إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ محمد حسن عبد الغفار
  3. شرح مقاييس نقد متون السنة - المقياس الثاني: عرض السنة بعضها على بعض

شرح مقاييس نقد متون السنة - المقياس الثاني: عرض السنة بعضها على بعضللشيخ : محمد حسن عبد الغفار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد قام العلماء بوضع قواعد ومقاييس ومعايير دقيقة لنقد متون السنة؛ حتى لا يأتي من يرد الأحاديث بعقله، فلا بد من عرض متون السنة على الكتاب ثم على السنة، ولا يتم الترجيح بين الأدلة التي ظاهرها التعارض إلا بذلك، والعقل يقوم بعملية الفهم لذلك، وأما أن نقدم العقل على النقل فذلك هدم للنقل والعقل.

    1.   

    حكم تقديم العقل على النقل، وآثار ذلك

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    روى أحمد في مسنده بسند صحيح عن ابن عباس رضي الله عنه وأرضاه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بين يدي الساعة سنون خداعة، يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن الخائن، ويخون الأمين، وتنطق الرويبضة، قالوا: يا رسول الله! وما الرويبضة؟ قال: الفاسق أو قال: الفويسق يتكلم في أمر العامة)، وفي رواية أخرى في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من علامات الساعة أن ينتشر الجهل ويرفع العلم، وإن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور العلماء، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالماً -وفي رواية: حتى إذا لم يبق عالمٌ- اتخذ الناس رءوساً جهالاً فسألوهم، فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا).

    وهذه هي الأزمنة التي نعيش فيها الآن، فقد تصدر لدين الله جل وعلا من ليس أهلاً لهذا الدين، ومن ليس أهلاً للنظر في علم الشريعة، فرد حديث النبي صلى الله عليه وسلم جهاراً دون أدنى حياء؛ لأنه ما عنده هذه الآلة الذي تعلمها الأولون، ولا المقومات التي تجعله ينظر في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، فيمحص النظر فيها تصحيحاً وتضعيفاً، ولذا ترى أن الأهواء تتحكم كثيراً في عصرنا.

    ذكر الأسباب المؤدية إلى رد الأحاديث

    هناك أسباب جعلت مثل هؤلاء يردون حديث النبي صلى الله عليه وسلم:

    السبب الأول: تعظيم العقل دون تعظيم قدر النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا هو تقديم العقل على النقل.

    السبب الثاني: الجهل العميق بقول النبي صلى الله عليه وسلم، والجهل العميق بالآلة التي يعرف بها التصحيح والتضعيف.

    السبب الثالث: وضع الأحاديث على رسول الله صلى الله عليه وسلم، إرضاء لولاة الأمور أو لغيرهم.

    وهذه الأسباب موجودة في عصورنا.

    نماذج من الأحاديث التي ردت ممن يقدمون العقل على النقل

    إن رد أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم موجود في كثير من الفضائيات وكثير من المجلات والصحائف، فهؤلاء يتكلمون عن الإسلام المستنير والبعد عن التشدد، ومن هؤلاء الذين زعموا أنهم من أصحاب الإسلام المستنير الشيخ الغزالي رحمه الله، وتلميذه الشيخ القرضاوي حفظه الله، وأماتنا جميعاً على الإسلام، وجعلنا ممن يعمل لدين الله جل في علاه، فالشيخ القرضاوي حفظه الله وردنا وإياه إلى ما يحب ويرضى رد أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وليس له بضاعة في التصحيح والتضعيف، فقد رد حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير، والخمر والمعازف) فرد هذا الحديث وقال: هذا الحديث ضعيف، وبضاعته مزجاة في علم الحديث، وهو يعول على الشيخ الألباني كثيراً في التصحيح والتضعيف، فلم لا يأخذ بقول الألباني في هذا؟ وأيضًا الشيخ الغزالي فقد رد أحاديث كثيرة، منها: حديث شق الصدر؛ وقال الغزالي في هذا الحديث وغيره: إنها لا توافق العقل، وهذا هو منهج المعتزلة؛ فإن من أصول المعتزلة الخمسة: تقديم العقل على النقل، وأصول المعتزلة خمسة وهي:

    التوحيد، والعدل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمنزلة بين المنزلتين، والخامس: تقديم العقل على النقل.

    فـالغزالي كان متأثراً بفكر المعتزلة، ولذلك رد حديث: شق الصدر، وقال كيف -وكان طفلاً صغيراً- يشق صدره ويخرج قلبه ثم يغسله في طست ثم يرد القلب ثم يأخذ حظ الشيطان من قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! فرد هذا الحديث.

    وأيضًا رد حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي في الصحيحين وهو: (لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) قال: لو رأى البخاري ما تفعله تاتشر لما قال بهذا القول، وكأنه ينسب هذا القول إلى البخاري لا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع أننا لو نظرنا بدقة نظر فيما فعلته تاتشر فقد خربت إنجلترا، وهذا مصداق لقول النبي صلى الله عليه وسلم (لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) فرده لأنه يرى في الواقع أمامه أن هناك نساء قادرات على العمل والعطاء، والآن ينادون بالمساواة بين الرجل والمرأة ويعاندون ربهم جل في علاه، يقول تعالى: وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ [النساء:32] فلم هذه المعاندة؟!

    وأيضًا منهم من رد الحديث جهلاً وهو لا يعرف شيئاً فتجده يقول: حتى لو جاء في البخاري بأن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج عائشة وهي بنت تسع سنين فلا أصدق ذلك؛ لأن عائشة لا ترضى ذلك ولا تحتمل، ولا بد أن يكون زواجها عند سن ثماني عشرة سنة، يقول: أنا لي عقل أفكر به فكيف أقبل من البخاري هذا الكلام؟!

    نقول: وهل البخاري أتى بهذا الكلام من كيسه، أو أتى به من عند أمه؟! لم يأت البخاري به إلا بالسند الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    فهذه الظاهرة ظهرت عندنا، وهي حرب على الثوابت والمبادئ والدين بطرق ملتوية، فهم لا يستطيعون أن يعلنوا هدمهم للدين؛ لأن العامة سيثورون عليهم، لكن يقولون: لا، نحن نأخذ بالدين، وفي الحقيقة هم يهدمون الدين ويهدمون السنة، فهم يعظمون العقل ولا يعظمون سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وغفل هؤلاء أو تغافلوا عن أن الله جل وعلا أغلق كل باب ولن يُقبل أحد حتى يدخل من باب رسول الله صلى الله عليه وسلم، لذلك فلابد أن تسلِّم وتعمل بقول الله تعالى: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [الأحزاب:36].

    ونحن الآن ندرس نقد متون السنة، فهل الاجتهاد قد أغلق؟ نقول: الاجتهاد باق إلى يوم الدين، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرة لا يضرها من خالفها أو خذلها) وأيضًا قول الله تعالى: وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ [النساء:83] يعني: إلى أولي العلم، ففيها دلالة على الاجتهاد، فقوم غلوا وقالوا: لا ننظر إلى هذا، فإذا جاء الحديث خذ به، وقوم آخرون قالوا: لا، لا نقبل حتى ننظر هل يقبله العقل أم لا؟ والوسطية هم أهل السنة والجماعة الذين قالوا: ننقد الأحاديث وننظر هل هي من قول النبي صلى الله عليه وسلم أو ليست من قول النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا الانتقاد لا بد أن تكون له آلة ومقومات ومقدمات، فالعالم لا بد أن تكون عنده آلة الاجتهاد؛ ليمحص حديث النبي صلى الله عليه وسلم، ويبين الصحيح من الضعيف.

    1.   

    مراحل وآلات نقد متون السنة

    وقد بينا أن العلماء اشتغلوا بالإسناد وبالمتن، وأمر الإسناد فيه صعوبة، وقلنا: إن المرحلة الأولى في نقد السنة: أن نتكلم على المتون، وبينا كيف كان الصحابة ينظرون إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم حتى يقولوا: هذا صحيح أو هذا ضعيف.

    1.   

    عرض الحديث على كتاب الله

    الآلة الأولى التي تستخدم في نقد متون السنة: هي العرض على كتاب الله جـل في علاه، فما معنى العرض على كتاب الله جـل في علاه؟ يعني: أن كل حديث يأتي لا آخذ به حتى أنظر هل في كتاب الله مايشهد له أم لا؟ وذلك مثل الأحاديث التي ظاهرها التعارض مع الكتاب، فإن كان هذا التعارض من كل وجه ردت، وأما إن أمكن الجمع بين قول الله وقول النبي صلى الله عليه وسلم فنقبل؛ لأنها كلها جاءت من مشكاة واحدة.

    1.   

    عرض الحديث على الحديث

    المقياس الثاني: عرض السنة على السنة، وذلك بالنظر إلى هذه الأحاديث هل تصح عن الرسول أم لم تصح، فعلماء الحديث قعدوا قواعد كثيرة جداً في الأحاديث التي ظاهرها التعارض، منها: النظر إلى تعدد الروايات التي ظاهرها المخالفة.

    مخالفة الثقات لبعضهم مع اتحاد المجلس

    وأشهر مثال في ذلك: زيادة الثقة مع اتحاد المجلس، فمثلاً: تسعة من الثقات ذكروا الحديث بلفظ وجاء رجل ثقة فزاد عليهم لفظة، كحديث وائل بن حجر فقد خالف زائدة -وهو ثقة- غيره من الثقات، فقد روى: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يشير بأصبعه، وأما بقية الرواة فقالوا: يحركها، فهنا المجلس متحد.

    وأما إذا تعددت المجالس كأن يجلس النبي بعد الفجر ويقول: أحدثكم بحديث فيذكر الحديث، فالصحابة يحملون عن النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحديث، ثم إن الصحابة الذين جلسوا معه في الفجر وحملوا عنه الحديث ذهبوا إلى أشغالهم، فجاء آخر في العصر فسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن نفس القضية التي تكلم عنها النبي صلى الله عليه وسلم في الفجر، فالنبي صلى الله عليه وسلم أعاد نفس الحديث الذي تكلم به في الفجر، ثم جاء بعد العشاء آخرون وقالوا: يا رسول الله عنت لنا مسألة نسألك عنها، فصادف أن تكون هذه المسألة هي التي تكلم عنها في الفجر وتكلم عنها في العصر، فقام النبي صلى الله عليه وسلم وعقد مجلساً ثالثاً ثم حدثهم بنفس الحديث، فهذا مجلس ثالث لحديث واحد، فالعلماء ينظرون إلى هذه المجالس التي تعددت هل يمكن أن يقول النبي صلى الله عليه وسلم الحديث بلفظ واحد في المجالس الثلاثة، أم تختلف الألفاظ بتعدد المجالس؟ وهل نجمع بين هذا الألفاظ أم نقول: إنها شاذة ومخالفة للثقات؟ أقول: عند تعدد القصة فإننا ننظر في الأسانيد والمتون، فإذا اختلفت الروايات وكان الرواة كلهم ثقات، فمخالفة الثقة لمن هو أوثق منه تكون روايته شاذة، وهو قول للشافعي وهو الراجح الصحيح.

    وأما مخالفة الضعيف للثقة فهو فتكون منكرة، ولا يمكن أن يكون هناك تعارض؛ لأننا سنقدم الثقة على الضعيف، وأما إذا كان كل الرواة ثقات، فننظر إلى من هو أتقن، فإن كان للحديث قصة فصاحب القصة هو أتقن من غيره، ومثال ذلك: حديث ابن عباس وأبي رافع في مسألة نكاح المحرم كما سنبين.

    1.   

    الرجوع إلى المختص المتقن

    كذلك لو خالف الفقيهُ المحدثَ في تصحيح حديث أو تضعيفه فإننا نقدم عالم الحديث؛ لأنه المختص، فهذا أول تأصيل أصله العلماء أن المختص بالأمر هو الذي يقدم.

    حكم صيام من أصبح جنباً

    مثال ذلك: مسائل الحيض والجماع وغير ذلك مما يتعلق بالرجل والمرأة في البيت، فأتقن الناس لهذه المسائل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا جاء حديث عن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يتعلق بالبيت وجاء آخر عن صحابي واختلفا، فالترجيح هنا سيكون لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم.

    وقد اختلف الصحابة في الصائم إذا أصبح جنباً هل يصوم رمضان أو لا يصوم؟ فـأبو هريرة روى عن الفضل بن عباس : (أن الجنب لا صوم له) فلما سمع التابعي عبد الرحمن بن الحارث من أبي هريرة هذا الحديث تعجب من هذا الحكم، فذهب إلى عائشة وإلى أم سلمة ، فسألهما: (هل النبي صلى الله عليه وسلم كان يصبح جنباً فيبقى على صومه؟ فقالتا: اللهم نعم، فرجع إلى أبي هريرة فقال: يا أبا هريرة ! إن عائشة وأم سلمة قالتا: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصبح جنباً فيتم صومه، فقال أبو هريرة : حدثني بذلك الفضل بن عباس)، فإذا قالت أم سلمة وعائشة ذلك فالقول قولهما؛ وذلك لأنهما تختصان بهذا العلم.

    فهذا هو المثال الأول في أن العلماء جعلوا لنا طريقاً واضحاً جداً في مسألة نقد السنة ألا وهو: الرجوع إلى المختص المتقن في هذا الباب.

    حكم الاغتسال من الجماع دون إنزال

    المثال الثاني: مسألة الاغتسال من الجماع دون إنزال، يعني: رجل جامع امرأته فأكسل ولم ينزل، فهل يغتسل، أو يغسل ذكره ويتوضأ وضوءه للصلاة؟ فهذه المسألة اختلف فيها الصحابة، فهذا زيد بن ثابت جاءه رجل يستفتيه فقال: جامعت امرأتي فلم أنزل؟ قال: ما عليك إلا أن تغسل ذكرك مما أصابك منها وتتوضأ، وروى حديث: (إنما الماء من الماء) فسمع بعض الصحابة هذا الكلام فذهب إلى عمر فقال: إن زيد بن ثابت يفتي بكذا وكذا، فقال عمر : ائتني به، فعقد المجلس وجاء بأهل بدر فقال لهم: أرأيتم ماذا يقول زيد ، فاختلف الصحابة البدريون في ذلك، فمنهم من قال قوله، ومنهم من قال: بل عليه الغسل، فقام عمر بن الخطاب وأرسل إلى حفصة ، فقالت حفصة : لا علم لي بذلك، فبعث إلى عائشة وبعث إلى غيرها فقالت عائشة رضي الله عنها وأرضاها: على الخبير سقطت، إذا جاوز الختانُ الختانَ فقد وجب الغسل.

    وحديث (إنما الماء من الماء) رواه زيد وأبو أيوب الأنصاري وعثمان بن عفان رضي الله عنهم وأرضاهم، فقال عمر : والذي نفسي بيده لو أفتى أحدكم بغير قول عائشة لأنكلن به نكالاً.

    نقول: فلو نظرنا إلى أسانيد حديث عائشة وحديث زيد فكلها أسانيد كالشمس، فينبغي أن نجمع بينهما إن أمكن الجمع، لكن قال بعضهم: إن حديث: (إنما الماء من الماء) منسوخ، والصحيح الراجح في ذلك أنه ليس بمنسوخ لكنه مقيد؛ لأن قوله: (إنما الماء من الماء) عام؛ لأن الماء هنا معرف بالألف واللام، فالألف واللام هنا الاستغراقية وهي تدل على العموم، فحديث: (إنما الماء من الماء) مقيد بمسألة الاحتلام أو بمسألة التفكير، فلو أن رجلاً نام نوماً طويلاً عميقاً ورأى في نومه أنه يجامع امرأة ولكنه لم ينزل، فهذا لا يجب عليك الغسل؛ لأن الماء من الماء.

    مثال آخر: لو أن رجلاً كان يتفكر في امرأة ولم ينزل، فهذا أيضاً ليس عليه غسل حتى لو أنزل المذي، وإنما عليه الوضوء.

    إذاًً: الراجح والصحيح الجمع بينهما، فإذا جاوز الختان الختان فعليه الغسل إن كان في الجماع، ولذلك روى أبو هريرة حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا جلس بين شعبها الأربع وجهدها فعليه الغسل) (جهدها) يعني: جاوز الختان الختان.

    وكذلك عائشة رضي الله عنها بعد أن روت لهم الحديث أتت لهم بدليل عقلي في هذا فقالت: لقد وجب الحد بالختان ألا يجب الغسل؟ يعني: إذا جاوز الختان الختان فقد وجب حد الزنا، فإذا وجب الحد وجب الغسل.

    حكم نقض المرأة شعرها عند الغسل الواجب

    المسألة الثالثة: نقض الشعر عند الغسل الواجب، فقد اختلف الصحابة في ذلك، فـعبد الله بن عمرو بن العاص كان يأمر نساءه أن تنقض المرأة الضفائر عند الغسل الواجب، فقالت عائشة : (لِمَ لم يأمرهن أن يحلقن رءوسهن؟ ثم قالت: كنت أفعل ذلك مع النبي صلى الله عليه وسلم، ويكفيني أن أفرغ ثلاث إفراغات على رأسي)

    1.   

    الشواهد والمتابعات

    أقسام المتابعة والفرق بينها وبين الشواهد

    القاعدة الثانية: إذا اختلفت الروايات فينظرون: إذا تعددت الروايات للراوي وعضدت يحكمون على الراوي الثاني بأنه واهم.

    الأمر الثاني ينظرون في الشواهد والمتابعات، والمتابعة: هي موافقة الراوي للراوي في نفس الطبقة، لكن هل يشترط الموافقة في المتن؟ هناك خلاف عريض بين المحدثين، والصحيح الراجح أنه يشترط أيضًا الموافقة في المتن، مثال ذلك: قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لحوم الحمر الأهلية حرام) فيرويه مثلاً: مالك عن نافع عن ابن عمر ، فإذا رواه الليث عن الزهري عن سالم بن عبد الله عن ابن عمر ، فـالليث هنا تابع مالكاً في ابن عمر ، فاتفقا في الشيخ الأعلى، فتسمى: متابعة قاصرة، لكن لو روى مالك عن نافع عن ابن عمر فجاء الليث إلى المدينة فروى عن نافع عن ابن عمر، فهذه تسمى: متابعة تامة؛ لأنه وافقه في الشيخ المباشر.

    أما موافقة المتن للمتن بدون موافقة للسند، فمثل أن تكون الرواية عن ابن عمر فتأتي رواية موافقة لها عن أبي هريرة ، فرواية أبي هريرة شاهدة لرواية ابن عمر رضي الله عنه وأرضاه.

    فهنا قعد المحدثون قاعدة مهمة جداً: وهي إذا اختلفت الروايات نظروا في المتابعات والشواهد، ففي عصر الصحابة مثلاً ننظر هل وافق هذا الراوي غيره؟ مثلاً: لو خالف ابن عباس علي بن أبي طالب فهنا ننظر هل وافق علي بن أبي طالب أحد، فإذا وجدنا أن أكثر من رواه قد وافق علياً فنقول: ضبط علي ووهم ابن عباس .

    وهذا كحديث نكاح المحرم، فقد وهّم سعيد بن المسيب ابن عباس في هذا الحديث؛ لأنه نظر إلى أبي رافع قد اتفق مع ميمونة ، واتفق مع يزيد بن الأصم في الروايات، وانفرد ابن عباس برواية أخرى، فاتفاق هؤلاء الثلاثة يبين لنا أن ابن عباس قد وهم في هذا الحديث.

    أمثلة على المتابعة والشواهد

    هناك أدلة كثيرة لقاعدة المتابعة والشواهد، منها: إتباع الجنازة، ففي الحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من شهد الجنازة حتى يصلي عليها فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان) فالذين سمعوا الحديث من أبي هريرة جاءوا إلى ابن عمر فقالوا: يا ابن عمر: أما رأيت ما قال أبو هريرة؟ قال: ما قال؟ فأخبروه بما قال، فقال ابن عمر : أكثر علينا أبو هريرة، يعني: كأنه يقول: إن أبا هريرة يوهم من حديث النبي صلى الله عليه وسلم، لكنه يعلم أن أبا هريرة من الثقة بمكان، وقد أنزل الله عدالته من فوق سبع سماوات، وهو أروى الناس عن رسول الله، فقال ابن عمر : (اسألوا غيري فسأل عائشة وسأل غيرها: هل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من اتبع جنازة حتى تدفن فله قيراطان من الأجر؟ قالت: صدق أبو هريرة فيما قاله، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك) فقال ابن عمر لقد فرطنا في قرارات كثيرة.

    فهذه دلالة على إتقان الصحابي الذي يوافقه آخرون من الصحابة في الرواية، ووهم من لم يوافقه غيره.

    وكذلك روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من اقتنى كلباً فإنه ينقص من عمله كل يوم قيراط إلا كلب حرث أو ماشية) فـابن عمر كان يحفظ الحديث هكذا: (من اقتنى كلباً نقص من أجره قيراط إلا كلب صيد أو ماشية) فـابن عمر استغرب من ذكر الحرث من أبي هريرة فقال: إن أبا هريرة صاحب زرع، فهذا ليس توهيماً لـأبي هريرة وإنما موافقة له، أي: أن أبا هريرة خفظ ذلك؛ لأنه صاحب زرع، فـابن عمر لم يشك في أبي هريرة ؛ لأنه يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار) وأبو هريرة لا يمكن أن يكذب على النبي صلى الله عليه وسلم.

    مثال آخر: وهو عدة المتوفى عنها زوجها، فقد اختلف في ذلك ابن عباس وأبو سلمة بن عبد الرحمن فقال ابن عباس: أبعد الأجلين، فقال أبو سلمة بن عبد الرحمن : إن عدتها أن تضع حملها، فقال أبو هريرة: أنا مع ابن أخي، فأرسلوا إلى أم سلمة فقالت: (إن سبيعة الأسلمية كانت حاملاً وتوفي عنها زوجها، فوضعت بعد موته بفترة قصيرة، فأباح لها النبي صلى الله عليه وسلم الزواج بعد أن وضعت حملها).

    تقديم صاحب القصة

    هناك قاعدة قعدها العلماء في نقد المتون المتعارضة، وهذه القاعدة هي: أن صاحب القصة يقدم على غيره ممن يحكون القصة، فقد جاء عن أبي رافع قال: (كنت السفير بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين ميمونة ، وقد تزوجها حلالاً وبنى بها حلالاً) فكأنه يقول لـابن عباس : أنت لم تحضر القصة، بل أنا السفير والوكيل، فأنا أتقن منك وأنت قد وهمت في ذلك؛ لأن ابن عباس قال: (تزوجها وهو محرم).

    والمثال الثاني: قطع الحمار والمرأة والكلب للصلاة إذا مروا بين يدي المصلي، فقد جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن المرأة والحمار والكلب الأسود إذا مروا أمام المصلي تُقطع بهم الصلاة، فلما سمعت عائشة ذلك قالت: أشبهتمونا بالكلاب والحمير؟ والله لقد كنت معترضة بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين قبلته وهو يصلي، فإن أراد أن يسجد غمزني في رجلي) فكأنها تقول: أنا صاحبة القصة وأنا التي حدث معها هذا الأمر، فقد كنت أنام معترضة بين النبي وبين القبلة فكيف تقولون: إن المرأة لو مرت تبطل الصلاة؟ لكن هنا لم نرجح قول عائشة مع أنها صاحبة القصة؛ لأن صاحبة القصة جعلت المسألة في غير محل النزاع، فقد استدلت بدلالة هي أخص من هذا الذي نتكلم عنه.

    مسألة تعدد المجالس واختلاف الروايات

    هذه مسألة أخيرة في عرض السنة على السنة: وهي إذا كانت المجالس قد تعددت واختلفت الروايات فالعلماء قالوا في المجالس المتعددة: إذا أثبتنا أن المجالس متعددة فإننا نجمع بين هذه الروايات التي وردت في المجالس، مثال ذلك في المخالفة أو في تعدد القصة: (أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى ذي الحليفة فصلى وبعد الصلاة أحرم النبي صلى الله عليه وسلم وأهل بالحج والعمرة). وفي رواية أخرى: (أن النبي صلى الله عليه وسلم استوى على ناقته، فلما استوى على ناقته قال: لبيك اللهم بحج أو بعمرة)، في الرواية الأولى أن النبي صلى الله عليه وسلم أهل بالحج بعد السلام، والرواية الثانية فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم أهل بعدما استوى على ناقته، وهناك رواية ثالثة: (أهل النبي صلى الله عليه وسلم بعدما علا شرف البيداء) فعندنا ثلاث روايات، فأي هذه الروايات تكون أصح؟ قال بعض العلماء: الرواية الثالثة هي الأيسر والرواية الأولى هي الأصح، فجاء ابن عباس ورسم لنا طريقاً واضحاً فقال: لا مخالفة بين الروايات الثلاث: فالذين رووا القصة الأولى ثقات أثبات فلا نوهمهم، والذين رووا القصة الثانية ثقات أثبات فلا نوهمهم، والذين رووا القصة الثالثة ثقات أثبات فلا نوهمهم، ثم قال ابن عباس : في هذه الحالة نقول: لا نوهم الرواة الثقات ونجمع بينهم بأن النبي صلى الله عليه وسلم فعل هذا وفعل هذا وفعل هذا، وهذا الفعل منه صلى الله عليه وسلم من أجل التيسير على الناس، إذ إن هذه الشريعة السمحاء ما جاءت إلا بالتيسير على الناس، فكأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: أريد أن أييسر عليكم، لكن من أراد الفضل فإن الفضل كل الفضل والكمال كل الكمال أن تحرم بعدما تسلم في المسجد، لكن إن كنت لم تقلم أظافرك ولم تستعمل السواك كما استعمل النبي صلى الله عليه وسلم فلك أن تؤخر الإحرام حتى تستوي على الناقة، وهناك تيسير أكبر أن تحرم وأنت على البيداء، فكان هذا تيسير على الأمة، وكان هذا جمعاً لطيفاً من ابن عباس ، وكان تقعيداً وتأصيلاً لكل محدِّث ينظر في متون السنة هل يضعف أو لا يضعف، أو يقبل كل الروايات من الرواة الثقات دون أن يوهمهم؟ والنظر في تعدد القصة من أهم القواعد، فهناك قاعدة عند أهل الحديث وهي: إعمال الأحاديث أولى من إهمال أحدها، فنعمل بكل ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم قدر استطاعتنا، فكل ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم وهي لا يمكن أن يطرح؛ لأن فيه الفائدة.

    1.   

    عرض الحديث على العقل

    فهذه هي القاعدة الثانية التي قعدها العلماء في النظر إلى متون السنة.

    القاعدة الثالثة: وهي النظر العقلي: أي: أن يعرض الحديث على العقل، فهل سنوافق المعتزلة في عرضنا لحديث النبي صلى الله عليه وسلم على العقل حتى نقول: هذا الحديث صحيح، أو هذا الحديث ضعيف؟ وهل العقل له الاستطاعة حتى يحكم أن هذا وحي أو ليس بوحي؟!