبوت الخير عندها، وقد جاء النبي صلى الله عليه وسلم ليبدد ظلمات هذه الجاهلية، قال الله تعالى: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى * أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنثَى [النجم:19-21].

    واللاتّ على قراءة ابن عباس بالتشديد كان رجلاً صالحاً يلتّ السويق للحجيج، فلما مات عظمه هؤلاء، وعظموا مكانه الذي قبر فيه، ثم بعد ذلك ذهبوا يتبركون بآثاره عند قبره.

    ذكر ابن إسحاق وغيره: أن كثيراً من أهل الجاهلية كانوا إذا أرادوا سفراً أو عودة من السفر، ذهبوا إلى أصنام وحجارة يعبدونها من دون الله جل في علاه، فيتمسحون بها ويطلبون البركة في أسفارهم، فإذا انتهوا من سفرهم وقضوا حاجتهم رجعوا إلى نفس الصنم، أو يرجعون إلى هذه الحجارة فيتمسحون بها ويطلبون البركة سواء في الحل أو في الترحال، فكانوا يتبركون بهذه الآثار التي لم يقبلها الإسلام، فجاء الشرع وأشرقت شمس الإسلام لتبدد هذه الظلمات، وجاء النبي صلى الله عليه وسلم ليبين لنا أن هذا من الشرك، وأنه لا يجوز لأحد أن يفعل ذلك كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إياكم والغلو!)؛ والتبرك سببه الغلو، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما أهلك من كان قبلكم الغلو)، وقال: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، ولكن قولوا: عبد الله ورسوله).

    وجاء من حديث أبي واقد الليثي أن الصحابة مروا في غزوة حنين على قوم يتبركون بشجرة يسمونها ذات أنواط، فيعلقون السيوف عليها طلباً للبركة وثبوت الخير لهم، فقالوا: يا رسول الله! اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط! يعني: اجعل لنا شجرة نعلق سيوفنا عليها فنتبرك بها كما يتبركون هم بهذه الشجرة، فزجرهم زجراً شديداً، وغضب غضباً شديداً، وبين أن هذا من الكفر بمكان، فقال: (الله أكبر -وكان النبي صلى الله عليه وسلم يسبح ويكبر عند الدهشة والعجب- قلتم والله كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ [الأعراف:138]).

    فانظروا! كيف أنهم لما أرادوا التبرك بالشجرة أنزلهم النبي صلى الله عليه وسلم منزلة من يقول: اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ [الأعراف:138]، وهذا بعدما بين النبي صلى الله عليه وسلم أن هذه جاهلية جهلاء.

    وهذه الظلمات الجاهلية التي كانت في القرون المتقدمة عادت كما هي، واستدار الزمان كما هو، فعادت هذه الجاهلية كما كانت في الجاهلية الأولى، فنرى التبرك اليوم قد غشي الأمة الإسلامية، وللأسف نجد من يتنطع ويعلنها صراحة: بأن هذا الدين لا يحدث فيه الشرك، أو أن هذه الأمة لا يدب فيها الشرك، وأن الشرك قد انقطع عن هذه الأمة؛ فهي أمة مرحومة متمسكة بالتوحيد، ولن يقع أحد منهم في الشرك، وهذه الأمة -كما سنبين- غارقة في الشركيات وهي لا تدري.

    فيتنطع متنطع ويقول: لا شرك في هذه الأمة! وهذا خلاف لنبوءات النبي صلى الله عليه وسلم، وخلاف لما صرح به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورد لوحي الله جل في علاه؛ حيث يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لن تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس على ذي الخلصة). وذو الخلصة صنم كان يعبد في الجاهلية، فهؤلاء سيطوفون به في آخر الزمان، وفي هذه القرون رجعت هذه الظلمات كما هي عليه،

    فترى الناس يتبركون ويطلبون البركة من غير الله جل في علاه، فيصرفون هذه العبادة لغير الله، ويتبركون بالنبي صلى الله عليه وسلم، أو بقبر النبي صلى الله عليه وسلم، ويتبركون بأستار الكعبة، وبمقام إبراهيم، ويتبركون بالقبور وأصحابها وتراب القبور، فمنهم من غلا وقال: طوبى لمن تمرغ في تراب قبر النبي صلى الله عليه وسلم يستشفي بهذا التراب، ويطلب منه الخير، فانظروا كيف يذب الشرك في هذه الأمة وهي لا تدري!

    ومنهم من يذهب يتقصد هذه الأماكن ويقول: هذا مكان الأولياء الصالحين ندعو الله فيه؛ لعل الله يتقبل منا الدعاء، وهذا واقع نعيشه ونراه، بل ينافحون عنه ويقاتلون من أجله، ويحادون الله ورسوله، ولا يسمعون لمن يناصحهم في الله جل في علاه.

    واجب العلماء نحو الأمة فيما وقعت فيه من الشرك

    إن الأمة الآن قد وقعت في مثل هذه الظلمات، ولا بد علينا لزاماً إذا تبنينا هذه المسألة أن نأخذ طريق النبي صلى الله عليه وسلم، وأن نحمل إرث النبي صلى الله عليه وسلم، وأن نحافظ على التوحيد، ونتمسك ونعض بالنواجذ على هذه الشريعة الغراء التي أشرقت على ظلمات الجاهلية، ونبين للناس أن هذا تيه وتخبط، وأن هذه ظلمات الجاهلية.

    إذاً: فلا بد أن نبين كما بين رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن الوحي إذا انقطع فالرسالة لا تنقطع؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (بلغوا عني ولو آية)؛ ولذلك جعل الله جل في علاه العلماء وطلبة العلم في مرتبة الأنبياء، ولا فرق بين العالم وبين النبي صلى الله عليه وسلم إلا درجة النبوة والوحي، فهو كل ما نزلت الظلمات والبلايا على الناس في الجهل العميق جاء ليزيح عن هذه الأمة هذه الظلمات وهذا الجهل.

    إذاً: فلا بد أن نبين كما بين النبي صلى الله عليه وسلم أن هذه من الجاهليات التي لا يقبلها الله جل في علاه.

    1.   

    مسائل في التبرك

    تعريف التبرك

    التبرك لغة: مأخوذ من البركة، والمتبرك هو الذي يطلب ثبوت الخير عنده أو له، كما قالوا: برك البعير، أي: ثبت في مكانه، وسميت البركة بِرْكةً لأنها تجمع فيها ماء كثير.

    ويقال أيضاً: إن المتبرك يطلب الزيادة والنماء، إذ البركة زيادة الخير.

    والبركة بيد الله لا بيد أحد، فيعطيها لمن يشاء ويمنعها عمن يشاء، فلا يملكها أحد غير الله ولا حتى رسول الله، ولا جبريل، ولا البدوي، ولا الحسين ، فالذي يملك البركة هو الله جل في علاه، فيمنحها من يشاء ويمنعها عمن يشاء؛ ولذلك ترى أن الله جل وعلا بارك في أماكن معينة، وفي أوقات معينة، بل وفي ذوات، فإن الله بارك في ذوات الأنبياء، وبارك في ذوات الصالحين، فبارك الله في ذوات الأنبياء كما في قوله تعالى عن سيدنا عيسى عليه السلام: آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا [مريم:30-31].

    وقال الله تعالى: وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ [الصافات:113]، فبارك الله على إبراهيم وعلى إسحاق وعلى ذريتهما.

    وجعل الله كتابه مباركاً، وليست صفة، ولكن البركة في الكتاب بتلاوته وحفظه، وأن تعلم حروفه وتعمل بحدوده، ولا تقول: الكتاب مبارك؛ لأن لفظ المبارك لا يقال في حق الله، وإنما يقال: تبارك، والكلام صفة من صفات الله.

    فلو قلنا: إن هذا الكتاب مبارك وحده بذاته، فإن وضعته في السيارة كما يفعلون بهذه التمائم، أو وضعته في السلسلة على الصدر، أو علقت الآيات على الحائط فلا ينكر عليك؛ لأن فيها بركة، لكن هذا غير صحيح؛ لأن البركة التي جعلها الله في كتابه إنما هي بالتلاوة والتدبر، وبالعمل به، وبحفظ حروفه والعمل بحدوده.

    إذاً: فالله هو الذي جعل البركة وهو الذي يملك البركة، والله جل في علاه يوصف بأنه (تبارك) أي: المعظم الممجد، قال الله تعالى: تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ [الفرقان:1]، وقال جل وعلا: تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا [الفرقان:61]، وقال جل في علاه: تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ [الملك:1]، فالله جل في علاه يتصف بأنه (تبارك) ولا تقل: (الله مبارك) حاشا لله، لكن إذا قلت: العبد مبارك، أو المكان هذا مقدس ومبارك فلا بأس بذلك.

    إذاً: فلفظ (مبارك) للمخلوق، (وتبارك) للخالق لا يشاركه أحد في هذه الصفة كما تقول: (تباركت وتعاليت)، فالتعالي أيضاً صفة تخص الله جل في علاه، فالعلو الكامل المطلق لله جل في علاه.

    حكم التبرك

    هل التبرك عبادة أم لا؟ هذا محل نزاع.

    فإذا قلنا: بأن التبرك هو طلب البركة، فنقول: الطلب أصله دعاء، والدعاء يكون من العبد لله، فيكون التبرك عبادة؛ لأنه طلب، والطلب لا يكون إلا من الله جل في علاه، فإذا طلب من غير الله فقد أشرك، وهذا محل النزاع الذي نحن بصدده، فنقول: إن الذي يطلب البركة من غير الله فقد أشرك بالله بذلك، والذي يطلب البركة من الله هو الذي وحد ربه جل في علاه.

    أقسام التبرك

    القسم الأول: أن يطلب البركة من غير الله، فإذا طلب البركة من غير الله فقد أشرك بالله في الإلهية، كأن يقول: يا عبد القادر الجيلاني ! بارك لي في زوجتي، أو يا بدوي ! مُنّ علي بكذا، فهذا فيه صرف للعبادة لغير الله، فهذا إذا قلت له: أنت تطلب من البدوي أن يمنحك البركة، فإنه يقول: أنا أعتقد أن البركة بيد الله، لكن البدوي هذا وسيلة أتوسل به؛ لأن له مكانة وجاهاً، ولذلك أنا أطلب منه أن يكون شافعاً متوسلاً لي عند ربي فيمنّ عليّ بالبركة، فهذا يعتقد أن البركة من الله لكنه طلبها من غيره، فهو صرف عبادة ثبتت بالشرع لغير الله، فيكون شركاً في الإلهية.

    القسم الثاني: أن يعتقد أن أحداً يملك البركة مع الله، كأن يذهب يجلس بجانب قبر النبي صلى الله عليه وسلم ويقول: أنا أعلم وأعتقد بأن النبي صلى الله عليه وسلم بيده البركة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم منحه الله ما لم يمنح غيره من الخلق، فيعتقد أن النبي صلى الله عليه وسلم يملك البركة مع الله جل في علاه، فهذا أيضاً اعتقد في غير الله ما لا يعتقد إلا في الله جل في علاه، ولا تحسبوا أنني آتي بالكلام من عندي، فهذا واقع نعيشه، فإذا ذهبت إلى العمرة فسترى ذلك، وكثير من النساء والرجال يعتقدون في النبي صلى الله عليه وسلم ما لا يعتقد إلا في الله جل في علاه، وهذا النوع يعتبر شركاً في الربوبية.

    القسم الثالث: أن يعتقد بأن البركة بيد الله جل في علاه، ولا يطلبها من غير الله، فهو لا يعتقد في غير الله ما لا يعتقد إلا في الله، وأيضاً لم يطلب البركة من غير الله، بل هو طلبها من الله، لكنه اتخذ سبباً لم يشرعه الله، فطلبها عند قبر البدوي ، أو عند قبر عبد القادر الجيلاني ، وارتقى أكثر فطلبها عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وذهب فطلبها عند جبل الطور، أو ذهب إلى غار حراء وقال: هذا المكان مبارك، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتحنث فيه ويتعبد، وجاءه جبريل بالوحي فيه، فذهب يدعو هناك ويطلب البركة في هذا المكان، ويعتقد أن هذا المكان سبب في نزول البركة له.

    أو يعتقد أن هذا الولي المقبور بركته تجلب البركة إذا دعا عنده، ويعتقد في بركة وجود قبر الولي أن الله يستجيب له دعاءه، أو أن الله يرفع عنه البلية، أو أن الله جل وعلا يأتيه بالنفع الذي يريده.

    وهذا حكمه أنه شرك أصغر؛ فإن الله تعالى يقول: أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ [الشورى:21]، ويقول: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ [الأعراف:54]، إذاً: فالأمر والتشريع بيد الله، والله جل وعلا هو الذي سبب الأسباب والمسببات والمقدمات والنتائج، ونحن عباد لله فنقول: سمعنا وأطعنا لله جل في علاه، فلتعبد الله على الطريق التي ارتضاها، ولتعبد الله بما شرع؛ ولذلك فإن الله جل في علاه لما أنكر على النصارى عبادتهم -مع أنهم تعبدوا وتحنثوا لله جل في علاه- ما أنكر عليهم إلا لأنهم اتخذوا سبلاً لم يشرعها الله، قال تعالى: وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا [الحديد:27].

    وكذلك من الأدلة: أن هذه وسيلة إلى الشرك؛ لأنه يعتقد في الولي أو في المكان ما لا يعتقد إلا في الله، فيكون وسيلة إلى الشرك الأكبر، والقاعدة عند العلماء: أن الوسائل لها أحكام المقاصد، فكل ما كان وسيلة للشرك فهو شرك، لكن لم يخرج به صاحبه من الملة؛ لأنه من الشرك الأصغر، ولا يصل إلى الشرك الأكبر.

    1.   

    أحكام التبرك المشروع والممنوع

    والتبرك قسمان: تبرك ممنوع، وتبرك مشروع، والتبرك الممنوع مقسم إلى أقسام: تبرك بالأماكن، وتبرك بالأزمنة، وتبرك بالأشخاص، وهذا مختلف فيه حتى بين أهل السنة والجماعة، فمن أهل السنة والجماعة من قال بجواز التبرك بذوات الصالحين أو بآثار الصالحين كـابن حجر والنووي ، فهذا يكون قسماً ثالثاً سنتكلم عليه إن شاء الله.

    قال تعالى: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا [آل عمران:96]، فإذاً كان البيت الحرام مباركاً فهل يجوز للإنسان أن يتبرك به؟

    الجواب: لا، لا يتبرك به لا بجدرانه ولا بأستاره، ولكن يتبرك بالعبادة فيه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن الصلاة فيه بمائة ألف صلاة، فهذا هو محل البركة، ثم جاء أناس ووسعوا المسألة وخالفوا شرع الله، وتبركوا بأستار الكعبة، وهذا ظاهر وواقع ومشاهد، فترى الناس -وأكثرهم من الهنود والأعاجم- يتعلقون بأستار الكعبة، ويتمسحون بها، ويبكون ويصرخون، والأصوات تعلو من الرجال والنساء، فيتبركون بأستار الكعبة، وبالحديد والسياج الذي يدور حول مقام إبراهيم، ويتبركون بمقام إبراهيم، فهذا التبرك لا يجوز بحال من الأحوال، ولو كان جائزاً لشرعه النبي صلى الله عليه وسلم، ولفعله أصحابه، بل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقبّل شيئاً من البيت إلا الحجر الأسود، ولم يمس إلا الركن اليماني.

    والدليل على أن هذه بدعة وشرك أن معاوية رضي الله عنه وأرضاه جاء للكعبة -وهو يعلم أن هذا البيت مبارك- فتمسح في كل أركان الكعبة الأربعة، فلما تمسح بالأركان الأربعة جاء ابن عباس فقال: والله ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك، يبين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك ذلك، فيلزمك ألا تفعله، فقال: والله ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك، قال: ليس من البيت شيء مهجور، فقال له: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب:21]، فقال: أصبت، وامتنع أن يتمسح بأي حجر من أحجار البيت.

    ولك أيضاً أن تتدبر أن عمر بن الخطاب جاء إلى الحجر الأسود فقبله ثم قال معلنها صراحة: (والله إني لأعلم أنك حجر لا تنفع ولا تضر، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك)، إذاً: فالذين يتبركون بأحجار الكعبة، وبجدران قبر النبي صلى الله عليه وسلم، ويتبركون بالسياج أو بمقام إبراهيم، فتركهم هذا لا يجوز بحال من الأحوال، ولنا أدلة كثيرة تدل على أنه لا يجوز:

    الأول: أن هذا التبرك -إذا قلنا: إنه عبادة- لا بد له من دليل شرعي؛ إذ الأصل في العبادات التوقف، وليس ثمة دليل يثبت التمسح بكل أركان الكعبة إلا بالحجر الأسود -لعلة أخرى- أو بمقام إبراهيم.

    الأمر الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف بالبيت وطاف أصحابه، ولم ينقل لنا أنه فعل ما يفعل الناس اليوم، فهذا دليل على أنه لا يجوز.

    وأما حكم فاعل ذلك: كأن يدخل رجل الكعبة فينظر إلى الحجْر فيقول: هذا الحجْر من الكعبة وقصرت النفقة عن أن يدخلوه في البيت، فذهب يتمسح بأحجار الحجْر ويقبلها، ثم نظر وقال للناس: إن إبراهيم هو الذي بنى البيت، فقال: أين مقام إبراهيم؟ قالوا: هو ذاك، فانكب عليه باكياً متضرعاً متذللاً: يا رب! ويقول: إن هذا آية من آيات الله، فيتمسح فيه ويمسح في جسده، ويقبل هذا المقام، فما حكم هذا الرجل؟

    الجواب: هذا الرجل له أحوال ثلاثة:

    الحالة الأولى: إذا اعتقد في مقام إبراهيم أنه هو الذي يمنحه البركة، فهذا الفعل شرك أكبر؛ لأنه اعتقد فيه أنه يفعل ما لا يفعله إلا الله سبحانه وتعالى؛ ولذلك يقول الله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ [البقرة:165]؛ لأنهم اعتقدوا فيهم ما لا يعتقد إلا في الله عز وجل.

    الحالة الثانية: إذا اعتقد أن البركة من الله، ولكنه يزعم أن هذا المقام واسطة بينه وبين الله فقال: هذا المقام يسمعني، وطلب من الحجر نفسه فقال: بارك لي في زوجتي، بارك لي في ابنتي، فهذا شرك أكبر؛ لأنه صرف العبادة لغير الله، وممكن نقول: إن هذه تتلازم مع الاعتقاد صراحة؛ لأنه لو صرف العبادة لابد أنه يعتقد في هذا الحجر أنه ينفع ويضر.

    الحالة الثالثة: إذا اعتقد أنها لله، وهو طلبها من الله، ولكن قال: البركة ستكون هنا، وستحل في هذا المكان، فهذا شرك أصغر؛ لأنه اتخذ وسيلة لم يشرعها الله، أو اتخذ سبباً لم يشرعه الله جل في علاه.

    وحتى تتضح المسألة أكثر:

    فمثلاً: إذا كنت جالساً في المسجد الحرام وأحرص على أن تكون كل صلاة أصليها في المسجد الحرام ولا أفرط فيها، فقيل لي: لم تحرص على الصلاة في المسجد الحرام؟

    قلت: إن الصلاة في هذا المكان مباركة، فهذا الفعل صواب؛ لأنني تبركت بهذا المكان الذي أصلي فيه وهو المسجد الحرام، والنبي صلى الله عليه وسلم بين لي أن فيه بركة، فالصلاة فيه بمائة ألف صلاة!

    إذاً: فأنا اتخذت وسيلة صحيحة وسبباً مشروعاً.

    وأما الآخر الذي قال: إن البركة ستحل عند مقام إبراهيم، فهذا اتخذ وسيلة لم يشرعها الله جل في علاه، إذاً: فالتبرك بالأمكنة: كالتبرك بالأحجار والأشجار أو بالمسجد الحرام أو بأستار الكعبة وأحجارها غير مشروع.

    وأيضاً: من الأماكن التي يتبرك بها: غار حراء، وغار ثور، فهذه تسمى عند أهل المدينة والحجيج: المزارات السبعة أو الستة، فهذه المزارات بدعة، فالذي يقول: على الإنسان أن يذهب إلى غار حراء، وغار ثور؛ لأن هذه أماكن مباركة، وكفى أن الله جل في علاه بعث جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يتحنث فيها، فيرى أن البركة في هذه الأماكن بأن الوحي نزل فيها، فهذا أيضاً اعتقاد خاطئ، ولو ذهب إلى غار حراء أو ثور يدعو هناك أو يصلي هناك أو يقيم العبادة هناك، ويقول: إن الله سيتقبل مني لبركة هذا المكان، فهذا قد ابتدع في دين الله، واتخذ سبباً لم يشرعه الله جل في علاه، وهذا المكان ليس فيه ثمة بركة؛ لأنه لا دليل عليه.

    من التبرك بالأماكن التبرك بالقبور: وله صورتان:

    الصورة الأولى: التبرك بالمقبور نفسه، وهو الولي الصالح.

    الصورة الثانية: التبرك بالقبر الذي قبر فيه المقبور.

    كرجل ذهب إلى البدوي أو إلى الجيلاني فقال: يا بدوي ! أسألك أن تبارك لي في مالي ورزقي، وتمنع عني الشر. فهذا تبرك بالمقبور نفسه، ثم جاء إليه آخر فقال: لا تفعل، لكن اجلس بجانب قبر هذا الولي الصالح المبارك وادع الله عنده، فإن الله سيغفر لك ذنبك.

    والدليل على هذا قوله تعالى: أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ [الشورى:21].

    1.   

    موقف الصحابة من التبرك الممنوع

    إن الصحابة رضوان الله عليهم قد حرصوا على هذه المسألة حرصاً شديداً، وتثبتوا فيها تثبتاً لا يعلمه إلا الله جل في علاه، ومما يبين لنا حرص السلف على جناب التوحيد وحفظه أنهم علموا أن التبرك عبادة، وأنه لا بد للإنسان ألا يتقدم بين يدي الله ورسوله، فحفظوا جناب التوحيد، ومنهم عمر بن الخطاب وأبو هريرة وغيرهم.

    أما عمر بن الخطاب فكان يطوف بالكعبة ويقبل الحجر ويقول: (والله! إني لأعلم أنك حجر لا تنفع ولا تضر، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك).

    ثم أُخبر عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه بأن هناك أناساً يتقصدون المسجد الذي كان يصلي فيه النبي صلى الله عليه وسلم بين مكة وبين المدينة، فذهب وقال: أيها الناس! إنما أهلك من كان قبلكم اتباعهم لآثار أنبيائهم، واتخاذهم هذه الآثار مساجد.

    ثم أُخبر مرة أخرى بعدما نصحهم هذه النصيحة الغالية بأن هناك أناساً يتقصدون شجرة بيعة الرضوان وهي بيعة الموت، فيصلون عندها يتبركون بها، فجاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه وأمر بقطع الشجرة؛ حفظاً لجناب التوحيد، وسداً لذريعة الشرك.

    وهذا أبو هريرة رضي الله عنه وأرضاه قابل أبا بصرة الغفاري وقد رجع من الطور، فقال له: من أين أتيت؟ قال: من الطور، صليت هناك. فقد رحل من المدينة إلى الطور ليصلي هناك، فقال له أبو هريرة مانعاً إياه: لو قابلتك ما ذهبت إلى هناك؛ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى)، فهذه المساجد الثلاثة فيها بركة، وأما جبل الطور فلم يأتِ دليل على أنه مكان مبارك.

    1.   

    بيان بعض الإشكالات الواردة في التبرك

    هناك بعض الإشكالات نريد أن نبينها:

    الإشكال الأول: أن ابن عمر رضي الله عنه وأرضاه كان إذا ذهب إلى الحج سأل أين صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيتقصد المكان الذي صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم فيصلي فيه.

    والإشكال الثاني: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه قبل الحجر؛ لأنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبله.

    ويرد على استدلالهم بأثر ابن عمر من وجهين:

    الوجه الأول: أن نقول: أين الدليل على أن ابن عمر كان يفعل ذلك تبركاً؟ لا يوجد دليل.

    الوجه الثاني: أن هذا له تخريج وتوجيه، وتوجيه ذلك أن ابن عمر كان رجلاً أثرياً يتتبع سنن النبي صلى الله عليه وسلم حذو القذة بالقذة، فينظر كيف كان ينام النبي صلى الله عليه وسلم فينام مثله، فقد طبق سنن العادات والعبادات، وما ترك شيئاً يفعله النبي صلى الله عليه وسلم إلا وكان يتقصده ويفعله، وذلك له نظائر كثيرة:

    منها: أن أنس رضي الله عنه وأرضاه كان لا يأكل الدباء، قال: (فجلست في مائدة يأكل فيها النبي صلى الله عليه وسلم، فكان يتتبع الدباء، فأحببت الدباء لما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتتبعه)، وكان يأكل الدباء تأسياً بالنبي صلى الله عليه وسلم حتى ولو كان ذلك من سنن العادات، وهناك قاعدة: أن سنن العادات بالنيات تنقلب إلى عبادات.

    وكذلك أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه كان لا يأكل البصل مطبوخاً مع أن البصل إذا طبخ مات، كما قال عمر بن الخطاب : أميتوه بالطبخ، ومع ذلك كان أبو أيوب لا يأكله؛ عملاً بما رآه من أن النبي صلى الله عليه وسلم ما أكل البصل ولو كان مطبوخاً.

    إذاً: فيكون الجواب الثاني: أن ابن عمر كان أكثر الناس تأسياً بسنة النبي صلى الله عليه وسلم.

    وأما الجواب عن الإشكال الثاني: فـعمر لم يقبل الحجر تبركاً بل عمر تبرك باتباعه للنبي صلى الله عليه وسلم، والدليل على ذلك أنه قال: (لولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك).

    كذلك في هذا الفعل فائدتان تعود على المرء:

    الفائدة الأولى: أن النبي صلى الله عليه وسلم قد بيّن أن (الحجر الأسود يأتي يوم القيامة وله عينان ولسان يشهد لمن قبله أو استلمه).

    الفائدة الثانية: أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن (استلام ركن اليماني يحط الخطايا)، فهذه هي الفائدة وليس ذلك من التبرك.

    وأما مسألة الشجرة ذات الأنواط: فلا يجوز التبرك بالشجر، وهؤلاء المسلمون كانوا حدثاء عهد بالإسلام، والحديث يبين لنا ذلك، قال أبو واقد الليثي : (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة حنين ونحن حديثو عهد بكفر فوجدوا قوماً يعلقون أسلحتهم بشجرة يسمونها ذات أنواط، ويعتقدون فيها البركة، فقالوا: يا رسول الله! اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط) وقولهم: (اجعل لنا) له عدة احتمالات:

    الاحتمال الأول: اجعل لنا ذات أنواط؛ أي: لأن هذه الشجرة ستمنحنا البركة، هذا احتمال، ولكن هل هذا مرفوض أم مقبول؟ مرفوض؛ لأنهم حدثاء عهد بإيمان، آمنوا بالله وعلموا أن الله جل وعلا هو الذي يملك النفع والضر، وما زال الله جل وعلا يزيح عنهم على لسان النبي صلى الله عليه وسلم الشرك بالأصنام.

    الاحتمال الثاني: أنهم يجعلون ذات الأنواط ليطلبوا منها البركة، وهذا مرفوض؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم معهم وبين لهم أن السؤال لا يكون إلا لله جل في علاه.

    الاحتمال الثالث: أنهم ما علقوا هذه السيوف إلا التماساً للبركة، كأن الله جل في علاه سيبارك لهم في سيوفهم أو في رحلتهم هذه عندما يعلقون السيوف على هذه الشجرة؛ ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الله أكبر! قلتم مثل ما قالت بنو إسرائيل لموسى: اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ [الأعراف:138]).

    والراجح الصحيح في هذه القصة: أن هذا من الشرك الأصغر وليس من الشرك الأكبر؛ لأنهم لم يعتقدوا في ذات أنواط ولم يطلبوا منها البركة، لكن جعلوها وسيلة، فاتخذوا سبباً لم يشرعه الله فوقعوا في الشرك الأصغر؛ لأنه وسيلة إلى الشرك الأكبر، وغلظ لهم النبي صلى الله عليه وسلم القول لأنهم على شفير هلكة، فهم على أبواب الشرك الأكبر فحذرهم؛ لأن وسائل الشرك الأكبر تصل من الأصغر إلى الأكبر، والقاعدة عند العلماء:

    أن الوسائل لها أحكام المقاصد.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.