إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ محمد حسن عبد الغفار
  3. شرح مختصر الصارم المسلول على شاتم الرسول - حكم الذمي الذي سب الله عز وجل

شرح مختصر الصارم المسلول على شاتم الرسول - حكم الذمي الذي سب الله عز وجلللشيخ : محمد حسن عبد الغفار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • مما لا يختلف فيه اثنان، ولا ينتطح فيه عنزان، أن من سب الله عز وجل أو رسوله صلى الله عليه وسلم فهو كافر كفراً أكبر مخرجاً من الملة، وقد اختلف في استتابته، أما الذمي الذي ينضوي تحت راية الإسلام فإنه يقتل صراحة إذا استهزأ بالله أو برسوله، أما إذا كان كلامه نابعاً مما يعتقده فهذا مختلف فيه، والراجح أنه لا يقتل.

    1.   

    حكم الذمي الذي سب الله جل في علاه

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71] أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، ثم أما بعد:

    اعلموا أيها الإخوة الكرام! أن الرزق رزقان:

    رزق أبدان، وزرق قلوب، ورزق القلوب هو أرقى الأرزاق، والله جل في علاه يصطفي من عباده من يشاء لرزق القلوب، وأرقى ما يكون من رزق القلوب: هو معرفة الله، ولا تكون معرفة الله جل في علاه إلا بطلب العلم، والنبي صلى الله عليه وسلم بين لنا أن هذا الرزق العظيم (رزق القلوب) هو الذي يستجلب رزق الأبدان.

    فقد جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! إن أخي يأتي مجالسك، وأنا أكد وأعمل وأنفق عليه، فلم يقل له النبي صلى الله عليه وسلم -كما في الحديث الموضوع الذي تتناوله الألسن عند العوام: اليد العاملة أفضل من اليد البطالة- بل قال النبي صلى الله عليه وسلم: (دعه فلعلك ترزق به) يعني: فلعل الله جل وعلا يفتح لك أبواب الرزق بطلبه للعلم مع طلبة العلم.

    ومع مشارف الانتهاء من هذا الكتاب العظيم وهو من أنفع ما كتب شيخ الإسلام رحمه الله رحمة واسعة، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء: كتاب الصارم المسلول على شاتم الرسول.

    فأقول: سب الله كفر إن كان من المسلم، فما هي الأدلة على أن من سب الله جل في علاه كفر كفراً أكبر مخرجاً من الملة؟

    الجواب: قال الله تعالى: لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة:66] ووجه الشاهد: هو تصريح الله عز وجل بكفر هؤلاء، والذي جعلهم يوصفون بهذا الوصف هو الاستهزاء كما قال الله تعالى: قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ [التوبة:65] والاستهزاء من السب.

    وقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ [الأحزاب:57].

    إذاً! فمن سب الله تعالى فحكمه كافر مرتد عن الإسلام وهذا ملخص الإجابة.

    وقد اختلف العلماء في استتابته وقتله، وهذه المسائل فارقة في باب الولاء والبراء، وفارقة بين أهل الإيمان وأهل الكفران، والراجح: أنه يستتاب، فإن تاب قبلت توبته وسقط عنه القتل بخلاف من سب النبي صلى الله عليه وسلم فإن توبته تقبل لكن القتل لا يسقط عنه.

    ضابط أهل الذمة وحكم سب الذمي لله عز وجل

    وإكمالاً لهذه المسألة، فما حكم سب الذمي لله جل في علاه؟ ومفهوم الذمية: أنه عقد على مال مقابل مال بين الذمي وبين ولي أمر المسلمين، فنسأل الله أن يسدد ولاة أمور المسلمين للعمل بدينه ولنصرة كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، فهو عقد بين ولي أمر المسلمين مع أهل الكفران الذين يحسنون القول في المسلمين ولا يحاربونهم، وأرادوا أن ينضووا وينزلوا تحت راية الإسلام وتحت أحكامه على جزية سنوية، وهو خاص عند الحنابلة والشافعية بأهل الكتاب فقط، وقد يلحقون المجوس بأهل الكتاب.

    فنعلم إذاً أن الشافعية والحنابلة يرون أن ولي الأمر هو الذي يعقد مع أهل الكتاب، وأهل الكتاب: هم اليهود والنصارى على جزية سنوية، وذلك لقول الله تعالى: قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ [التوبة:29]، فوصفهم الله جل وعلا في هذه الآية وصفاً مقيداً حيث قال جل في علاه: مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ ، فأهل الكتاب هم الذين نعقد معهم عقد الجزية فقط.

    فإن قيل: فكيف ألحقنا المجوس بأهل الكتاب، مع أن المجوس يعبدون النار، وأهل الكتاب يعبدون الله جل في علاه على دخن فيهم؟

    فالجواب:بأن النبي صلى الله عليه وسلم ألحق المجوس بهم، فعندما سألوه عن المجوس قال: (سنوا بهم سنة أهل الكتاب)، ففيه دلالة واضحة على أن الذمة تكون خاصة في أهل الكتاب، أما المجوس فهي في حقهم عقد على مال سنوي بشرط أن يحفظ لهم الدم والعرض والمال.

    الفرق بين الذمة والعهد عند الشافعية والحنابلة

    والشافعية والحنابلة يفرقون بين العهد والذمة، فالعهد عام عندهم في كل أحد من أهل الكتاب أو غير أهل الكتاب، ويرجع لولي الأمر إن رأى المصلحة مثلاً في الصلح بينه وبين أهل الكفر للانتفاع بهم، فهذه المصالح ترجع إلى تقرير ولي الأمر.

    أيضاً: ففيها عقد على مقابل هو يقدره، كما كان يفعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه مع التجار، وقد فعل ذلك عمر بن الخطاب أيضاً عندما ضرب عليهم الجزية، وبين هذه الشروط المشهورة: بالشروط العمرية.

    إذاً: فالذمي: هو من نزل وانضوى تحت راية الإسلام وتحت حكمه بشروط الإسلام وشروط ولي الأمر مقابل الجزية السنوية.

    ومن هذه الشروط: أنه يتعبد في مكانه بحيث لا يظهر هذا التعبد، ولا يؤذي المسلمين في دينهم، في شروط كثيرة جداً.

    وأهم هذه الشروط: ألا يظهر كفراً بين المسلمين، فإذا دخل وانضوى تحت راية المسلمين فتجرأ وسب الله جل في علاه فما هو حكمه؟

    أقول: إننا لا نبحث في مسألة الذمي عن الكفر والإيمان، بل البحث فيها يقتصر على عصمة الدم والمال، فإذا تجرأ الذمي فسب الله جل في علاه فإنه يصبح بذلك حلال الدم والمال، أي: أن ماله يصبح فيئاً للمسلمين وهذا بالإجماع، ولا ترجع حلية الدم والمال لآحاد المسلمين، بل المسألة ترجع لولي الأمر فهو الذي يطبق الحكم حتى لا تنتشر المفسدة بين الناس.

    أحوال الذمي في سب الله جل في علاه وحكم كل حالة

    ثم لا بد أن نبين أن هذه المسألة المهمة تتعلق بها حالتان:

    الحالة الأولى: أن يسب الله جل في علاه تديناً لا قصد الاستهزاء أو التنقيص من عظمة الله جل في علاه، بل هو يتعبد بذلك كما يفعل اليهود والنصارى، وهم يقولون:

    بسم س، بسم ص، بسم ع، في ثلاثة أسماء يسمونها، وأيضاً: ينسبون عيسى لله، أو ينسبون عزيراً لله، وقد قال الله تعالى: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ [المائدة:73].

    وقال أيضاً: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ [المائدة:17] وهذه آيات باهرات تبين ذلك، لكنهم يتدينون بذلك، فهذه الحالة الأولى.

    أما الثانية: فهي التنقيص من قدر الله جل في علاه استهزاءً لا تديناً والعياذ بالله، قصداً وتجرؤاً كما فعلت اليهود عليهم سحائب اللعائن عندما قالوا: يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا [المائدة:64] وقالوا: إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ [آل عمران:181] وزعموا: بأن الله عندما خلق الأرض وخلق آدم وخلق الخلق ونظر لفعلهم بكى، نعوذ بالله من غضبه وعقابه، وكأنه يجهل ما الذي سيحدثه خلقه فشبهوه بالمخلوق، فقالوا: إنه بكى حتى أرمد والعياذ بالله، وهذا يعتبر مسبة كبيرة وتنقيصاً من قدر الله جل في علاه وهذه الحالة الثانية.

    وقد اختلف العلماء في حكم الحالة الأولى على قولين:

    القول الأول: قول الشافعية والأحناف وجمهور الحنابلة، فقالوا: إن عقد الذمة باق على ما هو عليه، وأن قوله هذا لا يعد سباً؛ لأنه لا ينتقص من قدر الله ولا يقصد ذلك، بل هو يعتقد تعظيم الله بما يفعل وإن كان هو في الحقيقة تنقيص من قدر الله جل في علاه، ولذلك فإن عقابه هو الخلود في النار أبداً، لكن الذمة باقية على ما هي عليه، ولا ينتقض العهد بذلك ولا يعتبر ذلك سباً، بل لا يزال معصوم الدم والمال في حالة التدين بذلك، وهذا هو الراجح الصحيح.

    أما الحالة الثانية: وهي تعمد الاستهزاء والتجرؤ والتنقيص من قدر الله جل في علاه، فقد اتفق العلماء على أن العهد أو الذمة تنتقض بذلك، وأنه يكون حلال الدم والمال، واختلفوا في استتابته على ثلاثة أقوال:

    القول الأول: إنه يعامل كمعاملة المسلم في ذلك فيستتاب فإن دخل في الإسلام أو رجع إلى مسألة الذمة.

    والقول الثاني: إنه لا يستتاب، بل يقتل عند التمكن منه فقط، فإن أسلم قبل التمكن منه سقط القتل عنه، وهي تشبه مسألة سب المسلم لله جل في علاه، وهذا قول الشافعي وجمع من أهل العلم.

    والقول الثالث: وهو قول المالكية، وظاهر قول أحمد : بأنه لا يستتاب، وحكمه القتل فوراً ولو أسلم بعد ذلك؛ لأن الله جل في علاه قد بين أن حكم المحارب له ولأوليائه القتل، كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ [التوبة:123] وقال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ [التوبة:73].

    وقال الله تعالى: فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ [التوبة:5] فلا بد أن يقتل عملاً بعموم هذه الآيات القارعات التي تأمر المسلمين بقتل أهل الكفر.

    قلنا: إذا كان هذا حكمه فقتله لولي الأمر وليس لآحاد المسلمين، وهذه المسألة لها تفصيل آخر، والله أعلم.

    1.   

    حكم من سب نبياً من الأنبياء

    وتبقى في هذا الباب مسألة واحدة: وهي أنه إذا قلنا بأن سب الله أو النبي صلى الله عليه وسلم كفر، فهل سب الأنبياء مثل سب النبي صلى الله عليه وسلم أم لا؟ يعني: هل إذا تجرأ أحدهم على النيل من عرض النبي صلى الله عليه وسلم كان كمن يتجرأ على عرض عيسى ونوح وموسى عليهم السلام في الحكم أم لا؟ فقد يتجرأ بعض هؤلاء الأوباش على النبي صلى الله عليه وسلم فيقوم بعض الجهلاء بسب عيسى عليه السلام انتقاماً للنبي صلى الله عليه وسلم بزعمهم، وهذا جهل عميق؛ فإن الله جل في علاه يأبى أن تنتهك أعراض أنبيائه بحال من الأحوال، قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا [النساء:150-151]، فأحاط بهم الكفر من جميع الجهات، وقال جل في علاه: كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء:105]، مع أنهم كذبوا لوطاً فقط، ومع ذلك عمم الله جل في علاه وقال: كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء:105] ؛ لأن القدح في رسول واحد قدح في جميع الأنبياء والمرسلين، وأعراض الأنبياء كعرض نبينا صلى الله عليه وسلم، فمن سب عيسى أو موسى أو غيرهما من الأنبياء فقد كفر وخرج من الملة.

    1.   

    حكم الخوض في عرضه صلى الله عليه وسلم

    يبقى لنا أن نتكلم على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا قلنا بحرمة عرض النبي صلى الله عليه وسلم فسنقول بحرمة الكلام على النبي صلى الله عليه وسلم على نفس الخلاف.

    فنقول: عرض النبي صلى الله عليه وسلم لا بد أن يكون محفوظاً، وهذا يتمثل في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، فأزواج النبي صلى الله عليه وسلم هن الفضليات الكريمات الصالحات العابدات القانتات أمهات المؤمنين والمؤمنات رضي الله عنهن أجمعين.

    وقد جعل الله جل في علاه مكانتهن بمكانة النبي صلى الله عليه وسلم، فقال تعالى: يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ [الأحزاب:32] ؛ لأنكن تتفوقن على جميع النساء.

    وقال الله تعالى: النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ [الأحزاب:6] حتى إن فاطمة تقول لـعائشة أم المؤمنين: يا أمي! مع أنها تكبر عائشة بثمان سنوات؛ وما هذا إلا لأنها أم المؤمنين رضي الله عنها وعن فاطمة.

    والغرض المقصود: هو أن الله جل في علاه جعل لهن المكانة العالية، فمن تجرأ على عرض واحدة منهن وبالذات على عائشة فقد كفر؛ لأنها مبرأة من فوق سبع سموات، وقد خاض المنافقون في عرضها، فأنزل الله براءتها من فوق سبع سموات فقال: إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ [النور:23] إلى أن قال: أُوْلَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ [النور:26] والمقصودة بهذه الآية وبالإجماع: عائشة رضي الله عنها وأرضاها؛ (لأن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها وهي تبكي فتصبب عرقاً ونزل عليه الوحي فقرأ الآيات وقال لـعائشة : أبشري فإن الله قد برأك من فوق سبع سموات، فقالت أم رومان : قومي فاحمدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: والله لا أحمد إلا رب محمد صلى الله عليه وسلم فذهبت وسجدت لله شكراً).

    فمن تجرأ على عرض عائشة رضي الله عنها وأرضاها فقذفها بالزنا، أو كما يفعل الرعاع مثلاً فيسمون البقرة بهذا الاسم فهو كافر كفراً أكبر يخرج من الملة وكفره ظاهر جلي، وأقول زيادة على ذلك: إن من لم يكفره فهو كافر، فمن سمع أحداً يقذف عائشة في عرضها رضي الله عنها وأرضاها وسكت دون خوف أو إكراه واستطاع الرد فلم يرد فهو كافر خارج من الملة فضلاً عن الذي قذف عائشة رضي الله عنها وأرضاها.

    والدلالة على ذلك من وجهين:

    الوجه الأول: هو تكذيب الله جل في علاه، فمن قذف عائشة بفعل الفاحشة فقد كذب الله، والله جل في علاه يقول: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا [النساء:122].

    ويقول: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا [النساء:87]، فإن الله جل في علاه هو الذي برأها بقوله: أُوْلَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ [النور:26].

    فالوجه الأول في تكفير من وقع في عرض عائشة : هو أنه كذب الله جل في علاه.

    والوجه الثاني: أنه تجرأ على عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم فآذى رسول الله، وقد قام النبي صلى الله عليه وسلم خطيباً في الناس -عند ما سمع الكلام على عائشة من عبد الله بن أبي بن سلول - فتكلم عن رجل يسبه في عرضه وفي زوجه وما علم عن زوجه إلا الخير، فقام أسيد بن حضير فقال: يا رسول الله! إن كان منا ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا أشرت إلينا ماذا نفعل فيه، فقام سعد بن عبادة فقال: لا والله لا تستطيع قتله، فقام أسيد فقال له: والله إنك لمنافق تجادل عن المنافقين، فكاد الحيان أن يقتتلا من أجل هذه المسألة.

    والشاهد فيها: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (بلغني الإيذاء في أهلي) فالإيذاء للنبي صلى الله عليه وسلم كفر كما بينا من صريح قول الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ [الأحزاب:57] واللعن: هو الطرد من رحمة الله جل في علاه.

    أما سائر أمهات المؤمنين والباقيات الفضليات من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فقد اختلف العلماء في حكم من تجرأ عليهن، وهذا الخلاف ضعيف، والحق أن يقال: إن الحكم هذا يجري على الباقي من نسائه صلى الله عليه وسلم، وإنما خصصت عائشة بالذكر لأن المنافقين خاضوا فيها، فمن تكلم في أي امرأة تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم فهو كافر؛ لأنه أوصل الأذى للنبي صلى الله عليه وسلم، فالفارق إذاً: بين سائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وبين عائشة : أن من وقع في عائشة فإنه يكفر من وجهين:

    الوجه الأول: تكذيب القرآن.

    والوجه الثاني: إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم.

    أما سائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فإنه يكفر من وجه واحد: وهو إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم.

    والغرض المقصود: أنه لا بد أن تعرف لنساء النبي صلى الله عليه وسلم قدرهن، وتعلم أنهن من مكانة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن الوقوع في عرض واحدة من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يستوجب الكفر لمن تجرأ على ذلك.

    بقي علينا أن نختم الباب والكتاب بالكلام على فضل الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، ثم الكلام على من وقع فيهم، ثم الكلام بعد ذلك على حكم من طعن في أبي بكر وعمر بالذات.

    1.   

    فضل الصحابة وأثرهم في حماية الملة

    إن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم هم الأخيار الأماجد الأكارم الأفاضل، أبر الناس قلوباً، وأحسن الناس خلقاً، وأصدقهم لهجة، وأكثرهم علماً، وأزهدهم في الدنيا، وأخلص الناس طلباً للآخرة، وهم خير صحبة بعثها الله جل في علاه لنبي بعثه للناس أجمعين، وهم الذين حملوا هذا الدين فجاءنا غضاً طرياً على أكتافهم، وهم الذين باعوا الدنيا بأسرها من أجل رفعة هذا الدين ورفع راية لا إله إلا الله، فكل منهم باع نفسه وأهله وماله وكل ما يملك من أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أجل التمكين لهذا الدين، فاستحقوا التعديل من الله جل في علاه من فوق سبع سموات،وعلى لسان النبي صلى الله عليه وسلم.

    قال الله تعالى ويا لها من آية في تعديل الصحابة: وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا [الفتح:26]، وكلمة (أحق) هي شهادة من الله جل في علاه على أنهم أحق صحبة برسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا [الفتح:26].

    وقال الله تعالى مادحاً إياهم: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا [الفتح:29].

    وقال الله تعالى: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ [الفتح:18].

    وقال الله تعالى: لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ [التوبة:117] والآيات كثيرة في مدح الصحابة عموماً، ومن ذلك مدح الأمة، فإن أول من يدخل في هذا المدح هم الصحابة الكرام كقول الله تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ [آل عمران:110]، وأولى الناس بهذه الآية هم الصحابة.

    وفي الصحيح كما في البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (خير الناس قرني) أم لفظ: (خير القرون قرني) فلا يصح بحال.

    ولكن الصحيح في البخاري هو قوله: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم).

    وقد صح عن نبينا صلى الله عليه وسلم قوله: (تغزون أو يغزوا فئام من الناس فيقال: أفيكم من صاحب رسول الله؟ فيقولون: اللهم نعم! فيفتح لهم) وقد فتح لهم بسبب وجود صحابة رسول الله كرامةً لهم.

    فالغرض المقصود: أن النبي صلى الله عليه وسلم عدلهم وزكاهم، وقد حرج أشد الحرج على من طعن في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال كما في الصحيح: (لا تسبوا أصحابي، فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) حتى إنه قاله للمتأخرين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم كما في البخاري عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (حب الأنصار من الإيمان، وبغض الأنصار من النفاق) فجعل علامة الإيمان: حب صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجعل علامة النفاق: بغض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.