إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ محمد حسن عبد الغفار
  3. شرح مقاييس نقد متون السنة - المقياس الثامن: اشتمال الحديث على أمر منكر أو مستحيل

شرح مقاييس نقد متون السنة - المقياس الثامن: اشتمال الحديث على أمر منكر أو مستحيلللشيخ : محمد حسن عبد الغفار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • هناك أحاديث نسبت إلى النبي صلى الله عليه وسلم كذباً وزوراً، ويعرف بطلانها من خلال اشتمالها على أمر منكر أو مستحيل، وهذا من ضمن المقاييس التي وضعها العلماء في نقد متون السنة، فالناظر إلى مثل هذه الأحاديث يمكنه أن يحكم عليها بالوضع بمجرد النظر إلى متونها دون النظر إلى إسنادها، وعلم نقد متون السنة من الأهمية بمكان، فينبغي الرجوع إليه في تصحيح الأحاديث وتضعيفها.

    1.   

    ضرورة الاهتمام بنقد متون السنة

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    ثم أما بعد:

    إن علم الحديث والنظر في متون الحديث من أجلّ العلوم، وقد بينت قبل ذلك أن كثيراً من المحدثين كان جل اهتمامهم مسألة تصحيح الحديث وتضعيفه، فهم ينظرون في رجال السند هل صح الإسناد عن طريق هؤلاء أم لا، ويغربلون السند من أوله إلى آخره؛ حتى يصلوا إلى تنقية أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، وقلة قليلة من أهل العلم هم الذين انشغلوا بالمتن نفسه حتى ينتقدوا هذا الحديث، وهؤلاء قعدوا قواعد كثيرة تيسِّر على المحدث أو طالب علم الحديث معرفة وتنقية الأحاديث الصحيحة من الضعيفة.

    وقد انتهينا من ست قواعد لهؤلاء العلماء الأجلاء الذين محصوا النظر جداً في لفظ متون السنة تصحيحاً وتضعيفاً.

    أقول: الاهتمام بنقد متون السنة، أو الاهتمام بالمتن من أهم وأجلّ العلوم، لاسيما وأن المستشرقين عندما أرادوا الطعن في علماء الحديث طعنوا فيهم بأن جلّ اهتمامهم كان على الأسانيد وليس على المتون، فأنت إذا قرأت في كتب العلل ترى أن الاهتمام الشديد في كتب العلل هو بالرجال، مثل العلل للترمذي الذي شرحه ابن رجب ، والعلل للدارقطني العلل لـعلي بن المديني ، حتى في الجرح والتعديل لـابن أبي حاتم ، فجلّ اهتمام هؤلاء المحدثين الذي نظروا في العلل ينظرون في مسائل الأسانيد لا مسائل المتون.

    فنحن بفضل الله علينا بينا بعض القواعد التي قعدها المحدثين في نقد متون السنة لا الأسانيد، دون النظر إلى الأسانيد يعني: نضعف هذا الحديث أو نصححه نظراً لمسألة المتن.

    سنتلكم عن آخر القواعد التي قعدها علماء الحديث في نقد متون الحديث.

    1.   

    ذكر بعض القواعد المتعلقة بنقد متون السنة مع أمثلة لكل قاعدة

    ذكر القواعد جملة:

    القاعدة الأولى: عرض السنة على القرآن:

    وذلك بأن نأتي إلى المتن فإذا وجدناه قد عارض الكتاب من وجه فنجمع ونؤلف بينهما، ولا ننتقد هذا المتن، لكن إن كانت المخالفة من كل وجه ولا يمكن الجمع بينهما فنقول: تقدم الآية على الحديث.

    ومثال ذلك: أن عائشة رضي الله عنها وهمت عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه عندما روى حديث: (يعذب المرء ببكاء أهله عليه)، فـعائشة رضي الله عنها أوّلته على اليهودي أو على الكافر، والذي جعل عائشة رضي الله عنها وأرضاها تنتقد هذا المتن قول الله تعالى: وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى [النجم:39]، فقالت: كيف يعذب هذا ببكاء أهله عليه وهذا ليس من سعيه، وقد بينا الجمع بينهما.

    القاعدة الثانية: عرض السنة على السنة:

    مثال ذلك: حديث: (يدخل الجنة سبعون ألفاً من غير حساب ولا عذاب، وهم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون)، وفي رواية لـمسلم قال: (ولا يرقون)، فلما عرضنا السنة على السنة وجدنا أن قوله: (ولا يرقون) لفظة شاذة، كما قال شيخ الإسلام .

    القاعدة الأخيرة التي أخذناها في الدرس الماضي في نقد المتون: ركاكة اللفظ، وبينا أن هذه الألفاظ لا يمكن أن يقولها النبي صلى الله عليه وسلم، ومن أمثلة ذلك: (لو علمتم ما في الجرجير لزرعتموه تحت السرير).

    وأيضاً قوله: (الهريسة تشد الظهر).

    وأيضاً قوله: (العدس قُدِّس على لسان سبعين نبياً).

    وقوله: (والباذنجان لما أكل له).

    وهناك أحاديث كثيرة من هذا النوع.

    ومن هذه الأنواع أيضاً ما يختص بالرب جل في علاه، فإذا سمعته قلت: لا يمكن أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قال هذا عن ربه جل في علاه.

    1.   

    ذم التقليد الأعمى

    هناك أحاديث فيها ما يدل على أن الناس لا بد أن تكون كالنعاج، وهذا تأباه المقاصد الكلية وليس اللفظ فقط؛ لأن الشرع يهتم بكيان وكينونة الإنسان، قال تعالى: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ [الإسراء:70]، ولذلك كان ابن مسعود يقول: لا يكن أحدكم إمعة؛ إذا أحسن الناس أحسن، وإذا أساء الناس أساء. ولكن وطن نفسك على الحق، إن أحسن الناس فأحسن، وإن أساء الناس فأحسن.

    يقول ابن الجوزي : والناقد البصير في كل زمن وعصر في ندرة.

    يقول هذا مع أن عصره كان حافلاً بالعلماء، ويقول: أعز ما نبحث عنه في هذه الأزمنة الناقد البصير كان الشيخ ابن عثيمين رحمة الله عليه يقول: رأيت الآن أن من يقرأ للمعاصرين أنه يضيع وقته، نقول: هذا الكلام ليس على إطلاقه، ولا يقصد الشيخ ذلك، ويقول: ما رأيت أحداً إلا هو ظل لرأي.

    يعني: ما هو إلا ناقل وتابع ويقول: قال فلان، ويضع قلمه، فكثير من الناس في هذه الآونات هم على هذه الوتيرة، والناقد البصير منتقد، فتراهم يجهلونه ويقولون: أتى بدين جديد، فهذه دلالة على أن الجهلة كثر، وأجهل من هؤلاء الذين يحسبون أنفسهم على الطلب وهم من التقليد بمكان.

    1.   

    حث الأمة على الأخذ بمعالي الأمور

    روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (كن ذنباً في الحق ولا تكن رأساً في الباطل) فهل النبي صلى الله عليه وسلم الذي يبين للأمة ما ترتقي به، ويرسم لها طريق النجاح والنجاة، وطريق الارتقاء وعلو الهمة يمكن أن يقول لها هذا الكلام؟ أقول: هذا الحديث ممكن أن ينتقد متنه من جميع القواعد؛ لأنه يعارض أصل القرآن، يقول: الله تعالى حاكياً عن إبراهيم صاحب الهمة العالية، ونحن أمرنا بالاقتداء بالأنبياء بل وأمر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم: فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ [الأنعام:90]، وقال سبحانه: فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا [آل عمران:95]، وقال: وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا [الفرقان:74]، فقال: إماماإ ولم يقل: كن ذنباً.

    وأيضاً قول الله تعالى: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ [الإسراء:70]، ومن التكريم أن يتقدم الإنسان ولا يتأخر، وأن يقود ولا ينقاد، فهذا من باب التكريم.

    ويعارض أيضاً السنة، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله يحب معالي الأمور، ويكره سفسافها) أي: يكره أسافل الأمور، ففيه دلالة على أن الدين يحث الإنسان أنه يكون رأساً ولا يكون منقاداً، كما قال تعالى: وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ [العنكبوت:13] ولذلك لا تستطيع أن تقول: علقها في رقبة عالم وأصبح سالماً؛ لأنك ستكون في ذيله في الدرك الأسفل إن ذهب، والعياذ بالله، والإنسان المستفتي، والمقلد قد رضي أن يكون في مؤخرة القوم، وهذا لن يفوز عند ربه جل في علاه.

    ويأباه أيضاً العقل، فمعلوم أن مقاصد الشريعة كلها تحث الأمة على أن تكون أمة سيادة وريادة، ولذلك فالله جل في علاه مكن لهذه الأمة في مدة وجيزة من عمر الزمن، فهذا فيه دلالة عالية جداً على أن الدين يحث هذه الأمة على أن تكون من الرأس بمكان، ولا تكون من المؤخرة.

    وكذلك لو عرضنا هذا الحديث على المختص فإنه لا يقبله، فإن عمر رضي الله عنه لما سأل أحد عماله: من وليت على مكة؟ قال ابن أبزى ، فقال من العرب أم من الموالي؟ قال من الموالي، فتضايق عمر لذلك، فقال: يا أمير المؤمنين! إنه أعلمهم بكتاب الله، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الله يرفع بهذا القرآن أقواماً ويضع به آخرين)، إذاً فقد ذهب أهل العلم بشرف الدنيا والآخرة.

    وهذا عطاء بن أبي رباح من الموالي وكان عالماً، فأرسل إليه أمير المؤمنين: أن ائتنا، فقال: لا نأت أحداً، إن أردتنا فأت أنت مجلسنا.

    فهذا عبد أسود يقول ذلك لأمير المؤمنين!

    1.   

    نقد حديث: (دعوني من السودان ..)

    أيضاً حديث: (دعوني من السودان؛ إنما الأسود لبطنه وفرجه)، فهل الدين والخير والصلاح منوط باللون؟! كلا.

    فقوله: (فإن الأسود لبطنه وفرجه). هذا فيه كناية عن كل الحبشة، فهناك أحاديث كثيرة جاءت بذم الحبشة.

    فنقول: هذا الحديث لا يمكن أن يقال به، ولو عرضناه على كل القواعد لما صح.

    قوله: (دعوني من السودان؛ إنما الأسود لبطنه وفرجه) يعني: أن الأسود يعيش سبهللاً، فليس عنده إلا شهوة البطن وشهوة الفرج، فهذا الكلام لا يقبل، ويرد عليه من وجهين:

    الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم الذي أوتي جوامع الكلم، وهو أفصح من نطق بالضاد لا يمكن أن يتكلم بهذا الكلام.

    الثاني: إذا عرضناه على القواعد التي قعدها أهل العلم، فلا يمكن أن يقبل، فلو عرضناه على القرآن فإن الله تعالى يقول: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:13]، فأناط الإكرام بالتقوى.

    إذاً: فالبشرة لا يمكن أن تقدم أو تؤخر في صاحبها شيئاً، وكذلك لو عرضناه على السنة، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لا فضل لعربي على عجمي ولا أبيض على أسود إلا بالتقوى).

    وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله ينظر إلى قلوبكم).

    وهذا بلال كان أسود من الليل المظلم، ومع ذلك قال له النبي صلى الله عليه وسلم: (يا بلال ماذا تفعل؟ إني أسمع خشخشة نعليك في الجنة)، فـبلال تقدم كثيراً على الناس.

    1.   

    نقد حديث: (إن الجن والإنس والشياطين والملائكة .. لو كانوا صفاً واحداً ..)

    من هذه الأحاديث أيضاً حديث: (إن الجن والإنس والشياطين والملائكة منذ خلقوا إلى يوم القيامة لو كانوا صفاً واحداً ما أحاطوا بالله عز وجل).

    فهذا منكر؛ لأنه ليس هناك شيء يحيط بالله جل في علاه، قال تعالى: (وَلا يُحِيطُونَ بِهِ [طه:110] وليس هناك شيء يدرك الله جل في علاه، قال سبحانه: لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ [الأنعام:103]، فهذا هو محل النكارة، فلا يمكن أن يقول النبي صلى الله عليه وسلم ذلك على ربه، وهو أعلم الخلق بربه.

    ولكل جنس شياطين، وهذا الذي جعل الشيخ ابن عثيمين يؤول حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (المرأة والكلب والحمار تقطع الصلاة، فسأله أبو موسى : ما بال الأسود من الأصفر والأحمر؟! فقال: الكلب الأسود شيطان)، فالشيخ لم يقبل أن يكون الكلب الأسود شيطاناً على حقيقته، وإنما قال: هو شيطان الكلاب؛ لأن كل جنس له شيطان، والشيطان مأخوذ من الشطن، والشطن: هو البعد، عن رحمة الله جل في علاه.

    1.   

    نقد حديث: )إن الله ينزل ليلة الجمعة إلى دار الدنيا بستمائة ألف ملك ...)

    أيضاً حديث: (إن الله تعالى ينزل ليلة الجمعة إلى دار الدنيا بستمائة ألف ملك، فيجلس على كرسي من نور وبين يديه لوح من ياقوتة حمراء فيه أسماء من يثبت الرؤيا والكيفية والصورة من أمة محمد، فيباهي بهم الملائكة).

    فهذا الحديث فيه إثبات الرؤية والكيفية والصورة لله تعالى، وقد عقب ابن الجوزي على هذا الحديث وقال: لعن الله واضعه، ولا رحم صانعه؛ فإنه كان من أخس المشبهة وأسوأهم اعتقاداً، وما أظنه كان يظهر مثل هذا إلا للطغاة من المشبهة الذين لم يجالسوا عالماً.

    أقول: وأنا أشهد الله أني أثبت لصفات الله الكيفية، وأشهد الله أني أثبت الرؤيا، وأشهد الله أني أثبت صفة الصورة لله جل في علاه؛ لأن أهل السنة والجماعة يثبتون الرؤيا لله، يوم القيامة، لكن ابن الجوزي كان عنده اعتزال في العقيدة، ولذلك تنطع بعضهم وقال: لا يؤخذ منه شيء، لكن نحن نأخذ خيره، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر.

    إذاً: فنحن نثبت أننا نرى الله في الآخرة، ونثبت لله الصورة، وإثبات الصورة فيه خلاف بين أهل السنة والجماعة، كحديث النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله خلق آدم على صورته)، وهذا الحديث مشكل؛ فقد اختلفوا في الهاء هنا هل تعود إلى آدم أو تعود إلى الله؟

    وجاء حديث في سنن النسائي وابن خزيمة يضعفه: (خلق الله آدم على صورة الرحمن) ، وأحمد وغيره صححوا هذا الحديث.

    فعند من صحح هذا الحديث يزول الإشكال الموجود في الحديث الأول: (خلق آدم على صورته) وذلك لأن الصورة هنا قد أضيفت لله.

    وهذه المسألة على قولين بين أهل السنة والجماعة:

    القول الأول: قول من ضعف هذا الحديث، فقال: (إن الله خلق آدم على صورته) يعني: على صورة آدم التي قص النبي صلى الله عليه وسلم لكم منها، وبين أن آدم خلق وكان طوله ستين ذراعاً.

    القول الثاني: وهذا القول أنا أتبناه، وقد تبناه كثير من أهل العلم، وهو: أن الصورة صفة ثابتة لله جل في علاه؛ لأن الله جل وعلا قال: (خلق آدم على صورة الرحمن)، أي: له عين، وله وجه، وله يد، وله رجل، وصفات الله هذه تليق بجلاله وكماله وبهائه وعظمته وقدرته، وأما يد آدم فتليق بعجزه ونقصه، فلا مشابهة ولا مماثلة.

    إذاً: فهذه المسألة فيها اختلاف بين أهل السنة والجماعة، ولذلك إذا قلنا بأن حديث (إن الله ينزل ليلة الجمعة إلى دار الدنيا بستمائة ألف ملك ..) موضوع أو فيه ركاكة في اللفظ لا لكونه فيه إثبات الرؤيا والكيفية والصورة، لا، ولكن الذي جعلنا ننتقد هذا الحديث هو الجزء الأول منه: (أنه ينزل بستمائة ألف ملك إلى دار الدنيا)، وذلك فيه معارضة صريحة لأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم.

    وكذلك قوله: (فيجلس على كرسي من نور) فالجلوس ليس صفة من صفات الله جل في علاه، بل الذي ثبت أنه صفة من صفات الله هو الاستواء، وهناك فرق كبير بين الجلوس وبين الاستواء؛ لأن الذي يجلس يحتاج إلى ما يجلس عليه، والله جل في علاه كل الكون يحتاج إليه، فهو استوى على العرش، والعرش أحوج ما يكون لربه جل في علاه.

    1.   

    نقد حديث: (أن النبي رأى ربه في المنام في أحسن صورة شاباً موقوراً..)

    أيضاً من هذه الأحاديث التي رويت عن النبي صلى الله عليه وسلم ظلماً وعدواناً وزوراً: (أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه في المنام في أحسن صورة شاباً موقوراً، رجلاه في خضر ، عليه نعلان من ذهب، في وجهه فراش من ذهب).

    وهذا الحديث روي من وجه آخر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أتاني ربي في صورة شاب أمرد)، وهذا الحديث قيل بأن شيخ الإسلام ابن تيمية صححه، لكن لو راجعت لشيخ الإسلام ابن تيمية في بعض الأقاويل فقد يتوهم الإنسان بأنه صحح هذا الحديث، لكن الصحيح الراجح أن هذا الحديث باطل لا أصل له، وهو موضوع على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وكفى في ركاكة لفظه أنه شبه الخالق بالمخلوق، ونقول: إن الله جل وعلا يأتي على صورة، وذلك لحديث الآخرة: (فيأتيهم على غير الصورة التي يعرفونها فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك لست بربنا، فيقول: بينكم وبينه علامة؟ فيقولون: نعم، فيأتيهم الله على الصورة التي يعرفونها).

    فأولاً جاءهم على الصورة التي لا يعرفونها، ثم جاءهم في المرة الثانية على الصورة التي يعرفونها، فهذه دلالة على بطلان حديث: (أتاني ربي في صورة شاب أمرد).

    1.   

    نقد حديث: (لو حسن أحدكم ظنه بحجر لنفعه الله به)

    أيضاً حديث: (لو حسن أحدكم ظنه بحجر لنفعه الله به).

    وكثير من هذه الأحاديث احتج بها أهل البدع والضلالة، وهذا الحديث لا يمكن أن يقوله النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه يفتح الباب على مصراعيه للمشركين الذين يعتقدون في الأصنام، ويعتقدون في الأحجار والأشجار، ويتبركون بالأحجار والأشجار، فهذا الحديث يفتح باب الشرك على مصراعيه، فهو باطل موضوع على الله جل في علاه.

    1.   

    قاعدة: اشتمال الحديث على أمور منكرة ومستحيلة، وأمثلة ذلك

    المقياس الثامن هو: اشتمال الحديث على أمور منكرة وأمور مستحيلة، وهذا يجعل الإنسان يقول: لا يمكن أن يكون هذا الحديث من الإسلام.

    ومن هذه الأحاديث تدخل تحت مقياس الأمور المستحيلة التي لا يمكن أن تصدق بأن النبي صلى الله عليه وسلم قالها حديث: (قيل: يا رسول الله! مم ربنا؟ قال: لا من الأرض ولا من السماء، خلق خيلاً فأجراها فعرقت، فخلق نفسه من ذلك العرق).

    فمن وضع هذا الحديث عليه من الله ما يستحق، وبتر الله لسانه ويده، وعذبه في نار جهنم بما تجرأ به على الله.

    والمستحيل في هذا الحديث المفترى هو: كيف يكون الإله خالقاً ومخلوقاً؟! وكيف يكون خالقاً فيخلق بعد ذلك نفسه؟! وهل الله خالق نفسه؟! ولذلك انتقد بعض الأصوليين عندما قالوا: إننا يمكن أن نخصص العموم بالعقل، مثل قول الله تعالى: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [الرعد:16]، فقالوا: بالعقل يمكن أن نخصص هذا العموم؛ لأن الله لم يخلق نفسه، قلنا: هذا الكلام فيه سوء أدب مع الله، كيف يكون خالقاً ويخلق نفسه؟! هذا مستحيل، ولا يمكن أن يقبله عقل.

    والحديث الثاني: (رأيت ربي عز وجل على جمل أحمر عليه إزار، وهو يقول: قد غفرت قد غفرت) والأمر المستحيل في الحديث أنه يركب على الجمل، وكذلك أنه يلبس إزاراً كما يلبس الإنسان، وهذا تشبيه محض لله جل في علاه، فلا يمكن أن أنظر في سند هذا الحديث، بل لو أتاني شخص بهذا الحديث لصفعته على وجهه، وقلت له: جر أذيال الخيبة أمامك؛ لأن هذا لا يمكن أن يقال في حق الله جل في علاه.

    والحديث الثالث: (كانت خطيئة داود عليه السلام النظر).

    وهذا أيضاً منتقى من اليهود، قالوا: الخطيئة التي وقع فيها داود هي النظر لزوجة رجل وجندي عنده، فقد أعجب بهذه المرأة، فأراد قتل هذا الرجل فأدخله في الصفوف الأولية في القتال؛ حتى يقاتل، فيقتل فيظفر هو بالمرأة!!

    فبالله عليكم هل هذا خلق ومروءة رجل صالح من آحاد الناس؟! فكيف يكون خلقاً لنبي من أنبياء الله؟!

    فلذلك نقول: بأن هذه الأحاديث لا نحتاج فيها إلى النظر في أسانيدها؛ لأنها تنادي على نفسها بالوضع وبالكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    إلى هنا ونكون قد انتهينا من القواعد المهمة في نقد متون السنة، وأرجو من الإخوة أن يراجعوا الأحاديث التي تكلمنا عنها، ويطبقوا القواعد عملياً، وكل حديث منها ينظرون في الآيات هل هي معارضة له من كل الوجوه أم لا؟ وينظرون في الحديث هل يمكن الجمع بينه وبين الحديث أم أن هناك معارضة كلية؟ وينظرون في مسألة العقل الذي ضابطه الأثر هل يصح أن يكون هذا الحديث من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم أم لا؟ وأيضاً إلى القواعد الأخيرة التي أخذناها ويطبق الواحد عليها هذا القانون؛ حتى يؤتيه الله الملكة في النظر من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم؛ فيعرف أن هذا الحديث صحيح، وأن هذا حديث ضعيف.