إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ محمد حسن عبد الغفار
  3. شرح متن أبي شجاع - استعمال آلة السواك

شرح متن أبي شجاع - استعمال آلة السواكللشيخ : محمد حسن عبد الغفار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • السواك من سنن الفطرة، وقد حث النبي عليه الصلاة والسلام عليه، ويتأكد استحبابه عند القيام إلى الصلاة وعند القيام من النوم، وعند تغير الفم، وللسواك آداب ينبغي مراعاتها.

    1.   

    الحث على طلب العلم

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا[النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    ثم أما بعد:

    ففي الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تقوم الساعة حتى يرفع العلم ويظهر الجهل، وإن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور العلماء، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يَبْق عالم -وفي رواية: لم يُبْق عالماً- اتخذ الناس رءوساً جهالاً فسألوهم فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا)،وقد كان ابن عباس رضي الله عنه وأرضاه بحراً في العلوم والتفسير والفرائض، وكان يجل زيد بن ثابت رضي الله عنه وأرضاه، فقد وقف على قبر زيد وبكى كثيراً وقال: اليوم دفن علم كثير، ثم قال: أيها الناس! إن أردتم أن تعلموا كيف يذهب العلم، فهكذا يذهب العلم. بمعنى: أنه إذا مات العلماء ذهب العلم مع العلماء، لا سيما إذا لم يخلفوا بعدهم طلبة يأخذون العلم من أفواههم، ويجثون على الركب، ويصبرون على هذا العلم فينشرونه بين الناس، فإن الدنيا تؤذن بخراب إذا مات العلماء، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالماً ومتعلماً)، نسأل الله جل في علاه أن يجعلنا من الذين يعلمون ويعملون وينشرون دين الله جل في علاه في مشارق الأرض ومغاربها.

    والحرص على الطلب هو دأب السلف، فقد كان وكيع بن الجراح إذا نزل مكة تركوا كل المجالس حتى يذهبوا إلى مجلس وكيع ، حرصاً منهم على الطلب، وكانوا يعرفون للعلم عظمته، ويعرفون لمن يحمل العلم حقه، فكانوا يجلسون بهيبة ووقار وسكينة حتى يعظموا حديث النبي صلى الله عليه وسلم، فيرفع قدرهم عند الله جل في علاه، ويعظم العلم في أعين الناس.

    و عبد الرحمن بن مهدي له على الدنيا منة ليست بعدها منة؛ لأنه الذي طلب من الشافعي أن يكتب الرسالة، فكتب له هذه الرسالة الممتعة في أصول الفقه. وقد كان يجلس عبد الرحمن بن مهدي في مجلس التحديث فكان إذا سمع صوتاً قال: لا أحدثكم؛ تعظيماً لحديث النبي صلى الله عليه وسلم، وفي ذات مرة كان يحدث فوجد طالباً للعلم يكتب الحديث وهو يبتسم، فقال: تضحك وأنا أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ لا أحدثكم شهراً، وامتنع عن التحديث شهراً كاملاً حتى يعلم طلبة العلم كيف يعظمون حديث النبي صلى الله عليه وسلم، لأنهم إذا عظموه في قلوبهم عظم عند الناس.

    1.   

    فضل السواك

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فصل: والسواك مستحب في كل حال إلا بعد الزوال للصائم، وهو في ثلاثة مواضع أشد استحباباً: أولاً: عند تغيير الفم من أزم ونحوه، ثانياً: وعند القيام من النوم. ثالثاً وعند القيام إلى الصلاة ].

    السواك لغة: يطلق على الآلة ويطلق على الفعل، فالسواك بمعنى: الدلك، وهو تحريك الآلة على اللسان والأسنان وما حول ذلك.

    ويطلق أيضاً على الآلة، مثل عود الأراك أو المنديل أو الإصبع عند من يصحح الحديث الوارد في ذلك، وهو ضعيف كما سنبين.

    أما شرعاً: فهو دلك الأسنان وما حولها بعود الأراك ونحوه.

    والسواك من سنن الفطرة، وقد صح عن نبينا صلى الله عليه وسلم قوله: (ما زال جبريل يوصيني بالسواك حتى خشيت أن تسقط أسناني)، أو كما قال صلى الله عليه وسلم، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: (دخل عبد الرحمن بن أبي بكر على رسول الله في مرض موته وهو على حجري، وفي يده سواك يستن به، فأبد النبي صلى الله عليه وسلم بصره إلى السواك) يريد السواك وهو على فراش الموت، فهذه إشارة عظيمه جداً لفضل السواك، فمد بصره إلى السواك ففهمت وفطنت عائشة رضي الله عنها وأرضاها أن النبي صلى الله عليه وسلم يريد السواك فأخذته من عبد الرحمن بن أبي بكر ثم لينته لرسول الله صلى الله عليه وسلم فاستخدمه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم فاضت روحه بأبي هو وأمي.

    والسواك له فضل عظيم، فقد علق البخاري عن عائشة رضي الله عنها وأرضاها أنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (السواك مرضاة للرب مطهرة للفم)، ووصله أحمد بسند صحيح.

    1.   

    حكم السواك

    وحكم السواك في المذهب الاستحباب، والمستحب عند الفقهاء: ما يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه.

    وقد قال بوجوب السواك داود الظاهري ونسب ذلك لـإسحاق ابن رهويه .

    إذاً: فالشافعية يرون استحباب السواك، ودليلهم من الأثر: الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة)، فامتنع النبي صلى الله عليه وسلم أن يأمر الأمة به وجوباً لوجود المشقة، فلذلك الشافعي يستدل بهذا الحديث على أن ظاهر الأمر الوجوب، قال: لو كان واجباً لأمرهم به سواء شق أم لم يشق. وورد الأمر به في بعض الأحاديث المرسلة وأسانيدها ضعيفة لكن لها شواهد تقويها، مثل (تسوكوا فإن السواك مطهرة للفم) وأيضاً علق البخاري كما بينا عن عائشة رضي الله عنها وأرضاه أنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (السواك مطهرة للفم مرضاة للرب)، هذا بالنسبة للأثر القولي.

    أما الأثر الفعلي: فديمومة فعل النبي صلى الله عليه وسلم، والأصل في الفعل عند الأصوليين أنه يدل على الاستحباب، ولا يدل على الوجوب، ودليلهم: أنه عندما صلى بهم التراويح ثم امتنع قال: (خشيت أن تفرض عليكم) فهذا فيه دلالة على أن الأصل في الفعل الاستحباب، وهكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يترك السواك، حتى إنه في مرض موته كان يهتم بأن يستعمل السواك، وهذا فيه دلالة على استحباب السواك.

    أما النظر: فإن صاحب الهمة العالية يحب أن يصل إلى الكمالات وهو في أحسن هيئة، وفي أحسن مقام، وعندما يقابل السلاطين، أو الملوك،أو يقابل من يحب، أو يقابل من يعظم يكون في أحسن هيئة، وهذا يكون بالسواك، فالسواك مطهرة للفم، مرضاة للرب جل في علاه.

    1.   

    أوقات استحباب السواك

    يستحب استعمال السواك في كل الأوقات، لكن هناك أوقات يتأكد فيها استحباب استعمال السواك، من هذه الأوقات: عندما يقوم إلى الصلاة، فقبل أن يكبر للإحرام يتسوك.

    وقد وردت أحاديث كثيرة في فضل السواك، وطلبة العلم والفقهاء لا يستعملون السواك! فيا حسرة على العباد! ويتأكد السواك عند الصلاة، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة الكرام بالسواك فقال: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك)، وفي السنن: أن بعض الصحابة يجعل السواك على الأذن موضع القلم، فكانوا لا يدخلون إلى الصلاة إلا ومعهم السواك حرصاً على هذه السنة النبوية، والسواك يدخل في عموم قول الله: يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ [الأعراف:31]، والإنسان إذا زار عظيماً يحب أن يكون في أحسن هيئة، ومن حسن الهيئة استخدام السواك، فالإنسان إذا قام يصلي أمام ربه قام مقاماً عظيماً، فلا بد أن يكون في أحسن هيئة، ومن حسن الهيئة أن يستخدم السواك، و ابن دقيق العيد رحمة الله عليه قال: ولعل أمر النبي باستخدام السواك في الصلاة لأن المصلي يقرأ القرآن ويقترب منه الملك؛ ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم ينهى أن يبصق عن يمينه أو قبل وجه.

    إذاً: أول الأوقات التي يتأكد فيها استحباب السواك: الصلاة.

    الوقت الثاني الذي يتأكد فيه استحباب السواك: عند الوضوء، قال العلماء: محله عند التسمية، وقال بعضهم: محله بعد غسل اليدين، فيستعمل السواك ثم يعقبه بعد ذلك غسل الفم، والأمر واسع. قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في السنن: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء)، وهذا تصريح باستحباب السواك عند الوضوء.

    الوقت الثالث الذي يتأكد فيه استحباب السواك: بعد القيام من النوم،أو بعد الطعام،أو بعد طول سكوت، أو بعد كثرة كلام؛ لأن هذه كلها تقتضي تغير الفم، وفي حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها قال النبي صلى الله عليه وسلم (السواك مطهرة للفم).

    وفي الصحيح عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه وأرضاه قال: (دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم والسواك على طرف لسانه)، وفيه دلالة -كما قال الحافظ ابن حجر- على أن السواك لا يقتصر استخدامه على الأسنان بل حتى على اللثة وعلى اللسان، قال: (دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم فوجدت السواك على طرف لسانه يستاك به كأنه يتهوع يقول: أع، أع).

    وفي الصحيح عن حذيفة رضي الله عنه وأرضاه قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك)، لأن النوم يقتضي تغير الفم، وكذلك إذا أكل أو طال سكوته أو كثر كلامه فهذا كله يغير رائحة الفم، وهذه سنة نبوية لا بد للإنسان أن يعمل بها، وسأسأل طلبة العلم: هل منكم من يجهز سواكه بجانبه عند النوم ثم عندما يستيقظ يستخدم السواك؟ هذه سنة نبوية إن فعلت ذلك تعبداً أجرت عليه، وأيضاً أنت ترضي ربك، وتطهر فمك.

    وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يترك هذه السنة قط، حتى إنه لم يترك السواك عند موته.

    ومن الأوقات التي يتأكد فيها استحباب السواك: عند دخول البيت، فشرعنا ما ترك شيئاً أبداً، ولنعم هذا الشرع، فمن محاسن شرعنا قول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا [النساء:19]، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهله)، وسئلت عائشة رضي الله عنها وأرضاها ما كان أول ما يبتدئ به الرسول صلى الله عليه وسلم عند دخوله البيت؟ قالت: (كان يتسوك) والسواك له حكم عظيمة، فالرائحة الطيبة تجذب المرأة، فالسواك يزيد الألفة بين الرجل والمرأة، والرائحة الكريهة تؤدي إلى النفرة بين الرجل وبين امرأته، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم حريصاً جداً ألا تشم منه إلا رائحة طيبة، ولما أرادت عائشة أن تكيد للنبي صلى الله عليه وسلم ليترك الجلوس عند زينب بعد العصر، حيث كان يشرب عندها عسلاً، قالت: يا رسول الله! أجد منك ريح مغافير! فحرم على نفسه شرب ذلك العسل، فعاتبه الله.

    فكان النبي صلى الله عليه وسلم يحب أن تشم منه الرائحة الطيبة، وهذا دأب الصالحين، والنبي عليه الصلاة والسلام قبل أن يكون صاحباً للبشر، فإنه صاحب لجبريل عليه السلام الذي يأتيه كثيراً.

    أيضاً من الأوقات التي يتأكد فيها استحباب السواك: عند قراءة القرآن، والقرآن أفضل الذكر، وغذاء الروح هو ذكر الله جل في علاه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يزال لسانك رطباً بذكر الله)، فاقرءوا القرآن، فإن لكم بكل حرف منه حسنة، ولا أقول: (الم) حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف، وإذا قرأ المرء القرآن أتى الملك فاقترب من قارئ القرآن، ويا لها من فضيلة! يقترب منه حتى يضع فاه على فم القارئ، فينبغي ويتأكد أن تكون رائحة فم القارئ طيبة؛ لأن الملك يضع فاه على في ابن آدم، وفي الحديث: (إن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم).

    أيضاً من المواضع التي يستحب فيها السواك: عند اجتماع الناس، فعندما يكون الصاحب قريباً من صاحبه يتكلمان فإن كانت الرائحة طيبة انشرح الصدر، وإن لم تكن طيبة نفر من كان بجانبه أو تأذى بذلك.

    أيضاً من الأوقات التي يتأكد فيها استحباب السواك: عند الاحتضار، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم وهو على حجر عائشة حيث طلب السواك فاستاك صلى الله عليه وسلم، والإمام الخطيب الشربيني ذكر فوائد كثيرة جداً للسواك عند الاحتضار، منها أنه يسهل خروج الروح، ويثبت الجنان، ويذكر بلا إله إلا الله، ولا طائل تحت هذه الكلمات، ونحن دائماً ندور مع الأثر حيث دار، ويكفينا الاتساء بفعل النبي صلى الله عليه وسلم حيث استاك عند الاحتضار، فيستحب للمحتضر أن يتسوك أو يسوكه من كان قائماً عليه.

    1.   

    حكم السواك بعد الزوال للصائم

    عند الشافعية والحنابلة خلافاً للجمهور وقت من الأوقات يكره فيه استعمال السواك وهو: بعد الزوال للصائم، فالقيد الأول: أن يكون صائماً، والقيد الثاني: أن يكون بعد الزوال، واستدلوا على ذلك بأدلة كثيرة منها:

    قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك)، وهذا الحديث فيه دلالة واضحة جداً على أن خلوف فم الصائم التي تكون نتيجة خلو المعدة أطيب عند الله من رائحة المسك، قالوا: فهذه الرائحة مستطابة عند الله فيكره إزالة المستطاب عند الله جل في علاه.

    واستدلوا أيضاً بقول عمر بن الخطاب : [ يكره للصائم أن يستخدم السواك بعد الزوال ].

    واستدلوا بأدلة أخرى منها حديث: (إذا يبست شفة الصائم تكون له نوراً يوم القيامة)، وهذا الحديث ضعيف جداً لا يجوز الاستدلال به.

    واستدلوا أيضاً من ناحية النظر: بأن خلوف فم الصائم أثر عبادة، وقد وردت في الشرع كراهية إزالة أثر العبادة؛ ولذا فالنبي صلى الله عليه وسلم بعد ما اغتسل وأتي بالمنديل رده وما أخذه، فاستدل به العلماء على كراهية إزالة أثر العبادة؛ وفي هذا الاستدلال نظر، لكن يستدل على ذلك بأن الشرع جاء بدفن الشهداء في دمائهم وثيابهم، وهذه دلالة على أن أثر العبادة يكره إزالته، قالوا: وخلوف فم الصائم هو أثر الصوم، فيكره إزالته باستخدام السواك، والجماهير يرون إطلاق استحباب استخدام السواك للصائم قبل الزوال وبعد الزوال في أي وقت، وأخذ بقول الجمهور المحققون في المذهب مثل النووي، وابن عبد السلام، والمزني ، فيرون أن الاستحباب على الإطلاق، واستدلوا على ذلك بعمومات الأدلة، مثل حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة) ووجه الدلالة العموم، فقوله: (كل صلاة) تدخل فيه صلاة الظهر وصلاة العصر، وأيضاً عموم حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (السواك مطهرة للفم مرضاة للرب)، وهو على العموم سواء قبل الزوال أم بعد الزوال للصائم وغير الصائم، وأيضاً: استدلوا بحديث ضعيف عن عامر بن ربيعة قال: (أكثر ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يستخدم السواك وهو صائم)، وعمومات الأحاديث التي سبقت فيها الغنية عن هذا، واستدلوا من النظر فقالوا: السواك مرضاة للرب، فاستخدامه فيه رضا الرب جل في علاه حتى لو كان فيه إزالة أثر عبادة.

    والشافعية اعتمدوا في الكراهة على حديث: (لخلوف فم الصائم عند الله أطيب من رائحة المسك)، والرد عليهم من وجهين: الأول: هذا الحديث مجمل، وحديثنا العام محكم وهو (مطهرة للفم، مرضاة للرب)، وأيضاً حديث: (عند كل صلاة)، فهذا العموم محكم، وهذا الحديث لا نستطيع أن نخصص به هذا العموم.

    الوجه الثاني وهو الأقوى: هذه الرائحة تكون من خلو المعدة، والسواك لا يزيل هذه الرائحة.

    1.   

    آداب استعمال السواك

    يستحب أن يكون السواك من عود أراك.

    ويستحب استعمال السواك باليمين، لإطلاق حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب التيامن في كل شيء في ترجله، وتنعله وفي شأنه كله)، فقولها: (وفي شأنه كله) يدخل تحته السواك، فعموم هذا الحديث يدل على استحباب استعمال السواك باليمين، وبعض العلماء قال: يستحب أن يكون باليسار إذا كان مطهرة للفم يعني بعد النوم، وبعد أكل الطعام، وإن كان مرضاة للرب فالأفضل أن يكون باليمين يعني عند القيام إلى الصلاة مثلاً.

    ومن الآداب عند استعمال السواك: أن يكون للسان طولاً، وأن يكون للأسنان عرضاً، وهذا يستنبط من حديث أبي موسى (أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم والسواك على طرف لسانه وهو يستاك ويقول: أع، أع، كأنه يتهوع).

    ومن الآداب أن يبدأ بالجانب الأيمن للأسنان لإطلاق حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب التيامن في شأنه كله.

    ومن الآداب: أن يلين السواك، فلا يستاك به وهو يابس فيضر نفسه، فيلين السواك بماء أو بأسنانه وهذا ورد في سنن أبي داود: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يستاك تأخذ عائشة السواك فتلينه وتعطيه للنبي صلى الله عليه وسلم، وفي حديث عبد الرحمن بن أبي بكر الذي في الصحيح أنها أخذت السواك من عبد الرحمن فلينته للنبي صلى الله عليه وسلم.

    ومن الآداب عند استخدام السواك: ألا يؤذي اللثة.

    1.   

    حكم إعارة السواك

    يجوز إعارة السواك واستخدامه من فم لفم، لكن لهذا آداب، ودليل إعارة السواك حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان على حجرها ونظر إلى السواك الذي في يد عبد الرحمن ، فأخذته منه فلينته فاستخدمه النبي صلى الله عليه وسلم.

    ودليل آخر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتسوك ثم يعطي عائشة فتتسوك بعده، وتصيب منه بركة ريق النبي صلى الله عليه وسلم، ثم كانت تأخذه وتلينه وتغسله وتعطيه للنبي صلى الله عليه وسلم.

    فإذاً: يجوز للمرء أن يستعير السواك من أخيه، وينبغي أن يغسله بالماء قبل أن يتسوك وبعد أن يتسوك، وهذا من باب التعاون على البر والتقوى، ومن أعار السواك لأخيه وجعله يعمل بالسنة فخيره تعدى لغيره، فله الأجر مضاعف.

    1.   

    هل يعطى السواك الصغير الذي عن اليمين أم الكبير الذي عن اليسار؟

    إذا أردت أن تعطي السواك لصغير عن يمينك وآخر كبير عن يسارك، فمن تعطيه أولاً؟ جاء في حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم جلس وأبو بكر رضي الله عنه وأرضاه على يساره، وعلى يمينه ابن عباس ، وجاء الساقي وأعطى الشراب للنبي صلى الله عليه وسلم، فشرب النبي صلى الله عليه وسلم ثم أعطى فضله ابن عباس ، فقال عمر : يا رسول الله! هذا أبو بكر يعني: لا تعطي ابن عباس الصغير وتترك سيد القوم بعد الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لـابن عباس : (أتأذن للشيخ؟ فقال: لا) واستنبط العلماء من ذلك أن الإيثار في القرب مكروه، فقدم رسول الله من على يمينه ولو كان صغيراً، وهذا يعضده حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها: (وكان يحب التيامن في شأنه كله)، وفي حديث القسامة قال النبي صلى الله عليه وسلم: (كبر، كبر)، وفي حديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم: رأى رؤيا وهي أن معه سواكاً، فأراد أن يعطي السواك لصغير، فقال له الملك: (كبر كبر)، وهذا نص على أنك إذا أعطيت السواك تعطيه للكبير.

    والكبر هنا ليس المقصود به كبير السن فقط، بل يدخل منه كبير العلم، وكبير المقام، وكبير الوجاهة، وكبير العلم يقدم على كبير السن، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يكبر أبا بكر بثلاث سنوات فقط.

    والراجح في هذه المسألة: أن التيامن في كل شيء، في الشراب، وفي اللباس، وفي السلام عليكم ورحمة الله وبركاته؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب التيمن في شأنه كله، لكن في السواك خاصة يبدأ بالكبير ولا يبدأ باليمين.