إسلام ويب

حكم قتل السياحللشيخ : محمد حسن عبد الغفار

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من سماحة الإسلام وعدله أن حرم قتل الكفار الذين يدخلون إلى بلاد المسلمين بأمان، مثل الذين يدخلون بتأشيرة دخول؛ لأن تأشيرة الدخول بمثابة صك أمان أعطته الدولة لهذا السائح فأصبح حكمه حكم المستأمن الذي لا يجوز قتله.

    1.   

    حكم قتل السياح وحكم تأمينهم في البلاد الإسلامية

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71] .

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

    قتل السياح لا يجوز بحال من الأحوال، والمستأمن كذلك لا يجوز قتله في أي حال من الأحوال.

    ولو حصل أنه يسب الدين ويشرب الخمر ويزني ويفعل ويفعل، ففي المسألة تفصيل.

    فنقول: هذه المسألة لها وجهان لا بد أن ننظر فيهما: الوجه الأول: لو أعطي التأشيرة فقد أعطي الأمان من قبل المسلمين، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم)، فإذا دخل بأمان فلا يجوز نقض هذا الأمان، ولا يجوز لك أن تخون المستأمن بحال من الأحوال في دمه ولا في عرضه ولا في ماله، كما قال علي بن أبي طالب : المسلم والمستأمن يستويان في الحرمة، حرمة الدم والمال والعرض.

    فإذا قال قائل: هل ينتقض الأمان بزناه أو بفسقه أو بشربه للخمر؟

    أقول: لا بد أن تكون فطناً وتقول: شربه للخمر وزناه أو فسقه إن كان في مكانه والباب مغلق عليه، فلا ينتقض الأمان، والدليل على ذلك: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه لما أخذ على الذميين العهد ، وأخذ منهم الجزية، ولاهم ما تولوا، وكانوا يشربون الخمر، ويأكلون لحم الخنزير، ولكن في منازلهم، حتى لا يفسدون على المسلمين دينهم، ولا ينشرون الفساد في الأرض، فإن كان الفساد غير معلن، فهذا ليس بنقض للأمان، أما إذا أعلن الفساد فقد انتقض الأمان بإعلانه بسب الدين وسب الرسول وسبِّ الله، فينتقض أمانه على الراجح الصَّحيح.

    وإذا انتقض أمانه لا يجوز لآحاد المسلمين بحال من الأحوال أن يقتلوه، ولا يجوز بحال من الأحوال أن يتجرءوا على ذلك؛ لأنه محظور عليهم إراقة دمه إلا بأمرين اثنين:

    أن يرفعوا أمره إلى ولي الأمر، فإذا لم يفعل ولي الأمر معه شيئاً، فلا تستطيع أنت إليه سبيلاً؛ لأنه يجب عليك إذا انتقض أمانه أن تكون مؤمناً تقياً تعمل بأدلة الشرع، وتعمل بدين الله فتبلغه مأمنه، ولا يجوز لك حتى لو انتقض أمانه أن تتجرأ عليه فتقتله حتى يبلغ مأمنه، أما سمعت قول الله تعالى: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ [التوبة:6]، فإذا سمع كلام الله وكفر به فاقتله؛ لأنه أصبح محارباً الآن وقد سب الله وسب الرسول أمامك وهو يسمع كلام الله، وإلا فقد خالفت ظاهر القرآن.

    فالمقصود: لا بد أن يبلغ مأمنه، ولا تقتله في محله، ولا في مكانه الذي دخل فيه بأمان، ولو انتقض الأمان، فلا يجوز إراقة دمائهم، ولو سمعنا من يأتي بمائة شبهة.

    نحن نعلم أن هؤلاء كفرة، كفروا بالله وأخذوا يسبون الله ويحاربون دينه، ولكن إعطاء التأشيرة تدور مع مصلحة المسلمين، فولي الأمر إن رأى أن المصلحة هو إدخال الكافر إلى بلاد المسلمين ليستفيد منه بالعشر أو الضريبة التي تضرب عليه، أو الأعشار التي يدفعها مثلاً، أو غير ذلك مما يدر علينا من النفع، أو رأى أن المصلحة استجلابه وإعطاؤه الأمان لمدة وجيزة، فإن ذلك يرجع لنظر أهل الحل والعقد، وأيضاً لنظر ولي الأمر.

    فهذه المسألة ليست على المحاربة ولا على الكفر ولا الإيمان، فالمسألة رأس أمرها هو مصلحة المسلمين فقط، حتى وإن كان كافراً أو حربياً أو غير ذلك، فأنت لك أحكام تتقيد بها بهذا الشرع الحنيف، فعليك أن تفعل ما أمرك به الشرع، وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الأنعام:164]، وليس لك أن تقول: ظلموا إخواننا فنظلمهم! فيجب ألا تستبيح الظلم بظلمهم الله، هل تستبيح أن تسب المسيح عيسى بن مريم إذا سبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ لو فعلت ذلك لكفرت.

    فالذين يجوزون قتل السياح مهما أتوا من أدلة فكلها منهارة، وليس لهم ثمة دليل، إلا أن يقولوا: مصر كلها كافرة، أو الحكومات كافرة، وولي الأمر كافر، وإذا قالوا ذلك قلنا لهم: أنتم أجهل من دابة البعير، هل تستطيعون أن تكفروا البلاد بأسرها وما أقمتم عليهم حججاً، ولم تقفوا لتنظروا أي كفر وقعوا فيه?!

    هذه المسألة مشكلة جداً كما قلت، فلو قالوا بهذا القول فقد وقعوا في عذر أقبح من ذنب؛ لأنهم بذلك سيكفرون الناس بأسرهم، ويرجعون إلى منهج مصطفى شكري وطائفته، ثم بعد ذلك يرتقون إلى التوقف والتبين والأفكار الدخيلة الهدامة التي لا تصح بحال من الأحوال، والتي تفسد أكثر مما تصلح.

    فنحن نقول: إذا دخلوا بأمان، وليس لكم أن تقتلوهم، فإذا انتقض الأمان وأقمتم الحجة وبينتم أنه انتقض الأمان بحق الله، فقد عرفتم المسألة في الشرع.

    عدم جواز قتل المسلم بالمحارب أو المستأمن

    إن المسلم لا يقتل بالمحارب أو المستأمن على الصحيح الراجح عند الأئمة الثلاثة: مالك والشافعي وأحمد ، أما عند أبي حنيفة فيقتل به، والصحيح الراجح القول الأول؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (المسلمون تتكافأ دماؤهم ..).

    الذين ضيعوا الأمة هم الجهلة المتنطعون الذين يرتقون مرتقى صعباً لا يمكن أن يرتقوا إليه، فيتكلمون في مسائل لا يجوز أن يتكلم فيها إلا العلماء الراسخون، وليس العلماء فقط، مثل هذه المسألة؛ ولذلك أنا أنحي نفسي جانباً عنها، وقد بينت ذلك بسبب تفجيرات الأزهر فقط، وقد بينت أن حكم قتل المستأمنين لا يجوز في أي حال من الأحوال، وهذه المسائل شائكة، والناس يريدون سماعها من باب التسلية، أما إن أرادوا الخير فليتعلموا أولاً؛ لأن مسألة القتل والتفجير والتكفير وغير التكفير والمستأمن وغير المستأمن مسائل صعبة جداً، وما ضيع الأمة إلا الجهلة الذين ارتقوا مرتقى صعباً، وأفتوا بغير علم، ولا يزالون إلى الآن يفتون ولا يسمعون لأحد!

    إن من يتجرأ على إسالة دم امرئ مسلمٍ فإن هذه من علامات الساعة، وإني أنصح الإخوة أن يكفوا عن هذه المسائل، وأن يتعلموا علوم الشريعة، وأن لا يغتروا بالخطب الرنانة؛ لأن الحماسات والثورات والعواطف الهائجة تؤجج وتحرك الناس، وهي تتنزل على كل البشرية على القضاة وغير القضاة والحاكم والمحكوم والسائر والواقف والنائم والقاعد، حيث يهيج الجاهل فيقول: لا بد أن نعمل للإسلام، ولا يجد أحداً يشجعه على ما يريد، فيدخل النت، فيجد ما يشتهي، فيبدأ يفعل ما ترون، ويضيع ويهلك وهو لا يدري.

    حكم العمليات الفدائية

    والله الذي لا إله إلا هو! إني أدين أن الذي يفجر نفسه في فلسطين بين اليهود فليس بشهيد، إلا بضوابط خمسة قد ذكرتها أكثر من مرة وفصلتها، وابن تيمية يقول: إن صاحب الأخدود ما كان قاتلاً لنفسه لولا المصلحة العامة التي ظهرت بقتله، يعني: لولا أن القرية بأسرها أسلمت بقتله لقلت: هو قاتل نفسه؛ لأن الأصل التحريم القاطع على قتل المرء نفسه.

    ولذلك نحن نقول: إذا كانت النكاية في أهل الكفر مستيقنة جاز ذلك، وإن كانت النكاية فيهم أعظم من أي نكاية في المسلمين جاز ذلك، وأنى لهم هذا؟!

    فهو يموت ويقتل نفسه ويسارع بأجله إلى ربه جل في علاه، ولا والله! ليس بشهيد إلا بالضوابط التي ذكرتها، والإخوة يرجعون إلى الأشرطة، ويسمعون الضوابط الخمسة التي ذكرتها حتى يكون مفجر نفسه بين اليهود -الذين هم أغضب أهل الأرض وألعنهم- شهيداً.

    والأخبار تواترت أن كل الذي قتل في هذا المكان هم المسلمون، أم أن المصريين ليسوا بمسلمين؟! فلا أدري كيف يتجرأ بعض الناس على دم امرئ مسلم؟! وما الذي جره إلى ذلك؟!

    ولسنا بصدد الكلام في هذا؛ لكن مررت على المسألة بإيجاز مرور الكرام حتى أشبع الرغبة، ومع ذلك فإني على مضض، وإني أرجو من الإخوة أن يتعلموا، فالضياع كل الضياع في أن تجهل دينك ولا تعلم عنه شيئاً، وتشترك في الثورات وهذه الأمور التي على الساحة، وتتأثر بها وليس عندك قول فصل فيها، فتعلم فالعلم أفضل لك.