إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ محمد حسن عبد الغفار
  3. فضائل الصحابة - فضائل عمر بن الخطاب [2]

فضائل الصحابة - فضائل عمر بن الخطاب [2]للشيخ : محمد حسن عبد الغفار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • عمر الفاروق هو قدوة كل خليفة يريد رضى ربه، وهو أسوة كل مؤمن في زهده وورعه وخوفه وعدله، فينبغي الحرص على قراءة ترجمته وأخذ ما في حياته من الحكم والدروس والعظات.

    1.   

    عدل عمر في رعيته

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1]

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    ثم أما بعد.

    ما زلنا مع سيرة الوزير الثاني للنبي صلى الله عليه وسلم الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إيه يا عمر ! ما سلكت فجاً إلا سلك الشيطان فجاً غير الفج الذي سلكته)

    والذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (لو كان في هذه الأمة محدثون -أو ملهمون- لكان عمر ) رضي الله عنه وأرضاه، الذي وافق ربه في أكثر من حالة.

    روى أشهب عن مالك أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه مر بطريق مكة فأبصر راعياً يرعى بمكان جدب فناداه، فقال: قد رأيت مكاناً هو أخصب من مكانك فالحق به، ثم قال على إثر ذلك: كل راعٍ مسئول عن رعيته.

    هذه دلالة على عدل عمر وقوة عمر في الحق، عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه الذي أتعبته هذه الخلافة، ينظر إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه عندما كان على فراش الموت ويقول: خذوا ثوبي هذا فضعوه في بيت مال المسلمين، ثم ائتوني بثوب خلق -يعني بال- أكفن فيه، فقال عمر بعدما بكى: قد أتعبت من بعدك يا أبا بكر!

    وكان عمر رضي الله عنه أعدل ما يكون في رعيته؛ حتى إن رسول الروم جاء يسأل عن أمير المؤمنين فقال: أين قصر أمير المؤمنين؟ قالوا: هناك، وكان عمر بن الخطاب ينام تحت الشجرة. قال: أسأل عن أمير المؤمنين لا على آحاد الرعية. قالوا: هو هناك. فذهب إليه فوجده يتوسد نعله فقال: هذا هو أمير المؤمنين؟ قالوا: نعم، فقال الكلمة المشهورة: يا عمر حكمت فعدلت فأمنت فنمت يا عمر.

    فانظروا إلى عدل عمر، وانظروا إلى النصيحة التي أسداها أمير المؤمنين لرعيته.

    قال ابن القاسم عن مالك قال: دعا عمر بن الخطاب رجلاً يستعمله، فجاء ابن لـعمر ، فأخذ عمر يقبله، فقال له الرجل: يا أمير المؤمنين أتقبله؟ قال: نعم، فقال: إن لي أولاداً ما قبلت منهم أحداً قط، فقال له عمر: أنت لا ترحم ولدك فأنت للناس أقل رحمة، فأبى أن يستعمله!

    انظروا إلى دقة النظر لـعمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه، فقد استنبط من عدم تقبيل الرجل لأولاده أنه لا يرحم الأولاد وهم أقرب والقاعدة تقول: الأقربون أولى بالمعروف، فإذا كان الأقربون لا ينالون المعروف منه فإن الأبعدين لا يمكن أن يأخذوا منه معروفاً، فلم يستعمله عمر رضي الله عنه، وهذا هو الفقه.

    وأيضاً روى ابن القاسم عن مالك قال: مر عمر بن الخطاب على منزل طويل البناء، فلما رآه طويل البناء جلس في ظله حتى جاء صاحبه، فقال له: ما حملك على أن أقمت هذا البنيان؟ فقال: يا أمير المؤمنين! ما أطلته أشراً ولا رياء، غير أني كنت ببلد يطيلون البنيان فاتخذت مثلهم، فقال: أظن الأمر على ما قلت، ولكن أقصره حتى ترده مثل بنيان الناس، فلا يتأسى بك أحد.

    1.   

    زهد وورع عمر بن الخطاب

    روي عنه أنه احتبس عن الناس يوم الجمعة فخرج يعتذر إليهم ويقول: إنما احتبست؛ لأني غسلت ثوبي -يعني قميصه- فهذا هو الزهد العالي لـعمر بن الخطاب أمير المؤمنين ما عنده إلا ثوب واحد فقط!

    ولذلك جعل الله جل وعلا خلافته فتحاً، وفتح الدنيا بأسرها في مدة وجيزة من عمر الزمن، وملكوا ملك كسرى وقيصر؛ لأنهم باعوا الدنيا بحق لله جل في علاه.

    هذا وخزانة الدنيا بأسرها في يده وليس معه إلا ثوب واحد يغسله حتى يذهب يصلي!

    سبحان الله! والله لن تصلح هذه الأمة إلا بما صلح به الأولون، وقال أنس : رأيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه وقد رقع بين كتفيه بثلاث رقاع قد لبد بعضها فوق بعض.

    ويروى عنه رضي الله عنه وأرضاه أنه كان يقول: لا تأكلوا الدقيق فإنه طعام الكل، أي: أنه لا يستطيب النقي منه، بل كان يأكل الخل والزيت ويقول لبطنه: قرقري كيفما شئت، والله! ما لك إلا هذا الطعام رضي الله عنه وأرضاه.

    وورد أنه شرد بعير من بعير الصدقة فتبعه وعثمان بن عفان يستظل في بيته، وعمر يتبعه في حر الرمضاء فيقول: من هذا المجنون الذي يمشي في وسط حر الرمضاء؟ فإذا هو أمير المؤمنين فنادى: يا أمير المؤمنين! ما الذي تفعله في هذا الحر الشديد؟ فقال: بعير من بعير الصدقة قد شرد، قال: مر أحد عمالك أن يرده عليك، فقال: أو عمالي يجيبون عني أمام ربي؟ فاستجمع ثيابه وأخذ يسرع خلف البعير حتى رده إلى مكان الصدقة، فرحم الله عمر بن الخطاب .

    قال طاوس: أجدب الناس على عهد عمر فما أكل سميناً حتى أكل الناس، أي: ما أكل لحماً حتى أكل الناس، ويرى نفسه أحد الرعية يخشى أن يتقدم عليها حتى في الطعام.

    وكان عمر يدني يده من النار ويقول: (يا ابن الخطاب ! ألك صبر على هذا؟).

    وهذه القصص لابد من النظر في أسانيدها، فالأصل عند المحدثين التساهل في أسانيد التراجم، والذهبي في سير أعلام النبلاء ينقل كثيراً من كرامات الإمام أحمد وكثير من أسانيدها فيها متكلم فيهم بل فيها هلكى ووضاعون.

    ويروى عنه أنه لما قدم الشام لقيه الجنود وعليه إزار وعمامة وهو آخذ برأس راحلته يخوض الماء وقد خلع خفيه وجعلهما تحت إبطيه، فقالوا: له يا أمير المؤمنين! الآن يلقاك الجنود وبطارقة الشام وأنت على هذه الحال. فقال: إنا قوم قد أعزنا الله بالإسلام فمهما ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله.

    هذه كلمات تكتب بماء الذهب وأبو عبيدة بن الجراح أمين الأمة هو الذي استدرك على عمر بن الخطاب عندما وجد المخاضة وأراد أن يعبر عمر هذه المخاضة، فخلع نعله ثم مر على المخاضة، فقال: ما لي أراك يا أمير المؤمنين تسير بهذه الهيئة؟! ما أحب أن يراك البطارقة بهذا النظر، فقال: لو غيرك قالها! إنا كنا أذل قوم فأعزنا الله بهذا الدين، ولو ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله، كلامه نبراس لكل مؤمن تقي يريد العزة والرفعة لهذه الأمة، قال الله تعالى: أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا [النساء:139].

    اللهم أعزنا بدينك وبطاعتك يا رب العالمين.

    قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه: رأيت عمر بن الخطاب يعدو على قدمه فقلت: يا أمير المؤمنين! إلى أين؟ فقال: ند بعير من الصدقة فأنا أطلبه. فقال: لقد أتعبت الخلفاء بعدك يا أمير المؤمنين، وحق له أن يقول ذلك، فقال: لا تلمني يا أبا الحسن فوالذي بعث محمداً بالنبوة لو أن سخلة ذهبت بشاطئ الفرات لأخذ بها عمر يوم القيامة، ألا إنه لا حرمة لوال ضيع المسلمين.

    وهذا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين: (ما من راع استرعاه الله على رعية فمات يوم مات وهو غاش لها لم يرح رائحة الجنة).

    قال عمر بن الخطاب لـمعاوية بعد أن سأله عن سبب قلة نومه: إن نمت بالنهار ضيعت الرعية، وإن نمت بالليل ضيعت نفسي، فكيف بالنوم مع هذين يا معاوية ؟!

    وقد أخذ عمر بنصيحة أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه عندما قال له وهو على فراش الموت: يا عمر ! إن لله عملاً بالليل لا يقبله بالنهار، وإن لله عملاً بالنهار لا يقبله بالليل، فأخذ بالنصيحة وعلم أن الليل بينه وبين ربه وأما النهار فهو للرعية.

    نقل المؤرخون عن بعض الصحابة قالوا: كنا نرى خطين أسودين على خدي عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه من البكاء.

    وروي عنه أنه طاف ليلة فإذا هو بامرأة في جوف دارها حولها صبية يبكون وهي توقد تحت قدر لها، فأتى من الباب وقال: يا أمة الله! ما بكاء هؤلاء الصبية؟ فقالت: من الجوع. فقال: ما في هذا القدر؟ قالت: جعلت فيه ماء أوهمهم أن فيه شيئاً وأعللهم حتى يناموا، فذهب عمر إلى بيت مال المسلمين فأخذ غرارة وجعل فيها شيئاً من دقيق وسمن وشحم وتمر وثياب ودراهم حتى ملأ الغرارة، ثم قال: يا أسلم ! احمل علي. قال أسلم : يا أمير المؤمنين أنا أحمله عنك، فقال لي: لا أم لك يا أسلم ، أنا أحمله؛ لأني أنا المسئول عنه في الآخرة، قال: فحمله على صلبه حتى أتى منزل المرأة فأخذ القدر فجعل فيها دقيقاً وشيئاً من شحم وتمر وجعل يحركه وينفخ تحت القدر. قال أسلم : وكانت لحيته عظيمة فلقد رأيت الدخان يخرج من خلال لحيته حتى طبخ لهم، ثم جعل يغرف بيده ويطعمهم حتى شبعوا، ثم خرج وربض بحذائهم كأنه سبع، وخفت منه أن أكلمه، فلم يزل كذلك حتى لعب الصبيان وضحكوا، ثم قال: يا أسلم ! هل تدري لم ربضت بحذائهم؟ قلت: لا يا أمير المؤمنين قال: كنت قد رأيتهم يبكون فكرهت أن أذهب وأدعهم حتى أراهم يضحكون، فلما ضحكوا طابت نفسي! عليك رضوان الله يا أمير المؤمنين! قد أتعب حقاً من بعده ولم يصل أحد إلى ما وصل إليه.

    كفانا فخراً بـعمر بن الخطاب وهو على فراش الموت بعدما طعنه أبو لؤلؤة المجوسي -عليه من الله سحائب اللعان تنزل تترى- بعدما شرب اللبن فخرج من الفتحة التي طعن فيها، فدخل عليه شاب فقال: أبشر يا أمير المؤمنين! كنت كذا وكنت كذا وكنت كذا وبعدما بشره لم يستح أن ينكر عليه المنكر الذي وقع فيه، نظر إليه فوجد ثوبه مسترخياً أي: كان مسبلاً، فقال له: يا بني! ارفع ثوبك، فإنه اتقى لربك وأنقى لثوبك.

    انظروا كيف عمر بن الخطاب يعمل بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: (لو كان في يد أحدكم فسيلة) فكان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وهذا كان يبشره بالجنة وبفضائل أعماله، وما حمله ذلك على الاستحياء منه، وهذه فيها دلالة قوية قاطعة على تحريم إسبال الثياب.

    1.   

    وفاة عمر

    أختم بموت عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه، يروى أنه لما حضرت وفاته قال لابنه عبد الله ورأسه في حجره: ضع خدي في الأرض، فقال: يا أبتاه: إن خدك من الأرض لقريب، فهو على فخذ ابن عمر فقال: ضع خدي بالأرض لا أم لك، فوضع خده بالأرض، ثم قال: ويل لـعمر، ويل لـعمر، وفي رواية أخرى قال: ويلي وويل أمي إن لم يرحمني ربي، وقال: ويل لـعمر إن لم يغفر الله له ثلاث مرات، فقام رجل من القوم فقال: تقدم -والله- يا أمير المؤمنين على ما يسرك وتقر به عينك، فقال: وما يدريك ويحك، فقال ابن عباس: وما لك لا تدري وقد عشت حميداً، وذهبت فقيداً أي: شهيداً، وعملت بالحق؟! فقال عمر للقوم: أتعرفون ما قال ابن عباس ؟ قالوا: نعم، قال: لو احتجت إلى شهادتكم عند ربي أكنتم تشهدون لي بما قال؟ قالوا: اللهم نعم، فرفع ثم قال: الله أكبر! الله أكبر! الله أكبر! ثم قال: يا عبد الله! ائت عائشة وقل لها: إن عمر يقرئك السلام، ويقول لك: إنا قد نهينا أن ندخل بيوتكن إلا بإذن، أفتأذني لي أن أدفن في بيتك مع صاحبي؟ فقال عبد الله: فأتيتها فقلت لها ذلك فبكت حتى علا بكاؤها، ثم قالت: نعم والله! ما كنت أعددته إلا لي ولأوثرنه به على نفسي. قال: فأتيته وأخبرته. فقال: يا بني! إني أرى المرأة أذنت لنا وهي ترى أني حي، فإذا مت فاغسلني وكفني فإذا حملتني فتقدم السرير ثم قل لها: هذا عمر يستأذن على الباب فإن أذنت لي فادفني مع صاحبيَّ، وإن أبت فأخرجني إلى البقيع.

    وختاماً نقول: إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه الوزير الثاني لرسول الله صلى الله عليه وسلم، قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم عندما رآه ورأى أبا بكر: (هذان سيدا كهول أهل الجنة) رضي الله عنهما.

    قال عبد الله بن مسعود: كان إسلام عمر فتحاً، وكانت هجرته نصراً، وكانت خلافته رحمة.

    ويروى أن رجلاً قال لـعمر جزاك الله عن الإسلام خيراً. قال: بل جزى الله عني الإسلام خيراً.

    انظروا إلى من يرى نعائم الله ويضعها في موضعها، والله لو بقينا ليل نهار نلهج بذكر الله وبحمد الله على نعمة الإسلام ما وفينا هذه النعمة.

    قال بعضهم: قلت لـابن عباس : صف لي عمر بن الخطاب فقال: كان عمر كالطير الحذر، قد علم أنه قد نصب له في كل وجه شرك، كان يعمل لكل يوم بما فيه؛ لأن الشيطان لا يتركه، فالشيطان في كل مرصد يقعد له، وكان يعمل لكل يوم بما فيه كأنه في حلبة السباق رضي الله عنه.