إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ محمد حسن عبد الغفار
  3. فضائل الصحابة - فضائل عبد الرحمن بن عوف

فضائل الصحابة - فضائل عبد الرحمن بن عوفللشيخ : محمد حسن عبد الغفار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد كان عبد الرحمن بن عوف من السابقين إلى الإسلام، وشهد المشاهد كلها، وهو من العشرة المبشرين بالجنة، وقد صار بعد الهجرة من أغنى الصحابة، وكان جواداً كريماً زاهداً متواضعاً، وله فضائل كثيرة جداً فرضي الله عنه وأرضاه.

    1.   

    سيرة عبد الرحمن بن عوف وفضائله

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.

    ما زلنا مع صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين اصطفاهم الله على البشر أجمعين، فجعلهم صحبة لنبيه نصرة لدينه، ونشرة لدعوته.

    لقد نظر الله في قلوب العباد فوجد أصفى هذه القلوب وأنقى هذه القلوب هي قلوب الصحابة رضي الله عنهم، فاختارهم لصحبة نبيه، فهم أعمق الناس علماً، وأحسن الناس خلقاً، وأبرهم قلوباً.

    نحن اليوم على موعد مع عبد الرحمن بن عوف الذي بشره النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة وهو يمشي على رجليه بين الناس.

    هو أبو محمد عبد الرحمن بن عوف بن عبد الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي ، كان اسمه في الجاهلية عبد عمرو وقيل: عبد الحارث وقيل: عبد الكعبة وسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن ، ففي هذا دلالة على أن الاسم الذي لا يجوز شرعاً لابد أن يغير، يعني: أي اسم معبد لغير الله أو يتضمن تزكية؛ لفعل النبي صلى الله عليه وسلم حيث غير اسم برة إلى زينب؛ لأن برة من البر.

    إذاً: فمن السنة إن كان الاسم فيه تزكية للنفس أن يغير، وإن كان مطابقاً له، والأمر الثاني إذا عبد لغير الله كعبد علي وعبد الحسين وعبد الرسول، كل ذلك وجوباً لابد أن يغير، أما بالنسبة للتسمي باسم الإسلام والإيمان فلا يجوز التسمية بالإسلام والإيمان.

    إذاً: لا يجوز التسمي بالأسماء التي نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم، لكن هناك أسماء تتضمن تزكية، ولم يغيرها النبي صلى الله عليه وسلم كمحمد، والتزكية في محمد أنه كثير المحامد، وأيضاً صالح؛ لأن هناك نبياً من أنبياء الله اسمه صالح، وصالح فيه تزكية، فنقول: القاعدة الأصلية: أن كل اسم فيه تزكية للنفس يغير إلا ما جاء الدليل به فنمكث عليه.

    إسلامه رضي الله عنه وهجرته ومشاهده

    أسلم عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قديماً قبل أن يدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم دار الأرقم بن أبي الأرقم ، وهاجر إلى أرض الحبشة الهجرتين، وشهد المشاهد كلها، وهذه من فضائله الجميلة، وثبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد، وكل المؤرخين دائماً يبينون من ثبت في غزوة أحد؛ لأن كثيراً من الصحابة فروا يوم أحد، ومنهم عثمان بن عفان ، لكن الله عفا عنهم وقال: وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ [آل عمران:155]، وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خلفه في غزوة تبوك، وهذه تكرمة الله لهذه الأمة، ما من أمة صلى خلف آحادها نبيها إلا هذه الأمة، وليست مرة واحدة بل مرتين، وقبل أن تقوم الساعة سيصلي نبي خلف آحاد هذه الأمة، سيصلي عيسى خلف المهدي فصلى النبي صلى الله عليه وسلم خلف أبي بكر عندما ذهب ليصلح بين فريقين: (فقام بلال فاستأذن أبا بكر في الصلاة فصلى بهم أبو بكر ، ثم جاء النبي صلى الله عليه وسلم فدخل في الصف، فأخذ الناس يضربون بالأكف حتى تراجع أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه، ودخل رسول صلى الله عليه وسلم وصلى بالناس، بعدما أشار عليه أن مكانك، فرفع يديه في الصلاة يحمد الله على هذه الفضيلة، ثم صلى النبي صلى الله عليه وسلم بهم، فقال لـأبي بكر : ما منعك أن تمكث إذ أمرتك؟ قال: ما كان لـابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم)، وفي مرة أخرى: (في صلاة الفجر تأخر رسول صلى الله عليه وسلم فصلى بهم عبد الرحمن بن عوف فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد سبقه عبد الرحمن بن عوف ، وقام رسول صلى الله عليه وسلم يكمل ما فاته من الصلاة)، وهذه فضيلة لهذه الأمة، وقبل يوم القيامة تكون هذه الفضيلة أيضاً لهذه الأمة (عندما ينزل عيسى عليه السلام على جناح الملك، وتكون الصلاة قد أقيمت والمهدي قام ليصلي، فينظر إلى عيسى فيعرفه، فيقدم عيسى بن مريم عليه السلام، فيقول عيسى: لا، إمامكم منكم تكرمة الله لهذه الأمة).

    وعن أبي سلمة عن أبيه: (أنه كان مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فذهب النبي صلى الله عليه وسلم في حاجته، فأدركهم وقت الصلاة فأقاموا الصلاة، فتقدمهم عبد الرحمن فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فصلى مع الناس خلفه ركعة، فلما سلم قال: أصبتم أو قال: أحسنتم)، وقد اختاروا أفضلهم فأم بهم، فـعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه وأرضاه يكفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم بشره بالجنة، وكذلك جعله عمر من الستة الذين يختار منهم الخليفة بعد عمر رضي الله عنه وأرضاه.

    جوده رضي الله عنه

    عن ثابت البناني عن أنس رضي الله عنه وأرضاه قال: (بينما عائشة رضي الله عنها في بيتها إذ سمعت صوتاً رجت منه المدينة، فقالت: ما هذا؟ قالوا: هذه العير قدمت لـعبد الرحمن بن عوف من الشام، وكانت سبعمائة راحلة، فقالت عائشة : أما إني سمعت رسول صلى الله عليه وسلم يقول: رأيت عبد الرحمن بن عوف يدخل الجنة حبواً، فبلغ ذلك عبد الرحمن بن عوف فأتاها فسألها عما بلغها فحدثته، فقال: إني أشهدك بأنها بأحمالها وأقتابها وأحلاسها في سبيل الله عز وجل).

    وجاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الفقراء يدخلون الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام)، وعبد الرحمن بن عوف فتح الله عليه من الأموال شيئاً ما فتحه على صحابي مثله، فكان من أغنى صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما سمع ذلك من عائشة خشي على نفسه أن يتأخر في دخول الجنة؛ فأنفق كل هذا المال في سبيل الله جل في علاه.

    وعن أم بكر بنت المسور بن مخرمة عن أبيها قال: (باع عبد الرحمن بن عوف أرضاً له من عثمان بأربعين ألف دينار، فقسم ذلك المال في بني زهرة وفقراء المسلمين وأمهات المؤمنين، وبعث إلى عائشة معي بمال من ذلك المال، فقالت عائشة : أما إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لن يحنو عليكن بعدي إلا الصالحون)، وهذه شهادة من رسول الله بصلاح عبد الرحمن بن عوف حيث بعث بمال لأمهات المؤمنين.

    وعن الزهري قال: (تصدق عبد الرحمن بن عوف على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بشطر ماله أربعة آلاف، ثم تصدق بأربعين ألف دينار، ثم حمل على ألف وخمسمائة راحلة في سبيل الله، وكان عامة ماله من التجارة).

    وعن جعفر بن برقان قال: بلغني أن عبد الرحمن بن عوف أعتق ثلاثين ألف نسمة يعني: من الرقيق.

    خوفه وزهده وتواضعه ووفاته رضي الله عنه

    عن سعد بن إبراهيم عن أبيه أن عبد الرحمن بن عوف أتي بطعام وكان صائماً، فقال: قتل مصعب رضي الله عنه وأرضاه وهو خير مني، فكفن في بردة إن غطي رأسه بدت رجلاه، وإن غطيت رجلاه بدا رأسه، ثم قال: وقتل حمزة أسد الله وأسد رسوله صلى الله عليه وسلم وهو خير مني، فلم يوجد له ما يكفن به إلا بردة، ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط، أو قال: أعطينا من الدنيا ما أعطينا، وقد خشينا أن تكون حسناتنا عجلت لنا، ثم جعل يبكي حتى ترك الطعام.

    وعن نوفل بن ياسر البري قال: (كان عبد الرحمن لنا جليساً، وكان نعم الجليس -لأنه كان دائماً يذكرهم بالله جل في علاه ويذكرهم بحديث النبي صلى الله عليه وسلم- وإنه انقلب بنا يوماً حتى دخلنا بيته، ودخل فاغتسل ثم خرج فجلس معنا، وأتانا بصحفة فيها خبز ولحم، فلما وضعت بكى عبد الرحمن بن عوف ، فقلنا له: يا أبا محمد ما يبكيك؟ فقال: هلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يشبع هو وأهل بيته من خبز الشعير ولا ترانا إلا عجلت لنا طيباتنا في هذه الحياة الدنيا)، فليخش كل من فتحت عليه الدنيا إن لم ير في هذا المال حقه أن الله سبحانه قد استدرجه بهذا المال.

    وعن سعيد بن جبير قال: كان عبد الرحمن بن عوف لا يعرف من بين عبيده؛ لأنه كان متواضعاً، كأنه مثل الرقيق يحمل كما يحملون ويأكل كما يأكلون، ويسير كما يسيرون، والتواضع سمة الصالحين المتقين المؤمنين.

    وعن أيوب السختياني عن محمد أن عبد الرحمن بن عوف توفي، وكان فيما ترك ذهب ومال، فأخرج ذلك في سبيل الله جل في علاه.

    توفي عبد الرحمن بن عوف سنة اثنتين وثلاثين، ودفن بالبقيع وهو ابن اثنتين وسبعين سنة ويقال: وهو ابن خمس وسبعين سنة.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.