إسلام ويب

فقه المعاملات المعاصرة - المقدمةللشيخ : محمد حسن عبد الغفار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الأصناف الربوبية نوعان: ما كانت العلة فيه الثمنية كالذهب والفضة، وما كانت العلة فيه الطعم كالبر والشعير والتمر والملح، فإذا اتفقت العلة والجنس كالذهب بالذهب اشترط التساوي والتقابض، وإذا اتفقت العلة واختلف الجنس كالذهب والفضة اشترط التقابض ولم يشترط التساوي، وإذا اختلفت العلة والجنس كالذهب والتمر فلا يشترط التقابض ولا التساوي.

    1.   

    تحريم الربا

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه).

    البورصة أكثر المعاملات، وسأقعد قاعدة في أبواب الربا تبين حكم كل معاملة.

    إن نظام الاقتصاد الإسلامي نظام وسط، الله جل في علاه هو الذي شرعه، فإنه لا يحجر واسعاً على المكسب ففي الحديث أن الصحابة قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: (يا رسول الله! سعر لنا. قال: إن الله هو المسعر، وإني أرجو الله أن ألقاه ولا أحد يطالبني بمظلمة يوم القيامة)، والربا قد أثقل كاهل المدين، وفي ديننا أن من اقترض لا يزيد على القرض، وهذا من سماحة ديننا، ومن عظمة الاقتصاد الإسلامي أنه حرم الربا.

    إن الله جل في علاه خلق الخلق لينشر بينهم الوئام والفضل والمحبة والإخوة والتعاون فقال: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى [المائدة:2]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً، وشبك بين أصابعه) وبين أن هذا هو حال المؤمنين بعضهم مع بعض، فهم إخوة في الله، كل منهم يوافق أخاه ويقف مع أخيه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لأن أمشي مع أخي في حاجته خير لي من أن أعتكف في مسجدي هذا شهراً كاملاً).

    فالتعاون على البر والتقوى يقطع الربا، ويحل التآلف والوئام والمحبة مكان الحقد والحسد، وما أكثر التقاتل والمشاكل بسبب هذه المسألة الشائكة وهي مسألة الربا؛ ولذلك حرمها الله في الكتاب وفي السنة، وأجمعت الأمة على تحريم الربا، قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا [البقرة:278]، وقد بين الله جل في علاه أنه إن كان مقصودك أيها المرابي أن تزيد في مالك فلن يزداد بل سيقل قال الله تعالى: يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ [البقرة:276]، وتدبروا الآية المرعبة التي ترعب كل من يرابي، قال الله تعالى: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [البقرة:279]، في الدنيا بالضيق وعدم البركة والمرض، والمال كله ينفض عنه ولا يمكن أن يبقيه، وفي الآخرة قال ابن عباس : عندما يبعثهم الله جل في علاه يقال لهم: خذوا أسلحتكم لتحاربوا الله ورسوله! فإذا حارب أحد الله فالغلبة ستكون لمن؟ نعوذ بالله من الخذلان! وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اجتنبوا السبع الموبقات -وذكر منها- وأكل الربا).

    وفي حديث صححه الشيخ الألباني قال النبي صلى الله عليه وسلم فيه: (الربا سبعون باباً أو حوباً أيسره مثل أن ينكح المرء أمه)، وهذا الحديث ضعفه كثير من العلماء، وفي رواية أخرى: (درهم ربا يأكله المرء أشد من ست وثلاثين زنية)، وفي رواية قال: (أيسرها مثل أن يقع المرء على أمه).

    وفي صحيح مسلم عن جابر رضي الله عنه: (لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه ثم قال: هم سواء)، يعني: هم على درجة واحدة في الإثم؛ المنتفع والظالم والمظلوم والكاتب والشاهد.

    1.   

    الأصناف الربوية وهل يلحق غيرها بها؟

    الأصناف الربوية ستة ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم وهي: الذهب، والفضة، والبر، والشعير، والتمر، والملح، وقد اختلف العلماء اختلافاً عريضاً جداً هل يلحق بهذه الستة الأصناف غيرها أم لا؟ فقال ابن عقيل من الحنابلة: لا علة فيها، فالستة لا يقاس عليها، وهذا قول ابن حزم ، وهو قول ضعيف جداً، أما الجماهير فقالوا: فيها علة، واختلفوا في تحديد العلة.

    فهذه الستة الأصناف يحلق بها ما اشترك معها في العلة.

    اشتراط التقابض والمساواة في الأصناف الربوية

    الأصناف الربوية الستة لها حالات ثلاث:

    الحال الأولى: أن يتحدا في الجنس والعلة.

    الحال الثانية: أن يتحدا في العلة ويختلفا في الجنس.

    الحال الثالثة: أن يفترقا في الجنس وفي العلة.

    والشروط التي اشترطها النبي صلى الله عليه وسلم في التعامل مع الأصناف الربوية: أن تباع براً ببر، وملحاً بملح، وهكذا، مع التقابض.

    فمن أراد أن يبيع ملحاً بملح أو تمراً بتمر أو ذهباً بذهب أو فضةً بفضة، فهذه المعاملة حتى تصح وتكون موافقة لأصول الشرع لا بد فيها من شرطين:

    الشرط الأول: التقابض في المجلس.

    الشرط الثاني: المساواة، جراماً بجرام، درهماً بدرهم، درهمين بدرهمين، تمراً بتمر، كيلو بكيلو، ذهب بذهب جراماً بجرام، فضة جرام بجرام فضة، ودليل ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: (الذهب بالذهب ربا إلا هاء وهاء سواء بسواء)، كما في حديث عمر وجابر قال: (مثلاً بمثل)، ولذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه شد النكير على طلحة عندما أراد أن يصرف الرجل ديناراً بدراهم وقال: انتظر حتى يأتينا فلان، فقال له: لا، بل الآن؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يداً بيد)، ولهذا لا يجوز أن تخرج المرأة من عند الصائغ إذا بدلت الذهب بالذهب إلا وقد قبضت البديل وقبض هو الأصل، وكانا متساويان بالجرام، ولا يلتفت إلى كون أحدهما مصوغاً أو أجمل أو أتقن، فلا بد من المساواة؛ لحديث بلال عندما جاء بتمر جنيب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (أكل تمر خيبر هكذا؟! قال: لا يا رسول الله! إنا نشتري الصاع بصاع من الجمع، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أوه! عين الربا، لا تفعل، بع الجمع بدراهم، ثم اشتر بالدراهم تمراً جنيبا)، فالجودة والرداءة علة غير مؤثرة في الحكم، فالتأثير في الحكم هو المساواة.

    مسألة: جاءت امرأة معها أسورة وزنها خمسة جرامات، فأرادت أن تبدلها عند الصائغ، فأعطته الجرامات، فقال: هذا ذهب قديم جداً، وعندي أسورة من أمتن ما تكون صنعة، وهي أربعة جرامات ونصف، والنصف الفارق يكون من أجل الصنعة، فبدلت وذهبت، فسألت: هل معاملتي صحيحة أم لا؟ قنقول: هذا ربا، ولا بد ليصح هذا العقد عن شرطين:

    الشرط الأول: التقابض، وقد وجد، فالمرأة أعطت الصائغ ذهبها وهو أعطاها الذهب الجديد.

    الشرط الثاني: المساواة، وقد اختل هذا الشرط، فهذه المعاملة لم يتوافر فيها الشرطان، فلا بد من المساواة ولا بد من التقابض في المجلس حتى يصح هذا العقد.

    الحالة الثانية: أن يتفقا في العلة ويفترقا في الجنس، فلا بد أن يتوافر في هذه المعاملة شرط واحد وهو: التقابض في المجلس دون المساواة، مثل بيع عشرة كيلوات تمر بكيلو ملح، أو خمسة جرامات ذهب بنصف كيلو جرام فضة، فهذا يجوز، والدليل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: (فإذا اختلفت الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان ويداً بيد).

    إذاً: إذا اختلفت الأجناس والأصناف فلا بد أن يتوافر شرط التقابض في المجلس، فمثلاً: رجل قال: عندي عشرة جنيهات وأريد بدلها دولاراً، فقال له: أبدلها لك بنصف دولار، فقال: خذ بيدك وأعطني نصف الدولار، فهذه المعاملة صحيحة؛ لأنهما تقابضا في المجلس. والمقصود من التقابض في المجلس: أنه لا ينصرف أحدهما من المجلس إلا وقد أنهى هذه المعاملة.

    مسألة: رجل تاجر قال: ضع لي أربعين ألف دولار في البنك، وكم سعرها بالجنيهات؟ قال: مائة ألف، قال: غداً سآتيك بها، فوضع الرجل له الأربعين ألفاً وانتظر في الغد المائة ألف، فهذا ربا؛ لأنه لم يحصل التقابض في المجلس.

    مسألة: رجل اشترى لزوجته قلادة بخمسة آلاف، فأعطى الصائغ أربعة آلاف وقال: سأعطيك الألف الباقي غداً، فهذا ربا؛ لأنه لم يحصل التقابض الكامل.

    الحالة الثالثة: أن يختلفا في الجنس وفي العلة، فهذه بع كيفما شئت، ولا يشترط التساوي ولا التقابض، مثل: أن تبيع كيلواً من الملح بدراهم أو بذهب، فلك أن تأخذ الملح وبعد أسبوع تعطيه الدراهم أو الذهب، أو تشتري تمراً بفضة، فتعطي الفضة أولاً ثم تأخذ التمر بعد ذلك، فهذا كله جائز، فهذه الحالة الثالثة لا يشترط فيها شروط عند الجمهور خلافاً للمالكية.

    وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا اختلفت الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد)، هذا العموم خصص بحديثين: الحديث الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم مات وقد رهن درعه عند يهودي في صاع شعير، فاشترى الطعام وأخر المال، فاختلفت الأصناف في العلة وفي الجنس ولم يشترط التقابض ولا التساوي.

    الحديث الثاني: حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل المدينة وكانوا يسلفون في التمر السنة والسنتين فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (من أسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم)، وابن عباس يقول: كانوا يعطون المال أولاً ثم يأخذون التمر. ففيه دلالة على أنهم عجلوا الصنف وأخروا الصنف الآخر نسيئة، وأقر النبي صلى الله عليه وسلم هذه المعاملة.

    إذاً: الراجح الصحيح أنه إذا اختلف الأصناف في الجنس وفي العلة فإننا نقول: بيعوا كيف شئتم نسيئة، أو غير نسيئة، سواء حصل تقابض أو لا، حصلت مساواة أو لا، ولا حرج عليكم.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.