إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ محمد حسن عبد الغفار
  3. رسالة إلى كل امرأة تيسير أحكام الحيض - حكم قضاء الصوم وأحوال الحائض في الصوم والحج

رسالة إلى كل امرأة تيسير أحكام الحيض - حكم قضاء الصوم وأحوال الحائض في الصوم والحجللشيخ : محمد حسن عبد الغفار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • جاء الدين الإسلامي شاملاً لكل نواحي الحياة، فلم يترك شيئاً إلا وضحه وبينه، فجاء مفصلاً لجميع الأحكام في جميع المجالات، وكما تناول الأحكام الخاصة بالرجل، فقد تناول أيضاً الأحكام الخاصة بالمرأة، سواء في حال طهرها أو حيضها، فبين أحكامها في العبادات، ولم يهمل منها شيئاً.

    1.   

    أحكام الحائض في الصوم

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    ثم أما بعد:

    فما زلنا مع رسالة: لكل امرأة، مع الأحكام التي تتعلق بالمرأة حال حيضها، وسنتكلم بمشيئة الله على حكم مهم ألا وهو: حكم الصيام للمرأة الحائض.

    فأقول: يحرم على المرأة الحائض الصوم، سواء أكان فرضاً أم نافلة، كما تحرم عليها الصلاة، فيجتمع الصوم والصلاة بالنسبة للحائض في الحرمة، فإنه يحرم عليها الصوم كما تحرم عليها الصلاة، فإذا صامت فإنه لا يصح منها هذا الصوم وتكون آثمة؛ لأنها خالفت نهي النبي صلى الله عليه وسلم، وخالفت نهي الله جل في علاه لها بالصوم في حال حيضها، فإذا صامت واستحلت الصيام حال حيضها كفرت بذلك؛ لأنها كذبت بقول الله، وكذبت بقول النبي صلى الله عليه وسلم، أما إذا فعلت ذلك جهلاً منها، ثم علمت فتابت فلا شيء عليها؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) والجهل أخو النسيان.

    والدليل على أنها إذا حاضت لا تصوم: قول النبي صلى الله عليه وسلم: (أليس إذا حاضت لم تصم ولم تصل) فهذه خبر عن النبي صلى الله عليه وسلم يراد به الإنشاء، أي: إذا حاضت لا تصوم، فيحرم عليها الصوم.

    والدليل الثاني: حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها التي أخبرت فيه: أن الدم كان يصيب ثوب إحداهن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا تصوم ولا تصلي، وتؤمر بقضاء الصوم.

    قضاء الصيام للحائض

    يخالف الصوم الصلاة في أن المرأة ملزمة بأن تقضي الصوم خلافاً للصلاة.

    والدليل على ذلك:

    حديث معاذة قالت: (سألت عائشة رضي الله عنها وأرضاها فقلت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقالت: أحرورية أنت؟! قلت: لست بحرورية، ولكن أسأل -يعني: مسترشدة أردت أن أتعلم- فقالت: كان يصيبنا ذلك، فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة). فقول عائشة رضي الله عنها وأرضاها: (كان يصيبنا ذلك)، تعني: في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا له حكم الرفع للنبي صلى الله عليه وسلم، أي: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أنه يصيبنا ذلك، (فنؤمر)، أي: (فكان يأمرنا بقضاء الصوم، ولا يأمرنا بقضاء الصلاة).

    سبب أمر الحائض بقضاء الصوم دون الصلاة

    وفارق الصوم الصلاة للمشقة، فإن الأمر بقضاء الصلاة فيه مشقة شديدة، ومخالفة لسماحة هذه الشريعة، والتأصيل العام الذي أصله النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الشريعة هو التيسير على هذه الأمة، فقال: (يسروا ولا تعسروا). وقد قال الله جل في علاه في كتابه: وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج:78]، أي: أنه قد رفع الحرج عنا.

    والقاعدة الفقهية التي قعدها العلماء تقول: المشقة تجلب التيسير. والصلاة تتكرر، فإذا أمرت المرأة بقضاء الصلاة شق ذلك عليها، فرفعت عنها المشقة، أو رفع عنها الحرج، عملاً بهذه القاعدة العظيمة: المشقة تجلب التيسير. وأما الصوم فلأنه لا يتكرر فقد أمرت المرأة بقضاء الصوم.

    أحوال الحائض في الصيام

    وإذا قلنا: بأن الحائض يلزمها قضاء الصوم، فإن للمرأة الحائض ثلاثة أحوال في أمر الصوم:

    الحالة الأولى: أن تصوم طاهراً ثم تحيض، ولو قبل المغرب بدقيقة واحدة، ولو قبل سقوط حاجب الشمس بدقائق معدودة، فإن هذا الصوم يبطل، وعليها أن تقضي هذا اليوم، ولها أن تأكل وأن تشرب، حتى ولو لم يسقط حاجب الشمس؛ لأنها لا تعتد بصوم هذا اليوم؛ لأنه لا يصح صوم الحائض بحال.

    الحالة الثانية: أنها تكون قد طهرت بعد الفجر بلحظة، أي: أصبحت حائضاً، وطلع الفجر وهي لم تطهر، ثم طهرت بعد الفجر، ولو بلحظة أو دقيقة، فإنها غير مطالبة بهذا الصوم؛ لأنها حال طلوع الفجر كانت حائضة، ولم تكن مخاطبة بصيام هذا اليوم، ويلزمها الإمساك إلى سقوط حاجب الشمس على الصحيح والراجح عند أهل التحقيق، ثم بعد ذلك تقضي هذا اليوم.

    الحالة الثالثة: إذا طهرت قبل الفجر بلحظة فإنها تصوم، ويصح صومها، وإن لم تغتسل إلا بعد الفجر؛ لأن الطهارة ليست شرطاً في الصوم.

    والدليل على ذلك: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصح جنباً فينوي الصوم، ويصوم قبل أن يغتسل). فإذا طهرت المرأة قبل الفجر ولو بلحظة، فقد أصبحت من أهل التكليف بالصوم، فتنوي الصيام وتغتسل ولو بعد طلوع الفجر.

    1.   

    أحكام الحائض في الحج والعمرة

    أيضاً من الأحكام التي تتعلق بالمرأة حال حيضها: الحج والعمرة، هذه المناسك العظيمة التي فرضها الله على عباده.

    فالمرأة إذا منَّ الله عليها بالحج أو بالعمرة، فحاضت كما (دخل النبي صلى الله عليه وسلم على عائشة رضي الله عنها وأرضاها فوجدها تبكي، فقال لها: أضحكت؟ فعلم منها أنها قد نزل بها الحيض، فقال: هذا أمر قد كتبه الله على بنات آدم). فسهل عليها الأمر، وبين لها أحكامها في الحج.

    فالمرأة الحائض يجب عليها أن تؤدي كل المناسك التي يؤديها الحاج، ولا تنقص منها شيئاً، فتغتسل عند الميقات للإحرام؛ لأن الغسل سنة الإحرام، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يمنع المرأة الحائض من هذا الاغتسال، فقد أمر أسماء بنت عميس بعدما ولدت وهي في ذي الحليفة أن تغتسل وتستثفر وتهل، فتقول: لبيك اللهم بحجة، أو لبيك اللهم بعمرة متمتعة بها إلى حجة.

    وهذا الغسل نيته التنظف للإحرام، أو نيته التعبد؛ لأنه سنة للإحرام، ثم تلبي كما يلبي الحاج، لا فرق بينها وبين الحاج، وتؤدي المناسك جميعاً، فتقف بعرفة مع الناس، وتذكر الله جل في علاه، وتدعو وتتضرع حال حيضها، لعل الله يتقبلها في الصالحات القانتات في هذا اليوم العظيم، وتبيت بمزدلفة كما يبيت الحاج، ولا يشترط في الوقوف بعرفة والمبيت بمزدلفة الطهارة.

    وأيضاً: تبيت بمنى في ليالي منى، وترمي الجمار؛ لأن كل ذلك لا يحتاج إلى طهارة، وتسعى بين الصفا والمروة، وتقدم السعي وتأخر الطواف؛ لرفع الحرج عنها، كما بين النبي صلى الله عليه وسلم عندما قال له رجل: سهوت أو نسيت فطفت قبل أن أسعى، أو حلقت قبل أن أطوف، أو سعيت قبل أن أطوف. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: افعل ولا حرج، فما أحد قدم شيئاً أو أخر إلا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (افعل ولا حرج)، فلها أن تقدم السعي بين الصفا والمروة إذا علمت أنها تطهر في آخر النهار؛ لأن هذا هو الأولى والأحوط، وإذا ظهرت لها علامات الطهر، مثل أن تنزل منها الصفرة والكدرة، وقد اعتادت أنه لو نزلت الصفرة والكدرة فإنها تطهر بعد ساعة أو ساعتين، فإنها تسعى بين الصفا والمروة، ثم بعد أن تطهر تغتسل وتطوف بالبيت.

    إذاً: المرأة الحائض في الحج لا يحرم عليها شيء قط يفعله الحاج إلا الطواف بالبيت، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (افعلي ما يفعل الحاج، غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري). فشرط النبي صلى الله عليه وسلم على المرأة الحائض: ألا تطوف بالبيت، وألا تدخل المسجد الحرام.

    كما أنه قد خفف عن الحائض في المناسك، فقد أسقط عنها الشرع طواف الوداع تخفيفاً، وإن كان واجباً على كل حال، إلا أن الشرع الحنيف راعى حال حيضها، فقد جاء في الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنه وأرضاه قال: (أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت طواف الوداع، إلا أنه خفف عن المرأة الحائض).

    وقد نازع زيد بن ثابت ابن عباس في هذه المسألة، فكان يفتي: بأن المرأة الحائض تبقى حتى تطهر، فتطوف طواف الوداع. فبين له ابن عباس : أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص للمرأة الحائض في ذلك، فرجع لقول ابن عباس رضي الله عنه وأرضاه.

    وأيضاً: (لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالنفرة، قالوا: إن صفية حاضت. فقال النبي صلى الله عليه وسلم أتحبسنا هي؟ قالوا: إنها قد فاضت -يعني: طافت طواف الإفاضة- فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فلتنفر إذاً) بمعني: أنها تسير؛ لأنه قد سقط عنها طواف الوداع حال حيضها؛ هذه ملخص أحكام المرأة في الحج حال حيضها.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.