إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ محمد حسن عبد الغفار
  3. شرح لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد - تكفير أهل القبلة بالمعاصي

شرح لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد - تكفير أهل القبلة بالمعاصيللشيخ : محمد حسن عبد الغفار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يعتقد أهل السنة أن من مات موحداً لله تعالى فمآله إلى الجنة، ولا يكفر أحد من أهل المعاصي إلا بما دل الدليل على أنه كفر، وبشروط معلومة ذكرها أهل العلم، وقد خالف المعتزلة والخوارج فكفروا فاعل الكبيرة، وأهل السنة يعتقدون أنه مؤمن ناقص الإيمان، وهو تحت مشيئة الله، وإن عذب فمآله إلى الجنة.

    1.   

    فضل علم العقيدة وشرفه

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شرك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، ثم أما بعد:

    علم العقيدة هو أهم العلوم وأشرفها، وشرف العلم من شرف المعلوم، ولا أحد أشرف من الله جل في علاه.

    وبعض علماء الأصول، كـالجويني وغيره فإنهم تكلموا على التقليد في الفروع للمذاهب الفقهية، وبينوا الخلاف بين العلماء في مسألة التقليد، وهذا في باب الاجتهاد والتقليد، وهو آخر باب في علم الأصول.

    والشيء المستغرب أن العلماء تكلموا في أصول الفقه كما في النهاية فقالوا: هل يصح تقليد المذاهب في الفروع أو لا يصح؟ فنشأ خلاف طويل بين العلماء، فبعض العلماء قالوا: يجب تقليد النبي صلى الله عليه وسلم لا غيره من أئمة المذاهب كـالشافعي وأبي حنيفة وغيرهما.

    ولذلك سألت امرأة عجوز رجلاً عن مسألة فقال لها: إن أبا حنيفة يقول كذا والشافعي يقول كذا، فقالت: والنبي على أي مذهب من المذهبين؟ تعني: هل النبي شافعي أو حنفي؟

    فربط الناس بالمذاهب دون ربطهم بقال الله وقال الرسول يعتبر مشكلة معضلة؛ فلذلك اختلف العلماء في التقليد، والراجح للذي لا يعلم طرق استنباط الحكم أنه يجب عليه أن يقلد عالماً مجتهداً ورعاً تقياً ديناً.

    أما بالنسبة للعقيدة فلا يجوز التقليد فيها، وقد تكلم بعض علماء الأصول في مسألة التقليد في التوحيد، فنربأ بأنفسنا لا سيما ونحن ندعي السلفية التي هي أم العقيدة، فالسلفية هي العقيدة الصحيحة الصافية التي كان عليها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام والسلف الصالح؛ فطالب العلم لا يتنزل عن مكانة العلم بأن يكون مقلداً، ويرضى لنفسه أن يجر الناس رقبته فينجر معهم.

    وذكر الشيخ محمد عطية تلميذ الشيخ الألباني أن الشيخ الألباني تكلم في مسألة: هل تصح عقيدة المقلد أو لا؟

    وطبعاً علماؤنا جميعاً يقرون بأن المقلد يصح توحيده وتصح عبادته ويصح ما هو فيه، لكن طالب العلم لا بد أن تعلو همته فيتعلم علم العقيدة ولا يكون مقلداً لأحد إلا لقال الله قال رسوله صلى الله عليه وسلم، مسألة تكفير الناس بالمعاصي مسألة شائكة جداً.

    1.   

    حكم تكفير أهل المعاصي

    وقد نقل عن الإمام أحمد بأسانيد صحيحة أنه قال: من قال: القرآن مخلوق فقد كفر، أي: القرآن مخلوق مثل السماء والأرض، ومن المآخذ الشديدة والشنيعة على الأستاذ سيد قطب أنه كان يقول: القرآن كالسماء وكالأرض.

    فالأستاذ سيد قطب أديب ليس بعالم ولا فقيه، وله أخطاء قاتلة في كتابه الظلال، فلا يقال عنه أنه كافر، فلا يتجرأ على هذه المسألة بحال من الأحوال إلا جريء أو جاهل لا يستقيم إيمانه ولا يستقيم علمه، فالخطر أعظم مما يتصوره المكفر، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما) وقال في الرواية الأخرى: (فإن كانت فيه وإلا حارت عليه) أي: رجعت عليه كلمة الكفر والعياذ بالله؛ لأنه قطع على أخيه باب الخير.

    فهذه المسألة ليست بالهينة؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أن رجلاً في بني إسرائيل مر على أخيه وهو يعصي الله، فنصحه فلم ينتصح، ثم قال له: والله لا يغفر الله لك أبداً، فقال الله: (من ذا الذي يتألى عليَّ فقد غفرت له وأحبطت عملك).

    وما من عبد إلا ويقع في كبيرة، ويتعدى حدوده، ويحوم حول الحمى فيقع فيه؛ ولذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشتد نكيره على الخطائين، إنما اشتد نكيره على المصرين على الخطأ، قال الله تعالى واصفاً الذين لم يصروا على الخطأ: وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ [آل عمران:135] فهؤلاء الذين غفر الله لهم؛ لأنهم لم يصروا على ما فعلوا، وفي مسند أحمد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ويل للمصرين الذين يصرون على المعاصي).

    والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون).

    وفي الصحيحين أيضاً عن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كتب على ابن آدم حظه من الزنا مدرك ذلك لا محالة؛ فالعين تزني وزناها النظر، واليد تزني وزناها البطش، والأذن تزني وزناها السمع، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه).

    خطأ قول الطحاوي: لا نكفر أحداً بذنب ما لم يستحله

    قال صاحب الطحاوية: وإنا لا نكفر أحداً بذنب ما لم يستحله، ومعنى هذا أنَّ التكفير يدور على الاستحلال القلبي فقط وهذا إرجاء محض، والذي ينصر هذا الكلام لا بد له أن يراجع؛ لأن القول بأن التكفير محله القلب فقط لم يقله أحد من أهل السنة والجماعة؛ لأن معنى ذلك أن من سب الله ورسوله لا يكفر حتى يستحل ذلك بقلبه.

    وقولنا بأن هذا القول قول كفر، أو هذا الفعل فعل كفر، وقولنا أن فلاناً كافر، فهذا مندرج تحت الفرق بين تكفير النوع والعين، فيمكن أن أقول: هذا الفعل فعل كفر أو القول كذلك، وأثبت ذلك بالدليل أن الله أو رسوله سماهما كفراً، فأنا أسميهما كما سماهما الله ورسوله، لكن تكفير القائل نفسه لا يمكن أن يتجرأ أحد ويخرجه من الملة، فهذه جرأة لا يمكن أن تغتفر للمرء، فإنه قد يتقحم النار على بصيرة، إلا إذا كان عالماً مجتهداً يعلم بالمسألة ويقيم عليها الحجة ويزيل عنها الشبهة.

    فالغرض المقصود أنه من قال: إن التكفير لا يقع إلا على القلب فقط، فهذا الكلام غير مقبول بحال من الأحوال، فنحن لا نكفر أحداً استقبل قبلتنا، وأكل من ذبيحتنا إلا إذا استحل ذنباً أو وقع في فعل أجمع عليه العلماء مستندين بذلك للنص أن هذا الفعل أو القول كفر، كالذي يسجد لصنم مثلاً، أو الذي يسب الله أو يسب الرسول، أو يستهزئ بهما أو بأحدهما، فكل ذلك كفر يخرج صاحبه من الملة، إذا أقيمت عليه الحجة كما في مسائل معينة، ومسائل أخرى لا تقام عليه الحجة إن كانت من باب المعلوم من الدين بالضرورة.

    1.   

    من كان موحداً لله فمآله إلى الجنة

    ما من امرئ وحد ربه جل في علاه إلا ومآله إلى الجنة لا محالة، إذا توفرت فيه الشروط وانتفت الموانع.

    فشروط كلمة التوحيد لا إله إلا الله، ليست منحصرة في سبعة شروط أو ثمانية، فهذا الكلام على التغليب فقط، وإلا فالعلماء لم يذكروا من الشروط التوكل، والتوكل ركن من أركان الإيمان، فشروط لا إله إلا الله. هي:

    العلم المنافي للجهل.

    واليقين المنافي للشك.

    والانقياد والإذعان المنافيان للعناد والإباء.

    والإخلاص المنافي للرياء والنفاق.

    والمحبة المنافية للكره، قال تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ [محمد:9].

    والصدق.

    والقبول.

    فمن حقق هذه الشروط فقد انتفع بكلمة التوحيد في الآخرة، أما في الدنيا فإذا قال: لا إله إلا الله فقد أصبح واحداً منا له ما لنا وعليه ما علينا، لأننا ما أمرنا أن نشق عن القلوب، إنما أمرنا أن نأخذ بالظاهر.

    والتوكل أيضاً من أركان لا إله إلا الله، والدليل على ذلك قوله تعالى: وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ [المائدة:23] ووجه الدلالة هي مفهوم المخالفة، أي: فإن لم تتوكلوا فلستم من المؤمنين؛ لأنه اشترط الإيمان بالتوكل على الله جل في علاه.

    ولم يذكر العلماء أن التوكل من الشروط، فنقول: هذا على التغليب.

    فإذا توفرت الشروط التي اشترطناها في لا إله إلا الله، وأتى بمانع كأن يقع في شرك من الشركيات، فينذر لغير الله أو يذبح لغير الله -على تفصيل عند العلماء- فإن ذلك يمنعه من دخول الجنة؛ لأنه أتى بشرك.

    إذاً: القاعدة عند العلماء أن كل موحد قال: لا إله إلا الله، وفي قلبه حبة خردل من إيمان فإن مآله إلى الجنة لا محالة إذا توافرت الشروط وانتفت الموانع؛ بخلاف المنافقين فإنهم يقولون: لا إله إلا الله ولا يعتقدون أن الله هو رب هذا الكون، وأنه سيعاقبهم، بل منهم من كان يقول: جل من لا يسهو، سخرية على الله جل في علاه.

    1.   

    الأدلة على أن الموحد مآله إلى الجنة

    إذاً: كل موحد في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان وتوفرت الشروط وانتفت الموانع فهذا مآله إلى الجنة ولو وقع في أكبر الكبائر دون الشرك، والأدلة على ذلك ما يلي:

    أولاً: قول الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48] فهذه الآية فيها دلالة على أن كل فاعل كبيرة دون الشرك فهو في مشيئة الله جل في علاه، وكل ما كان في المشيئة لا يمكن أن يخلد في النار، بل هو أقرب إلى المغفرة.

    وفي مسند أحمد بسند صحيح عن عائشة رضي الله عنها وأرضاها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لله ثلاثة دواوين: ديوان لا يغفره أبداً، وديوان لا يتركه أبداً، وديوان في مشيئته) ثم بين الديوان الذي في مشيئته وهو ديوان المعاصي والكبائر وهذا إلى الله جل في علاه.

    وإذا كان إلى الله فإن البشارة كما في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال الله تعالى: (رحمتي سبقت غضبي) فرحمة الله أرجى لنا وأرجى لكل أحد.

    ثانياً: حديث أبي ذر الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (جاءني جبريل فبشرني أنه من مات من أمتك على قول: لا إله إلا الله دخل الجنة، فقال أبو ذر - : يا رسول الله! يدخل الجنة وإن زنى وإن سرق؟! -كأنه يقول: وهذه الكبائر أين تذهب؟- فقال: وإن زنى وإن سرق؟! قال: وإن زنى وإن سرق، قال: وإن زنى وإن سرق؟! قال: وإن زنى وإن سرق وعلى رغم أنف أبي ذر) أي: على رغم أنف أبي ذر أن من قال كلمة التوحيد ومات عليها فمآله إلى الجنة.

    ثالثاً: قول النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح: (من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه دخل الجنة).

    رابعاً: حديث في السنن بسند صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من قال: لا إله إلا الله نفعته يوماً من الدهر)، ومعنى الحديث: أن من دخل النار بمعاصيه فإن لا إله إلا الله تخرجه من النار وتدخله الجنة.

    خامساً: حديث القبضة وفيه أن الله جل في علاه يقول: (شفع الأنبياء، وشفعت الملائكة، وشفع المؤمنون، ما بقي إلا أرحم الراحمين سبحانه جل في علاه فيقبض قبضة -ما يعلم عظم هذه القبضة إلا الله جل في علاه- فيخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، ويدخله الجنة).

    فكل هذه الأحاديث تثبت أن أهل القبلة من أهل الجنة بإذن الله إن لم يأت بشرك، فإن أتى بشرك فإنه يخلد في النار.

    1.   

    قول الخوارج والمعتزلة أن فاعل الكبيرة مخلد في النار وأدلتهم

    استدل الخوارج والمعتزلة بأدلة تثبت أن فاعل الكبيرة من أهل النار وخالد مخلد فيها، وهي ما يلي:

    أولاً: الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من غشنا فليس منا).

    ثانياً: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من حمل عينا السلاح فليس منا) وهذان الحديثان فيهما براءة المرء من دينه.

    ثالثاً: قول النبي صلى الله عليه وسلم: (برئت الذمة ممن جلس بين أظهر المشركين).

    رابعاً: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر) والفسوق والكفر سواء، فإن الله تعالى قال: وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ [البقرة:254].

    فهذه الآية تدل على أن الفسق من الظلم.

    وقوله تعالى: وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ [الحجرات:7] فقرن الكفر مع الفسوق، وإن كان الفسوق أخف درجة منه.

    خامساً: قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة يستشرف لها الناس وهو مؤمن) فهذا الحديث فيه دلالة على أن من عمل هذه الأعمال فإنه كافر، لانتفاء الإيمان عنه.

    سادساً: قول النبي صلى الله عليه وسلم: (اثنتان في أمتي هما بهم كفر) وذكر منها النياحة على الميت، فهذا الحديث فيه دلالة قوية على أن هذه المعاصي كفرية، وهذا بالاتفاق عند الخوارج والمعتزلة.

    الفرق بين الخوارج والمعتزلة في حكم فاعل الكبيرة

    فالخوارج والمعتزلة اتفقا في المجمل واختلفا في التعريف، فأما الخوارج فقالوا: من اغتاب شخصاً فهو كافر، ومن نهب نهبة فهو كافر، ومن شرب الخمر مرة فهو كافر، أي: هو كافر في أحكام الدنيا، فلا يغسل، ولا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين، أما في أحكام الآخرة فهو خالد مخلد في نار جنهم.

    وأما المعتزلة فقالوا: ليس بكافر، بل هو بمنزلة بين المنزلتين، أي: لا هو مؤمن ولا هو كافر، أما في يوم القيامة فيكون خالداً مخلداً في نار جهنم، فاتفقوا بهذا مع الخوارج.

    عقيدة أهل السنة فيمن ارتكب كبيرة وردهم على أدلة الخوارج والمعتزلة

    وأهل العقيدة السديدة يعتقدون بأنه لا يمكن أن يكفر أحد من المسلمين قال: لا إله إلا الله، مهما فعل من الذنوب، ولا يكفره إلا جاهل جريء.

    أما الرد على أدلة الخوارج والمعتزلة، فهو ما يلي:

    أولاً: قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48] فكل ما كان دون الشرك فهو تحت مشيئة الله، والكافر لا يدخل تحت المشيئة؛ لأن الكافر مآله إلى النار خالداً مخلداً فيها.

    وهنالك قاعدة وهي: كل كفر ذكر نكرة في حديث أو في آية يحمل على الكفر الأصغر، وكل شرك ذكر منكراً في حديث أو آية فلا بد أن يحمل على الشرك الأصغر، إلا ما كان معرفاً.

    والقاعدة هذه لها أدلة كثيرة جداً والشرح طويل.

    ثانياً: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن .... ) إلخ.

    فالتفريق الشرعي والتأصيل العلمي الذي أصله الله لنا في التفريق بين درجة الإسلام ودرجة الإيمان، من قول الله تعالى: قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسلَمنَا [الحجرات:14]، فيحتمل معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) أنه ليس بمؤمن لكنه مسلم لم يخرج من دائرة الإسلام، والدليل على ذلك حديث سعد بن أبي وقاص عندما قال للنبي صلى الله عليه وسلم: (لم لم تعط فلاناً؟ والله ما أراه إلا مؤمناً، قال: أو مسلم) ففرق بين المؤمن وبين المسلم.

    إذاً: الرد على استدلالهم بحديث: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ....) إلخ أن من عمل هذه الأعمال فهو ليس بمؤمن؛ لأن المؤمن له رقي ومرتبة عليا عند الله جل في علاه، بل هو قد نزل من درجة الإيمان إلى درجة الإسلام؛ ولذلك قال ابن عباس (الذي يزني أو يشرب الخمر يكون الإيمان فوقه كالظلة، فإن تاب نزل الإيمان إلى قلبه مرة ثانية، وإن لم يتب صعد عنه الإيمان وبقي على الإسلام) يعني: أن معه أصل الإيمان لا الإيمان المطلق.

    إذاً: الزاني لا يدخل في دائرة الإيمان المطلق لكنه ينزل إلى مطلق الإيمان، والفرق بينهما: أن مطلق الإيمان هو أصل الإيمان، والإيمان المطلق هو الإيمان الكامل.

    إذاً: الرد عليهم أن المسلم حين يزني ليس مؤمناً إيماناً مطلقاً، لكن معه أصل الإيمان.

    ثالثاً: حديث أبي ذر السابق قال فيه: (يا رسول الله! وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق) يعني: أنه من أهل الجنة، فإذا قلنا باستدلالهم بحديث: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) فيكون مآله إلى النار خالداً مخلداً فيها.

    ويرد عليهم بأن رسول الله بشر من قبل جبريل، وجبريل بشر من قبل الله جل في علاه علام الغيوب بأن الزاني والسارق إن ماتا على ذلك فهما في مشيئة الله جل في علاه ومآلهما إلى الجنة.

    رابعاً: حديث عبادة رضي الله عنه قال: (بايعنا النبي صلى الله عليه وسلم على أن لا نشرك بالله شيئاً، ولا نزني، ولا نسرق، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: فمن أتى من هذه القاذورات شيئاً فأقيم عليه الحد فهو كفارة له، وإن لم يقم عليه الحد فهو تحت مشيئة الله) فجعله في المشيئة دليل على أنه من أهل الإيمان.

    خامساً: قوله صلى الله عليه وسلم: (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)، أن الكفر ذكر نكرة فيدل على أنه كفر دون الكفر الأكبر.

    ومنه قول الله تعالى: وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ [الحجرات:9].

    وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض) ووجه الدلالة: أن الكفر المذكور في هذا الحديث ليس هو الكفر الذي يخرج من الملة؛ لأن الله تعالى لم ينف الإيمان عن الطائفتين المتقاتلتين بل سماهما به، وشهد لهما بالإيمان مع أنهما تقتتلان، ويوجد في إحداهما بغي وظلم.

    وأيضاً: حديث الحسن قال عليه الصلاة والسلام: (إن ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين طائفتين من المسلمين) وعلي ومعاوية وهما من الإيمان والإسلام بمكان، ولا يمكن أن يسمى مسلماً من انخلع عن دائرة الإسلام.

    وكذلك قول الله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ [البقرة:178] وجه الدلالة من هذه الآية هو قوله تعالى: مِنْ أَخِيهِ ، فإن الله تعالى أثبت لهم الأخوة في الدين ولا يمكن أن تكون أخوة بين مؤمن وكافر بحال من الأحوال، إلا إذا كانت أخوة النسب، أما أخوة الإنسانية فلا تجوز بحال من الأحوال أن تكون بين المؤمن والكافر، فهي ملغية؛ لأن الله جل في علاه قال عن الكفار: إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ [الفرقان:44].

    سادساً: قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من غشنا فليس منا) وقوله: (برئت الذمة ممن جلس بين أظهر المشركين) فالمعتزلة والخوارج يقولون: إن الذي يغش في البيع فهو كافر، لكنه عند أهل السنة والجماعة مسلم عاص، أو مؤمن ناقص الإيمان، فهو مؤمن بتوحيده، عاص أو فاسق بمعصيته.

    أما قوله صلى الله عليه وسلم: (برئت الذمة ممن جلس بين أظهر المسلمين) فالبراءة براءتان: براءة من الشخص، وبراءة من العمل، والبراءة من العمل لا تخرج صاحبها من الملة، أما البراءة من الشخص فكقول الله تعالى: إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ [الممتحنة:4] فهنا البراءة منهم لأنهم أشركوا بالله، وبين الله أن إبراهيم قد تبرأ أيضاً من أبيه عندما رأى أنه عدو لله جل في علاه، فهنا براءة من الشخص نفسه لكفره.

    والبراءة من العمل فقط كالرجل المؤمن الذي عمل عملاً خالف فيه الشرع فيتبرأ من هذا العمل، مثل قول الله تعالى: فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ [الشعراء:216] ويوضح هذه الآية ويفسرها حديث النبي صلى الله عليه وسلم وذلك أن خالداً قتل مجموعة من المشركين عندما قالوا: صبأنا صبأنا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (اللهم إني أبرأ إليك من فعل خالد) فـخالد سيف من سيوف الله، فهذا التبرؤ ليس تبرؤاً بالكلية، بل هو تبرؤ من فعل؛ لأن هذا الفعل خرج عن دائرة طاعة الله جل في علاه.

    وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من غشنا ليس منا) يعني: ليس على هدينا، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل السوق فرأى صبرة طعام فأدخل يده فيها فوجد بللاً فقال: (ما هذا يا صاحب الطعام؟ قال: أصابته السماء يا رسول الله! قال: هلا جعلته فوق الطعام حتى يراه الناس، من غشنا فليس منا) وهذا دليل واضح جداً على أن هذا العمل ليس بكفر، ووجه الدلالة أنه لو كان كفراً لقال له صلى الله عليه وسلم: قد كفرت، فقل: لا إله إلا الله وارجع إلى دينك واغتسل، كما أمر بعض الكفار الذين أسلموا، أو لقال له: هذه ردة يا صاحب الطعام، وقد تخلد في نار جهنم بهذه الردة.

    فمعنى قوله صلى الله عليه وسلم: (ليس منا): ليس على هدينا، وليس على ما يرضي الله ويرضي رسوله صلى الله عليه وسلم.

    سابعاً: قول النبي صلى الله عليه وسلم: (اثنتان في أمتي هما بهم كفر: النياحة على الميت، والاستسقاء بالنجوم) فالنياحة على الميت ليست بكفر، فالمرأة التي تلطم الخدود وتشق الجيوب ليست كافرة، وهذا كفر دون كفر.

    فهذه المسألة شائكة، وقد وسعت الكلام فيها جداً في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة بالتقعيدات والتأصيلات التي لا أقصر في أن أبينها لكم فقط؛ لأن طالب العلم الجيد هو الذي يؤصل علمياً ويسير بعد ذلك على غرار هذا التأصيل، فهذا آخر ما نتكلم عنه في هذه المسألة الشائكة، حتى أجلي لكم كيف أن أهل السنة والجماعة يخالفون أهل البدع الذين يتمسكون بطرف من أطراف الحديث.

    وأهل السنة والجماعة لا يستخلصون إلى المسألة إلا إذا أحاطوا بكل الروايات التي تبين لنا منهجهم، وهو أنهم لا يكفرون أحداً بأي معصية إلا إذا استحلها.

    والإصرار وحده لا يدل على الاستحلال بالقلب، بل لا بد من النطق باللسان، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لم أؤمر أن أشق عن قلوب الناس).

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.