إسلام ويب

شرح الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد - التبرك [1]للشيخ : محمد حسن عبد الغفار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • وصف الله سبحانه وتعالى نفسه في غير موضع من القرآن الكريم بـ(تبارك)، فمنه وحده تستمد البركة وتلتمس، ولا يمكن أن يلتمسها العبد من غيره؛ لأنه قد يقع في الشرك المنافي للتوحيد الخالص، وقد استمدت بعض الأماكن والأزمنة بعض البركة المشروعة، والتي يجوز أن يلتمس المسلم منها شيئاً.

    1.   

    معنى التبرك

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102] .

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71] .

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    ثم أما بعد:

    فسنتكلم بمشيئة الله تعالى على مسألة مهمة جداً، ألا وهي: مسألة التبرك، وهي مسألة شائكة في توحيد الألوهية، لا سيما وأن فيها خلافات لبعض أهل العلم، فلا بد من إتقان مثل هذه المسألة .

    فالتبرك: من البركة، والبركة لغة: ثبوت الخير أو زيادته ونمائه؛ والبركة ما سميت برْكة إلا لثبوت الماء فيها، قال الله تعالى: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ [الأعراف:96] ، وأيضاً قال الله تعالى: نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا [النمل:8] ، فهو يدل على ثبوت الخير، أو طلب ثبوته وزيادته ونمائه.

    ومعنى التبرك: طلب البركة، أي: أن من تبرك فقد طلب ثبوت الخير وزيادته ونمائه، فأما أن نقول: عنده خير فتتبرك بأمر معين لثبوت هذا الخير له، وأيضاً تبرك لزيادته ونمائه.

    والتبرك عبادة؛ لأن الطلب سؤال ودعاء، والدعاء عبادة، وقد بينا سابقاً أن الأدلة على أن الطلب والسؤال عبادة، قول الله تعالى: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة:186] .

    وقال النبي صلى الله عليه وسلم لـابن عباس ناصحاً إياه: (وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله).

    والتبرك منه ما هو مشروع، ومنه ما هو ممنوع، ومنه ما هو مختلف فيه؛ لأن القاعدة تقول: الأصل في العبادات أنها توقيفية، وإذا ثبت الأمر أنه عبادة، فصرفه لا يكون إلا لله، وصرفه لغير الله شرك .

    1.   

    اتصاف الله بصفة البركة

    يتصف الله جل وعلا بـ (تبارك)، ولا يصح أن يصف المسلم ربه إلا بتبارك؛ لأنه لم يرد صفة من صفاته انفرد الله بها جل في علاه في مسألة البركة إلا بتبارك، قال تعالى: تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ [الفرقان:1] ، وقال تعالى: تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا [الفرقان:61]، فتبارك صفة يختص بها الله، فلا يشاركه فيها أحد، ولا يصح لك أن تقول: إن الله مبارك حاشا لله؛ لأن المبارك اسم مفعول، معناه: أن هناك من أتاه بالبركة، نعوذ بالله من ذلك .

    وتبارك تمجيد وتعظيم لله سبحانه جل في علاه، كما قال ابن القيم : البركة كل البركة من عند الله جل في علاه، فمن طلب البركة فلا يطلبها إلا من الله جل في علاه.

    والله جل في علاه أباح لنا أن نصف صفة من صفاته بالبركة، فإذا قلنا: رحمة الله مباركة يصح ذلك، وإذا قلت أيضاً: عزة الله مباركة، قوة الله مباركة، قدرة الله مباركة يصح، والدليل على ذلك: أن الله وصف صفة من صفاته بالبركة فقال: كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ [ص:29] ، فقال: مبارك، والكتاب هو كلام الله، وكلام الله صفة من صفاته جل في علاه، فيصح أن تقول: كلام الله مبارك.

    ومعلوم أن كلام الله مبارك؛ لأن فيه شفاء للناس، وقراءته بركة، وتلاوته بركة، واستماعه بركة، وتدبره بركة.

    جواز إطلاق البركة على بعض الأماكن

    وبعض الأماكن قد بين الله أنها فيها زيادة بركة، فتطلب البركة فيها.

    ومن هذه الأماكن ما ذكره الله في قوله: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ [الإسراء:1] ، وقال الله تعالى: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا [آل عمران:96].

    جواز إطلاق البركة على بعض الأشخاص

    وهناك أيضاً أشخاص فيها البركة، وأعظم الناس بركة على الإطلاق هو رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما أشرقت شمسه على البشرية، فأتاه الخير من كل جوانب الدنيا بأسرها، وفي عشرين عاماً كان قد ملك أصحابه الدنيا بأسرها، وجابوا مشارق الأرض ومغاربها، وعبدوا الناس لله جل في علاه، وأروع ما ضرب في ذلك حديث ربعي عندما دخل على رستم ، وقال: من أنتم؟ وماذا تريدون؟ قال: نحن عباد لله.

    فالشاهد أنه قال: عباد لله، ابتعثنا الله لنخرج العباد من عبادة الدنيا أو من عبادة الأصنام إلى عبادة الواحد القهار.

    فعبدوا الدنيا كلها لله، وهذه كلها بركة، إذ أن البركة تحل بتوحيد الله الخالص دون أدنى شك.

    1.   

    أنواع التبرك

    التبرك الممنوع وبيان رده

    نجد بعض الناس من يتبرك عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم، ويصلي في الغرفة التي هو مدفون فيها، وهذا لا يجوز؛ لأن التبرك المشروع يكون بالصلاة في المسجد النبوي، وهذا كثيراً ما يحدث من النساء، وذلك عندما يدخلن فيتبركن بقبر النبي صلى الله عليه وسلم، أو بالدعاء عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا تبرك ممنوع، ولو كان خيراً لسبقونا إليه.

    ومن التبرك الممنوع: التبرك بالأوقات والأزمنة، وأصحاب هذا التبرك يكونون خاملين في ذكر الله، وفي عبادة الله جل في علاه، إلا في أوقات معينة، وهذه الأوقات والأزمنة يلتمسون فيها البركة، مثل: زمن المولد النبوي، فتراهم يجتمعون ويحتفلون ويتكلمون عن سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك بالمدائح والقصائد والأشعار، وإذا سألتهم قالوا: هذا مولد النبي صلى الله عليه وسلم، وأعظم بركة على الدنيا هي بركة يوم مولد النبي صلى الله عليه وسلم، فيجتهدون بالتصدق والزكوات وإظهار الفرحة والسرور والعبادات في هذه الأوقات.

    ومن تلك الأزمنة أيضاً: يوم الإسراء والمعراج، فترى الفضائيات تأتيك بالاحتفالات الباهظة الثمن التي ينفق عليها نفقات عالية جداً، ويتبركون بهذه الأوقات ويتعبدون بها لله جل في علاه.

    ومن ذلك: ليلة النصف من شعبان، وإن كان الحديث الذي ورد في فضلها ضعيفاً، لكن عضد بروايات أخرى، وهي: أن النبي صلى الله عليه وسلم بين أن الله يطلع على عباده فيغفر لكل العباد ما عدا المشاحن والمشرك، ويقولون: هذا يوم مغفرة، ويوم بركة -وحقاً أنه يوم بركة- فيتقصدون فيه عبادة معينة.

    ومن أنواع التبرك الممنوع: التبرك بالتراب أو بتراب القبور، أو الاستشفاء بالقبور، أو التبرك بالصلاة عند المقبور، وذلك مثل ذهاب بعض الأشخاص إلى قبر أبي العباس ، أو البدوي ، أو قبر أبي الدرداء وغيرها من القبور.

    ومن قال: إن التبركات هذه زيادة خير، فعليهم أن يأتونا بالدليل، ولا دليل لهم، بل قد جاء حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين أنه قال: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (من أحدث في ديننا هذا ما ليس منه، فهو باطل) .

    فقام قائمهم وقال: نرد عليكم هذا الدليل، وذلك أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قد فعلوا ذلك، ومنهم: أبو بسرة الفغاري رضي الله عنه وأرضاه، فقد ذهب إلى جبل الطور ليصلي هناك؛ تبركاً بالمكان، وكثير من التابعين كانوا يذهبون إلى مسجد بين مكة والمدينة يصلون فيه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي فيه.

    لكن نقول: إن الرد عليكم من وجهين:

    الوجه الأول: أن أكابر الصحابة قد أنكروا على من فعل ذلك، فـأبو هريرة رضي الله عنه وأرضاه قابل أبا بسرة الغفاري وهو راجع من الطور، فقال له: إلى أين ذهبت؟ فقال: ذهبت إلى جبل الطور أصلي هناك، قال: أما إني لو أدركتك ما فعلت ذلك، سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد)، وكأنه يقول: شددت الرحل طلباً للبركة بالصلاة في جبل الطور! والنبي صلى الله عليه وسلم قد منع من ذلك، وحرمه تصريحاً بقوله: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الأقصى، والمسجد النبوي، والمسجد الحرام) .

    و عمر الفاروق رضي الله عنه وأرضاه عندما خاطب الحجر قائلاً: لولا أني رأيت رسول الله يقبلك ما قبلتك؛ إنك حجر لا تنفع ولا تضر، قال ذلك حفاظاً على التوحيد، وسداً للذريعة.

    كذلك لما أخبر عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه بالذين يصلون تحت شجرة الرضوان ويتقصدون هذا المكان، فذهب وقطع الشجرة سداً للذريعة، وهذا فيه دلالة واضحة جداً على تحريم التبرك عند شجرة الرضوان.

    وهناك دليل آخر وهو: حديث أبي واقد الليثي في مسند أحمد بسند صحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه مروا على أقوام يعلقون سيوفهم على شجرة ويتبركون بذلك، أو يتعبدون للشجرة، فقالوا: (يا رسول الله! اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: الله أكبر! لقد قلتم مثلما قال أصحاب موسى لموسى، قالوا: اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ [الأعراف:138])، إنها السنن، لتركبن سنن الذين من قبلكم.

    والنبي صلى الله عليه وسلم عذرهم بجهلهم ولم يكفرهم، وهذه الفائدة الكبرى التي نستنبطها من هذا الحديث: وهو أنه من أتى بكفر سواء كفراً أكبر أو كفراً أصغر لا يكفر، أي: لا ينزل عليه الحكم عيناً، إلا إذا أقيمت الحجة وأزيلت الشبهة.

    وأيضاً من التبرك الممنوع: التبرك والتمسح بالكعبة.

    وكذلك التبرك: بمقام إبراهيم.

    وكذلك التبرك: بالركن اليماني، أو بأي ركن من أركان الكعبة.

    كله من التبرك الممنوع.

    وكذلك التبرك: بالتمسح بالحجر الأسود، والجائز هو تقبيله فقط، وهذا التقبيل ليس طلباً للبركة، وإنما استناناً بسنة النبي الكريم عليه الصلاة والسلام.

    فقد جاء أمير المؤمنين وكاتب الوحي معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه وأرضاه، جاء حاجاً، فتلمس البركة بالتمسح في كل جوانب الكعبة، ومسح على الحجر الأسود والركن اليماني والشمالي والعراقي وغيره، وقال: ليس من الكعبة شيئاً مهجوراً.

    فخالفه ابن عباس رضي الله عنه وأرضاه فقال له: يا معاوية ! لا تفعل، والله ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل فعلك.

    فقال: صدقت يا أبا العباس ! أو قال صدقت يا عبد الله بن عباس ! وكف عن ذلك.

    التبرك المشروع

    القسم الثاني التبرك المشروع، فمن سماحة الشرع الحنيف أنه إذا سد باباً على الناس فتح عليهم أبواباً .

    فالبركة تأتي بأقوال وأفعال وأزمنة وأماكن، ومن هذه الأقوال: تلاوة كتاب الله جل في علاه، فالبركة كل البركة في ذكر الله جل في علاه، وفي تلاوة قرآن الله جل في علاه، قال الله تعالى: كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ [ص:29].

    ومن هذه البركة: ما قاله ابن مسعود في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (اقرءوا القرآن، فإن لكم بكل حرف -هنا البركة- حسنة، والحسنة بعشرة أمثالها، لا أقول: ألم حرف، ولكن: ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف).

    فإذاً: التماس البركة في تلاوة القرآن، وأخص بذلك سورة البقرة، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في سورة البقرة: (اقرءوا البقرة، فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا يستطيعها البطلة) ، أي: السحرة، فالبركة كل البركة في سورة البقرة .

    وأيضاً من التماس البركة في الأقوال: ذكر الله جل في علاه، والثناء عليه، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في مجالس العلم، فالبركة كل البركة عند ذكر الله والتذاكر لكلام الله وكلام الرسول صلى الله عليه وسلم.

    والدليل على ذلك: حديث ورد في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من ذكرني في نفسه، ذكرته في نفسي -بركة الذكر في النفس- ومن ذكرني في ملأ - هنا البركة - ذكرته في ملأ خير منه) وهو ملأ الملائكة.

    ومن بركة مجالس الذكر: حديث: (هم القوم لا يشقى بهم جليسهم).

    فإذاً: بذكر الله جل في علاه، وبالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم تحصل البركة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من صلى علي واحدة صلى الله عليه بها عشراً) ، فهذه بركة ليس بعدها بركة، وأشد من ذلك بركة أن تستقبل دعاءك بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وتؤخر الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في آخر الدعاء، فحري أن يجاب لك.

    بل إذا جعلت كل دعاءك صلاة على النبي صلى الله عليه وسلم -كما بينه صلى الله عليه وسلم بأبي هو وأمي- فإنه يغفر ذنبك ويفرج همك، ويأتيك الله بما تحب وبما تشتهي .

    أيضاً: التبرك بالأفعال، ومن أهم هذه الأفعال التي يمكن أن يتبرك بها المرء: الصلاة، وكثرة السجود، والتذلل لله جل في علاه، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لأحد أصحابه: (تمن، قال: أتمنى مرافقتك في الجنة، فقال له رسول الله: فأعني على نفسك بكثرة السجود) ، فأي بركة توازي هذه البركة، وأنت تكثر من السجود فترتفع درجة في الجنات حتى توازي درجة النبي صلى الله عليه وسلم في الفردوس الأعلى.

    وأيضاً من هذه البركة: ما ورد في السنن أن أبا ذر دخل على بعض التابعين، فصلى كثيراً ولم يَعُدْ ثم سلم، فقال بعضهم: ما بال هذا الرجل صلى كثيراً ولا يعرف خرج من صلاته على وتر أم على شفع؟! فلما سمع ذلك قال: ألا تعرفوني؟ قال: أنا أبو ذر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما سجد عبد لله سجدة، إلا رفعه الله بها درجة، وحط بها عنه خطيئة) ، وهذه بركة ليست بعدها بركة.

    وكذلك الصوم: فمن أكثر من الصوم فتحت له أبواب الخير الكثيرة.

    والأزمنة كذلك: فهناك أزمنة منها: يوم عاشوراء، وفيه بركة ليست بعدها بركة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أحتسب على الله أن يكفر سنة ماضية)، فصوم عاشوراء فيه بركة أيما بركة، وهي: تكفير كل المعاصي التي في السنة الماضية، وعلى خلاف بين العلماء، هل هذا يشمل الكبائر أم الصغائر؟ لسنا بصدد التفصيل في ذلك، لكن الراجح أنه يشمل الصغائر فقط.

    وكذلك يوم عرفة الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (أحتسب على الله أن يكفر سنة ماضية وسنة مستقبلية).

    ومن هذه الأوقات: وقت السحر، فخاب وخسر من ضيع وقت السحر ، وقت السحر وما أدراك ما وقت السحر؟! وقت السحر عندما يخيم السكون، والليل قد أقبل وغارت نجومه، والله نازل في السماء يستقبل عباده، نزولاً يليق بجلاله وكماله، فيقول: هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من داع فأستجيب له؟ هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستشف فأشفيه؟

    وقد قال الله مادحاً عباده المؤمنين بقوله: كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الذاريات:17-18].

    فأي بركة في هذه الأوقات، فهذه أوقات مباركة لا بد للإنسان أن يستغل فيها هذه البركة، ويدعو الله جل وعلا فيها.

    أيضاً من هذه الأوقات: يوم الجمعة وهو الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (خير يوم طلعت عليه الشمس) -وهو خير يوم على الإطلاق- فيه خلق آدم، وفيه أخرج من الجنة، وفيه تقوم الساعة، بل قال النبي صلى الله عليه وسلم -وهذا من بركة يوم الجمعة- (فيه ساعة لا يسأل عبد فيها الله جل في علاه إلا أجابه) .

    ومن بركة الجمعة: أن من مات فيها كانت علامة على حسن الخاتمة.

    ومن الأزمنة: البكور، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اللهم بارك لأمتي في بكورها) فمن أراد العمل بعد الفجر، فالبركة كل البركة بعد الفجر، ولذلك كان الصحابة لا ينامون بعد الفجر إلا من شيء.

    ومن الأماكن التي يتبرك فيها أو تتخذ وسيلة لالتماس البركة بالاجتهاد بالعبادة فيها: مسجد النبي صلى الله عليه وسلم والمسجد الأقصى والمسجد الحرام، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (الصلاة في مسجدي هذا بألف صلاة في أي مسجد آخر إلا المسجد الحرام، وصلاة المسجد الحرام بمائة ألف صلاة) ، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، وبيوتهن خير لهن).

    ومن أنواع التبرك المشروع: التبرك بالأطعمة وبالمأكولات، والهيئات في المأكولات، ومن هذا العسل ففيه بركة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (فيه شفاء للناس)وكذلك حبة البركة هي بركة، فهي شفاء من كل داء.

    وأيضاً: ماء زمزم، ويا للخسارة لمن شرب ماء زمزم ولم يضمر في قلبه يقيناً في أمر معين! سواء مرافقة النبي، أو نصرة الدين، تستيقن في ربك أنك كلما شربت ماء زمزم كلما علوت .

    فـابن حجر علم بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: (ماء زمزم لما شرب له) وهذا عموم منه صلى الله عليه وسلم، قال: فشربت ماء زمزم لأصل إلى حفظ الذهبي ، فما زلت أشرب في هذه النية حتى ارتقيت على حفظ الذهبي ، فوجد نفسه أحفظ من الذهبي .

    يا للروعة! ويا لليقين في التعامل مع الله جل في علاه!

    أيضاً: يقول أبو بكر بن العربي في ماء زمزم: شربت ماء زمزم للعلم وللإيمان، فملأني الله علماً وإيماناً، ويا ليتني شربته للعمل مع العلم.

    فماء زمزم ماء مبارك طعامه، وهو شفاء للسقم، وأيضاً فيه بركة في العلم وفي غيره.

    ومن الأطعمة التي فيها البركة: اللبن، فقد أتي النبي صلى الله عليه وسلم بكوب من اللبن، فقال: (هذا البيت فيه بركة، أو بركتين) ، فدل على أن اللبن من بركات البيت.

    وأيضاً: علمنا دعاء عند شرب اللبن، فنقول: (اللهم بارك لنا فيه، وزدنا منه بركة) فهذه بركة في اللبن.

    وأيضاً: البركة في زيت الزيتون؛ لأنها شجرة مباركة، وكان النبي صلى الله عليه سلم يبين أن نعم الإدام هذا الزيت، والبركة فيه بأن تأكل منه وتدهن، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يدهن كعب رجليه، أو أمر بالدهان في كعوب الأرجل إن كانت فيها مرض معين أو تشققات، فالتمس البركة بالشفاء بزيت الزيتون، أو بزيت البركة، فإن فيه البركة.