إسلام ويب

مسائل خالف فيها رسول الله أهل الجاهلية - السحر [1]للشيخ : محمد حسن عبد الغفار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • السحر من الأمور الثابتة بالشرع والعرف، وهو إما سحر حقيقي يكون باستخدام الشيطان، وهذا له حقيقة وتأثير على الصحيح الراجح، وهذا النوع كفر، وإما أن يكون شعبذة ودجلاً وخدعاً للناس بخفة اليد، وهذا النوع لا يكون كفراً على الراجح من أقوال العلماء إلا إذا استحله فاعله، ولم ينكر السحر إلا شرذمة ممن لم يسلِّم لا للعقل ولا للنقل.

    1.   

    فضل صيام الست من شوال

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    ثم أما بعد:

    تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال، وثبتنا وإياكم على الصالحات من الأعمال، وغفر لنا الكثير من الزلات، ومنحنا الكثير من الحسنات.

    يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من صام رمضان ثم أتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر).

    فعلينا أن نحرص على صيام الست من شوال بعد رمضان، فهذه بشارات خير لقبول الأعمال، قال العلماء: التتابع في الطاعات يدل على قبول الأعمال، فإن الطاعة تنادي على أختها.

    ولا يشترط في صيام الست التتابع وإن كان ذلك مستحباً، فيمكن للإنسان أن يفرقها على الإثنين والخميس؛ لأن الست من شوال مطلقة.

    وهل قاعدة الاندراج تدخل في هذه المسألة أم لا؟

    وقاعدة الاندراج هي: أن ندرج الأدنى تحت الأعلى، أي: أن تتعبد لله بعمل واحد بنيتين، فتجمع نيتين في عمل واحد، ومن شروطها وقيودها اندراج عبادة مطلقة مع أخرى مطلقة، لا مطلقة مع مقيدة، فإن المقيد لا يندرج تحت المطلق، ولذلك فالفريضة لا يصح أن تدرج تحتها سنة أو نافلة؛ لأنها مقصودة بذاتها، وكذلك النوافل الرواتب، فالشيء المقصود لذاته لا يندرج تحت شيء آخر.

    وبالنسبة للإثنين والخميس هل صومهما مقصود لذاته؟ لا، وصيام الست هل هو مقصود لذاته؟ لا، إذاً يصح أن تصوم يوم الإثنين والخميس بنيتين، فتصوم الإثنين على أنه يوم من الست من شوال، وعلى أنه اليوم الذي ترفع فيه الأعمال إلى الله، فهذا معنى الاندراج.

    فإن قيل هل يصح الوصال في الصيام؟

    فالجواب: الوصال في الصيام على قول الجمهور لا يصح.

    1.   

    السحر

    إن المسائل التي خالف فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الجاهلية من الأفعال والأقوال الباطنة كثيرة، وقد تكلمنا عن الطيرة والعيافة وغيرها، واليوم سنتكلم عن مسألة خطيرة جداً وهي مسألة السحر، وهذه المسألة من المعتقدات التي اعتقدها أهل الجاهلية وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بنبذها وبترها وقطعها، فقد كان أهل الجاهلية يعظمون السحرة ويعتقدون فيهم الولاية، وكانوا يقولون عن الأفعال وخوارق العادات التي تحدث على أيديهم أنها من كرامات الله جل في علاه، وتعظيمه لهؤلاء، ولذلك كانوا يقفون على أبوابهم، ويعطونهم الجوائز والعطايا، بل ويسألونهم الحاجات التي لا تسأل إلا من الله، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم لنبذ هذه الاعتقادات والمعتقدات الباطلة كما سنبين في الشرح.

    وإذا نظرنا بدقة إلى هذا العصر فسنجد أن جاهلية هذا العصر في مسألة الاعتقاد في السحرة أشد من اعتقاد أهل الجاهلية قبل نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، فنجد أن السحرة والكهنة يتوافد الناس إليهم ويجعلون لهم العطايا والأموال، ويسألونهم الحاجات، وتفريج الكربات، بل إن كل مسحور يرى أن نجاته وفلاحه وعلاجه لا يوجد إلا عند هذا الساحر الكاهن.

    وهذه العادات منتشرة جداً وشائعة في البلاد الإسلامية التي ينتشر فيها العلم، وخصوصاً ما يحدث للمتزوج الذي هو في أول زواجه فيربط عن أهله إما بحسد قريب، وإما بسحر، والسحر له حقيقة، فالذي يربط عن زوجه يرى أن هذا سحر، ولا يحل السحر إلا بسحر، فيذهب إلى الساحر أو إلى الكاهن ويعتقد فيه ما لا يعتقد إلا في الله، فهذه المعتقدات الباطلة جاء الشرع ببترها وذمها.

    الأدلة على ذم السحر وأنه من عمل الجاهلية

    والأدلة على ذم الاعتقادات الجاهلية التي نعيشها اليوم كثيرة منها قول الله تعالى في كتابه الكريم: وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا )[البقرة:102] ما العلة؟ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ [البقرة:102]، فالمعلم يكفر لأنه يعلم السحر فما بالك بالمتعلم!

    وأيضاً: قول الله تعالى: وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ [البقرة:102] وهذا ذم لهذه الأفعال والمعتقدات.

    وأيضاً: قال الله تعالى: وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى [طه:69] .

    وقال الله تعالى: وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ [يونس:77].

    وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (اجتنبوا السبع الموبقات، ثم ذكر منها بعد الإشراك بالله: السحر) فجعله من المهلكات والموبقات والكبائر، فهذه أدلة تدل على ذم هذا المعتقد، وتدل على ذم هذا الكاهن.

    فمن يتعاطى هذا الفعل فقد رجع إلى الجاهلية الأولى، وعليه أن يستنير بضوء شرع الله تعالى.

    والكلام على السحر في أربع نقاط:

    أولاً: عن معرفة السحر، والفرق بين تعاطي السحر والكرامة والمعجزة؛ لأنهم كانوا يعتقدون أن السحرة هم من الأولياء، وأن ما يتعاطونه كرامات لهم.

    ثانياً: حكم السحر وحكم الساحر.

    ثالثاً: حد السحر.

    رابعاً: علاج المسحور، وهل يعالج بالسحر، يعني: هل يجوز حل السحر بالسحر وهي تسمى في اصطلاح الشرع: بالنشرة وهل النشرة صحيحة أم لا؟

    والنقطة الرابعة مهمة جداً: وقد وقع السحر على النبي صلى الله عليه وسلم فهل هذا الحديث صحيح أم لا؟ لا سيما وأن بعض أهل السنة والجماعة قد ضعفوا الحديث وهو في مسلم .

    والأمر الثاني: هل سحر النبي صلى الله عليه وسلم يقدح في نبوة النبي صلى الله عليه وسلم أم لا؟

    نقاط الاتفاق بين المعجزة والكرامة والسحر ونقاط الافتراق

    إن السحر والمعجزة والكرامة تتفق في أنها في خوارق العادات، فالسحر خارق للعادة، والمعجزة خارقة للعادة، والكرامة خارقة للعادة.

    فالساحر يفعل أفعالاً تكون خارقة أمام الناس للعادات، كأن يطير في الهواء، أو يمشي على الماء، أو يدخل النار ولا يحترق، وهذا واقع نعيشه، فإن غلاة الصوفية يفعلون ذلك، بل إنهم يشربون السم ولا يموتون، وترى أحدهم يمر بالسيف على فمه من الشق الأيمن حتى يخرج من الشق الأيسر ولا يموت، فهذه أفعال خارقة للعادة.

    والمعجزة أيضاً خارقة للعادة، فموسى عليه الصلاة والسلام أخذ العصا أمام فرعون وألقاها فانقلبت إلى حية، فهذه معجزة من المعجزات، وأخرج يده من جيبه بيضاء للناظرين، وكذلك إبراء الأكمه والأبرص، وإحياء الموتى، فكل هذه معجزات لعيسى عليه الصلاة والسلام.

    والكرامة أيضاً خارقة للعادة: فـأبو مسلم الخولاني رضي الله عنه وأرضاه دخل النار وخرج عندما قال له الأسود العنسي الكذاب: تؤمن بأن محمداً نبياً صلى الله عليه وسلم؟ قال: أؤمن به نبياً، قال: تؤمن أني نبي؟ قال: لا أسمع، فأخذه فقطع أذنه وهو يقول لا أسمع، ثم ألقاه في النار فلم يحترق، فلما علم عمر رضي الله عنه وأرضاه به قال: الحمد لله الذي جعل في أمة محمد من حدث له مثل ما حدث لإبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام.

    والنعمان بن مقرن كان مستجاب الدعوة، فإنه قال: اللهم وِّلنا ظهورهم، وانصرنا عليهم، واجعلني أول شهيد، فكتب الله لهم النصر وجعله أول شهيد، وهذه من الكرامات.

    وأيضاً سعد بن أبي وقاص فإنه لما قام الرجل رياءً وسمعة يقول: هذا لا يقسم بالسوية، ولا يعدل في القضية إلى أن قال: ولا يحسن أن يصلي، نظر إليه سعد بن أبي وقاص وقال: اللهم إن كان هذا قام رياء وسمعة اللهم أطل عمره، وأعم بصره، وعرضه للفتن، فكان حاجبه قد سقط على عينيه تسع سنوات أو ثمان سنوات وهو يغمز للجواري في السكك، ويقول: شيخ مفتون أصابته دعوة سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه. فهذه من الكرامات.

    إذاً: فالسحر والكرامة والمعجزة تتفق في خوارق العادات.

    وتفترق بأن صاحب السحر كذاب أفاك أثيم شيطان رجيم، يتحدى بما فعل ويدعي النبوة، ثم يرتقي فيدعي الربوبية، وأشهر الدجاجلة هو المسيح الدجال ، فهو سيأتي للخربة ويقول: أخرجي كنوزك فتخرج، وينظر إلى السماء فيقول: أمطري فتمطر، ثم بعد ذلك يدعي النبوة، ثم يرتقي فيدعي الربوبية، وسيشق الرجل نصفين ثم يقول له: قم فيقوم الرجل متهللاً فرحاً يقول: والله ما ازددت فيك إلا بصيرة، فأنت الدجال الذي أخبرنا عنك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقول الدجال : تؤمن أني ربك؟ فيقول: لا أؤمن، ثم يريد أن يقتله مرة ثانية فلا يسلط عليه.

    وأما النبي فهو يتحدى بهذه المعجزة ولا يتحدى من عند نفسه، لكن يتحدى بوحي وأمر من الله جل في علاه؛ لتبيين صدق نبوته، فهو يقول: هذه من عند الله ويتحداهم أن يأتوا بمثلها، وأشهر معجزة لرسول الله صلى الله عليه وسلم هذا القرآن، فهو معجزة خالدة إلى يوم القيامة، قال الله تعالى: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [يونس:38][البقرة:23]، فهذا تحدٍ.

    إذاً: فالسحر فيه تحدٍّ والمعجزة فيها تحدٍّ، ويفترقان في أن هذا تحد بالباطل وهذا تحد بالحق لإظهار النبوة.

    وأما الكرامة فلا تحدي فيها، فهذا هو الفارق، فالكرامة التي تحدث للأولياء الصالحين الصادقين لا يتحدى صاحبها أحداً، ولا يدعي أنها من النبوة ولا من الرسالة أبداً.

    تعريف السحر لغة وشرعاً

    السحر في اللغة: كل ما خفي ودق ولطف، ولذلك سمي السحر سحراً؛ لأنه خفيٌّ في آخر الليل.

    وشرعاً: هو رُقى وعقد تحدث من المرء بالاستعانة بالشياطين، وجملة (بالاستعانة بالشياطين) مهمة جداً، ولذلك قال الله تعالى: وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ [الفلق:4] فإن الساحر يأخذ العقدة وينفث فيها فتلتقي روحه الخبيثة مع روح الشيطان، فيؤثران في المسحور بإذن الله: وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ [البقرة:102].

    ففيها استعانة بالشيطان.

    أنواع السحر

    السحر نوعان:

    سحر يكون بالاستعانة بالشياطين، وهذا فيه خوارق عادات مذهلة لا يستطيع أحد أن يتصورها، وفيها قلب للحقائق، وأبو حنيفة يرى أن السحر غير حقيقي وأنه تخييل فقط، والأئمة الثلاثة -وهذا الراجح الصحيح- يرون أن فيه قلباً للحقائق، وفيه تأثيراً حقيقياً؛ لأن الله أثبت له التأثير، قال تعالى: وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ [البقرة:102]، فمعنى ذلك أنهم يضرون لكن بإذن الله جل في علاه.

    وهذه التقسيمات مهمة جداً؛ لأننا بهذا التأصيل سنبين حكم السحر وحكم الساحر.

    النوع الثاني من السحر هو استخدام العقاقير الطبية والأدوية، وسحر الأعين وخفة اليد.

    والأغلظ هو النوع الأول؛ لأن فيه استخداماً للشيطان، ولا يمكن استخدام الشيطان والتمتع به إلا بعد أن تقدم له القرابين.

    وأما النوع الثاني فلا يتعلق بالشياطين، وإنما يتعلق بخفة اليد وسحر الأعين، كما قال الله تعالى حكاية عن موسى أنه قال لهم: قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ [الأعراف:116] يعني: سحراً عظيماً من التخييل الذي أصبح حقيقة في أعين الناس.

    والنوع الثاني مشهور جداً في عصرنا هذا، وهو ما يسمى بعالم السرك، والرعاع والهمج يضيعون أوقاتهم أمام هؤلاء السفهاء ويقفون في ساحة السرك في سهرة نادٍ خاص بهؤلاء السحرة، فيأتون فيه بخفة اليد وخفة الأفعال، ويضحكون على عقول الناس، ويستخفون بأعينهم.

    حكم تعلم السحر بنوعيه

    إذا عرفنا السحر وبينا أنه شيء خفي فإن حكم السحر على العموم هو الكفر، والأدلة على ذلك مجملة في كتاب الله وفي سنة النبي صلى الله عليه وسلم.

    أولاً: الأدلة من كتاب الله التي تثبت أن السحر كفر.

    قال الله تعالى: وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ [البقرة:102].

    وقال الله تعالى: قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ [يونس:77].

    وقال جل في علاه: وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى [طه:69].

    ثانياً: الأدلة من سنة النبي صلى الله عليه وسلم.

    قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اجتنبوا السبع الموبقات، وذكر منها السحر).

    ووجه الدلالة من قوله تعالى: وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى [طه:69] هو أن الفلاح مرتبط بالمؤمنين، فإذا نفى الله الفلاح عن أحد دل على أنه ليس من المؤمنين، والدليل على أن الفلاح مرتبط بالمؤمنين والثبور والهلاك مرتبط بالكافرين قوله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ [المؤمنون:1]، وقوله: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى [الأعلى:14]، وقوله جل وعلا: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ [البقرة:3] إلى قوله: أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [البقرة:5] فقد ربط الفلاح بالإيمان.

    وقوله عن الكافرين: لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا [الفرقان:14]، وقوله: وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا [النبأ:40]، وقوله: إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ [المؤمنون:117].

    ولما نفى الله سبحانه وتعالى الفلاح عن الساحر بقوله: وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى [طه:69] دل ذلك على أن له الهلاك، فهو من الكافرين.

    ووجه الدلالة من قوله تعالى: وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا .. [البقرة:102] على أن السحر كفر هو أن الله كفر الشياطين، والعلة: أنهم يعلمون الناس السحر.

    وأيضاً ذكر الله عنهم أنهم يقولون لمن أراد أن يتعلم السحر: فَلا تَكْفُرْ أي: إذا تعلمت السحر فإنك ستكفر، وفي هذا تصريح بأن السحر كفر.

    وأيضاً قال الله عن الذي يتعاطى السحر: مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ [البقرة:102] أي: ليس له نصيب في الآخرة، والذي ليس له نصيب من الخير في الآخرة هو الكافر، فهذه دلالة على أن السحر كفر.

    وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (اجتنبوا السبع الموبقات: الإشراك بالله، والسحر)، وهذه دلالة اقتران، ودلالة الاقتران ضعيفة لكن القرائن المحتفة أثبتت صحتها؛ لأن الأدلة من الكتاب والسنة أثبتت كفره. إذاً: فالسحر حكمه الكفر.

    لكن هل هو كفر أكبر أم كفر أصغر؟ نرجع إلى التأصيل الذي أصلناه في أن السحر نوعان:

    سحر يُستخدم فيه الشياطين، وسحر يستخدم فيه خفة اليد، فالسحر الذي يستخدم فيه الشياطين كفر أكبر مخرج من الملة؛ لأن الشيطان لا يمكن أن يمتع ابن آدم في أن يخرق له العادات إلا إذا قدم له القرابين، والدليل على ذلك قول الله تعالى: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا [الأنعام:128] فاستمتاع الإنسي بالجني أن يجعل له خوارق العادات، واستمتاع الجني بالإنسي أن يقرب له قرابين كأن يذبح له من دون الله جل في علاه، أو ينذر له، أو يسجد له، أو يهين المصحف، وهذا موجود ومشاهد بين السحرة، فهم يكفرون بالله بهذه الأفعال الخبيثة.

    إذاً: فهذا النوع كفر أكبر مخرج من الملة بإجماع الأئمة الأربعة: أحمد والشافعي ومالك وأبي حنيفة .

    وأما النوع الثاني: وهو نوع التخييل وسحر الأعين؛ فهذا كفر دون كفر وليس بكفر أكبر على قول الشافعي .

    وأما الأئمة الثلاثة أحمد ومالك وأبي حنيفة فقد قالوا: بأنه يكفر كفراً مخرجاً من الملة؛ لأن الآيات أثبتت عموم كفر الساحر، فإن الله كفر من يخيل ويسحر العين.

    قال الله عن سحرة فرعون: سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ [الأعراف:116]، ومع ذلك كفرهم الله سبحانه وتعالى.

    وقال الله جل وعلا لموسى: وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى [طه:69]، وهذه واقعة عين، فهو يتكلم عنهم ثم عن كفرهم بالله سبحانه وتعالى، ثم إيمانهم بعد ذلك، فقالوا: وهذا على العموم.

    وأما الشافعية فيقولون: إذا كان السحر الذي يستخدمه الساحر سحر تخييل وسحر أعين وليس فيه استخدام للشيطان فإنه ليس بكفر، ولا يكفر صاحبه؛ لأنه لم يأت بكفر إلا أن يكون قد استحل، فإن استحل فهو كافر، وهذا أمر متفق عليه.

    وأجابوا عن هذه الآية التي كفر الله فيها سحرة فرعون مع أنهم سحروا أعين الناس، بأن هؤلاء السحرة أصالة كانوا يكفرون بالله، ويؤمنون بربوبية فرعون: وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ [الشعراء:44] فكفرهم أصلي، لكن المسلم إذا استخدم سحر الأعين لا يكفر بذلك كفراً يخرجه من الملة، والصحيح الراجح التفريق الذي فرقه الشافعي خلافاً للأئمة الثلاثة وهو أن السحر نوعان:

    سحر يستخدم صاحبه الشياطين، فهذا كفر يخرج من الملة.

    وأما الآخر الذي يستخدم فيه خفة اليد أو سحر الأعين فهذا لا يكفر، ويكون على شفير هلكة، وهو كفر دون كفر؛ لأنه ذريعة إلى الكفر الأكبر.

    حكم الساحر

    حكم الساحر يتفرع عن النوعين السابقين، فإن كان يستخدم الشياطين فهو كافر كفراً أكبر مخرج من الملة، وإن مات على ذلك كان خالداً مخلداً في نار جهنم.

    وأما إذا كان يستخدم السحر الذي هو التخييل وسحر الأعين فلا يكفر بذلك، لكنه على شفير هلكة وفاعل لكبيرة، فيقتل عليها حداً كما سنبين.

    حد الساحر

    قال العلماء: حد الساحر القتل، والأدلة على ذلك من السنة: عن جندب رضي الله عنه وأرضاه مرفوعاً عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (حد الساحر ضربة بسيف).

    وفي هذا تصريح على أن حد الساحر أن يضرب بالسيف، أي: تقطع رقبته، وهذا الحديث ضعيف لا يصح مرفوعاً، لكنه يصح موقوفاً على جندب رضي الله عنه وأرضاه.

    وورد بسند صحيح وأصله في الصحيح عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أنه بعث في الأمصار وقال: اقتلوا كل ساحر، فقتلوا ثلاث سواحر على عهد عمر رضي الله عنه.

    وأيضاً: ورد بسند صحيح عن حفصة : أن جارية لها سحرتها فقتلتها حفصة بمرأى ومسمع من الصحابة، ولم ينكر أحد.

    فدلت هذه الآثار على أن حد الساحر القتل، وهذا يعتبر إجماعاً سكوتياً؛ لأن عمر لما بعث إلى الأمصار بقتل السحر لم يعارضه أو ينكر عليه أحد، فهو إجماع سكوتي.

    وهناك قصة شهيرة جداً تثبت حد الساحر: وهي أن جندباً الأزدي دخل على الوليد بن عقبة وكان أميراً عليهم، فرآه مع الحاشية وأمامه ساحر يلعب برأس رجل، وهذا الساحر يبدو أنه كان يستعمل الجن، فأخذ الساحر يقطع رأس الرجل فيتدحرج أمام الناس، ثم يأخذه فيرده مكانه فيحيا الرجل، فلما رآه جندب قرأ قول الله جل في علاه: (( وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ ))[البقرة:102] ثم استل سيفه فقطع رقبة الساحر، ثم قال له: أحي نفسك الآن، وأنى له ذلك، فعاقبه الوليد وسجنه.

    فلما أخبر سلمان بذلك قال: أصاب جندب وأخطأ، فأخطأ في أنه تعدى على ولي الأمر؛ لأن ولي الأمر هو الذي بيده التعزير وإقامة الحدود، وأصاب في أن حد الساحر ضربة بالسيف.

    إذاً: فحد الساحر القتل، وهو على نوعين: قتل ردة وقتل حد.

    وقد ذكرنا أن السحر نوعان:

    كفر يخرج من الملة، وكفر دون كفر.

    والساحر نوعان:

    ساحر كافر يخرج من الملة، وساحر لا يخرج من الملة.

    وقتل الردة يعني: أنه يقتل كفراً، فهذا مآله إلى نار جهنم خالداً مخلداً فيها لا يخرج منها أبداً، لأنه مات كافراً مرتداً.

    وأما قتل الحد فإنه يعني: أن هذا حد يكفر الله به عنه هذه السيئة أو هذه الجريمة كحد الزنا، فإن المحصن الزاني إذا رجم حتى الموت لا يسأل أبداً يوم القيامة عن هذا الذنب؛ لأنه قد طهر بالرجم، كما قالت المرأة: طهرني يا رسول الله! فقال: (لقد تابت توبة لو وزعت على أهل المدينة لوسعتهم) فالقتل حداً يكفر عنه هذه المعصية.

    فالذي يستخدم الشياطين يقتل ردة، والذي لا يستخدم الشياطين يقتل حداً.

    استتابة الساحر وحكم توبته

    لو أن رجلاً كان يتعلم السحر من الشياطين، ويتعاطى السحر باستخدام الشياطين، فتاب إلى ربه هل تقبل توبته أو لا تقبل؟ اختلف العلماء في ذلك على أقوال:

    القول الأول: لا تقبل توبته، وهذا ظاهر فعل الصحابة رضوان الله عليهم، فإن عمر بن الخطاب أمر بقتل السواحر فقتل ثلاث سواحر.

    وأيضاً: قتلت حفصة الجارية التي سحرتها دون أن تستتيبها، وهذا هو الذي عليه الأئمة الثلاثة: الإمام أحمد والإمام مالك والإمام أبي حنيفة ، فقالوا: إن قتل الساحر من منع الفساد المستشري في الأرض؛ لأن فساد السحر فساد عام على هذه الأمة فلا بد من قطع وبتر هذا الفساد دون استتابة، وهذا فعل الصحابة.

    القول الثاني: قول الشافعية وهو رواية عن أحمد أنه يستتاب، وهذا هو مقصود الشرع.

    القول الثالث: هو قول لـمالك : فرَّقَ فيه بين أن يتوب بعد أن يقدر عليه وقبل أن يقدر عليه، فإن تاب بعد أن نقدر عليه فإنه لا يستتاب بل يقتل، وأما إذا تاب قبل أن نقدر عليه قبلت توبته ولا يقام عليه الحد.

    وثمر الخلاف هي: أنه إذا تاب قبلت منه التوبة وأسقط عنه القتل وهذا قول الشافعي ، وإن لم يتب فإنه يقتل على قول الأئمة الثلاثة.

    والصحيح الراجح في ذلك، والذي يدل عليه التأصيل العلمي: هو أنه يستتاب؛ لأن الشرع يتشوف لإسلام الكافر، فإن الله سبحانه وتعالى ما أنزل الكتب إلا لدعوة الكافرين للدخول في الإسلام.

    وأما النظر فيقضي بأن يرجع الأمر لولي الأمر، وولي الأمر ينظر المصلحة في ذلك، فإن كان الساحر يعرف عنه الزندقة وأنه سيفسد في الأرض أكثر مما يصلح فإنه يقتله بلا استتابة.

    وأما إذا علم صدق نية الساحر، وعلم أنه لن يفسد في الأرض بعد ذلك ففتح باب التوبة أولى له، وهذا هو الراجح الصحيح.

    والدليل على أن من استخدم الشياطين فإنه يقتل ردة قول النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين: (من بدل دينه فافتلوه).

    وأما دليل على أن من لم يستخدم الشياطين فإنه يقتل حداً قول الله سبحانه وتعالى: إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا [المائدة:33].

    فهو بهذا الدليل يقتل حداً؛ تعظيماً لفعل الصحابة رضوان الله عليهم.