إسلام ويب

شرح متن أبي شجاع - النجاسة المؤثرة وغير المؤثرةللشيخ : محمد حسن عبد الغفار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • النجاسة نوعان: مؤثرة وغير مؤثرة، ومن النجاسة غير المؤثرة: ما لا ترى بالعين لصغرها، فهذه يعفى عنها، والقول بوجوب غسلها فيه حرج، والقاعدة الشرعية: أن المشقة تجلب التيسير.

    1.   

    مذهب الشافعية في الماء

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله, وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم, وشر الأمور محدثاتها, وكل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة, وكل ضلالة في النار.

    ثم أما بعد: فقد ذكرنا أن المياه ثلاثة أقسام: قسم طهور طاهر في نفسه مطهر لغيره, وقسم طاهر في نفسه غير مطهر لغيره, وقسم نجس.

    وذكرنا أن المذهب هو التفريق بين الماء القليل والكثير, وحد القلة والكثرة عند الشافعية هو: القلتان. فمذهب الشافعية: أن الماء إن كان قليلاً ووقعت فيه نجاسة تنجس, سواء تغير أم لم يتغير, فلا نظر إلى التغير, بل النظر إلى القلة والكثرة، وإذا بلغ الماء قلتين فالنظر للتغيير, فإن تغير أحد أوصاف الماء من طعم أو لون أو رائحة بخس وإلا لم ينجس.

    1.   

    النجاسة المؤثرة وغير المؤثرة

    كل نجاسة وقعت في الماء الكثير وغيرت له طعماً أو لوناً أو رائحة فقد نجسته, وإن كان قليلاً ولم تغيره فقد نجسته أيضاً, إلا النجاسة اليسيرة المعفو عنها, فإذا وقع الذباب على شيء نجس ثم طار ووقع على ثوب فإنه لا بد أن يكون قد حمل من النجاسة على الثوب، فإذا دقق المرء النظر في الثوب لن يجد علامة للنجاسة, وهذه نجاسة غير مرئية، فهل يصير الثوب بذلك نجساً لا بد من غسله؟ أيضاً هل الماء إن كان أقل من قلتين ووقعت الذبابة على هذا الماء فهل يصير بذلك نجساً أم لا؟ ففي المذهب ستة أقوال في هذه المسألة، فمنهم من يفرق بين الماء والثوب, ومنهم من يقول بالنجاسة على الإطلاق، ومنهم من يقول بالطهارة على الإطلاق.

    والقول الراجح من المذهب هو أن الذباب إذا وقع على الماء أو وقع على الثوب فالثوب طاهر والماء طهور، والدليل على ذلك أدلة كلها نظرية تستقى من أدلة أثرية منها: قاعدة اليسير يعفى عنه, وهذه القاعدة مستقاة من مقاصد الشريعة، فلو أمرناه بغسل الثوب الذي وقع عليه الذباب، فقد ألحقنا به المشقة، لا سيما والذباب يقع في الثوب في كل وقت، والله عز وجل يقول: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286].

    وأيضاً المشقة تجلب التيسير، وإذا ضاق الأمر اتسع، ولو أمرنا المكلف بإلقاء الماء الذي وقع عليه الذباب أتلفنا الماء وإن أمرناه بغسل الثوب شققنا عليه، والله جل وعلا يقول: وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ الحج:78]، وهذا مما عمت به البلوى, فالمسألة كلها دائرة على رفع الحرج، وعلى أن المشقة تجلب التيسير، ولذلك قال العلماء: يغتفر في الفرع ما لا يغتفر في الأصل، واليسير يغتفر، فمثلاً وجد 1% من الكحول في الطيب والباقي كله روائح فنقول: هذه النسبة تغمر في هذه الكثرة، بل تتفتت في هذه الكثرة، فيغتفر اليسير، فالصحيح الراجح أن نقول: هذه النجاسة نجاسة يسيرة تغتفر، وهذا ما مال إليه النووي وغيره، فاليسير من النجاسات التي لا يراها الإنسان بطرف عينه تغتفر، ولا يكلف المرء بغسل المحل.

    1.   

    حكم ما لا نفس له سائلة إذا وقع في الماء

    الحيوان ضربان: الضرب الأول: ما له نفس سائلة كبهيمة الأنعام، وما لا نفس له سائلة كالبراغيث والنحل والنمل والذباب، فهذه لا نفس لها سائلة، أي: لا دماء لها سائلة, والراجح عند الشافعية: أنه إذا وقع الذباب في الإناء فغمسته فإنه لا ينجس الماء؛ لأن المشقة تجلب التيسير، ونحن نقول: الذباب ليس بنجس، والأدلة على ذلك: الحديث الذي في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه) وفي سنن أبي داود قال: (فإن في أحد جناحيه داء، وفي الآخر دواء، وإنه يتقي بجناحه الذي فيه الداء) أي: يقدم جناح الداء, والأبحاث الطبية أظهرت أنه يقدم جناح الداء، فوجب عليك أن تغمسه، ومن لم يفعل ذلك أثم، ولو مات من ذلك الداء فحكمه حكم قاتل النفس؛ لأنه قد خالف شريعة الله جل في علاه, قال النبي صلى الله عليه وسلم: (فليغمسه فإن في أحد جناحيه الداء وفي الآخر الدواء وإنه يتقي بالداء)، وإذا غمس الذباب في الإناء فالذباب لا بد أن يموت، قال الشافعي : هو ميتة، وقد قال الله تعالى: قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ [الأنعام:145]، والرجس عائد على كل ما ذكر، فالميتة نجسة، لكن نقول: هذا الكلام خطأ؛ لأنه مخالف لصريح إباحة النبي صلى الله عليه وسلم بأن يغمس الذباب في الإناء، والنبي صلى الله عليه وسلم يعلم بأنه إذا غمس الذباب في الماء فإنه سيكون ميتة، وهذا الماء لا يصير نجساً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم بين أنه يباح أن تأكل هذا الطعام أو أن تشرب هذا الشراب, فدل على أن هذه الميتة لا تنجس الماء لأنها ليست بنجس, وهل يصح أن يؤكل الذباب؟ لا يصح؛ لأنه مستقذر، وبعض العلماء فصل فقال: الحيوان الذي لا نفس له سائلة ضربان: ضرب يكون أجنبياً عن الطعام والشراب كالذباب والنحل والنمل, وضرب يكون من الطعام كدود التمر مثلاً، فإذا أكل مع الطعام يجوز وهو ليس بنجس، أما بالنسبة للنمل والنحل ونحوهما فنقول: هذه مستقذرة لا تؤكل، لكن الراجح أنها ليست بنجس، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا وقع الذباب في إناء أحدكم ...), فأباح الغمس وهو يعلم أنها ستموت.

    1.   

    حكم تغير الماء بوقوع الذباب فيه

    إذا وقع الذباب الذي يحمل النجاسة على الماء فغمسه المرء فتغير فما حكم هذا الماء؟ النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه)، وقد رجحنا أن الذباب ميتة وهو ليس بنجس, ومثله الدود الذي في الجبن أو في التمر، فهذا ليس بنجس، بل يجوز أن يؤكل مع ذلك الطعام تبعاً.

    والإمام النووي وغيره يقول في هذه المسألة: ميتة ما لا نفس له سائلة نجسة، فإذا تغير الماء تغير بنجس، فإذاً لا يصح استعماله، ونحن رجحنا أن ما لا نفس له سائلة ميتة طاهرة، فيكون الماء تغير بطاهر، فيصير الماء طاهراً, ووقوع النجاسة من الذباب في الإناء له ثلاث حالات:

    الحالة الأولى: مرت الذبابة على نجاسة وهذه النجاسة يسيرة، فوقعت على الماء وكادت تموت ثم طارت، فنظر الناظر فوجد الماء قد تغير, هذه الحالة الأولى.

    الحالة الثانية: لم تقع الذبابة على النجاسة، ثم سقطت في الماء فماتت فيه فغيرته.

    الحالة الثالثة: وقعت في النجاسة ثم وقعت في الماء فماتت فلم تغيره.

    حكم الحالة الأولى: ينجس الماء؛ لأنه تغير بنجاسة، وهذا بالاتفاق؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غير طعمه أو لونه أو رائحته).

    حكم الحالة الثانية: إن لم يتغير الماء فالراجح في المذهب أن الماء طهور, يصح استعماله؛ لأن هذه نجاسة لم تر بالطرف فهي يسيرة، واليسير معفو عنه، أما إن غيرت الماء فالمسألة على قولين في المذهب: القول الأول: أن ميتة ما لا نفس له سائلة نجسة، فلما غيرت الماء صار الماء نجساً, والراجح: أن ميتة الذبابة طاهرة وليست نجسة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أباح غمس الذباب في الماء وشرب الماء، فهي طاهرة وليست بنجسة, فيكون الماء قد تغير بطاهر، فينتقل من الطهور إلى الطاهر، فصار ماء طاهراً لا يمكن استعماله في رفع الحدث أو إزالة النجاسة، لكن يمكن استعماله في أمور أخرى, في اغتسال تبرد أو الشرب، وهذا هو الراجح.

    حكم الحالة الثالثة: إذا ماتت ولم تغيره فهو باق على أصل خلقته، فحكمه الطهورية.

    1.   

    أدلة الشافعية في نجاسة ما لا نفس له سائلة والرد عليها

    1.   

    الماء المتنجس يطهر بالمكاثرة

    الماء يطهر بالمكاثرة، وهذه مسألة تطهير الماء, فالماء قسمان: ماء قليل، وماء كثير، وحد القلة والكثرة عندنا القلتان, فإذا وقعت نجاسة في ماء أقل من القلتين فإنه ينجس، فإذا أردنا أن نطهر هذا الماء فإننا نطهره بالمكاثرة، فنزيد فيه من الماء حتى يبلغ ذراعاً وربع ذراع عمقاً وطولاً وعرضاً، فإذا بلغ القلتين وصار صافياً لا نرى فيه تغيراً فهو طهور؛ لأنه لم يتغير أحد أوصافه, وإذا وجدناه متغيراً بعد ما بلغ القلتين فما زال نجساً، فإذا زدنا فيه من الماء حتى زال التغيير فإنه يكون طهوراً.

    قال الماوردي في الحاوي: والفارق بين الماء والمائع: أن الماء يطهر بالمكاثرة، والمائع لا يطهر بالمكاثرة. وأما شيخ الإسلام وغيره فلا يفرق بين الماء والمائع في المكاثرة، فلو وقعت النجاسة في السمن أو الزيت فيجوز عنده أن يزيد الزيت بزيت آخر حتى يزيل تغيره فيطهر، والصحيح: أن المائعات تختلف عن الماء، فإن الماء له قوة دفع النجاسة عن نفسه لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث)، فهو يدفع الخبث عن نفسه.

    وأيضاً: الماء يطهر غيره، والمائعات ليست كذلك، فالماء يطهر غيره وله قوة تطهير نفسه بالمكاثرة.

    والماء الكثير إذا وقعت فيه نجاسة فلم تغيره فحكمه الطهورية فيصح استعماله في رفع الحدث وإزالة النجس.

    ويمكن أن يطهر الماء الذي وقعت فيه النجاسة فغيرته بالنزح، فينزح منه حتى تزول النجاسة، مثاله: وقعت نجاسة في بئر فغيرته، فننزح بالدلو من هذا البئر حتى نرى الماء لم يعد متغيراً، فيطهر إن كان أكثر من قلتين، ويكون طاهراً مطهراً، وإن كان أقل من قلتين فلا يطهر.

    ويمكن أن يطهر الماء الذي وقعت فيه نجاسة فغيرته بطول المكث، فإن له قوة دفع النجاسة عن نفسه.

    1.   

    حكم الماء الراكد إذا وقعت فيه نجاسة

    الماء الراكد إما أن يكون أقل من قلتين أو أكثر من قلتين، فإن كان أقل من قلتين ووقعت فيه النجاسة فهو نجس سواء غيرته النجاسة أم لم تغيره، فلا يصح استعماله، وإذا كان فوق القلتين ووقعت فيه نجاسة فإننا ننظر فإن غيرت فيه وصفاً من الأوصاف الثلاثة فهو نجس، وإن لم يتغير فهو طهور يصح استعماله.

    وإذا كان الماء الراكد فوق القلتين, ووقعت فيه نجاسة فغيرت طرفاً منه والطرف الآخر لم يتغير, فما حكمه؟

    هذا فيه تفصيل: ننظر الطرف المتغير والطرف الغير متغير، فإن كان بين الطرف الذي تغير والآخر قلتان أو هو نفسه قلتان فنقول: إن لم يتغير فهو باق على الطهورية؛ لأن الماء إذا بلغ القلتين لم يحمل الخبث, وإن كان أقل من القلتين والمسافة أقل من القلتين فنحن لا نعتبر في الأقل من القلتين التغيير، فإذا وقعت فيه النجاسة نجس كله.

    1.   

    حكم الماء الجاري إذا وقعت فيه نجاسة

    الجرية في الماء الجاري تصل إلى القلتين وقد لا تصل إلى القلتين, فالقليل إذا وقعت فيه نجاسة فغيرته أو لم تغيره فهو نجس، والكثير إن لم تغيره النجاسة فهو على أصل خلقته وحكمه الطهورية، وهذا إذا كانت الجرية نفسها تبلغ قلتين طولاً وعمقاً.