إسلام ويب

شرح مناسك الحج للنساء [1]للشيخ : محمد حسن عبد الغفار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الحج ركن من أركان الدين، ومعلم من معالمه، وأساس من أسسه، فهو أحد أركان الإسلام الخمسة التي لا يتم إلا بها، وقد رغب فيه الإسلام، وحث عليه، من أجل ذلك كان لابد على المسلم أن يتعلم أحكام الحج وكيفيته، ويستوي في ذلك الذكر والأنثى، وإن كان هناك بعض المسائل التي يختلفان فيها نظراً لطبيعة كل منهما.

    1.   

    أعمال يوم التروية

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    ثم أما بعد:

    فإن أهم مناسك الحج تبدأ يوم التروية، وهو اليوم الثامن من ذي الحجة.

    الاغتسال يوم التروية

    من السنة أن يغتسل الحاج غسل الجنابة وتغتسل المرأة غسلها من الجنابة، ثم ترتدي ما شاءت من الثياب؛ لأنه ليس محظوراً عليها شيء من الثياب، سوى النقاب والقفاز، فالمرأة لا تنتقب ولا تلبس القفازين. فتغتسل هذا الغسل، وتتطيب، والطيب قسمان:

    قسم له رائحة لا يجوز للنساء استعماله، فهو خاص بالرجال.

    وقسم له عين وليست له رائحة فيجوز لهن. والمرأة إذا أرادت أن تلتمس السنة، وتصيبها فلتطيب بطيب ليس له رائحة بحال من الأحوال، تعبداً لله جل وعلا، بالتمسك بالسنة.

    التلبية يوم التروية

    بعد أن تغتسل تتمهل يسيراً، ثم تلبي من مكانها قائلة: لبيك اللهم بحجة. وبعد أن تلبي بذلك تردفها بالتلبية: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك، لبيك، فتلبي هذه التلبية، وتخفض صوتها بحيث تسمع نفسها؛ لأن المرأة كلها عورة، فلتتق الله ولتخفض صوتها؛ حتى لا تفتن الرجال.

    الدفع إلى منى وقصر الصلاة فيها

    فإذا لبت المرأة فلتدفع بإذن الله قبل الزوال إلى منى، فمن السنة أن تدرك وقت الظهر عند الزوال في منى، فتصلي الظهر ركعتين، والعصر ركعتين، والمغرب ثلاثاً -لأن المغرب لا يقصر- والعشاء ركعتين، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن كان للمرأة ورد من الليل فعليها أن تأخذه قبل الفجر، فإن نسيت فلتقم في النهار، وإن لم يكن لها ورد فحري بكل امرأة جاءت إلى هذه الأماكن المعظمة متمسكة متعبدة لله جل وعلا أن تجعل لها فرصة من الليل تقوم فيها ولو بركعتين، بما تحفظ من الآيات، وما تيسر لها، فتكون قد أحيت ليلها وأرضت ربها، ثم بعد ذلك تصلي الفجر مع الناس جماعة، ثم تذكر الله جل وعلا بأذكار الصباح التي تحفظها، ولتحافظ على الأذكار المؤقتة التي كان لا يتركها النبي صلى الله عليه وسلم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما جاءه رجل -كما في المسند بسند صحيح- فقال: يا رسول الله! إن شرائع الإسلام قد كثرت علي، فأوصني وأوجز لي، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (اجعل لسانك رطباً بذكر الله)، وقد ورد حديث في شعب الإيمان بسند ضعيف، قال: (اذكر الله حتى يقال: إنك مجنون).

    فترطب القلوب بذلك وتثبت بإذن الله، ومن اعتاد على الذكر في حال رخائه أتاه الفرج من عند ربه جل وعلا وقت الشدة، ويثبت عند الموت، ويقول: لا إله إلا الله.

    وبعد أن تنتهي من أذكار الصباح فإن كان لها ورد من القرآن فلتقرأه، حتى تطلع الشمس.

    الدفع إلى نمرة

    فإذا طلعت الشمس فلتدفع إلى نمرة، وهذه هي السنة، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتنفل حتى تطلع الشمس، فإذا طلعت دفع إلى نمرة، فلما وصل إليها ضربت له خيمة في نمرة فنزل فيها.

    هذه هي السنة، ولكن مع الازدحام الشديد في هذه الأزمنة لا يستطيع الإنسان أن يطبق هذه السنة، فإذا أرادت المرأة السنة فلتخبر محرمها أن يذهب بها إلى نمرة؛ لأن هذه هي السنة، وإن لم تستطع، فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16]، فليس بواجب، ولا لازم عليها، ولكنها سنة مستحبة، فإذا أرادت أن تحج كما حج النبي صلى الله عليه وسلم فلتذهب إلى نمرة ولتجلس إلى الزوال.

    الدفع من نمرة إلى عرفة

    فإذا زالت الشمس عن كبد السماء، واقترب وقت الظهر فلتدفع من نمرة إلى عرنة، ولتجلس في عرنة ولتسمع الخطيب، ثم بعد الخطبة يؤذن للصلاة، ثم تقام صلاة الظهر، فتصلي ركعتين، ثم الإقامة الثانية للعصر، فتصلي العصر ركعتين جمع تقديم لا تأخير، وبعد صلاة الظهر والعصر تستحضر في قلبها الخشوع والذل التام لله جل وعلا، والمقام مهيئاً لذلك، فإن المرء إذا لبس إحرامه الذي هو إزار ورداء علم أنه سيكفن في مثل هذا، فهذا يهيئه تهيئة تامة، والمرأة لها أن تتذكر ذلك فهي تصلي وترى الرجال الذين يرتدون هذا اللباس، فتتذكر أن هذا كفن، وتتذكر الموت، وتخضع وتذل لكبرياء الله، ولعزته وجبروته وقدرته، فتذرف العين دامعةً لله جل وعلا، ويرق القلب شوقاً لرؤية وجهه الكريم سبحانه وتعالى، وتستحضر في قلبها بأن الله سيباهي بها الملائكة.

    1.   

    آداب الدعاء

    ولتعلم أن المحل محل دعاء، وعلى المرأ أن يقدم بين يدي دعائه آداب كثيرة:

    تقديم طاعة قبل الدعاء

    منها: أن يقدم طاعة، وأفضل الطاعات يوم عرفة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا وجدت امرأة متنقبة فلتقل لها: اتقي الله، ولا تلبسي النقاب. فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تنتقب المحرمة، ولا تلبس القفازين)، وإذا رأت امرأة قد لبست القفاز نصحتها في الله، وإذا رأت امرأة شعرها ظاهر قالت لها: اتقي الله في نفسك، وإذا رأت امرأة أحرمت بالزي الأبيض تقول لها: هذا تشبه بالرجال، فعليك بالسواد أو بالبني أو بالأزرق، وإذا رأت امرأة لبست اللباس الضيق تقول لها: اتقي الله، فإن هذا ليس بلباس المؤمنات.

    فتشعر بذلك أنها أمة لله، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتنصح في الله، وتبين الحق من الباطل، وإن عنفها أحد، أو أساء إليها، أو سبها.

    فذلك في سبيل الله، وما كان لله دام واتصل، وما كان لغير الله انقطع وانفصل، وإذا رأت رجلاً يشرب دخاناً نصحت زوجها أن ينصحه، وإذا لم يكن معها زوجها نصحته هي؛ لأن هذه أفضل طاعة وعبادة تقدمها بين يدي دعائها.

    الوضوء واستقبال القبلة

    ومن آداب الدعاء: الوضوء، فكثير من الناس ينسى هذا، أو يغيب عنه، فتتوضأ المرأة وضوءها للصلاة، ثم تستقبل القبلة، فمن السنة أن تستقبل القبلة وجبل الرحمة، ولكن بعض الناس يتهافتون على الجبل، ومنهم من يترك عرفة بأسره، ويترك الذكر، وقد يترك الصلاة، ويذهب ليتسلق الجبال. فعند الدعاء تستقبل القبلة مع جبل الرحمة -وهذا قيد- فإن لم تستطع فلتستقبل القبلة بخشوع.

    ذكر الله قبل الدعاء

    ومن آداب الدعاء أن تذكر الله جل وعلا قبله ثم تسجد لله كثيراً.

    وأفضل الذكر كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله يوم عرفة)، هذا في عرفة، والذكر عام، وأخص وأفضل الذكر قول: لا إله الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير.

    فلابد أن تكثر المرأة من هذا الذكر، وأيضاً: تكثر من التحميد والتهليل والتكبير والتسبيح: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وبعد أن تصلي العصر مع الظهر، فلها أن تقول أذكار المساء بعد هذه الصلاة؛ لأن الذكر مرتبط بالصلاة، فإذا قدمت الصلاة فلها أن تقرأ أذكار المساء إن كانت تحفظها، فإن لم تكن تحفظها فلتقرأها من أي كتيب صغير يحتوي على صحيح الأذكار، كحصن المسلم، للمؤلف سعد القحطاني أو غيره.

    رفع اليدين والصلاة على النبي

    من آداب الدعاء رفع اليدين والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا رفعت المرأة يديها في هذا اليوم فلن ترد خائبة أبداً، فتدعو الله جل وعلا بما تشتهي من خيري الدنيا والآخرة، فالله كريم، وخزائن السموات والأرض بيده، فلا يرد عبداً خائباً، فإذا ذهبت المرأة إلى امرأة مثلها قد اشتهرت بين النساء بالكرم الفياض، فإنها لن تعرف كيف تكرمها؟ وهي امرأة ضعيفة عاجزة، يعتريها النقص والضعف؛ فكيف بالرب الغني الكريم سبحانه وتعالى جل في علاه؟ فإن له خزان السموات والأرض.

    فكل امرأة تستحضر خشوع القلب، وترفع يدها فإنها أقرب لاستجابة الدعاء؛ لأن الله جل وعلا كتب -كما أوحى لنبيه- أن النصر مع الضعفاء، والمرأة أضعف من الرجل، فتكون هي أفضل في استجابة الدعاء.

    تكرار الدعاء ثلاثاً ثم الاستغفار بعده

    وإذا دعت المرأة بدعوة كررتها ثلاثاً؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان من سنته إذا دعا يكرر دعاءه ثلاثاً؛ ليبين إلحاحه وتضرعه وتذلله لله جل وعلا، فلابد أن تكرر الدعاء ثلاثاً، تذللاً لله وتضرعاً له، وطمعاً في فضله وكرمه جل وعلا، وفي أن تكون مع النبي صلى الله عليه وسلم في الفردوس الأعلى، وفي منازل الصحابة رضوان الله عليهم، وطمعاً في أن يملأ الله قلبها بحبه، وبالعمل له، ونصره دينه.

    وبعد أن تختم الدعاء بإنزال يدها، تستغفر الله كثيراً، وتسبح وتكبر وتحمد وتهلل، وتقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير. وتظل على هذه الحال حتى تغرب الشمس.

    الموفق من وفقه الله

    التوفيق لا يكون إلا من الله جل وعلا، فإن العبد لا يساوي شيئاً، ولا يتعلم شيئاً إلا بفضل ربه جل في علاه، وهو الذي علمنا أن نقرأ ونقول: وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنِ اللَّهِ [النحل:53] فمن وفقه الله وسدده فهو الموفق المسدد، ومن أضله الله فلن تجد له ولياً مرشداً.

    تطبيق للدعاء بآدابه

    المرأة بعد أن ترفع يدها تثني على الله بما هو أهل له، كأن تقول: الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ [فاطر:1]، الحمد لله الذي فرق الحق، الحمد لله الذي عنده خزائن السموات والأرض، الحمد لله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، الحمد لله الواجد الماجد الحميد المجيد، الحمد لله المبدع المعيد الواسع، الحمد لله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، فتتدبر هذا، وتثني على الله بما هو أهل له، ثم تقول: لا نحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك. وتختم: لا إله إلا الله وحده لا شريك، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، أشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وأشهد أن عيسى عبد الله وابن أمته وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق، والنار حق، وبعد أن تختم بهذا تكثر من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، فتقول: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، ووالله لو أكثرت على نفسها من الصلاة على النبي بعد كل صلاة لكفاها الله الهم، ورفع عنها الذنب، وأعطاها ما أملت. فتكثر من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، ثم تدعو، وإذا دعت تذكرت معصيتها وعلمت ما فرطت في حق الله جل وعلا، فتستغفر الله وتقول: لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنبياء:87]، وتتوب إلى الله في نفس الدعاء، ثم تصلي على النبي، وهذا ليس بلازم، وبين كل دعائين وفي كل حين وآخر تكثر من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وتدعو الله جل وعلا ما أرادت من خيري الدنيا والآخرة. ولتستحضر الخشوع والخضوع والتمسكن والتذلل والتضرع، ولتكثر من الذكر، ومن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصح لكل مسلمة ومسلم، حتى تغيب الشمس، في سكينة ووقار، فلا تفتن ولا تفتن.

    وكل الذي ذكر هنا تشترك فيه الحائض وغير الحائض، فالمرأة إذا نزل عليها الدم، وجاءها الحيض فلا تيأس ولا تبتئس؛ ولتعلم أن الله إذا ابتلاها فإنما أراد أن يرفعها؛ لأن كل بلية ترفع درجة وتحط خطيئة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (حتى الشوكة يشاكها المرء إلا كانت كفارة له عن سيئاته). والله جل وعلا قد قدر ذلك على النساء، وكتب ذلك عليهن، فعليهن أن يرضين بما قدر الله عليهن، بوجه طلق، أو بقلب منشرح، أو بصدر فرح؛ لأن الله إذا قدر عليهن شيئاً فلن يضيعهن، فالمرأة الحائض تغتسل وتتوضأ ثم تتم مناسك الحج.

    1.   

    الدفع إلى مزدلفة

    وبعد مغيب الشمس تدفع المرأة إلى مزدلفة، ولا تجلس إلا جانب زوجها، الذي هو محرم لها، حتى لا تحدث الخلطة بين الرجال والنساء، دفعاً للفتنة، وسداً للذريعة.

    1.   

    الوقوف بعرفة

    البيات في منى سنة، والوقوف بعرفة ركن من أركان الحج، ومن فاته الوقوف بعرفة فقد فاته الحج؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (الحج عرفة)، والألف واللام هنا: لبيان الكمال، يعني: كمال الحج في عرفة، يعني: من فاته عرفة فاته الحج.

    أول وقت الوقوف بعرفة وآخره

    السنة أن أول وقت الوقوف بعرفة هو بعد الزوال -أي: بعد صلاة الظهر والعصر- وآخر وقت للوقوف بعرفة قبيل فجر اليوم الثاني -أي: في يوم العيد- وهذا هو الراجح، والدليل على ذلك: حديث عروة بن مسعود قال: (يا رسول الله! أتعبت نفسي، وكلت راحلتي، ما تركت جبلاً إلا وقفت عليه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: من صلى صلاتنا هذه) -أي: الصلاة التي تجب أن تجمع في مزدلفة- وكان قد وقف بعرفة ساعة من ليل أو نهار، فقد تم حجه، فآخر وقت للوقوف بعرفة هو قبل أن يطلع الفجر يوم العيد.

    حكم المبيت بمزدلفة

    المبيت بالمزدلفة واجب على الرجال فقط دون النساء، ومن السنة أن المرأة الضعيفة أو القوية تبيت، ولكن يرخص لهن أن يدفعن، فكل امرأة كبيرة أو شابة قوية أو ضعيفة لها أن تدفع، خلافاً لمن يقول: إن الضعفة من النساء فقط هن اللاتي يدفعن ليلة المزدلفة.

    الأدلة على أنه يرخص الدفع لجميع النساء

    والأدلة على أنه يرخص الدفع لجميع النساء ما يأتي:

    أولاً: جاء عن ابن عباس أنه قال: (رخص النبي صلى الله عليه وسلم للنساء والضعفة من الرجال أن يدفعوا بعد غروب القمر، أو بعد غياب نصف الليل الأول) فبعد غروب القمر، أي: حوالي الساعة الواحدة والنصف، أو الثنتين. فتدفع النساء والصبيان، وكذلك الرجل القوي الجلد إذا كان محرماً للمرأة فإنه يدفع معها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إذا رخص للمرأة أن تدفع فقد رخص لمحرمها أن يدفع معها؛ لأنه ملازم لها. وإذا رخص للملزوم رخص للازم، فيدفع معها. إذاً: فالمرأة تدفع سواء كانت قويه أو ضعيفة. وإذا أرادت أن تبيت فلها ذلك إن استطاعت ذلك.

    فحديث ابن عباس عام في النساء، وخاص في ضعفة الرجال فقط؛ لأنه خص الضعفة من الرجال، وعم كل النساء.

    ثانياً: جاء في صحيح البخاري بسند صحيح معلقاً بصيغة الجزم: أن أسماء بنت أبي بكر كان معها عبدها فتقول له: انظر غاب القمر؟ فيقول: ليس بعد، فتصلي، ثم تقول: انظر غاب القمر؟ فيقول: ليس بعد فتصلي، حتى غاب القمر قالت: فارتحلوا، فقال: ما أرانا إلا غسلنا. قالت: إن النبي صلى الله عليه وسلم أذن للظعن -أي: للظعينة، وتطلق على المرأة، على الهودج التي تذهب به- فدفعت بالليل، ثم رمت. أي: رمت قبل الفجر.

    خطأ من قال من دفع بالليل لا يرمي إلا بعد طلوع الشمس، والأدلة على خطئه

    الشيخ الألباني يشترط حتى على المرأة التي دفعت بالليل أن ترمي بعد طلوع الشمس، وليس ذلك بصحيح بحال من الأحوال، لا أثراً ونظراً.

    أما الأثر: فحديث أسماء .

    وأما النظر: فلأن النبي صلى الله عليه وسلم ما رخص لهن في الدفع إلا من أجل الرمي. فتذهب ليلاً، وترمي ليلاً قبل الفجر، كما رمت أسماء قبل الفجر، ثم ذهبت إلى البيت فطافت قبل الفجر، ثم جاءت إلى بيتها لتتحلل التحلل الأول، فإن لم تستطع فإنها ترمي وتذهب إلى الحرم حتى تطوف.

    إذاً: هذه مجمل الأعمال التي تعمل يوم التروية، ثم في يوم عرفة، ثم في مزدلفة.

    1.   

    رمي الجمار

    ثم تدفع بعد ذلك إلى الجمار، ولا تقطع التلبية إلا عند جمرة العقبة، فتستقبلها بصدرها، وتجعل الكعبة عن يسارها، ومسجد الخيف عن يمينها، فتستقبل الجمرة ومعها سبع حصيات، وليس بلازم أن تأخذ الحصيات من مزدلفة، -كما يفعل المبتدعون- وإنما تأخذها من أي مكان يتاح لها، فإن كانت من مزدلفة فخير، وإن لم تستطع فمن منى، فتأخذ سبع حصيات، أو أكثر من ذلك.

    ولا يكون الدفع إلا بعد أن تصلي المغرب والعشاء في مزدلفة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نزل -كما في حديث أسامة - فشرب فتوضأ وضوءً سريعاً، فقال أسامة : (يا رسول الله، الصلاة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: الصلاة أمانة)، أي: ليست هنا، وإنما السنة أن تصلي المغرب والعشاء في اليوم الثالث بمزدلفة، فتجلس حتى غياب القمر، ثم تدفع بعد غياب القمر لترمي الجمرة، فتستقبل الجمرة بصدرها، وتجعل مكة على يسارها، ومسجد الخيف على يمينها؛ لأنه جاء عن ابن مسعود أنه قال بعد ما رمى بهذه الكيفية: (والذي نفسي بيده! إن هذا المكان هو الذي أنزلت عليه سورة البقرة). أي: على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وعند الرمي ترفع يديها وتكبر مع كل حصاة، وتنظر إلى هذه الحصاة هل نزلت في الحوض أم لا؟ ويكفي في ذلك غالب الظن.

    وترمي بسبع حصيات، فإن نسيت كم رمت، فالقاعدة: أنها تبني على اليقين، وإلا على الأقل.

    1.   

    طواف الإفاضة

    طواف الإفاضة ركن من أركان الحج، فبعد الرمي تذهب فتسعى، وتطوف بين الصفا والمروة سبعة أشواط، وإذا طافت طواف الإفاضة وسعت فقد تحللت التحلل الأول، أو التحلل الأصغر.

    1.   

    حلق الشعر

    على المرأة بعد الرمي قص الشعر، فتجمع كل شعرها بقبضة واحدة، وتأخذ قدر الأنملة من شعرها، ولا يكون هذا في مجمع الناس، وإنما تؤخر المرأة القص حتى تذهب إلى بيتها إن استطاعت أن تذهب، أو تذهب إلى الحمامات فتأخذ بشعرها وتقصه، وهذا أفضل؛ لأن السنة، هي: أن تقص أو تقصر قبل أن تخرج، وإن استطاعت أن تغتسل قبل الطواف فهذا خير، وإن لم تستطع فلا تغتسل، وإنما تذهب فتطوف وتسعى، وتكون قد أنهت أمرها في يومها بفضل الله.

    وأسأل الله جل وعلا أن يتم الحج، وأن يجعله حجاً مبروراً.

    سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت.