إسلام ويب

فقه المعاملات المعاصرة - مسألة التورقللشيخ : محمد حسن عبد الغفار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • مسألة التورق من المعاملات المالية، وهي: أن يشتري الرجل السلعة نسيئة لغير قصد الانتفاع بها، كأن يشتري سلعة بمائة ألف نسيئة، ويبيعها نقداً بثمانين ألفاً، وقد اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين، ولكل قول دليله، والقول الراجح في هذه المعاملة أنه لا يصح التعامل بها؛ لأنها من أبواب الربا.

    1.   

    مسألة التورق

    صورة التورق

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71]، أما بعد:

    التورق مأخوذ من الورق، والمقصود به المال، وهو أن يشتري الرجل السلعة نسيئة لغير قصد الانتقاع بها، كأن يشتري سيارة بالتقسيط ولا يريد الانتفاع بها ولا أن يمتلكها إنما يريد الورق، أي: سيولة المال، فيشتريها بمائة ألف نسيئة، ويبيعها نقداً بثمانين ألفاً، ولها صورتان:

    الصورة الأولى: أن يبيع السيارة على نفس البائع، وهذه تسمى عينة، وتحرم بذلك.

    الصورة الثانية: أن يبيعها على غيره، وهذا معنى التورق.

    اختلاف العلماء في مسألة التورق وأدلة كل قول

    اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: هو قول الجماهير من أهل العلم من المالكية والشافعية والأحناف، وهو رواية عن أحمد بأن هذه المعاملة جائزة، وأدلتهم في ذلك ما يلي:

    أولاً: عموم قول الله تعالى: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا [البقرة:275]، فهم يقولون: أن الأصل في البيع الحل، أي: كل معاملة حلال بيعاً أو شراءً، إلا ما دل الدليل على الحرمة، فالتورق حلال؛ لأنه لا يوجد حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيه إن التورق حرام.

    ثانياً: عموم قول النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث بلال عندما أتى بالتمر الجنيب فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (أكل تمر خيبر هكذا؟ قال: لا والله يا رسول الله! إني أبدل الصاع من الجنيب بالصاعين من الجمع، قال: أوه! عين الربا، لا تفعل، بع الجمع بالدراهم واشتر بالدراهم جنيباً).

    فوجه الدلالة من هذا الحديث: أن فيه حيلة مشروعة على الربا وهو بيع صاع بصاعين، وذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (بع الجمع بالدراهم واشتر بالدراهم جنيباً).

    فقالوا: هذا فيه دلالة واضحة جداً على أن التورق جائز؛ لأنه لما باع التمر وأخذ الدراهم لا يريد الدراهم وإنما يريد أن ينتفع بأكل التمر.

    فلذلك لما كان الأصل فيه أنه ما كان يريد الدراهم وإنما يريد السلعة -أي: التمر- أباح له النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، وكذلك مسألة الرجل الذي يريد التورق.

    ثالثاً: الدليل النظري وهو: أن الإنسان في البيع والشراء يريد الانتفاع، سواء انتفع بالسلعة نفسها، أم انتفع بمالها، فلا تحجير عليه؛ لأنه لا يحجر واسع.

    القول الثاني: هو الرواية الثانية عن أحمد ، وهذه الرواية رجحها شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم ، وقد قال ابن القيم : راجع الناس شيخنا مراجعة شديدة في هذه المسألة وهو حاسم حازم فيها، وكان يقول: هي ربا، والأدلة على ذلك ما يلي:

    الدليل الأول: حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى)، وجه الدلالة من هذا الحديث: أن الرجل كان ينوي مبادلة مال بمال، فأصبح صرفاً نسيئة بنقص، وهذا لا يجوز؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تبيعوا غائباً بناجز إلا يداً بيد)، فكانت الصورة صورة صرف، مائة نسيئة وليست نقداً بثمانين نقداً، فالذي اشترى السلعة وباعها، نيته ليس الانتفاع بالسلعة إنما يريد الصرف فقط، فنيته سيولة المال، فكأنه أخذ المائة ألف وصرفها بثمانين نسيئة، أي: دخل في الربا مرتين، فالنسيئة ربا، وربا النسيئة هو الأصل الذي حرمه الشرع، فلذلك يحرم عليه؛ لأنه يصرف المائة بالثمانين أو الثمانين بالمائة دون التقابض في المجلس.

    الدليل الثاني: لما سئل ابن عباس رضي الله عنهما وأرضاهما عن رجل يريد أن يشتري السلعة ويبيعها ليستفيد بسيولة المال، فقال له: هي دراهم بدراهم بينهما حرير، أي: أنه صنفها من ناحية الصرف، وهذا أثر عن ابن عباس ولا مخالف له.

    الدليل الثالث: ورد عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وأرضاه أنه قال: التورق هو أصل الربا؛ فإن الله تعالى حرم أخذ دراهم بدراهم أكثر منها إلى أجل؛ لما في ذلك من ضرر المحتاج وأكل ماله بالباطل، وهذا المعنى موجود، ويكون جلياً في هذه الصورة.

    فهذه هي الأدلة التي استدل بها ابن القيم التي تنهى عن مشابهة اليهود في المعاملات الظاهرية والباطنية ثم ذيلها بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قاتل الله اليهود حرم الله عليهم الشحوم، فأذابوها ثم باعوها فأكلوا ثمنها)، حرم عليهم أكل الشحوم، فقالوا: ما أكلناها وما دخل في المعدة منها شيء، لكنهم أكلوا ثمنها فاعتبرهم الله جل في علاه، أنهم قد أكلوها مع أنهم ما أكلوها حقيقة، إنما أكلوا ثمنها، عاملهم بما في نيتهم، فأصبحوا كالأكلة، وأخذهم الله جل وعلا بما فعلوا.

    القول الراجح في مسألة التورق

    فالراجح الذي أدين الله به هو القول الثاني، وهو أن التورق حرام، لا يصح التعامل به؛ لأنه من باب الصرف الذي لا يتحقق فيه توفر الشروط التي اشترطها النبي صلى الله عليه وسلم.

    ولأن فيه حيلة على الربا، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى)، وقد قال إبراهيم بن أدهم : يعاملون الله كطفل صغير، والعملة الزائفة لا تروج على الله.

    الرد على من أجاز معاملة التورق

    الرد على من قال بحلية هذه المعاملة:

    أولاً: استدلوا بعموم قول الله تعالى: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا [البقرة:275]، فهذه الآية عامة مخصوصة بكلام النبي صلى الله عليه وسلم (إنما الأعمال بالنيات)، وأيضاً صريح قولي ابن عباس وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنهم وأرضاهم، فإن الأصل في البيع الحل، إلا إذا جاءنا الناقل الذي ينقلنا عن هذا الأصل، وهو القياس الصحيح.

    أما استدلالهم الثاني بحديث بلال ، فهو ليس في محل النزاع؛ لأنه ليس مقصوده الأسمى الورق، والكلام هنا على مسألة الورق، وهذا القياس يسمى قياس العكس، وهو أن الرجل الذي يشتري السلعة لا يريدها، وإنما يريد الورق، وحديث بلال فيه أنه لا يريد الورق، وإنما يريد التمر أي السلعة، فاستدلالهم بهذا الحديث من باب قياس العكس، وقياس العكس عند جماهير الأصوليين هو قياس ضعيف، فلا يصح العمل به.

    فعندنا قول ابن عباس رضي الله عنه الذي لا مخالف له: دراهم بدراهم بينهما حرير، وقول عمر بن عبد العزيز تصريحاً: التورق أصل الربا.

    أما استدلالهم النظري بقولهم: لا فرق بين شرائها للاستعمال أو للاستفادة، فنقول: بل إن هنالك فروقاً في هذه المعاملة، فرق بينهما كلام النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى)، فهذا اشترى السلعة يريد أن يتاجر فيها ويستفيد بالثمن، أما المسألة الثانية؛ فلأنه سيعطي المال تقسيطاً ويقبض في يده المال الثاني، فلما افترقتا قلنا: لا يصح أن نقول: إنه لا فارق بين استعمالها وبين الاستفادة بثمنها؛ لأن استعماله لها يمكن ألا يبيعها، فتكسد عنده، أو يبيعها بزيادة أو بخسران، أما الاستفادة بثمنها فلأنه جعل الصرف بالدراهم تقسيطاً ويأخذ الدراهم نقداً حتى تكون له السيولة.

    إذاً: الراجح في عملية التورق أنها من أبواب الربا، ومن تعامل بها فقد وقع في الربا، فكثير من الإخوة الذين يشترون السلعة ولا يريدونها إنما يريدون المال قد وقعوا في الحرام، وفي الربا، فهذه المسألة وجيزة، وقد وقع فيها كثير من الناس، وأردت الإشارة إليها.