إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. محمد حسن عبد الغفار
  4. سلسلة شرح كتاب لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد
  5. شرح لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد - صفة النزول لله عز وجل

شرح لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد - صفة النزول لله عز وجلللشيخ : محمد حسن عبد الغفار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • صفات الله عز وجل ثابتة بالكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، وقد قرأها الصحابة والتابعون وسمعوها من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، فآمنوا بها كما جاءت من غير تحريف ولا تأويل ولا تشبيه ولا تعطيل، حتى جاء من بعدهم أقوام فحكموا عقولهم في هذه الصفات فأثبتوا منها ما أثبتوا، ونفوا غيرها بلا دليل ولا برهان.

    1.   

    صفة النزول

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    ثم أما بعد:

    صفة النزول هي صفة ثبوتية لله جل وعلا، ثبتت لله بالكتاب والسنة وإجماع أهل السنة، وهي صفة فعلية، والنزول في اللغة معلوم، لكن الكيف مجهول، فلا يعلمه إلا الله، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.

    أما الأدلة من الكتاب فقوله تعالى: هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ [البقرة:210]، فهذه تدل على نزول، وهذا من باب الاستنباط، لأن الحساب سيكون على أرض غير الأرض، كما قال تعالى: يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ [إبراهيم:48]، فيأتي الله جل في علاه فيفصل بين العباد.

    والدليل الصريح في النزول حديث الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ينزل ربنا ثلث الليل الآخر). وفي رواية: (ثلث الليل الأول)، وفي رواية: (إلى الفجر)، والغرض المقصود أنه صرح فقال: (ينزل ربنا). فهذه الصفة مضافة إلى الله إضافة معنى وليست إضافة عين. والمضاف له نوعان: عين ومعنى، فهذه إضافة معنى لله جل في علاه، فينزل ربنا ثلث الليل الآخر.

    أنواع النزول

    النزول أنواع: نزول عام، ونزول خاص. فالنزول العام هو: نزول الله جل في علاه كل ليلة. وهذا نزول يعم أهل الإيمان والصلاة، وأهل الكفر والعصيان والفسق والفجور، فيعم كل الخليقة.

    والنزول الثاني نزول خاص: وهو أنواع، فمنها: نزول خاص بالحجيج فقط. كما جاء في الحديث الصحيح لغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله ينزل إلى السماء الدنيا، فيباهي الملائكة بأهل الموقف، فيقول: انظروا إلى هؤلاء جاءوني شعثاً غبراً فأشهدكم أني قد غفرت لهم). فهذا نزول خاص يختص بالحجيج، فهنيئاً لمن كتب الله له أن يكون على الموقف في عرفة، فإن الله ينزل خصيصاً لهؤلاء، فينزل نزولاً يليق بجلاله وكماله وجماله، فيباهي الملائكة بهؤلاء الحجيج.

    ومنها نزول خاص في ليلة النصف من شعبان، وهذا أعم من الأول مع أنه نزول خاص؛ لأن الأول يختص بالحجيج، أما ليلة النصف من شعبان فيعم المسلمين الفاجر منهم والمصدق إلا المشرك والمشاحن، فالله ينزل إلى السماء الدنيا ليلة النصف من شعبان، فيغفر لكل أحد، إلا الكافر والمشاحن، أي: الذي يحمل ضغائن في قلبه. وهذا فيه دلالة على أن المرء الذي في قلبه حقد على أخيه مبغوض عند الله جل في علاه، ومطرود من رحمة الله جل في علاه، ولا غرو في ذلك.

    وقد صح عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ترفع الأعمال يوم الإثنين والخميس، فينظر في الصحائف فيقول: انظرا هذين حتى يصطلحا )، فلا تقبل الصحائف وإن كان فيها الصيام والقيام والصدقة والجهاد، لكن إن كان في القلب شيء من الدغل لأخيه فإن هذه الصحائف لا تقبل عند الله جل في علاه. فنقاء القلب يرتفع به المرء، ودغل القلب ينخفض به المرء، وكفانا قول الله تعالى: رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا [الإسراء:25].

    وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب).

    وأما النزول العام فقد جاء في الحديث (ينزل ربنا ثلث الليل الأول)، كما جاء عن أبي هريرة وجاء في الرواية الأخرى: (ينزل ثلث الليل الآخر). وجاءت الآيات والأحاديث تثبت شهود قراءة الفجر، فقال تعالى: وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا [الإسراء:78]. وطرق الجمع بين هذه الروايات التي تبدو كأنها مختلفة متعارضة أن نقول: إن الله ينزل ثلث الليل الأول، وثلث الليل الآخر يكون قد نزل جل في علاه، أو نازلاً في السماء، وينزل في الفجر يشهد الفجر.

    نزول الله إلى السماء الدنيا لا يستلزم خلو العرش منه ولا يستلزم أن تقله السماوات أو تظله

    إذا نزل الله جل في علاه إلى السماء الدنيا فإنها لا تقله، ولا تظله السماء الثانية أو الثالثة أو الرابعة، وإنما ينزل الله، والسماء لا تقله ولا تظله، بل السماء أحوج ما تكون لربها جل في علاه، فهو الذي يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه.

    وإذا نزل فهل يخلو منه العرش أو لا يخلو منه العرش؟

    في المسألة ثلاثة أقوال:

    القول الأول: ينزل ويخلو منه العرش.

    القول الثاني: ينزل ولا يخلو منه العرش.

    القول الثالث: التوقف. والصحيح الراجح: أن نقول بالتوقف. وإن كان وجهة نظر من قال: إنه ينزل ولا يخلو منه العرش -وهذا قول شيخ الإسلام ابن تيمية - قول قوي جداً؛ لأنه جمع بين الآيات والأحاديث، فقال: قال الله تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5]، فقد علمنا أن الله استوى إلى يوم القيامة فهو مستو على عرشه سبحانه وتعالى، وقال النبي: (ينزل ربنا إلى السماء الدنيا). فنعمل الدليلين: إن الله استوى على العرش، ونقول: إن الله ينزل إلى السماء الدنيا، ولا يخلو منه العرش، ولكن الأسلم والأحوط لنا أن نتوقف ونقول: إن ربنا استوى على العرش، وإن ربنا ينزل. ونتوقف عن القول هل يخلو منه العرش أو لا يخلو منه العرش؟ لأن الدليل لم يأت بذلك، وهذا الكلام لم يأت به السلف، فنسكت عنه ونكف، فهذا أفضل لنا.

    الحث على اغتنام أوقات نزول الله تعالى

    إذا اعتقد المرء بنزول ربه جل في علاه فعليه أن يتلمس هذه الأوقات الفاضلة التي ينزل فيها ربه؛ لأنها أوقات استجابة الدعاء. فمن كان له حاجة عند ربه فليتذلل له في هذه الأوقات اللطيفة العظيمة المقدسة، التي ينزل الله فيها إلى السماء الدنيا؛ لأنه (ينزل فيقول: هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من سائل فأعطيه؟). وفي رواية في السنن بسند صحيح قال: (هل من مستشف فأشفيه؟). فالمريض عليه بالسحر، والمحتاج عليه بالسحر، والذي يريد الرفعة عليه بالسحر. فإن الله ينزل ويستجيب الدعاء، فيتعبد العبد لله بهذه الصفة الجليلة، ويتلمس وقت نزول الله فيتعبد لله، إما قائماً لله ليلاً، وإما ذاكراً تالياً للقرآن، وإما عابداً متنسكاً متذللاً متضرعاً خاضعاً متمسكناً داعياً راجياً ربه. وإن الله حيي كريم يستحيي أن يرفع العبد يده إليه فيردهما خائبتين، سبحانه جل في علاه.

    موقف أهل البدع من صفة النزول والرد عليهم

    أهل البدعة والضلالة ما تركونا نهنأ بهذه الصفة، ولا ندري كيف أن حلاوة الإيمان وبشاشته تدخل إلى هذه القلوب الخربة التي أولت صفات ربنا وحرفتها. فقالوا: معنى: (ينزل ربنا)، أي: ينزل أمر ربنا، وتنزل رحمة ربنا. وعندنا أدلة بذلك كثيرة.

    منها: أن الله خلق مائة رحمة، فأنزل واحدة من هذه الرحمات، فينزل ربنا يعني: تنزل رحمة ربنا، أو ينزل أمر ربنا، كما قال تعالى: أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ [النحل:1].

    ونقول لهم: خالفتم ظاهر الكتاب، وخالفتم ظاهر السنة، وخالفتم إجماع الصحابة. وكفى بهذه المخالفات تضييع لكم. والدين هو ما جاء به الرسول وجاء به الصحابة رضوان الله عليهم.

    ثانياً: إذا خالفتم النص النبوي فقد اتهمتم رسول الله بالتقصير في البيان، والله قد أمره بالتبيين، فقال: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ [المائدة:67]، وقال: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ [النحل:44]، فلو كان النزول نزول الرحمة، أو نزول الأمر، ولم يبين النبي فقد قصر في البلاغ، وقصر في النصح للأمة، وهو أنصح الأمة للأمة صلى الله عليه وسلم بأبي هو وأمي.

    ثالثاً: إن تأويل النزول بأنه نزول الرحمة هذا لازم لصفة نزول الله جل في علاه، فنحن نثبت النزول، ونثبت الرحمة؛ لأن لازم نزول الله أنه سيرحم، كما في حديث النزول أنه يقول: (هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستشف فأشفيه؟)، إذاً: فلازم نزول الله جل في علاه أنه يلزم من ذلك رحمات الله.

    رابعاً: إن تنزلنا معكم وقلنا بقولكم فإنه ينتج لنا لوازم باطلة، منها: إن رحمة الله ستقول: (هل من سائل فأعطيه؟ هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟). ونحن ليس عندنا صكوك غفران، والذي يعفو ويمنح ويعطي ويشفي ويمرض هو الله، وليس الرحمة أو الأمر، والدليل على ذلك قوله تعالى: وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ [الشعراء:80]. هذا على التفصيل. ومن الإجمال قوله تعالى: وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الأنعام:17].