إسلام ويب

شرح متن أبي شجاع- نواقض الوضوءللشيخ : محمد حسن عبد الغفار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • بين الفقهاء النواقض التي تنقض الوضوء، والتي استقوها من كتاب الله وسنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وهذه الأمور من العلم الذي لابد لكل مسلم أن يعلمه؛ لأنه يمس أعظم العبادات وأشرفها وهي الصلاة.

    1.   

    نواقض الوضوء

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله, وأحسن الهدي هدي النبي صلى الله عليه وسلم, وشر الأمور محدثاتها, وكل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة, وكل ضلالة في النار.

    ثم أما بعد:

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [فصل في نواقض الوضوء].

    نواقض الوضوء هي: الأحداث التي تنقض الوضوء، والمعنى: أن المرء إذا توضأ استباح الصلاة وصحت صلاته بهذا الوضوء، إلا إذا انتقض وضوءه.

    وكأن المصنف قال: انتبه فقد بينت لك آداب قضاء الحاجة بعد الوضوء إشارة إلى أنها ليست بشرط في صحة الوضوء، وأقول لك بعد ذلك: إن صح وضوءك فتجنب الأحداث التي ينتقض بها وضوءك، وعليك أن تحافظ على وضوئك كما يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن)، والحفاظ على الوضوء لا يكون إلا بتجنب الأحداث التي ينتقض بها الوضوء، وفي المذهب خمس نواقص:

    الأول: كل خارج من السبيلين.

    الثاني: زوال العقل.

    الثالث: النوم.

    الرابع: لمس المرأة الأجنبية وهذا قليل.

    الخامس: مس الفرج.

    ويقصد بالفرج: القبل والدبر كما سنبين.

    1.   

    الناقض الأول: الخارج من السبيلين

    وهو كل ما خرج من القبل والدبر، وإذا قلنا السبيلين فهو على الغالب؛ لأن المرأة لها ثلاث مخارج، والرجل له مخرجان القبل والدبر، والمرأة في القبل لها مخرجان ومخرج الدبر، وفي هذا دلالة على التغليظ.

    والذي يخرج من السبيلين على قسمين:

    القسم الأول: غالب.

    والقسم الثاني: نادر.

    مع أن النادر لا حكم له، لكن سنبين ونفصل في هذا، أما الذي يكون غالباً فهو: البول والغائط والودي والمذي والريح والمني والحيض.

    أما النادر: فكالحصى، والدود، والدماء التي ليست دماء الحيض، والتأصيل في المذهب: أنهم ينظرون في الغالب للمخرج لا للخارج، أما الحنابلة فينتقض عندهم الوضوء بالخارج لا بالمخرج، يعني: أي شيء نص الشرع على أنه ينقض حتى لو خرج من الأذن فإنه ينتقض به الوضوء، ولو خرج من الاحتجام بالحجامة فإنه ينتقض به الوضوء.

    وقد بينا أكثر من مرة: أن أحمد يرى أن الرعاف ينقض الوضوء، فإن الدم إذا خرج من الأنف أو الفم انتقض به الوضوء، والتأصيل الصحيح في المذهب هو: النظر إلى المخرج لا للخارج.

    فالذي جعل الشافعية يقرروا بأن المخرج هو المتحكم أو هو الفصل المؤثر هو حديث: (إن الله لا يقبل صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ)، قالوا: والحدث فسره أبو هريرة بأنه: الريح أو قال: فساء أو ضراط، والريح طاهر، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (حتى يتوضأ) ولم يقل: حتى يستنجي ثم يتوضأ، ولما احتاج النبي صلى الله عليه وسلم أن يأمر في مسألة المذي بالاستنجاء قال: (اغسل ذكرك وتوضأ)، فأمره بالاستنجاء، فلو كان الريح كالمذي لقال: اغسل، أو قال: استنج ثم توضأ، وهذه فيه دلالة واضحة على التفريق بين الريح وبين غيره، فالريح طاهر وليس بنجس، والمحل هو الذي جعله ناقضاً مما يدل على أن النظر للمخرج لا إلى الخارج، ولذلك إذا خرج الريح من السبيلين انتقض الوضوء به، وإذا خرج من غير السبيلين كالتجشؤ مثلاً فإنه لا ينتقض به الوضوء.

    البول والغائط

    والذي يخرج من السبيلين: بول وغائط، فيكون البول والغائط من نواقض الوضوء، قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ [المائدة:6]، وهذا دليل على أن الغائط من نواقض الوضوء، والحديث الصحيح في السنن عن صفوان رضي الله عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسله فقال: (أمرنا صلى الله عليه وسلم ألا ننزع خفافنا إلا من جنابة، لكن من بول أو غائط أو نوم)، فقد عدد قائلاً: لكن من بول أو غائط أو نوم، يعني: أمرنا أن نتوضأ من ذلك، فالدلالة هنا دلالة الاقتران.

    أيضاً: حديث المغيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما ذهب يقضي حاجته توارى عنه ثم قضى حاجته، فأتاه بالماء فتوضأ النبي صلى الله عليه وسلم وهي قصة مشهورة جداً في مسح الخفين ثم قال: (أهويت لأنزع الخفين فقال النبي صلى الله عليه وسلم: دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين)، فتوضأ النبي صلى الله عليه وسلم بعدما بال.

    وحديث أنس رضي الله عنه وأرضاه كان النبي صلى الله عليه وسلم يقضي حاجته فأخرج أنا وغلام معي العنزة، والعنزة: إما أن يركزها النبي صلى الله عليه وسلم ليستتر بها أو ليجعلها سترة بعد ذلك في الصلاة، قال: ومعي إداوة من ماء فيتوضأ النبي صلى الله عليه وسلم.

    فهذه أدلة تثبت لنا أن البول والغائط من النواقض، فمن انتقض وضوءه فعليه أن يتوضأ إن كان من بول أو من غائط.

    الريح

    الثاني: الريح، وهذا مما يخرج من السبيلين، فالريح ينتقض الوضوء به، وهذا له أدلة كثيرة من القول والفعل.

    أما من القول: فهي أحاديث نبوية كقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله لا يقبل صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ)، فهذا أصح الأدلة على أن الحدث هو: الريح، كما فسره أبو هريرة، وهو يستلزم الوضوء.

    وأيضاً: حديث عن أبي هريرة : (لا وضوء إلا من صوت أو ريح)، وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم عندما سئل إذا أشكلت ببطن الإنسان أشياء أخرج منه الريح أم لا؟

    فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا ينفتل عن صلاته حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً)، ووجه الدلالة: أن الإنسان يحرم عليه أن يخرج من الصلاة، فلما أمر النبي من سمع صوتاً أو شم ريحاً أن يخرج دل ذلك على أنه قد اختل شرط من هذه الشروط، وجاءت الأحاديث الأخرى التي بينت لنا أن اختلال شرط من شروط الوضوء هو انتقاض للوضوء.

    أما بالفعل: فإن عمر بن الخطاب خطب بالناس ثم قال: أيها الناس! إن الله لا يستحي من الحق، إني قد فسوت، ثم نزل من على المنبر فذهب وتوضأ ثم رجع فأكمل خطبته للناس.

    وهذه فيها دلالة: أن الصحابة استقر في نفوسهم أن الريح ينقض الوضوء.

    خروج المذي والودي والمني

    ومن الخارج من السبيلين أيضاً: المذي والمني، وهو: سائل أبيض ليس برقيق، ولا يتدفق، وهذا هو الفرق بينه وبين المني، فهو لا يتدفق لكن تلزمه الشهوة يعني: يخرج مع الشهوة، إما بالتفكير في الجماع، أو الملاطفة والمداعبة.

    ولنا في المذي أمران: الأمر الأول: غسل المحل، بل وغسل الثوب الذي يصيبه المذي؛ لأن المذي نجس، والدلالة على نجاسته أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالاستنجاء منه، بل أمر بغسله وغسل الموضع الذي يصيبه المذي.

    والأمر الثاني: أنه يستلزم الوضوء؛ لأنه ناقض للوضوء، قال علي بن أبي طالب كما في الصحيح: (كنت رجلاً مذاءً فاستحييت أن أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمرت المقداد فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أعد الوضوء)، وفي رواية قال: (اغسل ذكرك وتوضأ).

    في الرواية الثالثة: (اغسل ذكرك ومذاكيرك وتوضأ)، وفي رواية رابعة قال: (انضح فرجك)، أما النضح فلابد جمعاً بين الأدلة: أن يحمل على الغسل، أو الغسل بشدة في المياه؛ لأن هذه نجاسة لا تزول إلا بالمياه.

    وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (اغسل ذكرك ومذاكيرك)، حمله الحنابلة على وجوب غسل الخصيتين، والصحيح الراجح أنه لا يغسل إلا الموضع الذي أصابه المذي، كما في الصحيح قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اغسل ذكرك وتوضأ)، وقال ابن مسعود : (يغسل ذكره ويتوضأ).

    ومما يخرج من السبيلين وهو ناقض أيضاً: الودي، والودي: سائل لا يخرج بشهوة لكنه يخرج عقب البول، وهو نجس أيضاً ومنه الوضوء، والدلالة على ذلك ما رواه البيهقي في السنن عن ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهما: (سئل عن الودي فقال: منه الوضوء).

    ووجه الدلالة من هذا الأثر على وجوب الوضوء من خروج الودي: أنه قول لصحابيين ولم نجد لهما مخالفاً، فلذلك نقول: هذه الحجة، بل يمكن أن نرتقي ونقول: هذا يعتبر من الإجماع، فالسكوت من الإجماع.

    وأيضاً من النظر في المذهب: أن هذا قد خرج من السبيلين، وكل خارج من السبيلين فمنه الوضوء، وهذا على الغالب، وليس على النادر مثل الحصى، أو البول، ومثلوا له مثلاً إذا أدخل شيئاً في الإحليل أو أدخل في دبره شيئاً وأخرجه فهذا يعتبر ناقضاً للوضوء.

    فكل ما دخل وخرج من السبيلين فهو ناقض للوضوء، سواء كان نادراً أم كان غالباً، ومن ذلك: الدم، فإنه إذا خرج من الدبر فهو ناقض للوضوء وإذا خرج من غير الدبر فلا ينقض الوضوء، ومثلوا لذلك بالفرق بين الناسور والباسور: على أن الناسور يكون من داخل الدبر، فالدماء التي تخرج من السبيل هي التي تنقض الوضوء، وأما الباسور فهو من خارج الدبر فإذا خرج الدم منه فلا ينقض الوضوء؛ لأنه لم يخرج من السبيل.

    والدم كما قلت: إذا خرج من الأنف أو الفم أو اللثة أو الشفة أو الأذن فلا ينقض الوضوء، وأما عند الحنابلة فإنه ينقض الوضوء.

    حكم من انسد عليه أحد السبيلين

    وهنا مسألة مهمة وهي: إذا انسدَّ المخرج وخرج البول أو الغائط من غير المخرج بسبب مرض أو غيره فهل ينتقض الوضوء أم لا؟

    فنقول: إذا انسد المخرج فله حالتان: أن يفتح له مخرج آخر، وهذا المخرج إما أن يكون فوق المعدة، وإما أن يكون تحت المعدة، فإذا كان فوق المعدة وخرج منه قيح أو صديد أو أي شيء، فإنه لا ينقض الوضوء على الراجح؛ لأنه لم يتحلل إلى فضلات، وإن كان المخرج تحت المعدة، -فهو معروف في المستشفيات عند أصحاب غسل الكلى- إن كان تحت المعدة فإنه ينقض الوضوء على الراجح في المذهب؛ لأن الخارج من تحت المعدة قد تحول وحدث له التحلل.

    أما الدماء والقيح والصديد فقد فصلنا فيها القول، وقلنا: إذا خرجت من غير السبيلين فهي ليست بناقضة للوضوء، لكن أشكل علينا بعض العلماء الذين استدلوا بقول عائشة رضي الله عنها وأرضاها: (من أصابه رعاف أو قلس فليتوضأ)، فهذا الحديث ضعيف، ومن أشكل علينا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: (قاء فتوضأ)، فهذا الحديث مجرد فعل، ومجرد الفعل بحديث لا يستلزم الوجوب بل يستحب أن يتوضأ المرء منه.

    1.   

    الناقض الثاني: النوم

    الصحيح الراجح والدليل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينام ولا يتوضأ، ولو كان حدثاً لقام وتوضأ النبي صلى الله عليه وسلم.

    والحديث الصحيح عن ابن عباس (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا نام نفخ وقام فصلى ولم يتوضأ)، وفي هذا دلالة واضحة على أن النوم أصالة ليس بحدث، لكنه مظنة الحدث، والقاعدة عند علمائنا تقول: إن لم يستطع المرء أن يصل إلى اليقين فعليه أن ينزل غلبة الظن منزلة اليقين.

    الشروط التي تجعل النوم ناقضاً

    وحتى نقول بأن النوم ناقض للوضوء فلابد أن نشترط شرطين: الشرط الأول: وصف النوم بأن يكون مستغرقاً، فالإخفاق والإغفاء لا ينقض الوضوء، والدلالة على ذلك ما جاء في الأثر: كان الصحابة يجلسون تخفق رؤوسهم ثم يصلون ولا يتوضئون.

    كذلك الحديث الصحيح في السنن عن ابن عباس لما صلى خلف النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كانت تصيبه الإغفاءة)، أي: من طول القراءة، قال: (فكان النبي صلى الله عليه وسلم يأخذ بشحمة أذني فأنتبه).

    ففيه دلالة: على أن الإغفاءة أو الإخفاقة البسيطة لا تؤثر؛ لأن النوم نفسه ليس بناقض للوضوء، ويؤخذ من ذلك: لو أن رجلاً اضطجع وأغمض عينيه، ثم جلس يسرح فيما يتمناه، لكنه يسمع كلام الناس من حوله، ويسمع صوت الأقدام تسير من حوله، لكن الانتباه ليس كاملاً وتأخذه السنة وهو مضطجع، فهذا لا ينتقض وضوءه؛ إذ لابد من الاستغراق.

    والشرط الثاني: هيئة النوم، فإذا اضطجع انتقض الوضوء، وإذا كان راكعاً انتقض الوضوء، وإن كان ساجداً انتقض الوضوء، وهيئة واحدة لا ينتقض معها الوضوء وهو أن يجلس ممكن المقعدة.

    والدليل على ذلك ظاهر من حديث أنس رضي الله عنه وأرضاه أنه قال: (كان الصحابة يجلسون ينتظرون العشاء مع النبي صلى الله عليه وسلم ينامون تخفق رؤوسهم)، وهذا الوصف لا يكون إلا بالجلوس الممكن للمقعدة.

    الأدلة على نقض الوضوء بالنوم

    أما من الكتاب: قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا [المائدة:6] والآية مطلقة، فالمقصود إذا قمتم من النوم أو من الجلوس أو من الأعمال وقد ذكر أهل التفسير أن هذه الآية نزلت عندما تأخرت عائشة في البحث عن العقد، وكانوا في سفر وما كان معهم ماء، عندما ناموا واستيقظوا الفجر وليس معهم ماء واحتاروا ماذا يفعلون، فأنزل الله جل وعلا هذه الآية الكريمة إلى قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا [المائدة:6].

    فيكون التقدير: إذا قمتم من النوم فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق، فهذا يدل على أن النوم ناقض للوضوء من الكتاب إشارة، أما تصريحاً فقد جاء الحديث عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه أنه قال: (العين وكاء السه فمن نام فليتوضأ).

    ويعني بالسه: الدبر، فكأن العين هي الحافظة للدبر، وأيضاً حديث صفوان بن عباس رضي الله عنه وأرضاه: (أمرنا ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن -يعني في السفر- إلا من جنابة، لكن من بول أو غائط أو نوم ..)، ووجه الدلالة من هذا الحديث: هي دلالة الاقتران، فهم يستدلون بدلالة الاقتران وإن كانت هذه الاقترانة ضعيفة، لكن هناك أدلة أخرى قوت هذا الكلام، ومعنى الاقتران: أنه كما قرن النوم مع البول والبول ناقض دل على أن النوم ناقض أيضاً.

    فهذه هي دلالة الاقتران، ودلت عليها الأحاديث الأخرى، فهم يستدلون بذلك على أن النوم ناقض من نواقض الوضوء، وهذه أدلة عامة، أما الأدلة التي تقيد وتبين لنا الوصف الذي ذكرناه فهو حديث ابن عباس : (أنه كانت تأتيه الإغفاءة وهو يصلي خلف النبي صلى الله عليه وسلم فيأخذ بشحمة أذنه فينتبه).

    والثاني: حديث أنس رضي الله عنه وأرضاه في الصحيحين: (أنهم كانوا ينتظرون النبي صلى الله عليه وسلم للصلاة فينامون حتى تخفق رءوسهم)، وخفقان الرأس لا يكون إلا من الجلوس الممكن للمقعدة.

    وهذا هو التأصيل في المذهب، بل هذا الذي تشتمل عليه كل الأدلة، والأقوال في النوم بلغت تسعة أقوال.

    1.   

    الناقض الثالث: زوال العقل

    حالات زوال العقل

    وزوال العقل له أحوال: فزوال العقل بالنوم يبطل الوضوء، كما قال الغزالي: النوم يبطل العقل، وزوال العقل بالجنون كذلك يبطل الوضوء، وزوال عقل بسكر وهذا يخفيه، والفرق بين زوال العقل بالنوم، وزوال العقل بالسكر هو أن النائم ينتبه إذا نبهته، وأما السكران إذا نبهته فلا ينتبه، وزوال العقل بالجنون ناقض من نواقض الوضوء بالإجماع، لكن الشافعي يوجب عليه الغسل أيضاً، فقد اختطب الإمام الشافعي وقال: قل من جن ولم يثبت، والنظر في ذلك إلى طبيب أو مختص أو إلى الغالب، فإن صح أن المجنون يخرج منه مني حكمنا عليه بوجوب الاغتسال بعد الإفاقة، وإن كان خلافه فليس عليه إلا الوضوء.

    الحالة الثانية: زوال العقل بالإغماء وهذا ناقض بالإجماع، كأن يغمى على رجل خمس دقائق أو ساعة أو ساعتين ثم يفيق، فنقول: انتقض وضوءك بهذا الإغماء.

    والمستند في الإجماع هنا: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان في مرض موته -بأبي هو وأمي- تأخذه الإغماءة فإذا أفاق أمر بماء فتوضأ، أو قل: فاغتسل حتى يقوم فيصلي.

    الثالث: زوال العقل بالسكر له أحوال، الحالة الأولى: أن يكون عقله حاضراً في بداية السكر، أي: أنك إذا نبهته تنبه، فهذا لا ينتقض وضوءه؛ لعدم وجود مظنة الحدث.

    أما من تعمق في السكر بحيث أنه لا ينتبه إذا نبه -وهذه حالة نهائية كما يقولون- فهذا ينتقض وضوءه بالسكر فعليه الوضوء.

    ووجهة نظر الفقهاء في انتقاض الوضوء بالسكر هي: أن زوال العقل مظنة الحدث، فهو لا ينتبه إذا خرج منه ريح، ولذلك أنزلوا مظنة الحدث منزلة الحدث وقالوا: بأن زوال العقل ناقض من النواقض.

    لمس المرأة من نواقض الوضوء

    ولكي يكون ناقضاً للوضوء لابد من شرطين:

    الشرط الأول: أن تكون البشرة على البشرة، يعني: لو مس المرأة بحائل لا ينتقض الوضوء، فلو مس على الشال أو الغترة لم ينتقض الوضوء، ولو مست المرأة من الرجل الأظافر لم ينتقض الوضوء.

    الشرط الثاني: ألا يكون محرماً لها، يعني: أن مس المحارم لا ينقض الوضوء، ولا ينتقض إلا إذا مس بشرة المرأة الأجنبية، وضابط المرأة الأجنبية هي: التي يحل نكاحها، كابنة خالته، أو ابنة عمته وغيرهما.

    واستدل الشافعي على أن لمس النساء ينقض الوضوء بقول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ [المائدة:6] إلى أن قال: أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ [المائدة:6]، والأصل في الملامسة: أن تباشر البشرة البشرة.

    أما تفسير حبر الأمة ابن عباس لقوله تعالى: أَوْ لامَسْتُمُ [النساء:43] بأن معناه: الجماع، فقد استدل الشافعي بذلك على ما دلت عليه اللغة.

    فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم في البيوع عن الملامسة، والملامسة باتفاق أهل العلم معناها: لمس النوع أو لمس السلعة، ومما يزيد الأمر إيضاحاً وجود قراءة متواترة في: لامَسْتُمُ وهي: (أو لمستم النساء) وهذا أوضح ما يكون.

    وفي الحديث الصحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (واليد تزني وزناها اللمس)، فقوله: (أو لمستم)، (وزنا اليد اللمس)، دلالة على أن البشرة تمس البشرة فهذا ينتقض به الوضوء.

    والحق أن هذه الأدلة من القوة بمكان، لولا أننا ندور مع الحديث حيث دار، والشافعي بعد أن قال هذا المذهب القوي علق القول على صحة حديث عروة وهو حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها أنها قالت: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل بعض نسائه ويذهب فيصلي ولا يتوضأ)، وهذه دلالة واضحة جداً على: أن اللمس حتى ولو بشهوة لا ينقض الوضوء؛ لأن القبلة مظنة الشهوة، فقال الشافعي : علماء الحديث لا يثبتون مثل هذا ولو ثبت لقلت به، فلي أن أزعم أن الشافعي يرى أن اللمس لا ينقض الوضوء؛ لأن الشافعي كما قال البيهقي : علق القول بأن اللمس لا ينقض الوضوء على صحة حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها.

    وهذا الحديث فيه معترك سهل بين المحدثين في مسألة إعلان البخاري مسألة اللقاء والمعاصرة، لكن الصحيح أن نقول: الهيثمي والحافظ ابن حجر وقبله النووي وأيضاً كثير من المحدثين صححوا الحديث، وآخرهم مفخرة المصريين الشيخ أحمد شاكر فقد صحح هذا الحديث.

    وهو: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل بعض نسائه ويخرج فيصلي ولا يتوضأ)، فهذا الحديث قاصم لظهر هذه الأدلة بأسرها، ويجعلنا نقول: إن اللمس لا ينقض الوضوء، وهو الراجح الصحيح، ومن قال: إن التقبيل بشهوة أو بغير شهوة ينقض فليس لهم ثمة دليل على ذلك.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وجزاكم الله خيراً.