إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ محمد حسن عبد الغفار
  3. شرح لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد - الشفاعة

شرح لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد - الشفاعةللشيخ : محمد حسن عبد الغفار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يعتقد أهل السنة والجماعة بثبوت الشفاعة يوم القيامة للمؤمنين، وهي تنقسم إلى قسمين: خاصة بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وعامة لنبينا وغيره من الأنبياء والمرسلين والمؤمنين والملائكة الكرام، وهي تعتبر من تمام رحمة الله تعالى بعباده وإحسانه إليهم.

    1.   

    الشفاعة

    الحمد الله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، ثم أما بعد:

    نتكلم الآن عن مسألة الشفاعة، وهي مسألة مهمة جداً، فالشفاعة لغة: أن تجعل الواحد اثنين.

    وشرعاً: هي التوسط للغير عند معظم لجلب منفعة أو دفع مضرة.

    أحوال الناس في العرصات وشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم في القضاء بين الناس

    وقبل أن ندخل في الشفاعة أقول: إن الناس في قبورهم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (قد التقم صاحب القرن القرن وأصغى ليؤذن له فينفخ) فنحن على مقربة من الساعة، ونسأل الله أن يميتنا على الإسلام، فينفخ في الصور النفخة الثانية فإذا الناس قيام ينظرون، كلهم يحشرون على أرض غير الأرض، وسماء غير السماء، فيحشرون حفاة عراة غرلاً -أي: غير مختونين- فيحشرون وقد بلغ العطش مبلغه منهم، واشتد الكرب عليهم، وكما قالت عائشة رضي الله عنها لما سمعت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (حفاة عراة، قالت عائشة مندهشة: يا رسول الله! عراة، قال: عراة، فقالت: يا رسول الله! ينظر بعضنا إلى بعض -أو ينظر الأخ إلى عورة أخيه- فقال: يا ابنة الصديق ! الأمر أشد من ذلك)؛ لأن الشمس تدنو من الرءوس قدر ميل، أو قدر شبر، وكما بينت قبل ذلك: فالإنسان يغرق في عرقه، منهم من يصل العرق إلى كعبيه، ومنهم من يصل إلى ركبتيه، ومنهم من يصل العرق إلى حقويه، ومنهم من يصل العرق إلى صدره، ومنهم من يصل العرق إلى وجهه، ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً، فيجتمعون ويشتد الأمر عليهم وكما وصف الله جل في علاه: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ [الحج:1-2] وحين هم سكارى يتخبطون ويقولون: (ألا ترون ما نحن فيه؟ ألا تدعون ربنا يكشف عنا هذه الكربة؟ ألا تشعرون بما نحن فيه من كرب شديد؟ فيقولون: نستشفع، فيذهبون فيقولون: من نجعله واسطة بيننا وبين ربنا؟ آدم، عبد خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه، فيذهبون إلى آدم فيقولون: يا آدم! أنت خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما بلغنا؟ اشفع لنا عند ربك)، ولم يطلبوا الشفاعة للتخفيف من الكرب، بل للقضاء والفصل، كما قال تعالى: وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ [الزخرف:77] فكثير من الناس ينتظرون المحاكمة، والكل سينتظر المحاكمة عند الله، والفارق بعيد، فانتظار المحاكمة من البشر أمر هين، يزول في ساعة أو في ساعتين أو في دقيقة، أما المحاكمة عند الرب جل في علاه فالكل سينتظر إتيان الله جل في علاه، والكرب شديد، حتى إن آدم يقول: اللهم سلم سلم، فيقول: (ليس لي، فيقول: اذهبوا إلى نوح أول رسول، فيذهبون إلى نوح عليه السلام، فيقول: ليس لي ويذكر خطيئته، اذهبوا إلى إبراهيم أبي الأنبياء، فيذهبون إلى إبراهيم، فيحيلهم على موسى، وهو يحيلهم على عيسى، وكل نبي يقول: لست لها، لست لها، اذهبوا إلى فلان، ثم يقول عيسى عليه السلام: اذهبوا إلى محمد -بأبي هو وأمي- فيقول محمد -بأبي هو وأمي-: أنا لها أنا لها، فيذهب صلى الله عليه وسلم عند العرش فيسجد، وهذا هو المقام المحمود تكرمةً من الله لمحمد صلى الله عليه وسلم على رءوس الخلائق: أن الله جل في علاه أمام الخلائق أجمعين لا يقبل أحداً يشفع في القضاء بين الناس إلا محمداً صلى الله عليه وسلم، فيأتي كرامة لمحمد عند العرش، فيخر ساجداً، فيعلمه الله محامد يثني على الله بها، فيقال له -بأبي هو وأمي-: يا محمد! ارفع رأسك، وسل تعط، واشفع تشفع، فيتوسط النبي صلى الله عليه وسلم -بمعنى الشفاعة- عند الله جل في علاه ليفصل بين العباد، فيأتي الله جل في علاه فيقضي بين العباد.

    وأول من يفصل الله جل في علاه بينهم، أو يقضي بينهم، أو أول من يحاكمهم الله جل في علاه هي الأمة الإسلامية. وقبل الشفاعة يضرب الجسر كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (فيضرب الجسر على متن جهنم) والجسر: هو الصراط الذي يعبرون عليه -اللهم اجعلنا ممن يعبر الصراط كطرفة عين يا رب العالمين- فتقف الأمة الإسلامية وتقف الأمم بأسرها يرون النار، فيها سبعون ألف زمام، كل زمام يجره سبعون ألف ملك -نسأل الله جل في علاه أن ينجينا منها- فتأتي النار ويضرب الجسر بين النار وبين الجنة وتقف الأمة الإسلامية على الصراط، ويصف النبي صلى الله عليه وسلم الصراط كما ثبت ذلك عن عائشة في مسند أحمد أن النبي صلى الله عليه وسلم وصف الصراط فقال: (أدق من الشعر، وأحد من السيف، فيه كلاليب -خطاطيف- تخطف الناس) والكلاليب كما وصفها النبي صلى الله عليه وسلم: كشوك السعدان، فإذا أخذت بيد أحد أو برجله أو جسده فلن يفوت منها، بل لا بد من أن تنزل به إلى نار جهنم والعياذ بالله، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: كل الأمم لا يتكلمون في هذا الموقف العظيم إلا الرسل فإنهم يقولون: اللهم سلم سلم، وهذه مقولة إبراهيم ونوح وموسى وعيسى أولي العزم من الرسل، ويصف النبي صلى الله عليه وسلم عبور الناس على الصراط بأن المؤمنين الخلص الذين اتقوا ربهم وأدوا الفرائض وانتهوا عن المحرمات، وتقربوا إلى الله بالنوافل يمرون كطرفة عين، ومنهم من يمر كالريح المرسلة، ومنهم كأجاويد الخيل، ومنهم كالطير، ومنهم من يمشي، ومنهم من يزحف، وآخر هذه الأمة عبوراً على الصراط هو من يحبو على الصراط، ومنهم المكردس، ومنهم الذي تخطفه الكلاليب، ومنهم الذي يخدش لكن ينجو بفضل الله عليه، اللهم اجعلنا ممن يمر على الصراط كطرفة عين.

    وهذا الذي فسره ابن مسعود في قول الله تعالى: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا [مريم:71] قال: هو المرور على الصراط، فاللهم سلم سلم، واجعلنا ممن يمر على هذا الصراط كطرفة عين.

    أنواع الشفاعة

    والتأصيل العام للشفاعة أنها كلها لله كما قال الله تعالى: قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا [الزمر:44] فإذا كانت الشفاعة لله جل في علاه فإنه لن يؤذن لأحد أن يشفع إلا بالشروط التي بينها الله جل في علاه، فلا يمكن لأحد أن يشفع دون إذن الله جل في علاه؛ للفارق بين الخالق والمخلوق، فالمخلوق لك أن تشفع عنده دون أن تستأذنه، أما الله جل في علاه سبحانه وتعالى فلا يشفع أحد عنده إلا بإذنه.

    والشفاعة شفاعتان: شفاعة مثبتة، وشفاعة منفية.

    والشفاعة المنفية: هي الشفاعة لأهل الشرك، ولا يمكن أن يقبل الله شفاعة لأهل الشرك، والأدلة على ذلك كثيرة من الكتاب والسنة، أما من الكتاب فقول الله تعالى: أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ [البقرة:254] وقوله تعالى: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ * وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنصَرُونَ [البقرة:47-48] فنفى الشفاعة هنا، وهذه الآية مجملة، والدليل على أن المقصود بها الشفاعة للكافرين هو قول الله تعالى عن الكافرين: فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ [المدثر:48] وقول الله على لسانهم وهم في النار: فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ [الشعراء:100-101].

    إذاً: الشفاعة المنفية هنا هي الشفاعة لأهل الشرك، فلا يمكن أن يقبل الله جل في علاه شفاعة لأهل الشرك.

    وأما استغفار إبراهيم ثم إتيانه يوم القيامة ليشفع في أبيه فإنه سيتبرأ منه كما قال الله تعالى: فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ [التوبة:114] وهذه أظهر الآيات في الدلالة؛ فإن إبراهيم عليه السلام لا يمكن أن يشفع في أبيه، فمن باب أولى غيره.

    1.   

    أقسام الشفاعة المثبتة

    أما الشفاعة الثانية وهي الشفاعة المثبتة، فهي تنقسم إلى شفاعة خاصة وشفاعة عامة.

    الشفاعة الخاصة وأنواعها

    الشفاعة الخاصة هي شفاعة خاصة بنبينا تكرمة من الله له، فهو أكرم الخلق على الله جل في علاه.

    والشفاعة الخاصة به صلى الله عليه وسلم على أنواع ثلاثة:

    النوع الأول: الشفاعة في أهل الموقف؛ لأن الناس عندما يشتد عليهم الكرب يذهبون إلى الأنبياء فيقول كل نبي: لست لها لست لها، حتى يأتون النبي صلى الله عليه وسلم فيقول: أنا لها أنا لها، ثم يسجد تحت العرش فيقال: (يا محمد! ارفع رأسك، وسل تعط، واشفع تشفع) فهذا المقام المحمود، وهذه شفاعة خاصة بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم تكرمة الله لنبينا.

    النوع الثاني: الشفاعة والتوسط ليدخل أهل الجنة الجنة، وهذه تبين لنا أن الإنسان لا يمكن أن يرضي ربه، ولا يمكن بحال من الأحوال أن يقبله الله إلا إذا أتى من خلف النبي صلى الله عليه وسلم، حتى بعد أن قضى الله بين العباد، وبعد أن قضى لأهل الجنة بدخول الجنة، ولأهل النار بدخول النار، فأهل النار يتساقطون في النار ولا يحتاجون إلى شيء، أما أهل الجنة فلا يمكن أن يدخلوا الجنة ويكمل لهم التمتع بالجنة إلا بعد شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم، كما في الصحيح: (أن النبي صلى الله عليه وسلم يأتي إلى باب الجنة فيشفع لأهل الجنة أن يدخلوا الجنة فيطرق الباب، فيقول الملك: من؟ فيقول: محمد، فيقول ألا أفتح لأحد قبلك: نعم، بك أمرت) يعني: لا أفتح إلا لك، فلا يدخل أحد الجنة حتى يشفع النبي صلى الله عليه وسلم لأهل الجنة أن يدخلوا الجنة بأبي هو وأمي، نسأل الله أن يشفعه فينا، وأن يجعلنا مؤهلين لأن يشفع فينا نبينا.

    النوع الثالث: شفاعته لعمه الكافر، مع أن الله قد نهى عن الشفاعة للكافرين إلا للنبي صلى الله عليه وسلم في عمه أبي طالب فإن النبي صلى الله عليه وسلم ذات مرة جاءه العباس فقال: (ماذا فعلت لعمك؟ كان ينافح عنك، ويناصرك ويحوطك، فماذا فعلت له؟ فقال: هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا -يعني: لولا شفاعتي- لكان في الدرك الأسفل من النار)، فهو بشفاعة النبي في ضحضاح من النار، أو قال: (يلبس نعلين من نار يغلي بهما دماغه)، فهذه شفاعة للنبي صلى الله عليه وسلم، وحتى هذه الشفاعة لم يقبلها الله كاملةً، بل قبل منه أن يخفف عنه العذاب، فهو يلبس نعلين من نار يغلي بهما دماغه والعياذ بالله.

    أما الأقسام الثلاثة الباقية فهي عامة، ويشترك فيها محمد صلى الله عليه وسلم والأنبياء والمرسلون والمؤمنون والملائكة. وهذه الأنواع الثلاثة اتفق العلماء عليها إلا بعض المتصوفة الذين أنكروا أصالة أن يكون أبو طالب في النار، هؤلاء الذين ابتدعوا هذه البدعة، لكن اتفقت كلمة أهل السنة والجماعة على الأقسام الثلاثة الخاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم.

    الشفاعة العامة وأنواعها

    والمعتزلة والخوارج أنكروا شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم في أهل الكبائر الذين استحقوا النار ألا يدخلوها، والحق أن أهل المعاصي من المسلمين يشفع فيهم الأنبياء والمرسلون والمؤمنون، فيقبل الله الشفاعة فلا يدخلهم النار، وهذه شفاعة عظيمة جداً في أهل الكبائر.

    والدليل العام في هذه المسألة قول النبي صلى الله عليه وسلم: (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي) كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما من نبي إلا وكانت له دعوة مستجابة، وأردت أن أختبئ دعوتي شفاعةً لأمتي يوم القيامة) فيدخل تحتها العصاة، ويدخل تحتها الأبرار الذين هم على التقى، فهذه شفاعة عظيمة جليلة.

    ويستدل لها خاصة بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: (ما من رجل يصلي عليه أربعون إلا شفعهم الله فيه)، ووجه الدلالة أن قوله: (رجل) نكرة، فيدخل تحته المؤمن البار، والفاجر الطالح، والفاجر الطالح بمعنى: أن سيئاته تغلب على حسناته، فيشفِّع الله فيه الذين صلوا عليه ويقبل شفاعتهم فيه، فهذه فيها دلالة على الشفاعة لأهل الكبائر.

    الشفاعة الثانية التي تعم: الشفاعة في أناس جعل الله لهم منزلة في الجنة فيشفع النبي صلى الله عليه وسلم أن تكون لهم منزلة أرقى وأعلى من هذه المنزلة، كرجل منحه الله منزلة عليا وأبوه في منزلة دنيا، فالنبي صلى الله عليه وسلم يشفع ليصل هذا الأب إلى منزلة الابن.

    ويمكن أن يستدل لهذه الشفاعة بقول الله تعالى: أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ [الطور:21] وهذه أيضاً بالاتفاق.

    والشفاعة الأخيرة: الشفاعة في أناس قد صاروا فحماً، وهم أناس من أهل الكبائر غلبت سيئاتهم على حسناتهم -نعوذ بالله أن نكون منهم- ودخلوا النار وهم موحدون، فصاروا فحماً، فيأتي النبي، ويأتي الملك، ويأتي المؤمن، يشفع في هؤلاء فيخرجون من النار، ويسمون الجهنميون، ثم تأخذهم الملائكة فتلقي كل واحد منهم في نهر الحياة، فيحيا فيدخل الجنة بهذه الشفاعة.

    وهذه الشفاعة اتفقت كلمة أهل السنة والجماعة على أنها حاصلة للنبي وللأنبياء والملائكة والمؤمنين، غير أن المعتزلة والخوارج أنكروا هذه الشفاعة، وممن علا صوته واشتهر بين الناس بإنكار هذه الشفاعة في هذه الأيام هو مصطفى محمود، وهذا طبعاً نتاج لفكر الاعتزال؛ لأن المعتزلة يرون أن صاحب الكبيرة لا يمكن أن يخرج من النار، بل هو مخلد فيها؛ لأن تأصيل الإيمان عند المعتزلة والخوارج تأصيل واحد لكن يفترقان في الاسم، فالمعتزلة يقولون: هو في منزلة بين المنزلتين، أي: لا نقول مؤمن ولا نقول كافر، والخوارج أشجع منهم وأقوى فقالوا: الذي يصنع الكبيرة ويفعلها كافر، فالمغتاب مثلاً يقولون عنه: كافر، لا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين، ولا يمكن أن يشفع فيه أحد؛ لأنه يعتبر خالداً مخلداً في نار جهنم والعياذ بالله.

    والمعتزلة يقولون: هو في الدنيا في منزلة بين المنزلتين، أما في الآخرة فهو خالد مخلد في نار جهنم والعياذ بالله، فهؤلاء أنكروا الشفاعة لأهل الكبائر؛ لأنهم لو أقروا بها لهدمت الأصول التي بنوها؛ لأن الشفاعة لا تكون إلا لأهل التوحيد، وهم أخرجوهم من دائرة أهل التوحيد.

    والدليل على هذه الشفاعة قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الطويل حديث القبضة، يقول الله جل في علاه: (شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين، فيقبض قبضة من النار، فيخرج منها قوماً لم يعملوا خيراً قط)..

    وهذا تمام الكلام عن الشفاعة، نسأل الله جل وعلا أن يؤهلنا لشفاعة نبينا فينا.