إسلام ويب

شرح متن أبي شجاع - الماء النجسللشيخ : محمد حسن عبد الغفار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد اشتد النزاع بين الفقهاء في مسألة ملاقاة الماء للنجاسة، فمن قائل بالتفريق بين القليل والكثير، ومن قائل بالبقاء على الأصل وهو الطهارة ما لم يتغير، ومن قائل بغير ذلك، والناظر في هذا الاختلاف يجده اختلافاً مبنياً على الأدلة وبعضه على التعصب والهوى، ومن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين.

    1.   

    الماء النجس

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد.

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، ثم أما بعد.

    حديثنا عن القسم الثالث، وسنتحدث عنه باستفاضة، ونتعرض للخلاف مع المالكية والترجيح في ذلك.

    القسم الثالث: الماء النجس، وهو الماء الذي لاقته نجاسة سواء كانت دقيقة أم جليلة.

    وقد أجمع أهل العلم كما نقل ابن المنذر: أن الماء الطهور إذا لاقى نجاسة فغيرت وصفاً من أوصافه: طعماً أو رائحة أو لوناً فإن هذا الماء يصير نجساً بالتغيير.

    وهذه أدلة وآثار وإن كانت ضعيفة، لكن الإجماع انعقد على صحة معناها: حديث ابن ماجة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غير من طعمه أو لونه أو ريحه) فهذه الزيادة: (إلا ما غير من طعمه أو لونه أو ريحه) اتفق المحدثون على ضعفها، لكن أجمع أهل العلم على صحة مقتضى هذا الكلام: أن الماء إذا تغير وصف من أوصافه فإن هذا التغير يؤثر فيه سلباً وإيجاباً، فهو نجس، فإذا لاقى الماء الطهور الباقي على أصل خلقته طاهراً كالصابون أو الزعفران أو الورد وأثر فيه فغير طعماً أو لوناً أو ريحاً فإنه يصير طاهراً، وإذا لاقى نجاسة صار نجساً، والفرق بينهما: أن الماء النجس ينجس غيره إذا استعمل، بمعنى: أن الرجل إذا أراد أن يتوضأ بماء وظهر أن هذا الماء نجس قلنا له: إنه لا بد في مواضع الوضوء أن تمرر عليها ماءً مطلقاً حتى تزيل هذه النجاسة؛ لأنك تلبست بنجاسة.

    أما إذا كان ماء وصابوناً فتوضأ بالماء والصابون عند من يقول: إن هذا الماء طاهر وليس بطهور، فإنا لا نقول شيئاً غير أنه يعيد الوضوء، فإذا ارتقى الماء مثلاً إلى ثيابك أو شعرك أو جسمك أو رجلك أو موضع من مواضع جسمك فلا تمرر عليه الماء فلست مطالباً بذلك؛ لأن الطاهر مر على جسدك ولك أن تصلي.

    أما الثاني: وهو الماء النجس: فإنه إذا أصاب ثوبه وصلى وهو يعلم أن ثوبه قد انصبغ بالماء النجس فإن صلاته لا تصح وهذه ثمرة الخلاف، حيث نقول: يتفقان ويفترقان، فيتفقان في أن الماء الطاهر يتفق مع الماء النجس في عدم صحة الطهارة به لا في رفع الحدث ولا في إزالة النجس، بل لا بد من ماء مطلق خلاف الأحناف، فالأحناف يقولون: بأن المائعات تزيل الأنجاس، فالصحيح: أنهما يتفقان في إزالة النجاسة، في أن النجس إذا أصاب ثوباً أو أصاب موضعاً وجب غسل هذا الموضع؛ لأنه أصابته نجاسة فلا يصح الصلاة به، وأما إذا أصاب الماء الطاهر الجسد أو الثوب صحت الصلاة لو كان متوضئاً.

    والغرض المقصود هو: هل تصح إزالة النجاسة بالماء أم لا؟ لأن هذا قول الأحناف، وقد رجحه أيضًا شيخ الإسلام، والخلاف ضعيف جداً، والقول الحق هو قول الجمهور: أنه لا تصح إزالة النجاسة إلا بالماء حتى ولو كان بالشمس، يعني: لو وجد النجاسة على ثوب والشمس كانت عليه فاستحالت النجاسة، يعني: إذا كانت النجاسة تتحول من النجاسة إلى شيء آخر فهل تصح أم لا؟ وهذا بحث قوي جداً في استحالة النجاسة: فهل تبقى النجاسة على ما هي عليه بعد تحول العين إلى عين أخرى؟ مثال ذلك: خنزير مات في مكان فيه ماء أو مكان فيه ملح فتحولت عين الخنزير من الخنزير إلى ملح فصار ملحاً، وهذا التحول ممكن في الواقع، وهو سهل جداً، فهل يصير بهذه الاستحالة طاهراً أم نجساً؟ وهي مسألة وعرة وليست بالهينة والخلاف فيها شديد.

    1.   

    مذهب الشافعية في الماء إذا لاقى نجاسة وأقوال مخالفيهم

    وفي موضع الكلام على النجاسة إذا لاقت الماء الطهور كأن تقول: وقعت قطرة خمر -عند من يقول بنجاسة الخمر- على ماء، فمذهب الشافعي: أن الماء إذا لاقى نجاسة -سواء كان حوضاً كبيراً أم إناءً صغيراً- فغيرت وصفاً من أوصافه طعماً أو لوناً أو ريحاً صار الماء نجساً وهذا بالإجماع كما قال ابن المنذر : أجمع أهل العلم أن الماء إذا تغير أحد أوصافه بملاقاة النجاسة صار نجساً، واستند بذلك على الإجماع وليس على الحديث، فالحديث ضعيف ولا حجة في الأحاديث الضعاف بأي حال من الأحوال.

    أما إذا كان الماء قليلاً فهذا هو موضع المعترك بمعنى: لو أن ولداً صغيراً مثلاً دخل إلى حوض لرجل أراد أن يغتسل فبال في هذا الحوض، وهذا الماء كما هو لم يتغير، ودخل الرجل يريد الاغتسال وما عنده إلا هذا الماء المخزون فهل يصح أن يغتسل من هذا الماء وهو لم يتغير مع أن النجاسة لاقته؟

    المذهب الشافعي يقول: الماء القليل إذا لاقته نجاسة غيرت أو لم تغير فيه فإنه نجس، أي: أنه لا يصح رفع الحدث به، ولا تصح إزالة النجاسة، بل ولا يصح استعماله بحال من الأحوال، وعليه إراقة هذا الماء، ودليلهم: حديث ابن عمر رضي الله عنه وأرضاه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث) قالوا: وهذا منطوق، والمفهوم: أنه إذا كان أقل من قلتين حمل الخبث: أي: ما استطاع أن يدفع الخبث عن نفسه إذا لاقته النجاسة فاستقرت فيه، وذابت جزيئاتها في جزئيات الماء فصار حكمه نجساً.

    لكن الأحناف شددوا الوطأة عليهم وقالوا: المنطوق الذي تستندون إليه ليس لكم فيه ناقة ولا جمل، فمعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث) يعني: لم يتحمل، أي: لو كان قلتين فوقعت فيه نجاسة لم يتحمل النجاسة وأثرت فيه ونجسته، فكيف تفرقون بين قلتين وبين غيره؟ فهم يطعنون في الشافعية من أجل القلتين وإلا فهم يقولون أيضًا بالقليل والكثير، لكنهم قالوا: إن هذا الماء لا يمكن أن يتحمل النجاسة، ولا يمكن أن تؤثر فيه فقلنا لهم: هذا الكلام وإن كان له احتمال لكن احتماله ضعيف جداً، وعندنا عمدة من الأدلة التي نعتز بها أو نعض عليها بالنواجذ منها: الرواية الأخرى التي جاءت عن النبي قال: (إذا بلغ الماء قلتين لم ينجس) وهذا صريح في المقام وهو رد قاطع على الأحناف، والحديث يفسر الحديث، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لم ينجس) فقول الأحناف لم يتحمل الخبث قولٌ خطأ؛ فقد فسره الحديث الثاني، فقال: (لم ينجس)، أي: لم يحمل النجاسة أو لم تؤثر فيه النجاسة.

    قالوا: والدليل الثاني في التفريق بين القليل والكثير: حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يضع يده في الإناء حتى يغسلهما أو حتى يغسلها ثلاثاً) قالوا: وهذا ليس تعبدياً بل هو معلل، والعلة قالها النبي صلى الله عليه وسلم إشارة: (لأنه لا يدري أين باتت يده) وهذا فيه إشارة وتلميح من النبي صلى الله عليه وسلم على أن الحديث له علة، والعلة: أن يده من الممكن أن تمس أثر النجاسة لأنهم كانوا يستطيبون بالأحجار، فيزيلون العين ويبقى الأثر، فمن الممكن أن تحتك الأصابع أو اليد بالجسد فتؤثر، أو يعرق المرء فتلمس النجاسة، وهذه النجاسة ستكون غير ظاهرة، فلو وضع يده في الإناء الذي ماؤه ليس كماء البحر، وإنما هو ماء قليل، فإذا وضع يده في ماء قليل فإنه سيتغير وصف من أوصافه؛ فسيضع يده التي تحمل النجاسة فتنجسه.

    فإذاً: -قالوا: إن أمر النبي صلى الله عليه وسلم بألا يضع يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً، وبيان العلة أو الإشارة إلى العلة في آخر الحديث: (لأنه لا يدري أين باتت يده) يدل على التفريق بين القليل وبين الكثير؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل بلغ أو لم يبلغ، تغير أو لم يتغير، قال: (في الإناء) والإناء هذا إشارة إلى أن الماء قليل، ولم يقل النبي صلى الله عليه وسلم: إذا غير فهو نجس، وإن لم يغير فليس بنجس، ولم يقل النبي صلى الله عليه وسلم قولاً، فدل على أن الحكم واحد سواء غير أم لم يغير.

    فقوله: (لأنه لا يدري أين باتت يده) فيه: إشارة من النبي صلى الله عليه وسلم أنها لو باتت في مكان نجس فستنجس هذا الماء، لكن المالكية لم يجدوا قولاً قوياً يردوا به إلا أن قالوا: لا نوافق على أن الحديث معلل، بل الحديث تعبدي، وهذه الأعمال تعبدية كالأربع ركعات في الظهر والثلاث ركعات في المغرب، قلنا: القاعدة عند علمائنا: إذا دار الحكم على التعليل أو على التعبد وجب حمله على التعليل لا التعبد؛ لأن الله في أكثر من حكم يخاطب العقول (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ [الحشر:2]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه)، فدل ذلك على أن الله يخاطب العقول ويعلل الأحكام، وهذه حكمة من الله جل في علاه حتى تزداد الإيمانيات، فإذا دار حكم الحديث على التعبد أو على التعليل وجب حمله على التعليل، هذا هو الأولى والصحيح، فإذاً نقول لهم: إذا قلتم: يحمل على التعبد قلنا لكم: قد أشار النبي صلى الله عليه وسلم بالتعليل عندما قال: (لا يدري أين باتت يده)، قالوا: وهذا تفريق بين القليل والكثير.

    قالوا: الدليل الثالث: حديث (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم) في رواية قال: (فليرق هذا الماء لما يصيبه)، فيريقه مع أن إتلاف المال لا يجوز، لكن يريقه؛ لأنه تنجس، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يفصل: إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فتغيرت أحد أوصافه فليرق هذا الماء، أو قال: إن لم تتغير أحد أوصافه فعليكم بالماء واستخدموه، بل قالها مطلقاً، فدل على استواء كلا الحالتين، قال: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه وليغسله سبعاً ويعفره الثامنة بالتراب -أو قال: أولاهن بالتراب، أو قال: عفروه الثامنة بالتراب أو آخرهن بالتراب-)، ففيه دليل: على أن الماء القليل تنجس لما ولغ فيه الكلب، وهذا تعضيد لمن يقول بالتفريق بين القليل والكثير.

    أيضًا الحديث الرابع وهو: حديث الهرة: (عندما قرب صاحب الهرة الإناء لها لتشرب منه فنظرت زوجة ابنه مندهشة، فقال: لم تندهشين؟ أو قال: لا تعجبين يا بنيتي! إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنها من الطوافين عليكم والطوافات)، أي: أنها ليست بنجس، وهذا ظاهر الدلالة، إذاً: يبقى مفهوم المخالفة: فلو كانت الهرة نجسة لكان لعابها نجساً، ولو كان نجساً لنجس الإناء، فهذه دلالة واضحة أيضًا لهم في التفريق بين القليل والكثير.

    ومن الأحناف طائفة تقول: نحن نفرق كما تفرقون، لكنا لا نقول بقولكم، فنحن نقول إن التحديد في القليل والكثير بتحريك الماء، بمعنى أننا إذا وقفنا على حافة البئر حركنا طرف البئر من هنا فإذا تحرك في آخره فهذا ماء قليل، فإذا وقعت النجاسة فيه فقد نجس، وإن لم يتحرك فهذا ماء كثير، فإن النجاسة لو وقعت فيه لم تنجسه، وهذا الخلاف لا نريد أن ندخل فيه حتى لا نشوش عليكم، فنبقى في الخلاف القوي أفضل.

    أما قول المالكية في ذلك فقد جاءوا بأدلتهم وهي من القوة بمكان، فقالوا: لا نقبل قولكم، بل عندكم من قبل قولنا وتمنى أن الشافعي قال بقولنا، كما قال الغزالي : تمنيت لو أنه رجع الشافعي إلى قول مالك في هذه المسألة، وما ذلك إلا للتأثير القوي والنظر الدقيق في هذه المسألة، ودليلهم هو قول النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث بئر بضاعة )(عندما سألوه: يا رسول الله! بئر بضاعة يلقى فيه الكلاب والنتن والحيض أو قالوا: المحايض؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: الماء طهور لا ينجسه شيء) فالماء: اسم جنس معرف بالأل واللام يطلق على الماء القليل والماء الكثير، ورد الشافعية عليهم وقالوا لهم: قول النبي صلى الله عليه وسلم في الماء ليس على العموم؛ لأن هذه القصة حدثت في بئر بلغ القلتين وأكثر من القلتين، كما قال أبو داود: إنه طاف على بئر بضاعة فألقى رداءه فكان ذراعاً وربعاً عمقاً وذراعاً وربعاً طولاً وذراعاً وربعاً عرضاً؛ ولذلك قيد الشافعية القلتين: بخمسمائة رطل عراقي أو خمس قرب، وقالوا: هذا مخصوص، وقد رد عليهم المالكية بقولهم: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فلا يهمنا بئر بضاعة أو غيره فقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الماء عموماً، أي: كل الماء قليلاً كان أو كثيراً، واجتمعنا نحن وأنتم على ما غيّر طعماً أو لوناً أو رائحة، وهذا أول دليل.

    أما الدليل الثاني للمالكية -وهذا الدليل أقوى من الأول- ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه قال: (دخل أعرابي المسجد فبال في ناحية المسجد فهم الصحابة بقتله، وقام الصحابة عليه، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: لا تزرموه -أي: لا تقطعوا عليه بوله، اتقوا الله وكونوا رفقاء بأصحابي -ثم قال: أهريقوا على بوله سجلاً من ماء، أو قال: ذنوباً من ماء)، والذنوب هذا: إناء فيه قليل من الماء، فقوله: أهريقوا عليه سجلاً أو ذنوباً من الماء، قالوا: وهذا واضح الدلالة بأن الماء القليل إذا لاقى النجاسة فحكمه حكم ماء الطهارة إلا إذا تغير طعم أو لون أو رائحة، ووجه الدلالة عند المالكية قالوا: فقد حكم النبي صلى الله عليه وسلم بطهارة المحل، وطهارة المحل هذه جاءت بملاقاة الماء القليل لهذا البول الكثير، فلاقى الماء القليل الكثير من البول، وحكم النبي صلى الله عليه وسلم بطهارة المحل؛ لأنه أباح لهم الصلاة بعد ذلك، فلما حكم بطهارة المحل دل على أن الماء القليل إن لم يتغير أوصافه ولاقى نجاسةً فإنه لا يصير حكمه حكم النجاسة.

    وقد رد المالكية على أدلة الشافعية في ذلك فقالوا: أنتم تحتجون أولاً بحديث: إذا بلغ الماء قلتين، وهذا عمدة أدلتكم، فالرد عليكم من وجهين: (الوجه الأول: هذا الحديث ضعيف ولسنا بصدد البحث في إسناد العلماء؛ لأنه قد أشبع المحدثون الكلام، فهو ظاهر كالشمس أن الحديث ضعيف، قلنا: هذا الكلام كلام ضعيف؛ لأن المحدثين أطبقوا على صحة الحديث، قالوا: أنتم تحتجون بالمفهوم ونحن نحتج عليكم بحديث آخر، وهو حديث منطوق، قال النبي صلى الله عليه وسلم: الماء كل الماء قليلاً كان أو كثيراً (الماء طهور لا ينجسه شيء) قالوا: هذا منطوق وأنتم تستدلون بمفهوم قول النبي صلى الله عليه وسلم (إذا بلغ الماء قلتين) يعني: بالمفهوم إن لم يبلغ القلتين لم يحمل النجاسة، ونحن وأنتم نتفق على أنه إذا عارض المنطوق المفهوم قدمنا المنطوق؛ لأنه لا اجتهاد مع النص؛ لأن الاستدلال بالمفهوم استدلال استنباطي والاستدلال بالمنطوق استدلال بنص، والمنطوق هو أسرع في الدلالة، أما المفهوم فله احتمالات فيصح أن يعتريه التخصيص، ويعتريه أنه مطروح كمفهوم الغالب، فيعتريه ما يعتريه، أما المنطوق فلا يعتريه مثل هذه الاحتمالات.

    دليل آخر للمالكية: هو أن تناط الأحكام بما هو محكم -وهذا من أصول الشريعة- أفضل من أن تناط بما هو مشكوك فيه، فلو قلنا: هل تناط الأحكام بما هو محكم وهو أنه لا فرق بين القليل وبين الكثير؟ حيث أن المحكم أن أنظر في الماء فأراه متغيراً أي: تغير لونه أو طعمه أو رائحته، فمن الممكن أن يفهم الناس ذلك، فالناس ينظرون في التغيير وليس كل الناس سيحسبون القلتين أو غير القلتين، فالتعلق بالقلتين تعلق غير منضبط، هذه أدلة المالكية.

    1.   

    الرد على أدلة المالكية في قولهم بعدم تنجس الماء

    لكن انتصاراً للمذهب لا تقليداً فالصحيح الراجح هو القول الأول: قول الشافعية؛ لأن هذا الذي تلتئم به شمل الأحاديث؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد فرق بين القليل وبين الكثير في قوله: (لا يضع يده في الإناء حتى يغسلهما)، وقول النبي صلى الله عليه وسلم (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم...) فيه تفريق بين القليل وبين الكثير، وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث).

    أيضًا تفريق بين القليل وبين الكثير وهذا ظاهر جداً.

    وأما الأدلة الثانية التي جاءت عامة كقوله صلى الله عليه وسلم: (الماء طهور لا ينجسه شيء)، فسنرد عليها ثم نرد على الأدلة الأخرى، فأما قولكم بعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: (الماء طهور لا ينجسه شيء) وافقناكم على ذلك وقلنا هذا حديث عام، وحديثنا: إذا بلغ الماء القلتين خاص فالمفهوم الخاص هذا يخصص العموم في حديث الماء، فهو لا ينجسه شيء بمعنى: أن الماء كل الماء قليلاً كان أو كثيراً (الماء طهور لا ينجسه شيء) ويأتي مفهوم المخالفة بحديث (إذا بلغ الماء قلتين) فنقول: عندنا قاعدة أصولية: وهي أنه إذا تعارض عام مع خاص فلا بد أن يتقدم الخاص على العام، فنقول: معنى كلام النبي صلى الله عليه وسلم: (الماء طهور) يعني: إن كان فوق القلتين فهو طهور لا ينجسه شيء، فإذا وقعت النجاسة في الماء الذي بلغ القلتين فلم تغير أحد أوصافه فهو طهور لا ينجسه شيء، فقد خصصنا هذا العموم بمفهوم (إذا بلغ الماء قلتين)، وهذا صحيح أصولياً: إذ العام لا يتعارض مع الخاص ويقدم الخاص على العام.

    قلنا: وقد رددتم على أدلتنا بتعارض المنطوق مع المفهوم، وقلنا: هذا جيد، إذا تعارض المنطوق مع المفهوم قدم المنطوق على المفهوم، لكن هناك شيء آخر لا بد أن تدركوه ألا وهو: أن المنطوق والمفهوم لهما تعامل أولاً، فإذا استطعنا الجمع بين المنطوق والمفهوم فالجمع مقدم على الترجيح؛ لأن القاعدة عند العلماء: إعمال الكلام أولى من إهماله؛ لأنك لو قلت بعموم هذا الحديث طرحت خصوص الحديث الثاني، وإذا قلت بالخصوص طرحت العموم، فأنت تجمع بين الاثنين، فتقول: يعمل العام في مجاله، ويعمل الخاص في مجاله، فنحن نقول: إذا تعارض المنطوق مع المفهوم قدمنا المنطوق إلا إذا استطعنا التوفيق بين المنطوق وبين المفهوم، وبذلك يمكن جمعه بأن يعمل العام في عمومه، فيقال: الماء طهور لا ينجسه شيء إذا كان فوق القلتين فوقعت فيه النجاسة فلا نحكم بنجاسته حتى يتغير وصف من أوصافه، ونعمل بالخصوص أيضًا إن كان أقل من القلتين فإننا نحكم بنجاسته إذا لاقى نجاسة.

    والرد على الحديث الثاني وهو حديث بول الأعرابي هو من القوة بمكان، فنقول: الحمد لله أننا من أهل الإسلام، وندور مع الإسلام حيث دار، وندور مع الآثار حيث دارت، والشرع هو الذي قال: لا يضع يده في الإناء حتى يغسلهما ثلاثاً خوفاً من ملاقاة النجاسة؛ لأنه لا يدري أين باتت يده، والشرع هو الذي أمر بصب ذنوب الماء على البول، فنحن نقول لكم: نحن مع الرسول حيث ما اتجه، فقد اتجه أولاً: بألا نضع أيدينا في الإناء حتى لا ينجس الإناء وقلنا به، واتجه ثانياً عندما كان البول في الأرض أن تصب عليه الماء، ونحن قلنا بهذا، فإذا كنا نحن نفرق بين القليل وبين الكثير فنحن نفرق كذلك بين ورود النجاسة على الماء وبين ورود الماء على النجاسة، فإذا قالوا: هل الورود مؤثر؟ قلنا: لا ليس الورود هو المؤثر، بل النجاسة إذا وردت على الماء، أو سقطت على الماء كان لها قوة على زج جزيئاتها في جزيئات الماء فتؤثر في الماء حكماً، فلو أن الماء في إبريق فصببناه النجاسة فإنه سينزل دفعة واحدة فيتدفق تباعاً، فإذا ورد الماء على النجاسة تباعاً فإن الدفعة الأولى ستفتت جزيئات النجاسة، والدفعة الثانية تضيع هذه العين أو الأثر، ثم تأتي الثالثة فتنهي أو تغمر هذه الجزيئات القليلة في الدفعات التي تتوالى فيبقى المكان أو المحل طاهراً، فإذا ورد الماء على النجاسة كانت له قوة دفع، ولذلك قال العلماء: إن الماء يغير الماء بطرائق كثيرة منها: أن الماء يتغير بالمكاثرة؛ لأن له قوة يدفع بها النجاسة عن نفسه، أما رأيت أنه يدفع النجاسة عن نفسه إذا بلغ القلتين، فهذه قوة في الماء، فالماء إذا انصب أو ورد على النجاسة كانت له قوة دفع النجاسة وتفتيتها، فتنغمر ولا تظهر أبداً في الماء، أما إذا سقطت النجاسة في الماء فقبعت في القاع فقد تحللت جزيئاتها في جزيئات الماء، فإذاً: نحن أسعد الناس بالأدلة والآثار، وندور مع الآثار حيث دارت، أولاً: مع أثر النبي في ألا يضع يده في الإناء؛ لأن النجاسة لو سقطت فستتحلل وتحول حكم الماء، وأيضًا مع الرسول حينما قال صبوا عليه ذنوباً من الماء؛ لأن الماء له قوة دفع، فسيدفع هذه النجاسة ويفتتها فلا تتحلل جزيئاتها إلا في الدفعة الأولى، ثم يأتي والباقي على محل طاهر فيبقى المحل طاهراً، إذاً هذا الحديث هو عمدة أدلتهم وقد انهار بفضل الله، فتسلم لنا الأدلة ويسلم لنا قول المذهب بالتفريق بين القليل وبين الكثير، وإن كان بعض الحنابلة قد قال بعدم التفريق، وقال بقول مالك ، لكن المحققين في مذهب الإمام أحمد يقولون بقول الشافعي في التفريق بين القلتين وبين غيره، وانظر في المغني وغيره في الإنصاف فستجد أن المحققين من الحنابلة يرجعون لهذا القول؛ لأن هذا القول أقوى من ناحية الأثر والنظر، فنحن نقول لهم: إن ناحية النظر أيضًا معنا؛ لأن القاعدة عندنا وعندكم: أن الأمر إذا ضاق اتسع، وإذا اتسع ضاق، والمشقة تجلب التيسير، فقلنا لهم: لما كانت المشقة في مسألة القلتين تصب على البول الذي باله الأعرابي فإن الناس لن يصلوا على الأرض، بل سيصلون وهم يسبحون، فنقول: هذه مشقة على الناس أن يفعلوا ذلك، فجاء الحكم بالتخفيف، وقال: أوردوا الماء على النجاسة فإن ورود الماء على النجاسة له قوة دفع يدفع النجاسة والعكس بالعكس، فلما كان الإناء يمكن حفظه قيل له: سقطت فيه النجاسة وأثرت فيه؛ لأنه يمكن أن يحفظه، والمشقة تجلب التيسير، فتسلم بذلك الأدلة، ويبقى لنا الدليل ناصع البياض ظاهراً لا تشويش عليه، فإذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث في التفريق بين القليل وبين الكثير.